من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من المديح
قال أبو العباس محمد بن يزيد: وهذا باب في المدح حسن متجاوز مبتدع لم يسبق إليه.
قول نصيب: «من أهل ودّان». قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى: ذكر محمد ابن كناسة والزبيدى أنّ نصيبا من أهل ودّان، وكان عبد الرجل من بنى كنانة هو وأهل بيته، وزعم أبو هفّان أنه عبد لعبد العزيز بن مروان، وكان نصيب شديد السواد، وهو القائل:
كسيت- ولم أملك- سوادا، وتحتهقميص من القوهيّ بيض بنائقه
فما ضرّ أثوابى سوادى، وإنّنىلكالمسك لا يسلو عن المسك ذائقه
وقال سحيم عبد بنى الحسحاس:
أشعار عبد بنى الحسحاس قمن لهعند الفخار مقام الأصل والورق
إن كنت عبدا فنفسى حرّة كرماأو أسود اللّون إنى أبيض الخلق
وقال أبو الطيب المتنبى لكافور الإخشيدى:
إنّما الجلد ملبس وابيضاض الخلق خير من ابيضاض القباء وقال نصبب لبعض ملوك بنى أمية: إن لى بنات نفضت عليهن من سوادى، فقال: ما أحسن ما تلّطفت لهنّ! وأمر له بصلة.
وكان أبو تمام حبيب بن أوس لما مدح أبا جعفر محمد بن عبد الملك الزيات بقصيدته التي أولها:
لهان علينا أن نقول وتفعلاونذكر بعض الفضل منك وتفضلا
وهي من أحسن شعره، وقّع له على ظهرها:
رأيتك سمح البيع سهلا، وإنمايغالى إذا ما ضنّ بالشىء بائعه
فأما إذا هانت بضائع بيعهفيوشك أن تبقى عليه بضائعه
هو الماء إن أجممته طاب وردهويفسد منه أن تباح مشارعه
فأجابه بقصيدة طويلة، واحتجّ عليه واعتذر إليه في مدحه لغيره؛ فقال في بعض ذلك:
أمّا القوافى فقد حصّنت غرّتهافما يصاب دم منها ولا سلب
منعت إلّا من الأكفاء أيّمهاوكان منك عليها العطف والحدب
ولو عضلت عن الأكفاء أيّمهاولم يكن لك في إظهارها أرب
كانت بنات نصيب حين ضنّ بهاعلى الموالى ولم تحفل بها العرب
وقد قيل إن أبا تمام أجابه بقوله:
أبا جعفر إن كنت أصبحت شاعراأسامح في بيعى له من أبايعه
فقد كنت قبلى شاعرا تاجرا بهتساهل من عادت عليك منافعه
فصرت وزيرا والوزارة مكرعيغصّ به بعد اللّذاذة كارعه
كم من وزير قد رأينا مسلّطافعاد وقد سدّت عليه مطالعه
ولله قوس لا تطيش سهامهاولله سيف لا تفلّ مقاطعه
قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولى: ويقال إن هذه الأبيات منحولة لحبيب، وليس مثل أبى جعفر في جلالة قدره واصطناعه لحبيب يعامل بمثل هذا الجواب،
ولا ينتهى جهل حبيب أن يقابل مأموله ومن يرتجى جليل الفائدة منه بهذه الأبياب.
وقد قيل: بل قالها، ولم ينشدها أحدا؛ وإنما ظهرت بعد موته.
وكان ابن الزيات كما قال شاعرا، ومدح الحسن بن سهل في وزارته للمأمون؛ وأعطاه عشرة آلاف درهم، فقال:
لم أمتدحك رجاء المال أطلبهلكن لتلبسنى التّحجيل والغررا
ما كان ذلك إلا أنّنى رجللا أقرب الورد حتى أعرف الصدرا
قال الصولى: وكان السبب الذى أوجد أبا جعفر على أبى تمام حتى قال «لقد رأيتك سهل البيع- الأبيات» قول أبى تمام قصيدته المشهورة في ابن أبى داود التي أولها:
سقى عهد الحمى سبل العهادوروّى حاضر منه وباد
نزحت به ركىّ الدمع لمارأيت الدمع من خير العتاد
يقول فيها في مدحه:
هم عظم الأثافى من نزاروأهل الهضب منها والنّجاد
معرّس كلّ معضلة وخطبومنبت كلّ مكرمة وآد
إذا حدث القبائل ساجلوهمفإنهم بنو المجد التّلاد
تفرّج عنهم الغمرات بيضجلاد تحت قسطلة الجلاد
وحشو حوادث الأيام منهممعاقل مطرد وبنو طراد
لهم جهل السباع إذا المناياتمشّت في الوغى وحلوم عاد
لقد أنست سلوّى كلّ دهرمحاسن أحمد بن أبى دواد
متى تحلل به تحلل جنابارضيعا للسّوارى والغوادى
وما اشتبهت سبيل المجد إلّاهداك لقبلة المعروف هاد
وما سافرت في الآفاق إلّاومن جدواك راحلتى وزادى
مقيم الظنّ عندك والأمانىوإن قلقت ركابى في البلاد
وهذه النكت التى أحقدت أبا جعفر، وأعتبته على أبى تمام، وفي هذه القصيدة يقول معتذرا إليه في الذى قرف به عنده من هجاء مضر:
أتانى عائر الأنباء تسرىعقاربه بداهية نآد
نثا خبرا كأنّ القلب منهيجرّ به على شوك القتاد
بأنّى نلت من مضر وخبّتإليك شكيّتى خبب الجواد
وما ربع القطيعة لى بربعولا نادى الأذى منّى بناد
وأين يجوز عن قصد لسانىوقلبى رائح برضاك غاد
ومما كانت الحكماء قالت:لسان المرء من خدم الفؤاد
وقد ما كنت معسول القوافىومأدوم المعانى بالسّداد
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع