من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من تبطره النعمة لم يؤسف على زوالها عنه
قال أبو العيناء: كان عيسى بن فرخان شاه يتيه علىّ في ولايته الوزارة، فلما صرف رهبنى، فلقينى فسلّم علىّ فأحفى. فقلت لغلامى: من هذا؟ قال:
أبو موسى؛ فدنوت منه وقلت: أعزّك الله، والله لقد كنت أقنع بإيمائك دون بيانك، وبلحظك دون لفظك، فالحمد لله على ما آلت إليه حالك، فلئن كانت أخطأت فيك النّعمة، فلقد أصابت فيك النّقمة، ولئن كانت الدنيا أبدت مقابحها بالإقبال عليك، لقد أظهرت محاسنها بالانصراف عنك، ولله المّنة إذ أغنانا عن الكذب عليك، ونزّهنا عن قول الزّور فيك، فقد والله أسأت حمل النّعم، وما شكرت حق المنعم، فقيل له: يا أبا عبد الله؛ لقد بالغت في السبّ، فما كان الذنب؟ قال: سألته حاجة أقل من قيمته، فردّ عنها بأقبح من خلقته.
وقال علىّ بن العباس الرومى لأبى الصقر إسماعيل بن بلبل لما نكبه الموفق ابن أحمد وألمّ في بعض قوله بقول أبى العيناء:
لا زال يومك عبرة لعدكوبكت بشجو عين ذى حسدك
فلئن نكبت لطالما نكبتبك همة لجأت إلى سندك
لو تسجد الأيام ما سجدتإلّا ليوم فتّ في عضدك
يا نعمة ولّت غضارتهاما كان أقبح حسنها بيدك
فلقد غدت بردا على كبدىلمّا غدت حرّا على كبدك
ورأيت نعمى الله زائدةلما استبان النّقص في عددك
ولقد تمنّت كل صاعقةلو أنها صبّت على كتدك
لم يبق لى مما يرى جسدىإلّا بقاء الرّوح في جسدك
وله فيه أهج كثيرة لما نكب، منها قوله:
خفض أبا الصّقر فكم طائرخرّ صريعا بعد تحليق
زوّجت نعمى لم تكن كفأهافصانها الله بتطليق
لا قدست نعمى تسربلتهاكم حجة فيها لزنديق
وكان أبو الصقر لمّا ولى الوزارة مدحه ابن الرومى بقصيدته النونية التي أولها:
أجنينك الورد أغصان وكثبانفيهن نوعان تفّاح ورمان
وفوق ذينك أعناب مهدّلةسود لهنّ من الظّلماء ألوان
وتحت هاتيك عنّاب تلوح بهأطرافهن قلوب القوم قنوان
غصون بان عليها الزهر فاكهةوما الفواكه مما يحمل البان
ونرجس بات سارى الطّل يضربهوأقحوان منير اللّون ريّان
ألّفن من كل شىء طيّب حسنفهنّ فاكهة شتّى وريحان
ثمار صدق إذا عاينت ظاهرهالكنها حين تبلو الطّعم خطبان
ولا يدمن على عهد لمعتقدوالغانيات كما شبّهن بستان
يميل طورا بحمل ثم يعدمهويكتسى ثم يلفى وهو عريان
وهي أكثر من مائتى بيت، مرّ له فيها إحسان كثير، فأنشدها أبا الصقز، فلما سمع قوله:
قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهمكلّا لعمرى ولكن منه شيبان
قال: هجانى، قيل له: إنّ هذا من أحسن المدح؛ ألا تسمع ما بعده:
وكم أب قد علا بابن ذرى شرفكما علت برسول الله عدنان
قال: أنا بشيبان لا شيبان بى. فقيل له فقد قال:
ولم أقصّر بشيبان التي بلغتبها المبالغ أعراق وأغصان
لله شيبان قوم لا يشوبهمروع إذا الروع شابت منه ولدان
فقال: لا والله لا أثيبه على هذا الشعر، وقد هجانى.
قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولى: كنت يوما عند عبيد الله بن عبد الله ابن طاهر، وقد ذكروا قصيدة ابن الرومى هذه النونية، فقال: هذه دار البطيخ، فاقرءوا تشبيهاتها تعلموا ذلك! فضحك جميع من حضر.
وفي هذه القصيدة يقول من المختار في النسيب:
يا ربّ حسّانة منهن قد فعلتسوءا، وقد يفعل الأسواء إحسان
تشكى المحبّ وتلفى الدّهر شاكيةكالقوس تصمى الرّمايا وهي مرنان
وهذا كقوله في قصيدة يصف فيها قوس البندق:
لها رنّة أولى بها من تصيبهوأجدر بالإعوال من كان موجعا
يقول فيها:
لا تلحيانى وإيّاها على ضرعىوزهوها، لجّ مفتون وفتّان
إنى ملكت فبى للرّقّ مسكنةوملّكت فلها بالملك طغيان
لى مذ نأت وجنة ريّا بمشربهامن عبرتى وفم ما عشت ظمآن
وفيها في مدح بنى شيبان:
قوم سماحتهم غيث، ونجدتهمغوث، وآراؤهم في الخطب شهبان
تلقاهم ورماح الخطّ حولهمكالأسد ألبسها الآجام خفّان
صانوا النفوس عن الفحشاء وابتذلوامنهنّ في سبيل العلياء ما صانوا
المنعمون وما منّوا على أحديوما بنعمى، ولو منّوا لما مانوا
يقول فيها في أبى الصقر:
يفديه من فيه عن مقدار فديتهعن المفاداة. تقصير ونقصان
قوم كأنهم موتى إذا مدحواومالهم من حبير الشعر أكفان
صاحى الطباع إذا سالت هواجسهوإن سألت يديه فهو نشوان
يصحيه ذهن ويأبى صحوه كرممستحكم فهو صاح وهو سكران
فرد جميع يراه كل ذى بصركأنه الناس طرّا وهو إنسان
وهذا كقول أبى الطيب:
ولقيت كلّ الفاضلين كأنّماردّ الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدّماوأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا
وقد تقدم.
وقال:
فإن يك سيّار بن مكرم انقضىفإنّك ماء الورد إن ذهب الورد
مضى وبنوه وانفردت بفضلهموألف إذا ما جمّعت واحد فرد
وقال البحترى:
ولم أر أمثال الرجال تفاوتالدى المجد، حتى عدّ ألف بواحد
ومدحه وعاتبه بقصائد كثيرة فما أنجحت، فمن ذلك قوله في قصيدة طويلة يمدحه:
فى وجهه روضة للحسن مونقةماراد في مثلها طرف ولا سرحا
طلّ الحياء عليها ساقط أبداكاللؤلؤ الرّطب لو رقرقته سفحا
أنا الزعيم لمكحول بغرّتهألّا يرى بعدها بؤسا ولا ترحا
مهما أتى الناس من طول ومن كرمفإنما دخلوا الباب الّذى فتحا
يعطى المزاح ويعطى الجدّ حقّهمافالموت إن جد، والمعروف إن مزحا
وافى عطارد والمرّيخ مولدهفأعطياه من الحظّين ما اقترحا
إن قال: لا، قالها للآمريه بهاولم يقلها لمن يستمنح المنحا
فى كفّه قلم ناهيك من قلمنبلا، وناهيك من كفّ بما اتّشحا
يمحو ويثبت أرزاق العباد بهفما المقادير إلا ما محا ووحى
كأنما القلم العلوى في يدهيجريه في أى أنحاء البلاد نحا
لما تبسّم عنك المجد قلت لهقهقه فلا نغلا تبدى ولا قلحا
أثنى عليك بنعماك التي عظمتوقد وجدت بها في القول منفسحا
أمطر بذاك جنانى تكسه زهراأنت المحيّا بريّاه إذا نفحا
أنشدتها على متوالى الاختيار، وكذلك أجرى في كثير من الأشعار.
وقال يعاتبه ويستبطئه:
عقيد النّدى، أطلق مدائح جمّةحبائس حسرى قد أبت أن تسرّحا
وكنت متى تنشد مديحا ظلمتهيرى لك أهجى ما يرى لك أمدحا
عذرتك لو كانت سماء تقشّعتسحائبها أو كان روض تصوّحا
ولكنها سقيا حرمت رويّهاوعارضها ملق كلاكل جنّحا
وأكلاء معروف حرمت مريعهاوقد عادمنها السهل والحزن مسرحا
عرضت لأورادى وبحرك زاخرفلمّا أردن الورد ألفين ضحضحا
فلو لم ترد أذواد غيرى غمارهلقلت: سراب بالمتان توضّحا
فيالك بحرا لم أجد فيه مشرباوإن كان غيرى واجدا فيه مسبحا
مديحى عصا موسى، وذلك أننىضربت به بحر النّدى فتضحضحا
سأمدح بعض الباخلين لعلّهإذا اطّرد المقياس أن يتسمّحا
فيا ليت شعرى إن ضربت به الصفاأيبعث لى منه جداول سيّحا
كتلك التي أبدت ثرى الأرض يابساوشقّت عيونا في الحجارة سفّحا
ملكت فأسجح يا أبا الصقر إنهإذا ملك الأحرار مثلك أسجحا
وما ضرع إلى أحد هذه الضّراعة، ولا في طوقه هذا الاحتمال؛ وهذه الأبيات الأخيرة إنما ولّد أكثرها من قول أبى تمام الطائى لمحمد بن عبد الملك الزيات:
فلو حاردت شول عذرت لقاحهاولكن حرمت الدرّ والضّرع حافل
أكابرنا عطفا علينا؛ فإننابنا ظمأ برح وأنتم مناهل
وفيه يقول:
هذا مقامى يا بنى وائلمن مستجير بكم عائذ
أنشب فيه الدهر أظفارهوعضّه بالناب والناجذ
فأنصفوا منه أخا حرمةلاذ بكم منه مع اللائذ
فما أرى الدهر على جورهيخرج من حكمكم النافذ
وقال أيضا:
يأيها السيد الذى وهنتأنصار أمواله ولم يهن
فأصبحت في يد الضّعيف وذى القوّة والباقلىّ واللّسن
غيرى- على أننى مؤملك الأقدم- سائل بذاك وامتحن
مادح عشرين حجة كملامحرومها عنك غير مضطغن
فضلك أو عدلك الذى ائتمن اللهعليه أجلّ مؤتمن
إن كنت في الشعر ناقدا فطنافلتعطنى حق حصة الفطن
وإن أكن فيه ساقطا زمنافلتعطنى حق حصة الزّمن
سم بى ديوانك الذى عدلتجدواه بين الصحيح والضّمن
كثر بشخصى من استطعت من الناس فإن لم أزنك لم أشن
ما حقّ من لان صدره لك بالود لقاء بجانب خشن
وقال أبو العباس الرومى لرجل مدحه في كلمة:
أبعد لقاى دونك كلّ قفريدق الشخص فيه أن يلاقى
وإعمالى إليك به المطاياوقد ضرب الظلام له رواقا
ورفضى النوم إلا أن ترانىأعانق واسط الكور اعتناقا
تسوق بنا الحداة فليس تدرىأسوقا كان ذلك أم سياقا
أصادف درّة المعروف شكرىلديك ولا أذوق لها ذواقا
يقول فيها:
غدا يعلو الجياد وكان يعلو- إذا ما استقره- السّبت الرّقاقا
أعنّتها الشّسوع فإن عراهاحفاء الكدّ أنعلها طراقا
فزوّج بعد قفر منه نعمىأرانى الله صبحتها الطّلاقا
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع