من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
قولهم في الوعد ومنزلة إنجازه
قال الجاحظ: قال أبو القاسم بن معن المسعودى لعيسى بن موسى: أيّها الأمير؛ ما انتفعت بك منذ عرفتك، ولا إلى خير وصلت منك منذ صحبتك، فقال: ولم؟ ألم أكلّم لك أمير المؤمنين في كذا وكذا؟ قال: بلى! فهل استنجزت ما وعدت، وعاودت ما ابتدأت؟ فقال: حالت دون ذلك أمور قاطعة، وأحوال عاذرة. قال: أيّها الأمير، فما زدتنى على أن نبّهت الهمّ من رقدته، وأثرت الحزن من ربضته، إنّ الوعد إذا لم يصحبه إنجاز يحقّقه كان كلفظ لا معنى له، وجسم لا روح فيه.
وكلّم منصور بن زياد يحيى بن خالد في حاجة لرجل، فقال: عده قضاءها.
قال: فقلت: أصلحك الله! وما يدعوك إلى العدة مع وجود القدرة؟ فقال: هذا قول من لا يعرف موضع الصّنائع من القلوب، إنّ الحاجة إذا لم يتقدّمها موعد ينتظر به نجحها لم تتجاذب الأنفس سرورها؛ إنّ الوعد تطعّم والإنجاز طعام؛ وليس من فاجأه طعام كمن وجد رائحته، وتمطّق به، وتطعمّه ثم طعمه؛ فدع الحاجة تختم بالوعد؛ ليكون بها عند المصطنع حسن موقع، ولطف محلّ.
ووعد المهدىّ عيسى بن دأب جارية، ثم وهبها له، فأنشده عبد الله بن مصعب الزبيرى معرّضا يقول مضرّس الأسدى:
فلا تيأسن من صالح أن تنالهوإن كان قدما بين أيد تبادره
فضحك المهدى، وقال: ادفعوا إلى عبد الله فلانة، لجارية أخرى؛ فقال عبد الله بن مصعب:
أنجز خير الناس قبل وعدهأراح من مطل وطول كدّه
فقال ابن دأب: ما قلت شيئا، هلّا قلت:
حلاوة الفضل بوعد ينجزلا خير في العرف كنهب ينهز
فقال المهدى:
الوعد أحسن ما يكون إذا تقدّمه ضمان
وقد قال أبو قابوس النصرانى يمدح يحيى بن خالد:
رأيت يحيى، أتمّ الله نعمتهعليه، يأتى الّذى لم يأته أحد
ينسى الّذى كان من معروفه أبداإلى الرّجال، ولا ينسى الذى يعد
وقال أبو الطيب المتنبى:
قوم بلوغ الغلام عندهمطعن نحور الكماة لا الحلم
كأنما يولد النّدى معهملا صغر عاذر ولا هرم
إذا تولّوا عداوة كشفواوإن تولّوا صنيعة كتموا
تظنّ من فقدك اعتدادهمأنّهم أنعموا وما علموا
ودخل أبو علىّ البصير على الفضل بن يحيى، فأنشده:
وصف الصدّ لمن أهوى فصدوبدا يمزح بالهجر. فجدّ
ماله يعدل عنّى وجههوهو لا يعد له عندى أحد
لا تريدوا غرّة الفضل، ومنيطلب الغرّة في خيس الأسد
ملك ندفع ما نخشى بهوبه نصلح منّا ما فسد
ينجز الناس إذا ما وعدواوإذا ما أنجز الفضل وعد
وقال ابن الرومى في هذا المعنى:
له مواعد بالخيرات بادرةلكنها تسبق الميعاد بالصّفد
يعطيك في اليوم حقّ اليوم مبتدئاولا يضيّع بعد اليوم حقّ غد
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع