تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

قطعة من خطابه وجوابه

دخل على أبى الصقر بعد ما تأخّر عنه، فقال: ما أخّرك عنا؟ قال: سرق حمارى، قال: وكيف سرق؟ قال: لم أكن مع اللص فأخبرك! قال: فلم لم تأتنا على غيره؟ قال: قعدبى عن الشراء قلّة يسارى، وكرهت ذلّة المكارى، ومنّة العوارى وزحمه رجل بالجسر على حماره، فضرب بيديه على أذنى الحمار، وقال: يا فتى، قل للحمار الذى فوقك يقول: الطّريق! ودخل على إبراهيم بن المدبر، وعنده الفضل بن اليزيدى، وهو يلقى على ابنه مسائل من النحو، فقال: فى أى باب هذا؟ قال: فى باب الفاعل والمفعول به، قال: هذا بابى وباب الوالدة حفظها الله! فغضب الفضل وانصرف؛ وكان البحترى حاضرا فكتب بعد ذلك بقصيدته إلى إبراهيم بن المدبر التي أولها:

ذكّر تنيك روحة للشمولأوقدت لوعتى وهاجت غليلى
أى شىء ألهاك عن سر من راء وظلّ للعيش فيها ظليل
للشاعر البحتري، من قصيدة «ذكرتنيك روحة للشمول»

وفيها يقول:

أفتصارا على أحاديث فضلوهو مستكره كثير الفضول
فعلام اصطفيت منكسف البال معاد المخراق نزر القبول
إن تزره تجده أخلق من شيب الغوائى ومن تعفّى الطّلول
للشاعر البحتري، من قصيدة «ذكرتنيك روحة للشمول»
مسرجا ملجما وما متع الصّبح ادّلاجا للشّحذ والتّطفيل
غير أنّ المعلمين على حال قليلو التمييز ضعفى العقول
فإذا ما تذاكر النّاس معنىمن متبن الأشعار والمجهول
قال: هذا لنا ونحن كشفناغيبه للسؤال والمسئول
ضرب الأصمعىّ فيهم أم الأحمر أم ألقحوا بأير الخليل
جلّ ما عنده التردد في الفاعل من والديه والمفعول

وعزّى بعض الأمراء، فقال: أيّها الأمير؛ كان العزاء لك لا بك، والفناء لنا لا لك، وإذا كنت البقيّة فالرزيّة عطية، والتعزية تهنية.

وسئل أبو العيناء عن مالك بن طوق، فقال: لو كان في زمن بنى إسرائيل ونزل ذبح البقرة ما ذبح غيره! قيل: فأخوه عمر؟ قال: كسراب بقيعة يحسبه الظّمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.

وكان موسى بن عبد الملك قد اغتال نجاح بن سلمة في شراب شربه عنده، فقال المتوكّل بعد ذلك لأبى العيناء: ما تقول في نجاح بن سلمة؟ قال: ما قال الله تعالى: فوكزه موسى فقضى عليه! فاتّصل ذلك بموسى، فلقى الوزير عبيد الله ابن يحيى ابن خاقان، فقال: أيّها الوزير، أردت قتلى فلم تجد إلى ذلك سبيلا إلّا بإدخال أبى العيناء إلى أمير المؤمنين مع عداوته لى؛ فعاتب عبيد الله أبا العيناء في ذلك، فقال: والله ما استعذبت الوقيعة فيه حتى ذممت سريرته لك؛ فأمسك عنه.

ثم دخل بعد ذلك أبو العيناء على المتوكل فقال: كيف كنت بعد؟ قال:

فى أحوال مختلفة، خيرها رؤيتك وشرّها غيبتك، فقال: قد والله اشتقتك!

قال: إنما يشتاق العبد؛ لأنه يتعذّر عليه لقاء مولاه، وأما السيّد فمتى أراد عبده دعاه.

وقال له المتوكل: من أسخى من رأيت؟ قال: ابن أبى داود، قال المتوكّل:

تأتى إلى رجل رفضته فتنسبه إلى السخاء؟ قال: إنّ الصدق يا أمير المؤمنين ليس فى موضع من المواضع أنفق منه في مجلسك؛ وإنّ الناس يغلطون فيمن ينسبونه إلى الجود؛ لأنّ سخاء البرامكة منسوب إلى الرشيد، وسخاء الفضل والحسن ابنى سهل منسوب إلى المأمون، وجود ابن أبى داود منسوب إلى المعتصم؛ فإذا نسب الناس الفتح وعبيد الله ابنى يحيى إلى السخاء فذلك سخاؤك يا أمير المؤمنين، قال:

صدقت؛ فمن أبخل من رأيت؟ قال: موسى بن عبد الملك، قال: وما رأيت من بخله؟ قال: رأيته يخدم القريب كما يخدم البعيد، ويعتذر من الإحسان كما يعتذر من الإساءة، فقال له: قد وقعت فيه عندى مرتين، وما أحبّ لك ذلك؛ فألقه واعتذر إليه، ولا يعلم أنّى وجهت بك، قال: يا أمير المؤمنين، من يستكتمنى بحضرة ألف؟ قال: لن تخاف، قال: على الاحتراس من الخوف.

فصار إلى موسى فاعتذر كلّ واحد منهما إلى صاحبه، وافترقا عن صلح؛ فلقيه بعد ذلك بالجعفرى، فقال: يا أبا عبد الله، قد اصطلحنا، فمالك لا تأتينا؟

قال: أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالأمس؟ فقال موسى: ما أرانا إلا كما كنا.

وقال له المتوكل: إبراهيم بن نوح النصرانى واجد عليك، قال: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتّبع ملتهم! قال: إن جماعة من الكتاب يلومونك! فقال:

إذا رضيت عنّى كرام عشيرتىفلا زال غضبانا علىّ لئامها
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «إذا رضيت عني كرام عشيرتي»

قال المتوكل له: أكان أبوك في البلاغة مثلك؟ قال: لو رأى أمير المؤمنين أبى لرأى عبدا له لا يرضانى عبدا له.

وقيل لأبى العيناء: إن المتوكل قال: لولا أنّه ضرير البصر لنادمته، فقال:

إن أعفانى من رؤية الأهلّة، وقراءة نقش الفصوص، فأنا أصلح للمنادمة.

ولقيه رجل من إخوانه في السّحر، فجعل يعجب من بكوره، فقال:

أراك تشاركنى في الفعل وتفردنى بالتعجّب! ووقف به رجل من العامّة فأحس به، فقال: من هذا؟ قال: رجل من بنى آدم! قال: مرحبا بك، أطال الله بقاك! وبقيت في الدنيا، ما ظننت هذا النّسل إلا قد انقطع! ودخل على عبيد الله بن سليمان فقال: اقرب منّى يا أبا عبد الله، فقال:

أعزّ الله الوزير، تقريب الأولياء، وحرمان الأعداء، قال: تقريبك غنم، وحرمانك ظلم؛ وأنا ناظر في أمرك نظرا يصلح من حالك إن شاء الله.

وقال له يوما: اعدرنى فإنّى مشغول، فقال له: إذا فرغت من شغلك لم نحتج إليك، وأنشده:

فلا تعتذر بالشّغل عنّا؛ فإنّماتناط بك الأمال ما اتّصل الشّغل
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «فلا تعتذر بالشغل عنا فإنما»

ثم قال: يا سيّدى قد عذرتك، فإنه لا يصلح لشكرك من لا يصلح لعذرك.

وأقبل إليه يوما فقال: من أين يا أبا عبد الله؟ قال: من مطارح الجفاء! وقال له مرة: نحن في العطلة مرحومون، وفي الوزارة محرومون، وفي القيامة كلّ نفس بما كسبت رهينة.

وسار يوما إلى باب صاعد بن مخلد، فقيل: هو مشغول يصلّى، قال: لكلّ جديد لذّة! وكان صاعد نصرانيا قبل الوزارة.

ودخل إلى عبيد الله بن سليمان، فشكا إليه حاله، ققال: أليس قد كتبنا لك إلى إبراهيم بن المدبّر؟ فقال: كتبت إلى رجل قد قصّر من همّته طول الفقر، وذلّ الأسر، ومعاناة محن الدّهر، فأخففته في طلبتى! قال: أنت اخترته؟ قال: وما علىّ- أعزّ الله الوزير! - فى ذلك؟ قد اختار موسى قومه سبعين

رجلا، فما كان منهم رشيد، واختار النبىّ ﷺ ابن أبى سرح كاتبا، فرجع إلى المشركين مرتدّا، وإختار علىّ بن أبى طالب أبا موسى حاكما له فحكم عليه!

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.