تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من أخبار البرامكة

قال الرشيد ليحيى بن خالد: يا أبت، إنى أردت أن أجعل الخاتم الذى في يد الفضل إلى جعفر، وقد احتشمت منه فاكفنيه.

فكتب إليه يحيى: قد أمر أمير المؤمنين- أعلى الله أمره- أن يحوّل الخاتم من يمينك إلى شمالك.

فأجاب الفضل: قد سمعت ما قاله أمير المؤمنين في أخى، وقد اطّلعت على أمره، وما انقلبت عنى نعمة صارت إليه، ولا عزبت عنى رتبة طلعت عليه.

فقال جعفر: لله أخى! ما أنفس نفسه، وأبين دلائل الفضل عليه، وأقوى منّة العقل فيه، وأوسع في البلاغة ذرعه، وأرحب بها جنابه. يوجب على نفسه ما يجب له، ويحمل بكرمه فوق طاقته.

وذكر جعفر بن يحيى في مجلس ثمامة بن أشرس فقال: ما رأيت أحدا من خلق الله كان أبسط لسانا، ولا ألحن بحجة، ولا أقدر على كلام، بنظم حسن، وألفاظ عذبة، ومنطق فصيح، من جعفر بن يحيى، كان لا يتوقّف، ولا يتحبّس، ولا يصل كلامه بحشو من الكلام، ولا يعبد لفظا ولا معنى، ولا يخرج من فنّ إلى غيره، حتى يبلغ آخر ما فيه؛ وكان لا يرى شيئا إلا حكاه، ولا يحكى شيئا إلا كان أكثر منه، ولا يمرّ بذهنه شىء إلا حفظه، وكان إذا شاء أضحك الثّكلى، وأذهل الزاهد، وخشّن قلب العابد.

قلت: فكيف كانت معرفته؟ قال: كان من أعلم النّاس بالخبر الباهر، والشعر النادر، والمثل السائر، والفصاحة التامة، واللسان البسيط.

قال سهل بن هارون، وذكر يحيى بن خالد وابنه جعفرا، فقال: لو كان الكلام متصوّرا درّا، ويلقيه المنطق جوهرا، لكان كلامهما، والمنتقى من ألفاظهما. ولقد غبرت معهما، وأدركت طبقة المتكلمين في أيامهما، وهم يرون البلاغة لم تستكمل إلا فيهما، ولم تكن مقصورة إلا عليهما، ولا انقادت إلا لهما. وإنهما للباب الكرم، عتق منظر، وجودة مخبر، وسهولة لفظ، وجزالة منطق، ونزاهة نفس، وكمال خصال؛ حتى لو فاخرت الدنيا بقليل أيامهما، والمأثور من خصائصها جميع أيام من سواهما من لدن آدم إلى أن ينفخ في الصور، ويبعث أهل القبور- حاشا أنبياء الله الكرام، وسلف عباده الصالحين- لما باهت إلا بهما، ولا عوّلت في الفخر إلا عليهما، ولقد كانا- مع تهذيب أخلاقهما، ومعسول مذاقهما، وسنا إشراقهما، وكمال الخير فيهما- فى محاسن المأمون كالنّقطة في البحر، والخردل في القفر ووقّع جعفر بن يحيى لرجل اعتذر عنده من ذنب: قد قدمت طاعتك، وظهرت نصيحتك، ولا تغلب سيئة حسنتين.

ووقّع- وقد قرأ كتابا فاستحسن خطّه-: الخطّ خيط الحكمة، ينظم فيه منثورها، ويفصّل فيه شذورها.

واختصم رجلان بحضرته، فقال لأحدهما: أنت خلىّ، وهذا شجىّ؛ فكلامك يجرى على برد العافية، وجوابه يجرى على حرّ المصيبة.

ودخل مروان بن أبى حفصة على جعفر بن يحيى فأنشده:

أبرّ فما ترجو الجياد لحاقهأبو الفضل سبّاق الأضاميم جعفر
وزير إذا ناب الخلافة حادثأشار بما عنه الخلافة تصدر

فقال جعفر: أنشدنى مرثيتك في معن بن زائدة، فأنشده:

أقمنا باليمامة أو نسينامقاما ما نريد به زوالا
وقلنا: أين نذهب بعد معنوقد ذهب النّوال فلا نوالا؟
وكان الناس كلّهم لمعنإلى أن زار حفرته- عيالا
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «مضى لسبيله معن وأبقى»

حتى فرغ من القصيدة، وجعفر يرسل دموعه على خدّيه، فقال: هل أثابك على هذه المرثية أحد من أهل بيته وولده؟ قال: لا، قال: فلو كان معن حيّا، ثم سمعها منك، كم كان يثيبك عليها؟ قال: أربعمائة دينار، قال: فإنّا كنّا نظنّ أنه لا يرضى لك بذلك، وقد أمرنا لك عن معن- ﵀ بالضّعف مما ظننته، وزدناك مثل ذلك؛ فاقبض من الخازن ألفا وستمائة دينار قبل أن تخزح، فقال مروان- يذكر جعفرا وما سمح به عن معن-:

نفحت مكافئا عن جود معنلنا فيما تجود به سجالا
فعجّلت العطية يابن يحيىلناد به ولم ترد المطالا
فكافأ عن صدى معن جوادبأجود راحة بذلت نوالا
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «نفحت مكافئا عن قبر معن»
بنى لك خالد وأبوك يحيىبناء في المكارم لن ينالا
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «نفحت مكافئا عن قبر معن»
كأنّ البرمكىّ لكلّ مالتجود به يداه يفيد مالا

أخذ هذا من قول زهير:

تراه إذا ما جئته متهلّلاكأنّك تعطيه الّذى أنت سائله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

وهذا البيت لزهير من قصيدة يقول فيها:

وذى نعمة تمّمتها وشكرتهاوخصم يكاد يغلب الحقّ باطله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»
دفعت بمعروف من الحقّ صائبإذا ما أضسلّ القائلين مفاصله
وذى خطل في القول يحسب أنهمصيب فما يلمم به فهو قائله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»
عبأت له حلما، وأكرمت غيرهوأعرضت عنه وهو باد مقاتله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»
وأبيض فيّاض يداه غمامةعلى معتفيه ما تغبّ نوافله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صَحا القَلبُ عن سلمى وأقصرَ باطِلُهْ»
غدوت عليه غدوة فرأيتهقعودا لديه بالصّريم عواذله
يفدّينه طورا، وطورا يلمنهوأعيا فما يدرين أين مخاتله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»
فأعرضن عنه عن كريم مرزّاجموح على الأمر الذى هو فاعله
أخى ثقة لا يذهب الخمر مالهولكنّه قد يذهب المال نائه

قال أبو الفرج قدامة بن جعفر، فى معنى أبيات زهير الأولى: لما كانت فضائل الناس من حيث هم ناس، لا من طريق ما هم مشتركون فيه مع سائر الحيوان، على ما عليه أهل الألباب من الاتّفاق في ذلك، إنما هي العقل والعفة والعدل والشجاعة، كان القاصد للمدح بهذه الأربعة مصيبا، وبما سواها مخطئا؛ وقد قال زهير:

أخى ثقة لا يتلف الخمر مالهولكنه قد يهلك المال نائله

فوصفه بالعفّة لقلة إمعانه في اللذات، وأنه لا ينفد فيها ماله، وبالسّخاء لإهلاك ماله في النوال، وانحرافه إلى ذلك عن اللذات، وذلك هو العدل، ثم قال:

تراه إذا ما جئته متهلّلاكأنّك تعطيه الذى أنت سائله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

فزاد في وصف السخاء بأنه يهشّ ولا يلحقه مضض ولا تكرّه لفعله ثم قال:

فمن مثل حصن في الحروب ومثلهلإنكار ضيم أو لأمر يحاوله

فأتى في هذا البيت بالوصف من جهة الشجاعة والعقل؛ فاستوفى ضروب المدح الأربعة، التى هي فضائل الإنسان على الحقيقة، وزاد الوفاء، وإن كان داخلا في الأربعة؛ فكثير من الناس لا يعلم وجه دخوله فيها حيث قال «أخى ثقة» فوصفه بالوفاء؛ والوفاء داخل في هذه الفضائل التي قدّ مناها.

وقد يتفنّن الشعراء فيعدّون أنواع الفضائل الأربع وأقسامها، وكلّ ذلك داخل في جملتها؛ مثل أن يذكروا ثقابة المعرفة، والحياء، والبيان، والسياسة، والصّدع بالحجّة، والعلم، والحلم عن سفاهة الجهلة؛ وغير ذلك مما يجرى هذا المجرى، وهو من أقسام العقل. وكذكرهم القناعة، وقلّة الشّره، وطهارة الإزار؛ وغير ذلك أيضا من أقسام العفّة. وكذكرهم الحماية، والأخذ بالثّار، والدفاع، والنّكاية، والمهابة، وقتل الأقران، والسير في المهامه والقفار؛ وما يشاكل ذلك، وهو من أقسام الشجاعة؛ وكذكرهم السماحة، والتغابن، والانظلام، والتبرّع بالنائل، وإجابة السائل، وقرى الأضياف؛ وما جانس هذه الأشياء، وهو من أقسام العدل.

فأمّا تركيب بعضها على بعض فتحدث منها ستة أقسام: يحدث من تركيب العقل مع الشجاعة: الصبر على الملمات، ونوازل الخطوب، والوفاء بالوعود. وعن تركيب العقل مع السخاء: إنجاز الوعد، وما أشبه ذلك. وعن تركيب العقل مع العفة: التنزه والرغبة عن المسألة، والاقتصار على أدنى معيشة، وما أشبه ذلك. وعن تركيب الشجاعة مع السخاء: الإخلاف، والإتلاف، وما أشبه ذلك. وعن تركيب الشجاعة مع العفّة: إنكار الفواحش، والغيرة على الحرم. ومن السخاء مع العفة:

الإسعاف بالقوت، والإيثار على النفس، وما شاكل ذلك. وكل واحدة من هذه الفضائل الأربع وسط بين طرفين مذمومين وقد قال أبو جعفر محمد بن مناذر لما حجّ الرشيد مع البرامكة:

أتانا بنو الأملاك من آل برمكفيا طيب أخبار، ويا حسن منظر
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
لهم رحلة في كلّ عام إلى العداوأخرى إلى البيت العتيق المشهّر
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
فتظلم بغداد، ويجلو لنا الدّجىبمكة ما حجّوا ثلاثة أقمر
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
إذا نزلوا بطحاء مكة اشرقتبيحّيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خلقت إلّا لجود أكفّهموأقدامهم إلّا لأعواد منبر
إذا راض يحيى الأمر ذلّت صعابهوحسبك من راع له ومدبّر
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
ترى الناس إجلالا له وكأنهمغرانيق ماء تحت باز مصرصر
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.