من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
ألفاظ لأهل العصر في صفات الطعام
ومقدماته، وموائده، وآلاته افرش طعامك اسم الله، وألحفه حمد الله. لا يطيب حضور الخوان، إلّا مع الإخوان. البخل بالطّعام، من أخلاق الطّغام. الكريم لا يحظر، تقديم ما يحضر. قد قامت خطباء القدور. قدور أبكار، بخواتم النّار. قدر طار عرفها، وطاب غرفها. دهماء تهدر كالفنيق، وتفوح كالمسك الفتيق.
مائدة كدارة البدر، تباعد بين أنفاس الجلّاس. مائدة مثل عروس. مائدة لطيفة، محفوفة بكل طريفة. مائدة تشتمل على بدائع المأكولات، وغرائب الطيّبات. مائدة كأنما عملها صنّاع صنعاء، تجمع بين أنوار الربيع، وثمار الخريف.
وقال الجماز: جاءنا فلان بمائدة كأنّها زمن البرامكة على العفاة! وذمّ آخر رجلا فقال: لا يحضر مائدته إلا أكرم الخلق وألأمهم- يريد الملائكة والذّباب.
وقال ابن الحجاج لرجل دعاه وأخّر الطعام:
قد جنّ أصحابك من جوعهمفاقرأ عليهم سورة المائده
ولبعض أهل العصر يذم رجلا:
خوان لا يلمّ به ضيوفوعرض مثل منديل الخوان
رغفان كالبدور الممنطقة بالنّجوم. حمل ذهبىّ الدّثار، فضّىّ الشعار. أطيب ما يكون الحمل، إذا حلّت الشمس الحمل. جدى كأنما ندف على جبينه القزّ.
زيرباجة، هى للمائدة ديباجة، تشفى السّقام، ولونها لون السقيم. سكباجة تفتق
الشهوة، واسفيذباجة تغذّى القرم، وطباهجة يتفكّه بها، وخبيص يختم بخير. طباهجة من شرط الملوك، كأعراف الديوك، وقليّة كالعود المطرّى. مغمومة تفرج غمّ الجائع. هريسة نفيسة، كأنها خيوط قزّ مشتبكة، كأنّ المرّى عليها عصارة المسك على سبيكة الفضة. أرزة ملبونة، فى السكر مدفونة. شواء رشراش وفالوذج رجراج. طباهجة تغذى، وفالودجة تعزى، واسفيذباجة تصفع قفا الجوع. لا فراش للنبيذ، كالحمل الحنيذ. دجاجة سميطة، لها من الفضة جسم، ومن الذهب قشرة. دجاجة ديناريّة ثمنا ولونا.
وهذا محلول من قول على بن العباس الرومى يصف طعاما أكله عند أبى بكر الباقطانى:
وسميطة صفراء ديناريةثمنا ولونا زفّها لك حزور
عظمت فكادت أن تكون أوزّةوغلت فكاد إهابها يتفطّر
طفقت تجود بذوبها جوذابةفأتى لباب اللّوز فيها السكر
ظلنا نقشّر جلدها عن لحمهافكانّ تبرا عن لجين يقشر
وتقدّمتها قبل ذاك ثرائدمثل الرّياض بمثل ذاك تصدّر
ومرقّقات كلّهنّ مزخرفبالبيض منها ملبس ومدثّر
وأتت قطائف بعد ذاك لطائفترضي اللهاة بها ويرضي الحنجر
ضحك الوجوه من الطبرزد فوقهادمع العيان من الدّهان يعصّر
قال البديع: حدثنى عيسى بن هشام قال: اشتهيت الأزاذ، وأنا ببغداذ، وليس معى عقد، على نقد، فخرجت أنتهز محالّه، حتى أحلّنى الكرخ؛ فإذا أنا بسوادىّ يحدو بالجهد حماره، ويطرّف بالعقد إزاره؛ فقلت:
ظفرنا والله بصيد، وحيّاك الله أبا زيد! من أين أقبلت؟ وأين نزلت؟ ومتى وافيت، فهلمّ إلى البيت. فقال السّوادى: لست بأبى زيد، وإنما أبو عبيد! فقلت: نعم لعن الله الشيطان، وأبعد النّسيان، أنسانى طول العهد بك، كيف أبوك، أشابّ كعهدى، أم شاب بعدى؟ قال: قد نبت المرعى على دمنته، وأرجو أن يصيّره الله إلى جنّته، فقلت: إنّا لله، ولا قوة إلا بالله، ومددت يد البدار، إلى الصّدار أريد تمزيقه، وأحاول تخريقه فقبض السوادىّ على خصرى بجمعه؛ وقال: نشدتك بالله لا مزّقته، فقلت:
فهلم إلى البيت نصب غداء، أو إلى السوق نشترى شواء؛ والسوق أقرب، وطعامه
أطيب، فاستفزّته حمة القرم، وعطفته عطفة النّهم، وطمع، ولم يعلم أنه وقع، ثم أتيت شوّاء يتقاطر شواؤه عرقا، ويتسايل جوذابه مرقا، فقلت: أبرز لأبى زيد من هذا الشواء، ثم زن له من تلك الحلواء، واختر من تلك الأطباق، ونضّد عليها أوراق الرقاق، وشيئا من ماء السّمّاق؛ ليأكله أبو زيد هنيا.
فأنحى الشّوّاء بساطوره، على زبدة تنّوره، فجعلها كالكحل سحقا، وكالطحين دقّا، ثم جلس وجلست، ولا نبس ولا نبست، حتى استوفيناه، وقلت لصاحب الحلواء: زن لأبى زيد من اللوزينج رطلين، فإنه أجرى في الحلوق، وأسرى في العروق، وليكن ليلىّ العمر، يومىّ النّشر، رقيق القشر، كثيف الحشو، لؤلؤىّ الدهن، كوكبى اللون، يذوب كالصّمغ، قبل المضغ، ليأكله أبو زيد هنيّا. فوزنه، ثم قعد وقعدت، وجرّد وجرّدت، واستوفيناه، ثم قلت: يا أبا زيد، ما أحوجنا إلى ماء يشعشع بالثلج، ليقمع هذه الصّارة، ويفثأ هذه اللّقم الحارة؛ اجلس أبا زيد حتى آتيك بسقّاء، يحيينا بشربة من ماء، ثم خرجت، وجلست بحيث أراه ولا يرانى، أنظر ما يصنع به. فلما أبطأت عليه قام السّوادى إلى حماره، فاعتلق الشّوّاء بإزاره.
وقال: أين ثمن ما أكلت؟ قال: ما أكلته إلا ضيفا! قال الشّوّاء: هاك وآك متى دعوناك؟ زن يا أخا القحبة عشرين، وإلا أكلت ثلاثا وتسعين! فجعل السوادىّ يبكى ويمسح دموعه بأردانه، ويحلّ عقده بأسنانه، ويقول: كم قلت لذلك القريد، أنا أبو عبيد، وهو يقول: أنت أبو زيد!؟ فأنشدت:
اعمل لرزقك كلّ آلهلا تقعدنّ بذلّ حاله
وانهض بكلّ عزيمةفالمرء يعجز لا المحالة»
ومن مليح ما قيل في القطائف قول علىّ بن يحيى بن أبى منصور المنجم:
قطائف قد حشيت باللّوزوالسكر الماذىّ حشو الموز
يسبح في آذىّ دهن الجوزسررت لما وقعت في حوزى
سرور عبّاس بقرب فوز
ومن ألفاظ أهل العصر في الحلواء: فالوذج بلباب البرّ، ولعاب النّحل، كأنّ اللوز فيه كواكب درّ، فى سماء عقيق.
ولم يقل أحد في صفة اللوزينج أحسن من قول ابن الرومى:
لا يخطئنّى منك لوزينجإذا بدا أعجب أو عجّبا
لو شاء أن يذهب في صخرةلسهّل الطّيب له مذهبا
لم تغلق الشّهوة أبوابهاإلّا أبت زلفاه أن يحجبا
يدور بالنّفحة في جامهدورا ترى الدّهن له لولبا
عاون فيه منظر مخبرامستحسن ساعد مستعذبا
مستكثف الحشو ولكنّهأرقّ جلدا من نسيم الصّبا
كأنما قدّت جلابيبهمن نقطة القطر إذا حبّبا
يخال من رقّة خرشائهشارك في الأجنحة الجندبا
لو أنّه صوّر من خبزهثغر لكان الواضح الأشنبا
من كلّ بيضاء يودّ الفتىأن يجعل الكفّ لها مركبا
مدهونة زرقاء مدقوقةصهباء تحكى الأزرق الأشهبا
قرة عين وفم حسّنتوطيّبت حتى صبا من صبا
ديف له اللوز؛ فما مرّةمرّت على الذائق إلا أبى
وانتقد السّكّر نقّادهوشاوروا في نقده المذهبا
فلا إذا العين رأته نبتولا إذا الضّرس علاه نبا
لا تنكروا الإدلال من وامقوجّه تلقاءكم المطلبا
هذه الأبيات يقولها في قصيدة طويلة يمدح فيها أبا العباس أحمد بن محمد ابن عبد الله بن بشر المرئدى، ويهنيه بابن ولده، وأولها:
شمس وبدر ولدا كوكباأقسمت بالله لقد أنجبا
قال أبو عثمان سعيد بن محمد الناجم: دخلت على أبى الحسن وهو يعمل هذه
القصيدة، فقلت: لو تفاءلت فيها لأبى العباس بسبعة من الولد؛ لأن أبا العباس منكوسا سابع، لجاء المعنى ظريفا، فقال:
وقد تفاءلت له زاجراكنيته، لا زاجرا ثعلبا
إنّى تأمّلت له كنيةإذا بدا مقلوبها أعجبا
يضوغها العكس أبا سابعلا كذّب الله ولا خيّبا
بل ذاك فال ضامن سبعةمثل الصّقور استشرفت مرقبا
يأتون من صلب فتى ماجدوذاك فأل لم يعد معطبا
وقد أتانا منهم واحدفلننتظرهم ستّة غيّبا
فى مدّة تغمرها نعمةيجعلها الله له ترتبا
حتى نراه جالسا بينهمأجلّ من رضوى ومن كبكبا
كالبدر وافى الأرض من نورهبين نجوم سبعة فاحتبى
وليشكر النّاجم عن هذهفإنّها من بعض ما بوّبا
سدّى وألحمت أخ لم أزلأشكر ما أسدى وما سبّبا
وكان ابن الرومى منهوما في المآكل، وهي التي قتلته، وكان معجبا بالسمك، فوعده أبو العباس المرثدى أن يبعث إليه كلّ يوم بوظيفة لا تنقطع، فبعث إليه يوم سبت، ثم قطعه، فقال:
ما لحيتاننا جفتنا وأنّىأخلف الزائرون منتظريهم
جاء في السّبت زورهم فأتينامن حفاظ عليه ما يكفيهم
وجعلناه يوم عيد عظيمفكأنّا اليهود أو نحكيهم
وأراهم مصمّمين على الهجرفلم يسخطون من يرضيهم
قد سبتنا وما أتتنا وكانوايوم لا يسبتون لا تأتيهم
فاتّصل ذلك بالناجم، فكتب إلى ابن الرومى:
أبا حسن أنت من لا تزال نحمد في الفضل رجحانه
فكم تحسن الظنّ بالمرثدىّوقد قلّل الله إحسانه
ألم تدر أنّ الفتى كالسّرابإذا وعد الوعد إخوانه
فبحر السراب يفوت الطّلوبفقل في طلابك حيتانه
وخرج ابن الرومى إلى بعض المتنزهات وقصدوا كرما رازقيّا، فشربوا هناك عامّة يومهم، وكانوا يتهمونه في شعره، فقالوا: إن كان ما تنشدنا لك فقل في هذا شيئا، فقال: لا تريموا حتى أقول فيه، وأنشدهم لوقته:
ورازقىّ مخطف الخصوركأنه مخازن البلّور
قد ضمّنت مسكا إلى الشطوروفي الأعالى ماء ورد جورى
بلا فريد وبلا شذورله مذاق العسل المشور
وبرد مسّ الخصر المقرورونكهة المسك مع الكافور
ورقّة الماء على الصدورباكرته والطّير في الوكور
بفتية من ولد المنصورأملأ للعين من البدور
حتى أتينا خيمة النّاطورقبل ارتفاع الشمس للذّرور
فانحطّ كالطّاوى من الصّقوربطاعة الرّاغب لا المقهور
والحرّ عبد الحلب المشطورحتى أتانا بضروع حور
مملوءة من عسل محصوروالطّلّ مثل اللؤلؤ المنثور
ثمّ جلسنا جلسة المحبوربين حفافى جدول مسجور
أبيض مثل المهرق المنشورأو مثل متن المنصل المشهور
ينساب مثل الحيّة المذعوربين سماطى شجر مسطور
ناهيك للعقود من ظهورفنيلت الأوطار في سرور
وكل ما يقضى من الأمورتعلّة من يومنا المنظور
ومتعة من متع الغرور
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع