الخيل والليل والبيداءُ تعرفني
الشاعر: المتنبي · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة مدح
«الخيل والليل والبيداءُ تعرفني» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في 38 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة مدح.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
وَاحَرَّ قَلْبَاهُ مِمَّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ ... وَمَنْ بِجِسْمِي وَحَالِي عِنْدَهُ سَقَمُ
مَا لِي أُكَتِّمُ حُبًّا قَدْ بَرَى جَسَدِي ... وَتَدَّعِي حُبَّ سَيْفِ الدَّوْلَةِ الْأُمَمُ
إِنْ كَانَ يَجْمَعُنَا حُبٌّ لِغُرَّتِهِ ... فَلَيْتَ أَنَّا بِقَدْرِ الْحُبِّ نَقْتَسِمُ
قَدْ زُرْتُهُ وَسُيُوفُ الْهِنْدِ مُغْمَدَةٌ ... وَقَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهِ وَالسُّيُوفُ دَمُ
فَكَانَ أَحْسَنَ خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِمْ ... وَكَانَ أَحْسَنَ مَا فِي الْأَحْسَنِ الشِّيَمُ
فَوْتُ الْعَدُوِّ الَّذِي يَمَّمْتَهُ ظَفَرٌ ... فِي طَيِّهِ أَسَفٌ فِي طَيِّهِ نِعَمُ
قَدْ نَابَ عَنْكَ شَدِيدُ الْخَوْفِ وَاصْطَنَعَتْ ... لَكَ الْمَهَابَةُ مَا لَا تَصْنَعُ الْبُهَمُ
أَلْزَمْتَ نَفْسَكَ شَيْئًا لَيْسَ يَلْزَمُهَا ... أَنْ لَا يُوَارِيَهُمْ أَرْضٌ وَلَا عَلَمُ
أَكُلَّمَا رُمْتَ جَيْشًا فَانْثَنَى هَرَبًا ... تَصَرَّفَتْ بِكَ فِي آثَارِهِ الْهِمَمُ
عَلَيْكَ هَزْمُهُمْ فِي كُلِّ مُعْتَرَكٍ ... وَمَا عَلَيْكَ بِهِمْ عَارٌ إِذَا انْهَزَمُوا
أَمَا تَرَى ظَفَرًا حُلْوًا سِوَى ظَفَرٍ ... تَصَافَحَتْ فِيهِ بِيضُ الْهِنْدِ وَاللِّمَمُ
يَا أَعْدَلَ النَّاسِ إِلَّا فِي مُعَامَلَتِي ... فِيكَ الْخِصَامُ وَأَنْتَ الْخَصْمُ وَالْحَكَمُ
أُعِيذُهَا نَظَرَاتٍ مِنْكَ صَادِقَةً ... أَنْ تَحْسَبَ الشَّحْمَ فِيمَنْ شَحْمُهُ وَرَمُ
وَمَا انْتِفَاعُ أَخِي الدُّنْيَا بِنَاظِرِهِ ... إِذَا اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الْأَنْوَارُ وَالظُّلَمُ
سَيَعْلَمُ الْجَمْعُ مِمَّنْ ضَمَّ مَجْلِسُنَا ... بِأَنَّنِي خَيْرُ مَنْ تَسْعَى بِهِ قَدَمُ
أَنَا الَّذِي نَظَرَ الْأَعْمَى إِلَى أَدَبِي ... وَأَسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ
أَنَامُ مِلْءَ جُفُونِي عَنْ شَوَارِدِهَا ... وَيَسْهَرُ الْخَلْقُ جَرَّاهَا وَيَخْتَصِمُ
وَجَاهِلٍ مَدَّهُ فِي جَهْلِهِ ضَحِكِي ... حَتَّى أَتَتْهُ يَدٌ فَرَّاسَةٌ وَفَمُ
إِذَا رَأَيْتَ نُيُوبَ اللَّيْثِ بَارِزَةً ... فَلَا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللَّيْثَ يَبْتَسِمُ
وَمُهْجَةٍ مُهْجَتِي مِنْ هَمِّ صَاحِبِهَا ... أَدْرَكْتُهَا بِجَوَادٍ ظَهْرُهُ حَرَمُ
رِجْلَاهُ فِي الرَّكْضِ رِجْلٌ وَالْيَدَانِ يَدٌ ... وَفِعْلُهُ مَا تُرِيدُ الْكَفُّ وَالْقَدَمُ
وَمُرْهَفٍ سِرْتُ بَيْنَ الْجَحْفَلَيْنِ بِهِ ... حَتَّى ضَرَبْتُ وَمَوْجُ الْمَوْتِ يَلْتَطِمُ
الْخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالْبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي ... وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالْقِرْطَاسُ وَالْقَلَمُ
صَحِبْتُ فِي الْفَلَوَاتِ الْوَحْشَ مُنْفَرِدًا ... حَتَّى تَعَجَّبَ مِنِّي الْقُورُ وَالْأَكَمُ
يَا مَنْ يَعِزُّ عَلَيْنَا أَنْ نُفَارِقَهُمْ ... وِجْدَانُنَا كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَكُمْ عَدَمُ
مَا كَانَ أَخْلَقَنَا مِنْكُمْ بِتَكْرِمَةٍ ... لَوْ أَنَّ أَمْرَكُمْ مِنْ أَمْرِنَا أَمَمُ
إِنْ كَانَ سَرَّكُمْ مَا قَالَ حَاسِدُنَا ... فَمَا لِجُرْحٍ إِذَا أَرْضَاكُمْ أَلَمُ
وَبَيْنَنَا لَوْ رَعَيْتُمْ ذَاكَ مَعْرِفَةٌ ... إِنَّ الْمَعَارِفَ فِي أَهْلِ النُّهَى ذِمَمُ
كَمْ تَطْلُبُونَ لَنَا عَيْبًا فَيُعْجِزُكُمْ ... وَيَكْرَهُ اللَّهُ مَا تَأْتُونَ وَالْكَرَمُ
مَا أَبْعَدَ الْعَيْبَ وَالنُّقْصَانَ مِنْ شَرَفِي ... أَنَا الثُّرَيَّا وَذَانِ الشَّيْبُ وَالْهَرَمُ
لَيْتَ الْغَمَامَ الَّذِي عِنْدِي صَوَاعِقُهُ ... يُزِيلُهُنَّ إِلَى مَنْ عِنْدَهُ الدِّيَمُ
أَرَى النَّوَى يَقْتَضِينِي كُلَّ مَرْحَلَةٍ ... لَا تَسْتَقِلُّ بِهَا الْوَخَّادَةُ الرُّسُمُ
لَئِنْ تَرَكْنَ ضُمَيْرًا عَنْ مَيَامِنِنَا ... لَيَحْدُثَنَّ لِمَنْ وَدَّعْتُهُمْ نَدَمُ
إِذَا تَرَحَّلْتَ عَنْ قَوْمٍ وَقَدْ قَدَرُوا ... أَنْ لَا تُفَارِقَهُمْ فَالرَّاحِلُونَ هُمُ
شَرُّ الْبِلَادِ مَكَانٌ لَا صَدِيقَ بِهِ ... وَشَرُّ مَا يَكْسِبُ الْإِنْسَانُ مَا يَصِمُ
وَشَرُّ مَا قَنَصَتْهُ رَاحَتِي قَنَصٌ ... شُهْبُ الْبُزَاةِ سَوَاءٌ فِيهِ وَالرَّخَمُ
بِأَيِّ لَفْظٍ تَقُولُ الشِّعْرَ زِعْنِفَةٌ ... تَجُوزُ عِنْدَكَ لَا عُرْبٌ وَلَا عَجَمُ
هَذَا عِتَابُكَ إِلَّا أَنَّهُ مِقَةٌ ... قَدْ ضُمِّنَ الدُّرَّ إِلَّا أَنَّهُ كَلِمُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
من شروح القرّاء
يقول المتنبي إنَّ بينه وبين سيف الدولة معرفةً ومودةً سابقة، وكان يتمنى لو أن سيف الدولة راعى هذه المعرفة وحفظها ولم يتجاهلها. ثم يؤكد أن المعارف عند أهل النُّهى ذِمَمٌ، أي أن أصحاب العقل والحكمة يرون أن المعرفة والصداقة السابقة عهدٌ وحقٌّ يجب الوفاء به وحفظه. فهو يذكّر سيف الدولة بالعلاقة التي كانت
يقول المتنبي إنّه ينام ملء جفونه عن شواردها، أي ينام مطمئنًا ولا يقلق على قصائده وأبياته التي يقولها، حتى لو كانت شوارد، أي أبياتًا ومعانيَ نادرةً متميزةً تخرج عن المألوف. بينما يسهر الخلق جرّاها ويختصم، أي أن الناس يسهرون بسبب هذه الأبيات، ويتجادلون فيها ويتنافسون في فهمها وتفسيرها ونقدها. فهو يعبّ
يقول المتنبي: «ما لي أكتّم حبًّا قد برى جسدي» أي لماذا أخفي وأكتم حبًّا شديدًا أنهك جسدي وأضعفني من شدته؟ ثم يقول: «وتدّعي حبّ سيف الدولة الأمم» أي في الوقت الذي تدّعي فيه الأمم والشعوب حبَّ سيف الدولة الحمداني. فالشاعر يوضح أنه لا يريد إخفاء حبّه الشديد لسيف الدولة، رغم أن غيره من الناس والأمم يدّع
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- البهم: بهم: البَهِيمةُ: كلُّ ذاتِ أَربَعِ قَوائم مِنْ دَوابّ البرِّ وَالْمَاءِ، وَالْجَمْعُ بَهائم. والبَهْمةُ: الصغيرُ مِنْ أَولاد الغَنَم الضأْن والمَعَز والبَقَر مِنَ الْوَحْشِ وَغَيْرِهَا، الذكَرُ والأُنْثى فِي ذَلِكَ سَوَا … (لسان العرب)
- الشيم: شيم: الشِّيمةُ: الخُلُقُ. والشِّيمةُ: الطَّبِيعَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَن الْهَمْزَ فِيهَا لُغَيَّة، وَهِيَ نَادِرَةٌ. وتَشَيَّم أَبَاهُ: أَشْبَهَهُ فِي شيمتِه؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. وَالشَّامَةُ: عَلَامَةٌ مُخَالِفَةٌ لِ … (لسان العرب)
- بجسمي: جَسَمَ: الجِسْمُ: جَمَاعَةُ البَدَنِ أَو الأَعضاء مِنَ النَّاسِ والإِبل وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَنواع الْعَظِيمَةِ الخَلْق، وَاسْتَعَارَهُ بَعْضُ الْخُطَبَاءِ للأَعراض فَقَالَ يَذْكُرُ عِلْم القَوافي: لَا مَا … (لسان العرب)
- بقدر: قدر: القَدِيرُ والقادِرُ: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَكُونَانِ مِنَ القُدْرَة وَيَكُونَانِ مِنَ التَّقْدِيرِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*؛ مِنَ القُدْرة، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ … (لسان العرب)
- تصنع: صنع: صَنَعَه يَصْنَعُه صُنْعاً، فَهُوَ مَصْنوعٌ وصُنْعٌ: عَمِلَه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ؛ قَالَ أَبو إِسحاق: الْقِرَاءَةُ بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، فَمَنْ نَصَبَ فَعَلَى … (لسان العرب)
- زرته: زرت: أَهمله اللَّيْثُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: زَرَدَه وزَرَتَه إِذا خَنَقَه. (لسان العرب)
- شبم: شبم: الشَّبَمُ، بِالتَّحْرِيكِ: البَرْدُ. ابْنُ سِيدَهْ: الشَّبَمُ بَرْدُ الْمَاءِ. يُقَالُ: ماءٌ شَبِمٌ وَمَطَرٌ شَبِمٌ وغَداةٌ ذاتُ شَبَمٍ، وَقَدْ شَبِمَ الماءُ بِالْكَسْرِ، فَهُوَ شَبِمٌ. وَمَاءٌ شَبِمٌ: بَارِدٌ. وَفِ … (لسان العرب)