من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
بعض مالا يمدح النساء به
والتصرف في النساء ضيّق النطاق، شديد الخناق، وأكثر ما يمدح به الرجال ذمّ لهن، ووصم عليهن، قال ابن الرومى:
ما للحسان مسيئات بنا، ولناإلى المسيئات طول الدّهر تحنان
فإن يبحن بعهد قلن: معذرةإنّا نسينا، وفي النسوان نسيان
لا نلزم الذّكر، إنّا لم نسمّ بهولا منحناه، بل للذّكر ذكران
فضل الرجال علينا أن شيمتهمجود وبأس وأحلام وأذهان
وأنّ منهم وفاء لا نقوم لهوهل يكون مع النّقصان رجحان؟
وقال أبو الطيب المتنبى:
بنفسى الخيال الزّائرى بعد هجعةوقولته لى: بعدنا الغمض تطعم
سلام فلولا البخل والخوف عندهلقلنا أبو حفص علينا المسلّم
ألا ترى أنّ الجود، والوفاء بالعهود، والشجاعة والفطن، وما جرى في هذا السّنن، من فضائل الرجال، لو مدح النساء به لكان نقصا عليهن، وذمّا لهنّ؟
ولمديح النساء أبواب تفرّقت في الكتاب:
أنشد رجل زبيدة بنت جعفر بن أبى جعفر المنصور:
أزبيدة بنة جعفرلوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ماتعطى الأكفّ من الرّغاب
فوثب إليه الخدم يضربونه، فمنعتهم من ذلك، وقالت: أراد خيرا وأخطأ، وهو أحبّ إلينا ممن أراد شرا فأصاب، سمع قولهم «شمالك أندى من يمين غيرك» فظن أنه إذا قال هكذا كان أبلغ، أعطوه ما أمّل، وعرّفوه ما جهل.
وقال كثير:
ولما قضينا من منّى كلّ حاجةومسّح بالأركان من هو ما سح
وشدّت على حدب المطايا رحالناولا يعلم الغادى الذى هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بينناوسالت بأعناق المطىّ الأباطح
نقعنا قلوبا بالأحاديث واشتفتبذاك صدور منضجات قرائح
ولم نخش ريب الدّهر في كلّ حالةولا راعنا منه سنيح وبارح
وقال:
تفرّق ألّاف الحجيج على منىوشتّتهم شحط النوى مشى أربع
فريقان منهم سالك بطن نخلةوآخر منهم جازع ظهر تضرع
فلم أر دارا مثلها دار غبطةولهو إذا التفّ الحجيج بمجمع
أقلّ مقيما راضيا بمكانهوأكثر جارا ظاعنا لم يودّع
فأصبح لا تلقى خباء عهدتهبمضربه أوتاده لم تنزّع
فشاقوك لما وجّهوا كلّ وجهةفبانوا وخلّوا عن منازل بلقع
ودخل كثيّر على عزّة يوما، فقالت: ما ينبغى أن نأذن لك في الجلوس، فقال: ولم ذلك؟ قالت: لأنى رأيت الأحوص ألين جانبا عند الغوانى منك في شعره، وأضرع خدّا للنساء، وأنه الذى يقول:
يأيها اللأئمى فيها لأصرمهاأكثرث لو كان يغنى عنك إكثار
أكثر فلست مطاعا إذ وشيت بهالا القلب سال ولا في حبّها عار
ويعجبنى قوله:
أدور ولولا أن أرى أمّ جعفربأبياتكم مادرت حيث أدور
وما كنت زوّارا، ولكنّ ذا الهوىإذا لم لا يزر لا بدّ أن سيزور
لقد منعت معروفها أمّ جعفروإنى إلى معروفها لفقير
ويعجبنى قوله:
كم من دنىّ لها قد كنت أتبعهولو صحا القلب عنها كان لى تبعا
لا أستطيع نزوعا عن محبّتهاأو يصنع الحبّ بى فوق الذى صنعا
أدعو إلى هجرها قلبى فيتبعنىحتى إذا قلت هذا صادق نزعا
وزادنى رغبة في الحبّ أن منعت،أشهى إلى المرء من دنياه ما منعا
وقوله:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوىفكن حجرا من يابس الصّخر جلمدا
وما العيش إلا ما تلذّ وتشتهىوإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا
وإنى لأهواها وأهوى لقاءهاكما يشتهى الصّادى الشراب المبرّدا
علاقة حبّ لجّ في سنن الصّبافأبلى، وما يزداد إلّا تجدّدا
هذان البيتان ألحقهما العتبى وغيره بشعر الأحوص، وأنشدها أبو بكر بن دريد لأعرابى، فقال كثير: قد والله أجاد فما استقبحت من قولى؟ قالت:
قولك:
وكنت إذا ما جئت أجللن مجلسىوأظهرن منّى هيبة لا تجهّما
يحاذرن منّى غيرة قد عرفنهاقديما، فلا يضحكن إلّا تبسّما
تراهنّ إلا أن يخالسن نظرةبمؤخر عين أو يقلّبن معصما
كواظم لا ينطقن إلا محورةرجيعة قول بعد أن يتفهما
وكنّ إذا ما قلن شيئا يسرّهأسرّ الرضا في نفسه وتحرّمّا
وقولك:
وددت وبيت الله أنك بكرةهجان، وأنى مصعب ثم نهرب
كلانا به عرّ فمن يرنا يقلعلى حسنها جرباء تعدى وأجرب
نكون لذى مال كثير مغفّلفلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
إذا ما وردنا منهلا صاح أهلهعلينا فما ننفكّ نؤذى ونضرب
ويحك! لقد أردت بى الشقاء، أفما وجدت أمنية أوطأ من هذه؟ فخرج خجلا.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع