باد هواك صبرت أم لم تصبرا
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
سند النص: قوبِل ٤١ بيتًا من هذا النصّ على روايته في ٥ من كتب التراث، منها «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» و«اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» و«مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» · آخر مراجعة ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦
عن القصيدة
«باد هواك صبرت أم لم تصبرا» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في ٤٧ بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الراء.
بحر الكامل: متفاعلن متفاعلن متفاعلن · قصائد أخرى رويّها الراء
من هذه القصيدة في كتب التراث
- «يتيمة الدهر»: الباب الخامس، في ذكر أبي الطيب المتنبي وما له وما عليه، الأبيات ١١ و٣٦ و٣٧ و٤٢ وغيرها
- «يتيمة الدهر»: القسم الثالث من يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر وهو يشتمل على ملح أشعار أهل الجبال وفارس وجرجان وطبرستان، الأبيات ٢١ و٢٨ و٤١ و٤٢ وغيرها
- «خزانة الأدب»: الشاهد الرابع والسبعون بعد الخمسمائة، البيت ٣٦
- «رسالة التوابع والزوابع»: مجلس أدب، البيتين ٣٥ و٣٧
- «الوساطة بين المتنبي وخصومه»: سرقات المتنبي، الأبيات ١ و٣ و٣٥ و٤٠ وغيرها
- «زهر الآداب وثمر الألباب»: مقدمة المؤلف، البيت ٢٩
- «زهر الآداب وثمر الألباب»: جملة من ألفاظ أهل العصر فى صفة الكتب وتهاديها، وما يتعلق بأسمائها ومعانيها، الأبيات ١ و٣٢ و٣٩ و٤٠ وغيرها
- «زهر الآداب وثمر الألباب»: من تبطره النعمة لم يؤسف على زوالها عنه، البيتين ٤٢ و٤٣
معنى قول المتنبي
كَم غَرَّ صَبرُكَ وَاِبتِسامُكَ صاحِباً
لَمّا رَآكَ وَفي الحَشى مالا يُرى
قال الواحدي في «شرح ديوان المتنبي»: يقول ابتسامك الظاهر يغر الناظر إليك لأنه يرى ضحكا ظاهرا ولا يرى ما في الباطن من الاحتراق والوجد
شرح القصيدة بيتًا بيتًا
- ١
بادٍ هَواكَ صَبَرتَ أَم لَم تَصبِرا
وَبُكاكَ إِن لَم يَجرِ دَمعُكَ أَو جَرى
الواحدي: أراد تصبرن بالنون الخفيفة فوقف عليها بالألف نحو، ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا، ومثله كثير يقول يظهر حبك للناس صبرت عليه أو لم تصبر لأنه لا يطيق أحد كتمان الحب ويظهر بكاؤك جرى دمعك أو لم يجر فإن قيل كيف يظهر البكاء إذا لم يجر الدمع قيل عني ما يبدو في صوته من نغمة الحزن والزفير والشهيق والتهيؤ للبكاء ويجوز أن يكون البكاء عطفا على الضمير في صبرت كأنه يقول صبرت وصبر بكاؤك فلم يجر دمعك أو لم تصبر فجرى دمعك وحكى ابن فورجة أن أبا الطيب قيل له خالفت في هذا البيت بين سبك المصراعين فوضعت في المصراع الأول ايجابا بعده نفيٌ وفي الثاني نفيا بعده ايجاب فقال لئن كنت خالفت بينهما من حيث اللفظ فقد وفقت بينهما من حيث المعنى وذلك أن من صبر لم يجر دمعه ومن لم يصبر حرى دمعه يعني أنه أراد صبرت فلم يجر دمعك أو لم تصبر فجرى
- ٢
كَم غَرَّ صَبرُكَ وَاِبتِسامُكَ صاحِباً
لَمّا رَآكَ وَفي الحَشى مالا يُرى
الواحدي: يخاطب نفسه يقول ابتسامك الظاهر يغر الناظر إليك لأنه يرى ضحكا ظاهرا ولا يرى ما في الباطن من الاحتراق والوجد
- ٣
أَمَرَ الفُؤادُ لِسانَهُ وَجُفونَهُ
فَكَتَمنَهُ وَكَفى بِجِسمِكَ مُخبِرا
الواحدي: الفؤاد في الجدس بمنزلة الملك فلهذا جعله آمرا للسان والجفن يول أمر القلب اللسان بالكتمان والجفن بإمساك الدمع فأطعنه في الكتمان غير أن جسمك بالنحول دل على ما في قلب وهذا من قول الآخر، خبري خذيه عن الضني وعن الأسى، ليس اللسان وإن تلفت بمخبرِ، والهاء في كتمنه عائد على ما لا يرى
- ٤
تَعِسَ المَهاري غَيرَ مَهرِيٍّ غَدا
بِمُصَوَّرٍ لَبِسَ الحَريرَ مُصَوَّرا
الواحدي: دعا بالتعس على ركائب الأظعان غير واحد منها غدا بحبيب كأ، هـ في حسنه صورة وعليه ثوب منقش بالصور
العكبري: الْغَرِيب المهارى جمع مهرى والناقة مهرية وَهَذَا نسب إِلَى بنى مهرَة قَبيلَة من الْعَرَب وأبوهم مهرَة بن حيدان وإليهم تنْسب المهارى وَيجوز فى المهارى التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف قَالَ رؤبة (بِهِ تَمَطَّتْ غَوْلَ كُلّ مِيلَهِ ... بِنا حَرَاجِيحُ المَهارِى النُّفَّهِ) (قَوْله كل ميله ... ) يُرِيد الْبِلَاد الَّتِى توله الْإِنْسَان أى تحيره والنفه جمع نافه وَهُوَ الْجمل الْمَعْنى دَعَا على الْجمال كلهَا إِلَّا الْجمل الذى عَلَيْهِ محبوبه وَجعله مصورا لِأَنَّهُ حيره حسنه كَأَنَّهُ صوره بِصُورَة لم يصور مثلهَا يُرِيد أَنه لبس ثوبا من الديباج فِيهِ تصاوير وَإِنَّمَا دَعَا للجمل المركوب لأجل رَاكِبه ليسلم من العثار حَتَّى يسلم من فَوْقه من الْوُقُوع
- ٥
نافَستُ فيهِ صورَةً في سِترِهِ
لَو كُنتُها لَخَفيتُ حَتّى يَظهَرا
الواحدي: يقول حسدت لأجل الحبيب المصور صورةً في ستر هودجه لقربها منه ولو كنت تلك الصورى لخفيت حتى يظهر ذلك الإنسان لرأي العين وذلك أنّ كل أحد يحب أن يراه ودونه ستر يقول لو كنت ذلك الستر لأنكشفت حتى يظهر فأراه ويزول الحجاب وذكر بعض الناس بهذا تفسيرا متكلفا فقال المعنى أنه يقول لو كنت ذلك الستر لكنت سترا من عدم فكان يظهر المصور يصف قلته ونحوله
العكبري: الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو كنت الصُّورَة الَّتِى فى ستره لزلت حَتَّى يظْهر الذى فِيهِ لرَأى الْعين وَذَلِكَ أَن كل أحد يحب أَن يرَاهُ ودونه ستر فَلَو كنت ذَلِك السّتْر لانكشفت حَتَّى يظْهر للنَّاس وَيَزُول ذَلِك الْحجاب وَقَالَ الواحدى أَنا أحسد السّتْر لأجل الحبيب الذى فى هودجه لقربها مِنْهُ يعْنى الصُّورَة وَلَو كنت الصُّورَة لخفيت حَتَّى يظْهر الحبيب فتراه الْأَبْصَار وَقَالَ ابْن القطاع إِنَّمَا تمنى أَن يكون صُورَة فى سترهَا ليشاهدها كل وَقت ثمَّ قَالَ لَو كنتها لخفيت من نحولى فَلم أسترها عَن الْعُيُون وَكَانَت تظهر للناظرين
- ٦
لا تَترَبِ الأَيدي المُقيمَةُ فَوقَهُ
كِسرى مُقامَ الحاجِبَينِ وَقَيصَرا
الواحدي: لا تترب أي لا تفتقر يقال ترب إذا افتقر وصار إلى التراب فقرا وكسرى لقب ملوك العجم يقوله الكوفيون بكسر الكاف والبصريون بفتح الكاف وكانت صورة هذين على الستر كأنهما أقيما مقام الحاجبين يحجبان هذا المصور ودعا للايدي التي نسجت ذلك الستر وصورت الملكين عليه بأن لا تترب
العكبري: الْإِعْرَاب ترب الرجل افْتقر وَصَارَ على التُّرَاب وَلَا تربت يداك أى لَا افْتَقَرت ومسكين ذُو مَتْرَبَة صَار على التُّرَاب لفقره وأترب الرجل اسْتغنى أى صَار لَهُ مَال مثل التُّرَاب كَثْرَة وكسرى ملك الْعَجم وَقَيْصَر ملك الرّوم والبصريون يفتحون كَاف كسْرَى وأصحابنا يكسرونه الْمَعْنى يَدْعُو للأيدى الَّتِى صنعت السّتْر وصورت الْملكَيْنِ عَلَيْهِ وأقامتهما حاجبين يحجبان المحبوب يَقُول لَا افْتَقَرت الأيدى الَّتِى قد أَحْسَنت هَذِه الصُّورَة الَّتِى فى السّتْر وأقامت الْملكَيْنِ يحجبانها وَفِيه نظر إِلَى قَول الحكمى (قَرارَتُها كِسْرَى وفى جَنَباتها ... مَهاً تَدَّريها بالقِسِىّ الفوَارسُ)
- ٧
يَقِيانِ في أَحَدِ الهَوادِجِ مُقلَةً
رَحَلَت فَكانَ لَها فُؤادِيَ مَحجِرا
الواحدي: يقول كلاهما يدفعان ويصرفان السوء من الغبار وحر الهواء وحر الشمس عن مقلة في أحد الهوادج يعني هودج الحبيب وكنى عنه بالمقلة لعزته وجعل فؤاده محجرا لتلك المقلة والمعنى أنها كانت ضياء قلبي بمنزلة عين القلب فلما ارتحلت عني عمي قلبي والتبس عليّ أمري وفقدت ذهني كمقلةٍ ذهبت وبقي المحجر
العكبري: الْغَرِيب الهوادج جمع هودج وَهُوَ مركب النِّسَاء على الْإِبِل والمحجر مَا حول الْعين الْمَعْنى يَقُول هَذَانِ الْملكَانِ المصوران فى هَذَا السّتْر يقيان ويدفعان عَن مقلة رحلت حر الهواجر وَجعلهَا مقلة لعزتها ويصرفان الْغُبَار عَن الحبيبة الَّتِى فى الهودج وَالْمعْنَى أَن هَذِه الراكبة فى الهودج كَانَت ضِيَاء قلبى بِمَنْزِلَة مقلة الْقلب فَلَمَّا ارتحلت عَنى عمى قلبى وفقدت ذهنى كمقلة ذهبت وبقى محجرها ينظر فى الِاسْتِعَارَة إِلَى قَول الطائى (إنّ الْخَلِيفَة حِين يُظلِم حادِث ... عينُ الْهدى وَله الْخلَافَة مَحْجِرُ)
- ٨
وَلَوِ اِستَطَعتُ إِذِ اِغتَدَت رُوّادُهُم
لَمَنَعتُ كُلَّ سَحابَةٍ أَن تَقطُرا
الواحدي: يقول لما بعثوا الرواد لطلب الكلاء والماء لو قدرت لمنعت السحاب أني مطر لئلا يجدوا ماء وكلاء يرتحلون إليهما للانتجاع
- ٩
فَإِذا السَحابُ أَخو غُرابِ فِراقِهِم
جَعَلَ الصِياحَ بَبينِهِم أَن يُمطِرا
الواحدي: هذا كلام فيه حذف لا يتم المعنى دون تقديره كأنه قال لمنعت كل سحابة أن تمطر لأني تأملت الحال فإذا السحاب الذي هو أخو الغراب في التفريق بعدم عنا جعل السحاب أخا الغراب لأنه سبب الافتراق عند الانتجاع وتتبع تساقط الغيث في الربيع كعادة أهل العير السيارة ولما جعله أخا الغراب جعل المطر كصياح الغراب كما أن صياح الغراب سبب للافتراق على زعمهم كذلك سقوط الغيث من السحاب سبب للارتحال في تتبع الغيث والسحاب في قوله فإذا السحاب مبتدأ وأخو غراب فراقهم نعت له والخبر في قوله جعل الصياح
العكبري: الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا الْكَلَام فِيهِ حذف لَا يتم الْمَعْنى إِلَّا بِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لمنعت كل سَحَابَة لأنى تَأَمَّلت الْحَال فَإِذا السَّحَاب أَخُو الْغُرَاب فى التَّفْرِيق وَجعل السَّحَاب أَخا الْغُرَاب لِأَنَّهُ سَبَب الْفرْقَة عِنْد الانتجاع وتتبع مساقط الْغَيْث فى الرّبيع كعادة الْعَرَب السيارة وَلما جعله أَخا للغراب جعل الْمَطَر صياحه لِأَن صياح الْغُرَاب سَبَب الِافْتِرَاق على زعمهم كَذَلِك الْمَطَر سَبَب ارتحالهم وَقَالَ ابْن القطاع (فَإِذا السَّحَاب ... ) مُبْتَدأ (وأخو غراب فراقهم ... ) نعت لَهُ (وَجعل الصياح ... ) خبر الْمُبْتَدَأ وَهُوَ من قَول أَبى الشيص (وَمَا غُرَابُ البَيْنِ إلَاّ ناقَةٌ أوْ جَمَلُ ... )
- ١٠
وَإِذا الحَمائِلُ ما يَخِدنَ بِنَفنَفٍ
إِلّا شَقَقنَ عَلَيهِ ثَوباً أَخضَرا
الواحدي: الجمائل جمع جمالة وهي الجمال الكثيرة وروى ابن جنى الحمائل بالحاء جمع حمولة وهي الإبل يحمل عليها والنفنف الأرض الواسعة يقول إذا سارت الركاب في أرض وهي مخضرة بالكلاء بدت عليها آثار سيرها فكأنها شقت ثوبا أخضر والمعنى أنهم فارقونا أيام الربيع عند خضرة النبات
العكبري: الْغَرِيب الحمائل بِالْحَاء الْمُهْملَة رِوَايَة ابْن جنى جمع حمولة وهى الْإِبِل الَّتِى يحمل عَلَيْهَا وروى غَيره بِالْجِيم وَهُوَ جمع جمالة وهى الْجمل الْكَبِير وَيُقَال جمال وأجمال وجمالات وجمائل وَقَالَ يَعْقُوب بن السّكيت يُقَال لِلْإِبِلِ إِذا كَانَت ذُكُورا لَيْسَ فِيهَا أُنْثَى هَذِه جمالة بنى فلَان وَقَرَأَ حَمْزَة والكسائى وَحَفْص (كأنهُ جِمالة صُفْر ... ) والوخد ضرب من السّير والنفنف الأَرْض الواسعة وَقيل هى المستوية بَين جبلين الْمَعْنى أَنهم ارتحلوا عَنهُ أَيَّام الرّبيع عِنْد اخضرار الأَرْض فَكلما مرت جمَالهمْ بِأَرْض مخضرة بَدَت عَلَيْهَا آثَار سَيرهَا فَكَأَنَّمَا شقَّتْ ثوبا أَخْضَر وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر (فكأنَّما الأَنْوَاءُ بَعْدَهُمُ ... كَسَتِ الطُّلُولَ غَلائلاً خُضْرا)
- ١١
يَحمِلنَ مِثلَ الرَوضِ إِلّا أَنَّها
أَسبى مَهاةً لِلقُلوبِ وَجُؤذُرا
الواحدي: يقول هذه الركاب تحمل من الهوادج ومراكب النساء التي زينت بالأنماط مثل الروض في تلون أزهارها إلا أن ما تحمله الركاب من مهاها وجؤذرها أسبى لقلوب الرجل من مها الرياض وجآذرها وروى ابن جنى إلا أنه كنايةً عن المثل والناس يروون أنها لان مثل الروض روٌ
العكبري: الْإِعْرَاب مهاة وجؤذرا نصبا على التَّمْيِيز الْغَرِيب المها بقر الْوَحْش والجؤذر ولد الْبَقَرَة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح تحمل هَذِه الحمائل مثل الرَّوْض فى حسنه إِلَّا أَنه أسبى للقلوب من مها الرَّوْض وجآذره وَقَالَ الْخَطِيب جعل هَذِه الْإِبِل تحمل مثل الرياض يعْنى مَا عَلَيْهَا من الديباج وَالْأَنْمَاط وَجعل من عَلَيْهَا من النِّسَاء وحشا لتِلْك الأَرْض ثمَّ قَالَ هن أسبى من وَحش الرياض وَهَذَا الْكَلَام بِعَيْنِه ذكره الواحدى وَهُوَ من قَول عدى بن زيد (لمن الظُّعْن كالبساتين فى الصُّبْحِ ... تَرَى نَبْتَها أثيثا نَضِيرا) وَمثله للطائى (خرَجْن فى خُضرةٍ كالرَّوْض لَيْسَ لَهَا ... إلَاّ الحُلِىَّ عَلى أعْناقِها زَهَرُ)
- ١٢
فَبِلَحظِها نَكِرَت قَناتي راحَتي
ضَعفاً وَأَنكَرَ خاتِمايَ الخِنصِرا
الواحدي: بلحظها أي بنظري إليها أضاف المصدر إلى المفعول يقول بسبب نظري إليها صرت ضاويا مهزولا حتى أنكرت قناتي يدي وخاتمي خنصري ضعفا وقلة لحم
العكبري: الْإِعْرَاب بلحظها أضَاف الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول يُرِيد بنظرى إِلَيْهَا الْغَرِيب نكرت وَأنْكرت بِمَعْنى الْمَعْنى يَقُول بِسَبَب نظرى المحبوبة الَّتِى سبيت بهَا صرت ضَعِيفا مهزولا حَتَّى أنكرتنى قناتى بِضعْف بدنى عَن حملهَا وَأنكر خاتمى خنصرى لاتساعه عَنهُ من الهزال
- ١٣
أَعطى الزَمانُ فَما قَبِلتُ عَطاءَهُ
وَأَرادَ لي فَأَرَدتُ أَن أَتَخَيَّرا
الواحدي: يقول لم أقبل عطاء الزمان ترفعا وبعد همة أي أردت عطاءك دون عطاء الزمان وأراد الزمان لي أن أقصد سواك فأردت اختيارك والمعنى أن الزمان أراد أن يسترقني بإحسانه فأبيت ذلك واخترتك على الزمان فأنك إذا ملكتني ملكتُ الزمان بما فيه
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لشرف همتى وعلوها لم أَرض بعطاء الزَّمَان وَأَرَادَ لى الزَّمَان أَن أقصد سواك فَمَا قبلت واخترتك على اخْتِيَار الزَّمَان لأنى إِذا قصدتك ملكتنى وَإِذا ملكتنى ملكت الزَّمَان فَصَارَ اختيارى لَك خيرا من اخْتِيَار الزَّمَان
- ١٤
أَرَجانَ أَيَّتُها الجِيادُ فَإِنَّهُ
عَزمي الَّذي يَذَرُ الوَشيجَ مُكَسَّرا
الواحدي: هو أرجان مشددة الراء اسم بلد بفارس إلا أنه خفف لأنه اسم عجمي يقول لخيله اقصدي هذه البلدة فأني عزمت على قصدها بعزم قوي يكسر الرماح بقوته والمعنى أن الرماح لا تعوقني عن هذه العزيمة
العكبري: الْإِعْرَاب نصب أرجان بِفعل مُضْمر تَقْدِيره اقصدى أَو اطلبى الْغَرِيب أرجان اسْم بلد الممدوح وَهُوَ بلد بِفَارِس وَهُوَ فى الأَصْل مشدد إِلَّا أَنه خففه على عَادَة الْعَرَب فى الْأَسْمَاء الأعجمية فَحذف التَّشْدِيد من الرَّاء وخففها والوشيج شجر يعْمل مِنْهُ الرماح الْمَعْنى يَقُول لخيله اقصدى هَذِه الْبَلدة فإنى قد عزمت على قَصدهَا بعزم من قوته تكسر الرماح الشَّدِيدَة وَالْمعْنَى أَن الرماح لَا تعوقنى عَن هَذِه الْعَزِيمَة الَّتِى قد عزمت عَلَيْهَا
- ١٥
لَو كُنتُ أَفعَلُ ما اِشتَهَيتِ فِعالَهُ
ما شَقَّ كَوكَبُكِ العَجاجَ الأَكدَرا
الواحدي: يقول لخيله لو فعلت ما تريدين ما ركضتك في الغبار المظلم يعني أن الخيل تريد الجمام والراحة وهو يتبعها في الأسفار وكوكب الخيل جماعتها المجتمعة
- ١٦
أُمّي أَبا الفَضلِ المُبِرِّ أَلِيَّتي
لَأُيَمَّمَنَّ أَجَلَّ بَحرٍ جَوهَرا
الواحدي: أي أقصدي هذا الممدوح الذي يبر قسمي إذا أقسمت أن اقصد أجل البحار جوهرا أي إذا قصدته برت يميني
- ١٧
أَفتى بِرُؤيَتِهِ الأَنامُ وَحاشَ لي
مِن أَن أَكونَ مُقَصِّراً أَو مُقصِرا
الواحدي: يقول افتاني الناس كلهم في إبرار هذه اليمين برؤيته وقصده وأعوذ بالله أن أقصر في إبرار هذا القسم أو أقصر عنه فإني إذا فعلت ذلك كنت شاقا لعصا الإجماع لن الإجماع على أن قسمي لا تبر إلا برؤيته يقال قصر عن الشيء إذا تركه عجزا وأقصر عنه إذا تركه قادرا عليه
العكبري: الْغَرِيب يُقَال قصر عَن الشئ تقصيرا إِذا تَركه عَاجِزا وأقصر عَنهُ إقصارا إِذا تَركه قَادِرًا عَلَيْهِ وحاش لله كلمة تَنْزِيه قَالَ الجوهرى لَا يُقَال حاش لَك قِيَاسا على قَوْله حاش لله وَإِنَّمَا يُقَال حاشاك وحاشى لَك وَقَالَ الزّجاج مَعْنَاهُ الِاسْتِثْنَاء وَقَالَ أهل التَّفْسِير مَعْنَاهُ معَاذ الله وَأما عِنْد الْمُحَقِّقين من أهل اللُّغَة إِن حاش الله مُشْتَقّ من قَوْلك كنت فى حَشا فلَان أى ناحيته وَمَعْنَاهُ تنحيت عَن هَذَا وحاشى لزيد من هَذَا أى قد تنحى من هَذَا الْأَمر وَيُقَال حاش لله وحاشى لله بِحَذْف الْألف وإثباتها وَقد أثبتها أَبُو عَمْرو وَحده فى قَوْله حاشى لله الْمَعْنى قد أفتانى الْأَنَام فى تَكْفِير يمينى بِرُؤْيَتِهِ وَأَعُوذ بِاللَّه أَن أقصر فى إبرار هَذَا الْقسم أَو أقصر عَنهُ فَإِن فعلت ذَلِك أكون شاقا لعصا الْإِجْمَاع لِأَن الْإِجْمَاع على أَن قسمى لَا يبر إِلَّا بِرُؤْيَتِهِ
- ١٨
صُغتُ السِوارَ لِأَيِّ كَفٍّ بَشَّرَت
بِاِبنِ العَميدِ وَأَيِّ عَبدٍ كَبَّرا
الواحدي: يقول أي كف أشارت إلى ابن العميد فبشرتني به فلها عندي السوار وكذلك أي عبد من عبيدي كبر عند وقوع بصره على بلده وعلى داره سرورا ببر قسمي
العكبري: الْمَعْنى يَقُول أى كف أشارت إِلَى ابْن العميد فبشرتنى بِهِ فلهَا عندى السوار وَلكُل عبد كبر عِنْد رُؤْيَة بَلَده وَذَلِكَ لفخرى ببر قسمى
- ١٩
إِن لَم تُغِثني خَيلُهُ وَسِلاحُهُ
فَمَتى أَقودُ إِلى الأَعادي عَسكَرا
الواحدي: هذه إشارة إلى أنه يمده بالمال والعبيد فيقدر بذلك على محاربة الأعداء وعادة المتنبي طلب الولايات ممن يمدحه لا طلب الصلات
- ٢٠
بِأَبي وَأُمّي ناطِقٌ في لَفظِهِ
ثَمَنُ تُباعُ بِهِ القُلوبُ وَتُشتَرى
الواحدي: يقول لفظه لحلاوته ثمن للقلوب يعني أنه يملك القلوب بحالاوة لفظه فيتصرف فيها كما يريد بصفة البلاغة وإن شئت قلت أن الفاظه عزيزة تجعل القلوب أثمانا لها لم توجد بغيرها وقوله تباع وتشترى أي الناس يبيعون وهو يشتريها فيصير مالكا لها وإن شئت جعلت الشراء بيعا فيكون مكررا بلفظين معناهما واحدٌ
العكبري: الْمَعْنى أَنه يصفه بالبلاغة يَقُول إِنَّه يملك بِحسن لَفظه قُلُوب الرِّجَال فيتصرف فِيهَا كَمَا يُرِيد فلحلاوة أَلْفَاظه تجْعَل أَثمَان الْقُلُوب وَتجْعَل الْقُلُوب أثمانها إِن لم تُوجد بغَيْرهَا وَقَالَ الواحدى النَّاس يبيعوها وَهُوَ يَشْتَرِيهَا فَيصير مَالِكًا لَهَا قَالَ وَإِن شِئْت جعلت الشِّرَاء بيعا فَيكون متكررا بلفظين مَعْنَاهُمَا وَاحِد
- ٢١
مَن لا تُريهِ الحَربُ خَلقاً مُقبِلاً
فيها وَلا خَلقٌ يَراهُ مُدبِراً
الواحدي: أي لا يقبل إليه أحد في الحرب تهيبا له ولا يدبر هو عن قرنِ
- ٢٢
خَنثى الفُحولَ مِنَ الكُماةِ بِصَبغِهِ
ما يَلبَسونَ مِنَ الحَديدِ مُعَصفَرا
الواحدي: خنثى الفحول جعلهم كالمخنثين يقال خنثى يخنثى خنثاةً وهذا رواية ابن جنى وابن فورجة وروى غيرهما خنث الفحول أي انكسروا عند اعماله الضرب فيهم والأولى أجود لأنه ذكر صبغة لباسهم والثوب المعصفر المصبوغ من ثياب النساء وذوي التخنيث
العكبري: الْإِعْرَاب مَا يلبسُونَ مفعول بصبغة والعائد مَحْذُوف تَقْدِيره يلبسونه كَقِرَاءَة من ﴿وفيهَا مَا تشْتَهى الْأَنْفس﴾ وَقَرَأَ ابْن عَامر وَنَافِع وَحَفْص تشتهيه ومعصفرا حَال والأجود أَن تَجْعَلهُ مَفْعُولا ثَانِيًا لصبغة لِأَنَّهُ يتَعَدَّى إِلَى مفعولين الْغَرِيب خُنْثَى فعل مَاض وَزنه فعلل مثل دحرج وَقَالَ ابْن القطاع أَصله خنثث فكرهوا اجْتِمَاع التَّضْعِيف فأبدلوا من الْأَخير ألفا كَمَا قَالُوا فى حنظى وغنظى أبدلوا ألفا من حُرُوف التَّضْعِيف فأبدلوا من الْأَخير ألفا كَمَا قَالُوا فى تقضى البازى وقصيت أظفارى وتظنى من الظَّن قَالَ وَزعم النحويون أَن حُرُوف الزَّوَائِد تكون للإلحاق وأبى ذَلِك أهل اللُّغَة الْعلمَاء بالتصريف والاشتقاق وَقَالُوا لَا تدخل حُرُوف الزَّوَائِد فى الْإِلْحَاق الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا تدخل فى الْإِلْحَاق الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة الَّتِى هى فَاء الْفِعْل وعينه ولامه فالفاء نَحْو قَوْلهم دردج للناقة المسنة تَكَرَّرت فِيهِ الْفَاء للإلحاق بجعثن وهى أصُول الصليان وَالْعين كَقَوْلِهِم حَدْرَد اسْم رجل تَكَرَّرت فِيهِ الْعين للإلحاق بِجَعْفَر وَاللَّام كَقَوْلِهِم تعدد تَكَرَّرت فِيهِ اللَّام للإلحاق ببرثن وَقَالَ النحويون الْألف فى مثنى كَذَا بِالْأَصْلِ للإلحاق وفى رضوى وسلمى للتأنيث ثمَّ نقضوا قَوْلهم فَقَالُوا الْألف فى بهمى وعزهى لَيست للتأنيث وَلَا للإلحاق وَهَذَا كَلَام فَاسد لَا يحْتَاج إِلَى إِقَامَة دَلِيل وَإِنَّمَا أوقعهم فى هَذَا الْغَلَط أَنهم رَأَوْا الْعَرَب قد جمعُوا بَين تأنيثين فَقَالُوا بهماة وعلقاة وعزهاة فَقَالُوا لَا يجوز أَن يجمع بَين تأنيثين وَقد جمعت الْعَرَب بَين تأنيثين فى أَكثر كَلَامهم فَكيف يَجْعَل مَا وَضعه النحويون للتقريب والتعليم مِمَّا لَا أصل لَهُ وَلَا ثبات حجَّة على لِسَان الْعَرَب الفصحاء هَذَا لَا يكون وَلَا يحْتَج بِهِ إِلَّا جَاهِل والكماة جمع كمى وَهُوَ الْمُسْتَتر فى الْحَدِيد والمعصفر صبغ يلْبسهُ النِّسَاء وَالصبيان الْمَعْنى يَقُول جعلهم مخنثين لما صبغ ثِيَابهمْ من دِمَائِهِمْ حمرا وَهُوَ مَا يلْبسهُ النِّسَاء والمخنثون وَالْخُنْثَى الذى لَهُ فرج وَذكر وَلَيْسَ هُوَ فى الْحَقِيقَة ذكرا وَلَا أُنْثَى
- ٢٣
يَتَكَسَّبُ القَصَبُ الضَعيفُ بِكَفِّهِ
شَرَفاً عَلى صُمِّ الرِماحِ وَمَفخَرا
الواحدي: روى ابن جنى بخطه يقول قلمه أشرف من الرماح لأن كفه تباشره عند الخط فيحصل له الشرف والفخر على الرماح التي لم يباشرها بكفه
- ٢٤
وَيَبينُ فيما مَسَّ مِنهُ بَنانُهُ
تيهُ المُدِلِّ فَلَو مَشى لَتَبَختَرا
الواحدي: يقول كل شيء مسه ببنانه ظهر فيه الكبر حتى لو مشى ذلك الشيء لتبختر تشرفا بمسه إياه
- ٢٥
يا مَن إِذا وَرَدَ البِلادَ كِتابُهُ
قَبلَ الجُيوشِ ثَنى الجُيوشَ تَحَيُّرا
الواحدي: يقول كتابه يعمل عمل الجيش فإن من ورد عليهم كتابه يتحيرون في حسن لفظه وبدائع معاني كلامه فيستعظمونه فينصرفون أو أنه يسحرهم ببيانه فينصرفون عنه حين عمل فيهم كلامه عمل السحر
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِن كِتَابه يرد الجيوش فَيعْمل عمل الْجَيْش // بِحسن لَفظه // وبدائع مَعَانِيه فَإِذا سَمِعُوهُ تحيروا من فصيح الْكَلَام فيستعظمونه فينصرفون قَالُوا الواحدى يسحرهم ببيانه فينصرفون عَنهُ حِين عمل فيهم كَلَامه عمل السحر وَقَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا كتب إِلَى مُخَالف كتابا لم يحْتَج مَعَه إِلَى لِقَاء جيس لِأَنَّهُ بلغ مَا يُرِيد بِالْكتاب فكتابه يرد الجيوش رَاجِعَة تحيرا من فعل الْكتاب وَهُوَ من قَول إِسْحَاق بن حسان الخريمى (فى كلّ يومٍ لَهُ جُند موجَّهَةٌ ... مِن المكايد تُطْوَى فى الطَّوامِيرِ) وَمثله لِابْنِ الخريمى (تكْفى عَن النَّبلِ أَحْيَانًا مَكايدهُ ... وَرُبمَا خَلَفتْ أقلامُهُ الأسَلا)
- ٢٦
أَنتَ الوَحيدُ إِذا اِرتَكَبتَ طَريقَةً
وَمَنِ الرَديفُ وَقَد رَكِبتَ غَضَنفَرا
الواحدي: يقول أنت فرد الطريقة في كل أمر تقصده لا يقدر أحد أن يقتدي بك في طريقتك كراكب الأسد لا يقدر أحدٌ أن يكون رديفا له وعلى هذا القول الغضنفر مركوب ويجوز أن يكون حالا للممدوح يقول لا يقدر أحد أن يكون رديفا لك فإنك غضنفر
العكبري: الْإِعْرَاب الغضنفر قَالَ الواحدى هُوَ مركوب يُرِيد أَنه مفعول ركبت قَالَ وَيجوز أَن يكون حَالا للممدوح تَقْدِيره لَا يقدر أحد أَن يكون رديفا لَك وَأَنت غضنفر الْغَرِيب الغضنفر الْأسد الشَّديد الغليظ والرديف الرَّاكِب خَلفك وأردفنى فلَان إِذا أركبنى خَلفه الْمَعْنى يَقُول أَنْت فى كل أَمر تَفْعَلهُ فَرد لَا يقدر أحد أَن يتبعك فِيهِ كراكب الْأسد لَا يقدر أحد أَن يتبعهُ وَلَا أَن يكون رديفا لَهُ وَالْمعْنَى فعالك صعبة لَا يقدر عَلَيْهَا أحد فَلَا يتبعك عَلَيْهَا أحد مَخَافَة التَّقْصِير عَن مرادك فيفتضح
- ٢٧
قَطَفَ الرِجالُ القَولَ وَقتَ نَباتِهِ
وَقَطَفتَ أَنتَ القَولَ لَمّا نَوَّرا
الواحدي: يقول أقوال الناس كالثمر تقطف قبل ينعها وإدراكها وقولك كالنبات المتناهي في نبته يعني أنه تام بالغ في فيه عذب الكلام والنبات إذا نور فهو غاية تمامه ومعنى قوله قبل تمام نباته فحذف المضاف ويروي وقت نباته
العكبري: الْمَعْنى يَقُول أَخذ الرِّجَال الْكَلَام قبل بُلُوغه وانتهائه كالثمرة تقطف قبل ينعها وإدراكها فَقَوْلهم لَا فَائِدَة فِيهِ وَأخذت القَوْل لما أَزْهَر وانْتهى كَمَاله فَصَارَ كلامك ينْتَفع بِهِ والنبات إِذا نور كَانَ غَايَة تَمَامه وَقَوله قبل نَبَاته أى قبل تَمَامه
- ٢٨
فَهُوَ المُشَيَّعُ بِالمَسامِعِ إِن مَضى
وَهُوَ المُضاعَفُ حُسنُهُ إِن كُرِّرا
الواحدي: يقول الأسماع تتبع قولك إذا مضى حبا له وشغفا به وإذا كرر إزداد حسنه وإنما قال هذا لأن الكلام إذا أعيد سمج وإذا تكرر تكرد وكلام الممدوح يتضاعف حسنه عند التكريم وهذا منقول من أبي نواس يزيدك وجهه حسنا، إذا ما زدته نظراً،
- ٢٩
وَإِذا سَكَتَّ فَإِنَّ أَبلَغَ خاطِبٍ
قَلَمٌ لَكَ اِتَّخَذَ الأَصابِعَ مِنبَرا
الواحدي: أي أن قلمه إذا ركب أصابعه في كتابه كان أبلغ خاطب عند سكوت الممدوح
العكبري: الْإِعْرَاب رسائل بِالْجَرِّ وَالرَّفْع فالجر على وَرب رسائل وَمن رَفعه عطفه على قَوْله قلم لَك أى ورسائل لَك وَأَنت سَاكِت أبلغ خَاطب الْغَرِيب السحاء القرطاس يُقَال سحاء الْكتاب بِالْكَسْرِ وَالْمدّ الْوَاحِدَة سحاءة وَالْجمع أسحية وسحوت القرطاس وسحيته أسحاه إِذا قشرته والسنور مَا لبس وَأَخذه على بن الجهم فِي قَوْله فِي قبَّة المتَوَكل (وقبة ملك كَأَن النُّجُوم ... تصغى إِلَيْهَا بأسرارها) الْمَعْنى يَقُول إِذا قرءوا كتابك ورسائلك رَأَوْا من بلاغتك وجزالة ألفاظك مَا يقتلهُمْ غيظا وحسدا وييأسون مَعَه من الافتدار عَلَيْك فَيقوم ذَلِك مقَام السِّلَاح فى دفع الْأَعْدَاء وَمثل هَذَا مَا يحْكى عَن الرشيد أَنه كتب جَوَاب كتاب ملك الرّوم قَرَأت كتابك وَالْجَوَاب مَا ترَاهُ لَا مَا تقرؤه فَانْظُر إِلَى هَذَا اللَّفْظ الْوَجِيز كَيفَ مَلأ الأحشاء نَارا وَترك الْقُلُوب أعشارا وأشعر النُّفُوس حذارا وأعقب إقدام ذوى الْإِقْدَام نكوصا وفرارا وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر (هَل تَذْكُرين إذِ الرَّسائل بيْنَنا ... تجرِى على الوَرَق الذى لم يُغْرَس) (أَيَّام أسْرارى لديكِ وسرُّكُمْ ... يُهْدَى إلىَّ مَعَ الفصيح الأخرسِ) يُرِيد بالفصيح الْكتاب وبالورق الذى لَا يغْرس البردى وَشبهه
- ٣٠
وَرَسائِلٌ قَطَعَ العُداةُ سِحاءَها
فَرَأَوا قَناً وَأَسِنَّةً وَسَنَوَّرا
الواحدي: هذا البيت كالتفسير لقوله ثنى الجيوش تحيرا يقول الأعداء إذا قطعوا سحاء كتبك ورسائلك رأوا من بلاغتك وجزالة ألفاظك ما يقتلهم غيظا وحسدا وييأسون معه من الاقتدار عليك فيقوم لذلك مقام السلاح في دفع الأعداء ومثل هذا ما يحكي أن الرشيد كتب في جواب كتاب ملك الروم قرأت كتابك والجواب ما تراه لا ما تقرأه فأنظر إلى هذا اللفظ الوجيز كيف يملأ الأحشاء نارا، ويدع القلوب أعشارا، ويشعر النفوس حذارا، ويعقب إقدام ذوي الأقدام نكوصا وفرارا، والسنور الحديد والدروع
- ٣١
فَدَعاكَ حُسَّدُكَ الرَئيسَ وَأَمسَكوا
وَدَعاكَ خالِقُكَ الرَئيسَ الأَكبَرا
العكبري: الْمَعْنى يَقُول سماك الْأَعْدَاء الرئيس وأمسكوا وَسماك الله الرئيس الْأَكْبَر فَعلمنَا ذَلِك لما قَامَت صفاتك الشَّرِيفَة مقَام كَلَام الله وهى الَّتِى خصك الله بهَا فى الدّلَالَة على أَنَّك أفضل النَّاس فَصَارَ كَأَنَّهُ دعَاك الرئيس الْأَكْبَر قولا من حَيْثُ دعَاك فعلا كالخط فَإِن من كَاتب كمن شافه وخاطب وَمن أعلم خطا فَإِنَّهُ أسمع وَأفهم وَمعنى الْبَيْت أَن الْإِنْسَان إِذا رأى مَا خصك الله بِهِ من جلال الْفضل علم أَن الله دعَاك الرئيس الْأَكْبَر وَهُوَ من قَول الآخر (وناطِقٍ بضَميرٍ لَا لِسانَ لَهُ ... كأنَّه فَخِذ نيطَتْ إِلَى قَدَمِ) (يُبْدِى ضمير هَوَاهُ فى الحَديث كَمَا ... يُبْدِى ضَمِيرَ سِوَاه الخطُّ بالقَلَمِ)
- ٣٢
خَلَفَت صِفاتُكَ في العُيونِ كَلامَهُ
كَالخَطِّ يَملَءُ مِسمَعَي مَن أَبصَرا
الواحدي: يقول الصفات الشريفة التي خصك الله بها تخلف كلام الله تعالى في الدلالة على أنك أفضل الناس فصار كأنه دعاك الأكبر قولا من حيث دعاك فعلا كالخط فإن من كاتب كمن شافه وخاطب ومن علم أنك مستحق عند الله لأن تسمى الرئيس الأكبر
- ٣٣
أَرَأَيتَ هِمَّةَ ناقَتي في ناقَةٍ
نَقَلَت يَداً سُرُحاً وَخُفّاً مُجمَرا
الواحدي: السرح السهلة السير المجمر من صفة الخف الصلب انشد الكسائي، أنعتها إني من نعاتها، مدراةُ الأخفاف مجمراتها، ويقال أيضا مجمر أي خفيف سريع من قولهم أجمرت الناقة إذا أسرعت قال الأستاذ أبو بكر الخوارزمي في قوله خفا مجمرا أراد خفا خفيفا فلم يوافقه اللفظ ولو وافقه لكان تجنيسا ظاهرا وإذا لم يوافقه فهو تجنيسٌ معمي كقول الشماخ، وما أروي وإن كرمت علينا، بأدني من موقفةٍ حرون، أراد أن يقول بادني من أروى فلم يساعده اللفظ فعدل عن الفظ الأروى إلى صفتها وهو يديدها ومعنى البيت أنه أخبر عن علو همة ناقته حين قصدته وهو اخبار عن علو همة نفسه لأنه يحمل ناقته على السير ثم ذكر علو همتها
العكبري: الْغَرِيب السرج السهلة السّير والخف المجمر الشَّديد الصلب الذى نكته الْحِجَارَة وَلَيْسَ بواسع وَلَا ضيق الْمَعْنى أَنه يخبر عَن علو همته لِأَنَّهُ يحمل نَاقَته على السّير قَالَ الواحدى مجمر أى خَفِيف سريع من قَوْلهم أجمرت النَّاقة إِذا أسرعت وَقَالَ الخوارزمى خفا مجمرا أى خَفِيفا فَلم يُوَافقهُ اللَّفْظ وَلَو وَافقه لَكَانَ تجنيسا ظَاهرا فَإِذا لم يُوَافقهُ فَهُوَ تجنيس معنوى
- ٣٤
تَرَكَت دُخانَ الرَمثِ في أَوطانِها
طَلَباً لِقَومٍ يوقِدونَ العَنبَرا
الواحدي: الرمث نبت يوقد به أي تركت الأعراب ووقودهم وأتت قوما وقودهم العنبر وهذا من قول البحتري، نزلوا بأرض الزعفران وجانبوا، أرضا ترب الشيح والقيصوما،
العكبري: الْغَرِيب الرمث نبت يُوقد بِهِ وَهُوَ من مراعى الْإِبِل وَهُوَ من الحمض والرمث بِالْفَتْح والتحريك خشب يضم بعضه إِلَى بعض ويركب عَلَيْهِ فى الْبَحْر وَالْجمع أرماث قَالَ أَبُو صَخْر الهذلى (تمنَّيْتُ من حبى عُلَيَّةَ أنَّنا ... على رَمَثٍ فى الْبَحْر لَيْسَ لنا وفْرُ) الْمَعْنى يَقُول تركت الْأَعْرَاب ووقودهم هَذَا النبت وَأثبت قوما وقودهم من العنبر وَهُوَ من قَول البحترى (نزَلوا بأرْضِ الزَّعْفران وجانَبوا ... أرْضاً تَرُبُّ الشِّيحَ والقَيْصُوما)
- ٣٥
وَتَكَرَّمَت رُكَباتُها عَن مَبرَكٍ
تَقَعانِ فيهِ وَلَيسَ مِسكاً أَذفَرا
الواحدي: يقول تكرمت ناقتي عن أن تبرك إلا على المسك الأذفر وهو الشديد الرائحة يردي أن العنبر بحضرة الممدوح يوقد به والمسك ممتهن عنده بحيث يبرك عليه البعير والركبات جمع ركبة وهذا جمع أريد به الإثنان كقوله تعالى فقد صغت قلوبكما وكقول الشاعر، ظهراهما مثل ظهور الترسن، وهو كثير وذلك أن أول الجمع إثنان فجاز أن يعبر عنهما بلفظ الجمع لما كانا جمعا فيدل على أنه أراد بلفظ الجمع الاثنين أنه لما أخبر كما يخبر عن الأثنين بقوله تقعان
العكبري: الْإِعْرَاب ركباتها جمع ركبة وَإِنَّمَا عَنى اثْنَيْنِ وَهُوَ كَقَوْلِه جلّ وَعلا فقد (فقد صغت قُلُوبكُمَا ... ) وكقول الشَّاعِر (ظهراهما مثلَ ظُهور التُّرْسين ... ) وَذَلِكَ أَن أقل الْجمع اثْنَان فَجَاز أَن يعبر عَنْهُمَا بِالْجمعِ وَدلّ على أَنه أَرَادَ التَّثْنِيَة أَنه أخبر عَنْهُمَا بالتثنية فَقَالَ تقعان وَيجوز أَن يكون أَرَادَ الْجمع فَسمى كل جُزْء مِنْهُمَا ركبة كَقَوْلِه شابت مفارقه وَهُوَ مفرق وَاحِد وَإِنَّمَا أَرَادَ كل جُزْء من المفرق ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْحَقِيقَة فَقَالَ تقعان الْغَرِيب الأذفر الشَّديد الرَّائِحَة الْمَعْنى يَقُول تكرمت ناقتى عَن البروك إِلَّا على الْمسك الأذفر لِأَن العنبر يُوقد بِحَضْرَة الممدوح والمسك ممتهن عِنْده بِحَيْثُ تبرك عَلَيْهِ ناقتى
- ٣٦
فَأَتَتكَ دامِيَةَ الأَظَلِّ كَأَنَّما
حُذِيَت قَوائِمُها العَقيقَ الأَحمَرا
الواحدي: الأظل باطن خف البعير وحذيت جعل لها حذاء وهو النعل يقول أتتك الناقة وقد دميت خفافها لطول السير وحزونة الطريق حتى كأنها أحتذت العقيق الأحمر كما قال الآخر، كأن أيديهن بالموماة، أيدي جوارٍ بتنَ ناعماتِ، أي تخضبت بالدم خضاب هؤلاء الجواري
العكبري: الْغَرِيب الأظل بَاطِن الْخُف الذى يلى الأَرْض وحذيت جعل لَهَا حذاء وَهُوَ النَّعْل الْمَعْنى يَقُول أتتك هَذِه النَّاقة وَقد دميت خفافها لطول السّير وحزونة الطَّرِيق حَتَّى كَأَنَّهَا احتذت العقيق الْأَحْمَر وَهُوَ حِجَارَة حمر فِيهَا جوهرية وَهَذَا مثل قَول الآخر (كأنَّ أيْدِيهِنَّ بالمَوْماةِ ... أيْدى جَوَارٍ بِتْنَ ناعماتِ) يُرِيد أَنَّهَا خضبت بِالدَّمِ كخضاب أيدى هَؤُلَاءِ الجوارى
- ٣٧
بَدَرَت إِلَيكَ يَدَ الزَمانِ كَأَنَّها
وَجَدَتهُ مَشغولَ اليَدَينِ مُفَكِّرا
الواحدي: يقول سبقت إليك العوائق وصروف الزمان فكأنها وجدت الزمان مشغولا عنها فانتهزت الفرصة في قصدك فإن الزمان موكلٌ صروفه بدفع الخيرات
العكبري: الْغَرِيب بدرت أى سبقت من الْمُبَادرَة الْمَعْنى يُرِيد أَن نَاقَته سبقت إِلَى هَذَا الممدوح صرف الزَّمَان فَكَأَنَّهَا وجدت الزَّمَان مَشْغُولًا عَنْهَا فانتهزت الفرصة سَابِقَة إِلَيْك نوائبه وصروفه لِأَن صرف الزَّمَان يدْفع وَيمْنَع الْخيرَات
- ٣٨
مَن مُبلِغُ الأَعرابِ أَنّي بَعدَها
شاهَدتُ رَسطاليسَ وَالإِسكَندَرا
الواحدي: يقول من الذي يبلغ الأعراب أني بعد أن فارقتهم رأيت عالما هو في علمه وحكمته مثل أرسطاليس وملكا هو ي سعة ملكه كالأسكندر ورسطاليس أسم رومي لما أراد استعماله حذف بعضه فإن العرب تجترىء على استعمال الاعجمية فإن أمكن نقلها إلى أوزانهم نقلوها وإن لم يمكن نقلها حذفوا بعضها ومثل هذا الأسم في كثرة حروفه لا يوجد في كلام العرب
- ٣٩
وَمَلِلتُ نَحرَ عِشارِها فَأَضافَني
مَن يَنحَرُ البِدَرَ النُضارَ لِمَن قَرى
الواحدي: يقول مللت في صحبة الأعراب نحو الإبل ولحومها فأضافني من يجعل قراه بدر الذهب وهذا من قول البحتري، ملك بعالية العراق قبابهُ، يقرى البدور بها ونحن ضيوفهُ، وإنما استعمل النحر في البدر لذكره نحر العشار ومعنى نحر البدر فتحها لأعطاء ما فيها من الذهب
العكبري: الْغَرِيب العشار جمع عشراء وهى الَّتِى أَتَى لحملها عشرَة أشهر والبدر جمع بدرة وَيُقَال البدرة عشرَة آلَاف والنضار الذَّهَب الْمَعْنى يَقُول مللت صُحْبَة الْأَعْرَاب وَنحر الْإِبِل ولحومها فأضافنى الممدوح فَجعل قراى بدر الذَّهَب وَهَذَا من قَول البحترى (مَلِكٌ بعاليةِ العِراقِ قِبابُهُ ... يَقْرِى البُدُورَ بهَا ونحنُ ضُيوفُهُ) وَلما ذكر نحر العشار ذكر نحر الْبَدْر وَمعنى نحرها فتحهَا لإعطاء مَا فِيهَا
- ٤٠
وَسَمِعتُ بَطليموسَ دارِسَ كُتبِهِ
مُتَمَلِّكاً مُتَبَدِّياً مُتَحَضِّراً
الواحدي: بطليموس حكيم من حكماء الروم صنف كتاب في الطب والحكم وابن العميد كان أيضا حكيما عالما قد جمع بين أفعال الملوك وفصاحة البدو وظرافة الحضر يقول سمعت من ابن العميد وهو يدرك كتب نفسه في حال جمعه بين الملوكية والبدوية والحضرية وبطليموس هو ابن العميد سماه بهذا للمشابهة بينه وبين هذا الحكيم ونصب دارس كتبه على الحال وكذلك ما بعده ويجوز أن يريد أنه سمع من ابن العميد ما عفا ودرس من كتب بطليموس لأنه أحياه بذكاء فطنته وجودة قريحته ويكون التقدير سمعت دارس كتب بطليموس ولكنه قدم ذكره ثم كنى عنه ويجوز أن يكون دارس كتبه مفعولا ثانيا كما تقول سمعت زيدا هذا الحديث
العكبري: الْإِعْرَاب دارس كتبه نصب على الْحَال وَمَا بعده أَيْضا حَال وَقَالَ الواحدى يجوز أَن يكون دارس كتبه مَفْعُولا ثَانِيًا كَمَا تَقول سَمِعت زيدا هَذَا الحَدِيث الْغَرِيب بطليموس حَكِيم من حكماء الرّوم لَهُ كتب فى الطِّبّ وَالْحكمَة الْمَعْنى يَقُول سَمِعت بطليموس يُرِيد بِهِ الممدوح لِأَنَّهُ كَانَ حكيما عَالما جمع بَين أَفعَال الْمُلُوك وفصاحة البدو وظرف الْحَضَر يدرس كتبه فى حَال جمعه بَين الملوكية والبدوية والحضرية وَسَماهُ بطليموس لمشابهة لَهُ فى الْحِكْمَة وَالْعلم وَقَالَ الواحدى يجوز أَن يكون سمع من ابْن العميد مَا عَفا ودرس من كتب بطليموس لِأَنَّهُ أَحْيَاهُ بذكائه وجودة قريحته وَيكون التَّقْدِير سَمِعت دارس كتب بطليموس وَلكنه قدم ذكره ثمَّ كنى عَنهُ
- ٤١
وَلَقيتُ كُلَّ الفاضِلينَ كَأَنَّما
رَدَّ الإِلَهُ نُفوسَهُم وَالأَعصُرا
الواحدي: يقول عصر وأعصرٌ وعصورٌ يقول لقيت بلقائه كل من كان له فضل علم فكأن الله تعالى أحياهم ورد زمانهم حتى لقيت كلهم والمعنى أن فيه من الفضل ما كان في جميع الفضلاء
- ٤٢
نُسِقوا لَنا نَسَقَ الحِسابِ مُقَدَّماً
وَأَتى فَذَلِكَ إِذ أَتيتَ مُؤَخَّرا
الواحدي: يقول جمع لنا الفضلاء في الزمان ومضوا متتابعين متقدمين عليك في الوجود فلما أتيت بعدهم كان فيك من الفضائل ما كان فيهم مثل الحساب يذكر تفاصيله أولا ثم يجمل على تلك التفاصيل فيكتب في مؤخر الحساب فذلك كذا وكذا فيجمع في الجملة ما ذكر في التفصيل كذلك أنت جمعت فيك من الفضل ما يفرق فيهم وهذا البيت ينظر إلى قول من قال، وفي الناس مما خصصتم به، تفاريق لكن لكم مجتمعْ،
العكبري: الْمَعْنى قَالَ الواحدى جمع لنا الْفُضَلَاء فى الزَّمَان ومضوا مُتَتَابعين متقدمين عَلَيْك فى الْوُجُود فَلَمَّا أتيت بعدهمْ كَانَ فِيك من الْفضل مَا كَانَ فيهم مثل الْحساب يذكر تفاصيله أَولا ثمَّ تجمل تِلْكَ التفاصيل فَيكْتب فى آخر الْحساب فَذَلِك كَذَا وَكَذَا فَيجمع فى الْجُمْلَة مَا ذكر فى التَّفْصِيل كَذَلِك أَنْت جمع فِيك مَا تفرق فيهم من الْفَضَائِل وَالْعلم وَالْحكمَة وَفِيه نظر إِلَى قَول الْقَائِل (وفى النَّاسِ مِمَّا خُصِصْتُمْ بِه ... تفاريقُ لكنْ لكُمْ مُجْتَمِعْ)
- ٤٣
يا لَيتَ باكِيَةً شَجاني دَمعُها
نَظَرَت إِلَيكَ كَما نَظَرتُ فَتَعذِرا
الواحدي: يقول الباكية التي بكت على فراقي وأحزنني بكاؤها ليتها رأتك كما رأيت فتعذرني في فراقها وركوب الأهوال والاخطار في السفر إليك
- ٤٤
وَتَرى الفَضيلَةَ لا تَرُدُّ فَضيلَةً
الشَمسَ تُشرِقُ وَالسَحابَ كَنَهوَرا
الواحدي: روى ابن جنى لا ترد وقال معناه وترى الفضيلة فيك مشرقة غير مشكوك فيها كما ترى الشمس إذا أشرقت والسحاب إذا كان عظيما متكاثفا وتقديره وترى الفضيلة فضيلةً لا ترد فيكون نصب فضيلةً على الحال ثم نصب الشمس بفعلٍ مضمر يدل عليه ما قبله كأنه قال ترى هي برؤيتها فضائلك الشمس في حال إشراقها والمزن في حال تراكمها ومعنى لاترد أي هي مقبولة غير مردودة قال ابن فورجة صحف البيت ثم تمحل له تفسيرا وهو يرويه لا ترد ولا ريب أنه إذا صحف واخطأ المراد احتاج إلى تمحل وجهٍ والذي قاله أبو الطيب لا ترد فضيلة وفاعله الضمير من الفضيلة ونصب فضيلةً ثانية لأنها مفعول بها والمعنى أنها ترى الفضيلة لا ترد ضدها من الفضائل على ما عهدنا في المتضادين ثم فسر ذلك فقال يوجدك الشمس مشرقةً والسحاب كنهوراً أي في حالة واحدة يوجدك هذا الممدوح هذين المتضادين إذا كانت الشمس يسترها السحاب كنهورا فوجهه كالشمس اضآءةً ونائله كالسحاب الكنهور فيضاً وهما لا يتنافيان في وقتٍ واحد ولو كانا في الحقيقة الشمس والسحاب لستر السحابُ الشمس فتنافيا وقد كاد يوضح هذا المعنى محمد بن عليذ بن بسام على رذالة شعره بقوله، الشمس غرته والغيث راحتهُ، فهل سمعتم بغيثٍ جاء من شمس، وأوضح ابن الرومي هذا المعنى حيث يقول، يلقى مغيماً مشمساً في حالةٍ، هطل الإغامةِ نيرَ الإشماس، وقد قال أيضا في هذا المعنى، لكل جليسٍ من يديه ووجهه، مدى الدهر يومٌ غائمُ الجو شامسُ، وتبعه البحتري فقال، وأبيض وضاح إذا ما تغيمت، يداه تجلى وجهه فتقشعا، ولم يوضح أحد هذا المعنى كما أوضحه الرضى الموسوي، أمطروا الجود مضيئاً بشرهم، فرأيناهم شموساً وغماما، وذكر المتنبي هذا المعنى وقال، قمراً ترى وسحابتين بموضعٍ، من وجهه ويمينه وشمالهِ، وقال أيضا، شمنا وما حجب السماء بروقه، وحرى يجود وما مرته الريحُ،
العكبري: الْإِعْرَاب نصب فَتعذر على جَوَاب التمنى بإضمار أَن عِنْد الْبَصرِيين وَعِنْدنَا بِالْفَاءِ نَفسهَا الْمَعْنى يَقُول لَيْت الَّتِى أحزننى دمعها لما فارقتها بِالْمَسِيرِ إِلَيْك وَالْقَصْد لَك رَأَتْ كَمَا رَأَيْت مِنْك فَكَانَت تعذرنى على فراقها وركوب الْأَهْوَال إِلَيْك ٤٥ - الْإِعْرَاب روى ابْن جنى لَا ترد على مَا لم يسم فَاعله وَقَالَ ابْن فورجة صحف ابْن جنى وتمحل لتصحيفه وَجها وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة لَا ترد وفاعلها ضمير الْفَضِيلَة وَنصب الْفَضِيلَة الثَّانِيَة لِأَنَّهَا مفعول ترد وَنصب الشَّمْس والسحاب بِفعل مُضْمر فَكَأَنَّهُ قَالَ وَترى بِرُؤْيَة فضائلك الشَّمْس والسحاب وتشرق فى مَوضِع الْحَال وكنهورا حَال الْغَرِيب شَرقَتْ الشَّمْس إِذا طلعت وأشرقت إِذا أظلت وأضاءت والكنهور الْعَظِيم المتكاثف الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح ترى الْفَضِيلَة فِيك وَاضِحَة غير مَشْكُوك فِيهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ ترى برؤيتك الشَّمْس والسحاب وَالشَّمْس وَاضِحَة والسحاب متكاثفا متراكما وَقَالَ لَا ترد بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول أى هى مَقْبُولَة غير مَرْدُودَة وَقَالَ أَبُو على بن فورجة صحف الْبَيْت ثمَّ جعل لَهُ تَفْسِيرا وَهُوَ رِوَايَة لَا ترد وَلَا ريب أَنه إِذا صحف وَأَخْطَأ احْتَاجَ إِلَى تمحل وَجه والذى قَالَ أَبُو الطّيب لَا ترد وفاعله الضَّمِير فى الْفَضِيلَة وَنصب الثَّانِيَة لِأَنَّهَا مفعول بهَا وَمعنى الْبَيْت أَنَّهَا ترى الْفَضِيلَة لَا ترد ضدها من الْفَضَائِل على مَا عهدنا من المتضادين ثمَّ فسر ذَلِك فَقَالَ يوجدك الشَّمْس مشرقة والسحاب كنهورا فى حَال وَاحِد أى يوجدك هَذَا الممدوح هَذِه المتضادين وَإِن كَانَت الشَّمْس يَسْتُرهَا السَّحَاب فوجهه كَالشَّمْسِ إضاءة ونائلة كالسحاب الكنهور فعلى تضادهما لَا يتنافيان فى وَقت وَاحِد وَلَو كَانَا فى الْحَقِيقَة الشَّمْس والسحاب لستر السَّحَاب الشَّمْس وتنافيا وَقد قَالَ فى مَعْنَاهُ مُحَمَّد بن على بن بسام (الشَّمْس غرته والغيث رَاحَته ... فَهَل سَمِعْتُمْ بغيث جَاءَ من شمس) (تَلْقَى مُغِيما مُشْمِساً فى حالَةٍ ... هَطِلَ الإغامة نَيّرِ الإشْماسِ) وَقَالَ أَيْضا (لكُلّ جَليسٍ فى يَدَيْهِ ووَجْهه ... مَدَى الدَّهْرِ يَوْما الغَيْمِ والإشْماسِ) وَتَبعهُ البحترى فَقَالَ (وأبْيَضَ وَضَّاحٍ إِذا مَا تَغَيَّمَتْ ... يَداهُ تجَّلى وجهُه فتقَشَعَّا) وَقَالَ ابْن القطاع الْمَعْنى يُرِيد أَن من عَادَة الشَّمْس أَن يَسْتُرهَا السَّحَاب إِذا اجْتمعَا وفيك هَاتَانِ الفضيلتان لَا ترد إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى لِأَنَّهُمَا كالمتضادين فِيك وَلَا تنفى إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى فِيك إشراق الشَّمْس وانهمال السَّحَاب يُشِير إِلَى تبلجه عِنْد السُّؤَال وتدفقه بالنوال
- ٤٥
أَنا مِن جَميعِ الناسِ أَطيَبُ مَنزِلاً
وَأَسَرُّ راحِلَةً وَأَربَحُ مَتجَرا
الواحدي: يقول طاب مكاني ومنزلي بقصده وسرتني راحلتي حين أدتني إليه فاسر مبالغة من السار ويجوز أن يكون مبالغةً من المسرور والمراد بسرورها سرور راكبها وتجارتي أربح من تجارة غيري حين اشتري شعري بأوفر الأثمان
العكبري: الْإِعْرَاب منزلا وَمَا بعده مَنْصُوب على التَّمْيِيز الْغَرِيب أسر رَاحِلَة قَالَ الواحدى وَهُوَ مُبَالغَة من السِّرّ أى أخفتنى بسراها لَيْلًا حَتَّى أَتَيْتُك وَإِن كَانَ من السرُور فَيكون سرُور صَاحبهَا هُوَ المُرَاد بسرورها والمتجر مَا يتَّخذ للتِّجَارَة الْمَعْنى يَقُول منزلى أطيب وأفسح من كل أحد وتجارتى أربح تِجَارَة لِأَن شعرى مَطْلُوب دون شعر غيرى لأنى أعْطى عَلَيْهِ الجزيل
- ٤٦
زُحَلٌ عَلى أَنَّ الكَواكِبَ قَومُهُ
لَو كانَ مِنكَ لَكانَ أَكرَمَ مَعشَرا
الواحدي: جعل الكواكب المحيطة بزحل كالقوم له حين كان يسمى شيخ النجوم يقول زحل لو كان من عشيرتك لكان أكرم معشرا منه الآن والنجوم قومه يعني أن قوم الممدوح ورهطه أشرف من النجوم وأحضر مجلس ابن العميد مجمرة محشوة آسا ونرجساً أخفيت نارها والدخان يخرج من خلال ذلك فقال أبو الطيب
العكبري: الْغَرِيب زحل من الْكَوَاكِب السَّبْعَة السيارة وَله برجان وهما الجدى والدلو وهما برجا الشَّمْس فى الشتَاء والمعشر وَالْعشيرَة قوم الرجل وَأَهله وَالْقَوْل لما يعقل فى الْحَقِيقَة للذكور دون غَيرهم وَلما جعل الْكَوَاكِب محدقة بزحل وَكَانَ الإحداق مِمَّا يُوصف بِهِ ذَوُو الْعقل أوقع عَلَيْهَا اسْم الْقَوْم وَكَذَا فى الْكتاب الْعَزِيز لما وصفت بِوَصْف من يعقل قَالَ ﴿إِنِّي رَأَيْت أحد عشر كوكبا وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لي ساجدين﴾ فجَاء ضمير هم ضمير من يعقل الْمَعْنى يَقُول زحل شيخ النُّجُوم وَلَو كَانَ من عشيرتك لَكَانَ أكْرم معشراء مِنْهُ الْآن والنجوم قومه وَذَلِكَ أَن قَوْمك أشرف من النُّجُوم فَلَو كَانَ من قَوْمك كَانَ أشرف مِمَّا هُوَ فِيهِ مَعَ أَن معشره النُّجُوم
هذه القصيدة بشرح الواحدي، والعكبري
أبيات مشهورة منها(٦)
- وَلَقيتُ كُلَّ الفاضِلينَ كَأَنَّما ... رَدَّ الإِلَهُ نُفوسَهُم وَالأَعصُرا
- نُسِقوا لَنا نَسَقَ الحِسابِ مُقَدَّماً ... وَأَتى فَذَلِكَ إِذ أَتيتَ مُؤَخَّرا
- وَسَمِعتُ بَطليموسَ دارِسَ كُتبِهِ ... مُتَمَلِّكاً مُتَبَدِّياً مُتَحَضِّراً
- تَرَكَت دُخانَ الرَمثِ في أَوطانِها ... طَلَباً لِقَومٍ يوقِدونَ العَنبَرا
- مَن مُبلِغُ الأَعرابِ أَنّي بَعدَها ... شاهَدتُ رَسطاليسَ وَالإِسكَندَرا
- بادٍ هَواكَ صَبَرتَ أَم لَم تَصبِرا ... وَبُكاكَ إِن لَم يَجرِ دَمعُكَ أَو جَرى
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.