من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)
باب العتاب
العتاب وإن كان حياة المودة، وشاهد الوفاء فإنه باب من أبواب الخديعة، يسرع إلى الهجاء، وسبب وكيد من أسباب القطيعة والجفاء، فإذا قل كل داعية الألفة، وقيد الصحبة، وإذا كثر خشن جانبه، وثقل صاحبه.
وللعتاب طرائق كثيرة، وللناس فيه ضروب مختلفة؛ فمنه ما يمازجه الاستعطاف والاستئلاف، ومنه ما يدخله الاحتجاج والانتصاف، وقد يعرض فيه المن والإجحاف، مثل ما يشركه الاعتذار والاعتراف.
وأحسن الناس طريقاً في عتاب الأشراف شيخ الصناعة وسيد الجماعة أبو عبادة البحتري الذي يقول:
يريبني الشيء تأتي بهوأكبر قدرك أن أستريبا
وأكره أن أتمادى علىسبيل اغترار فألقى شعوبا
أكذب ظني بأن قد سخطتوما كنت أعهد ظني كذوبا
ولو لم تكن ساخطاً لم أكنأذم الزمان وأشكو الخطوبا
ولا بد من لومة أنتحيعليك بها مخطئاً أو مصيبا
أيصبح وردي في ساحتيك طرقاً ومرعاي محلاً جديبا؟!
أبيع الأحبة بيع السواموآسى عليهم حبيبا حبيبا
ففي كل يوم لنا موقفيشقق فيه الوداع الجيوبا
وما كان سخطك إلا الفراقأفاض الدموع وأشجى القلوبا
ولو كنت أعلم ذنباً لماتخالجني الشك في أن أتوبا
سأصبر حتى ألاقي رضاك إما بعيداً وإما قريبا
أراقب رأيك حتى يصحوأنظر عطفك حتى يؤوبا
والذي يقول أيضاً:
وأصيد إن نازعته اللحظ ردهكليلاً، وإن راجعته القول جمجما
ثناه العدى عني فأصبح معرضاًوأوهمه الواشون حتى توهما
وقد كان سهلاً واضحاً فتوعرترباه وطلقا ضاحكا فتجهما
أمتخذ عندي الإساءة محسنومنتقم مني امرؤ كان منعما؟
ومكتسب في الملامة ما جديرى الحمد غنما والملامة مغرما
يخوفني من سوء رأيك معشرولا خوف إلا أن تجوز وتظلما
أعيذك أن أخشاك من غير حادثتبين أو جرم إليك تقدما
ألست الموالي فيك غر قصائدهي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما
ثناء كأن الروض فيه منورضحاً، وكأن الوشى فيه منمنما
ولو أنني وقرت شعري وقارهوأجللت مدحي فيك أن يتهضما
لأكبرت أن أومي إليك بأصبعتضرع أو أدنى لمعذرة فما
وكان الذي يأتي به الدهر هيناًعلي ولو كان الحمام المقدما
ولكنني أعلي محلي أن أرىمدلاً وأستحييك أن أتعظما
فهذا عتاب كما قال:
عتاب بأطراف القوافي كأنهطعان بأطراف القنا المتكسر
وقد نحوت أنا هذا النحو في كلمة عاتبت بها القاضي جعفر بن عبد الله الكوفي قلت فيها:
وقد كنت لا آتي إليك مخاتلاًلديك، ولا أثني عليك تصنعا
ولكن رأيت المدح فيك فريضةعلي إذا كان المديح تطوعا
فقمت بما لم يخف عنك مكانهمن القول حتى ضاق مما توسعا
ولو غيرك الموسوم عني بريبةلأعطيت منها مدعي القول ما ادعى
فلا تتخالجك الظنون فإنهامآثم، واترك في للصنع موضعا
فوالله ما طولت باللوم فيكملساناً، ولا عرضت للذم مسمعا
ولا مات عنكم بالوداد، ولا انطوتحبالي، ولا ولى ثنائي، مودعا
بلى ربما أكرمت نفسي فلم تهنوأجللتها عن أن تذل وتخضعا
ولم أرض بالحظ الزهيد، ولم أكنثقيلاً على الإخوان كلا مدفعا
فباينت لا أن العداوة باينتوقاطعت لا أن الوفاء تقطعا
ألوذ بأكناف الرجاء، وأتقيشمات العدا، إن لم أجد فيك مطمعا
ومن معاتبات أبي تمام قوله لابن عبد الملك الزيات:
لئن هممي أوجدنني في تقلبيمآلا لقد أفقدنني منك موئلاً
وإن رمت أمراً مدبر الوجه إننيلأترك حظاً في فنائك مقبلا
وإن كنت أخطو ساحة المحل إننيلأترك روضا من جداك وجدولا
كذلك لا يلقي المسافر رحلهإلى منقل حتى يخلف منقلا
ولا صاحب التطواف يعمر منهلاوربعاً إذا لم يخل ربعاً ومنهلا
ومن ذا يداني أو ينائي؟ وهل فتىيحل عرى الترحال أو يترحلا؟
فمرني بأمر أحوذي فإننيأرى الناس قد أثروا وأصبحت مرملاً
فسيان عندي صادفوا لي مطعناًأعاب به أو صادفوا لي مقتلاً
ومن قصيدة أخرى لأبي تمام:
تقطعت الأسباب إن لم تغرلهاقوى أو يصلها من يمينك واصل
سوى مطلب ينضى الرجاء بطولهوتخلق إخلاق الجفون الوسائل
وقد تألف العين الدجى وهو قيدهاويرجى شفاء السم والسم قاتل
ولي عدة تمضي العصور وإنهاكعهدك من أيام مصر لحائل
سنون قطعناهن عشراً كأن ماقطعنا لقرب العهد منها مراحل
وإن جزيلات الصنائع لامرئإذا ما لليالي ناكرته معاقل
وإن المعالي يسترم بناؤهاسريعاً، كما قد تسترم المنازل
ولو حاردت شوال عذرت لقاحهاولكن حرمت الدر والضرع حافل
منحتكها تشفي الجوى وهو لاعجوتبعث أشجان الفتى وهو ذاهل
ترد قوافيها إذا هي أرسلتهوامل مجد القوم وهي هوامل
وكيف إذا حليتها بحليهاتكون وهذا حسنها وهي عاطل؟؟!
أكابرنا، عطفاً علينا؛ فإننابنا ظمأ برح وأنتم مناهل
وقال ابن الرومي لأبي الصقر إسماعيل بن بلبل يعاتبه في قصيدة جيدة مختارة:
عقيل الندى، أطلق مدائح جمةخواصي حسرى قد أبت أن تسرحا
وكنت متى تنشد مديحاً ظلمتهيكن لك أهجى كلما كان أمدحا
عذرتك لو كانت سماء تقشعتسحائبها أو كان روض تصوحا
ولكنها سقيا حرمت رويهاوعارضها ملق كلاكل جنحا
وأكلأ معروف حميت مريعهاوقد عاد منها الحزن والسهل مسرحا
فيا لك بحراً لم أجد فيه مشرباًوإن كان غيري واجداً فيه مسبحا
مديحي عصا موسى، وذاك لأننيضربت به بحر الندى فتضحضحا
فيا ليت شعري إن ضربت به الصفاأيحدث لي فيه جداول سيحا
كتلك التي أبدت ثرى البحر يابساًوشقت عيوناً في الحجارة سفحا
سأمدح بعض الباخلين لعلهإذا اطرد المقياس أن يتسمحا
فهذا هو الذي لا يبلغ جودة، ولا يجاري سبقاً، على أن البحتري قد تقدم إلى بعض المعنى في قوله للفتح بن خاقان:
غمام خطاني صوبه وهو مسبلوبحر عداني فيضه وهو مفعم
وبدر أضاء الأرض شرقاً ومغرباًوموضع رحلي منه أسود مظلم
وما بخل الفتح بن خاقان بالندىولكنها الأقدار تعطي وتحرم
وأما أبو الطيب المتنبي فكان في طبعه غلظة، وفي عتابه شدة، وكان كثير التحامل، ظاهر الكبر والأنفة، وما ظنك بمن يقول لسيف الدولة:
يا أعدل الناس إلا في معاملتيفيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقةأن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظرهإذا استوت عنده الأنوار والظلم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبيوأسمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردهاويسهر الناس جراها ويختصم
وجاهل مده في جهله ضحكيحتى أتته يد فراسة وفم
إذا رأيت نيوب الليث بارزةفلا تظنن أن الليث يبتسم
فهذا الكلام في ذاته في نهاية الجودة، غير أنه من جهة الواجب والسياسة غاية في القبح والرداءة، وإنما عرض بقوم كانوا ينتقصونه عند سيف الدولة ويعارضونه في أشعاره، والإشارة كلها إلى سيف الدولة، ثم قال بعد أبيات:
يا من يعز علينا أن نفارقهموجداننا كل شيء بعدكم عدم
ما كان أخلقنا منكم بتكرمةلو أن أمركم من أمرنا أمم
إن كان سركم ما قال حاسدنافما لجرح إذا أرضاكم ألم
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفةإن المعارف في أهل النهى ذمم
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكمويكره الله ما تأتون والكرم؟!
ما أبعد العيب والنقصان من شرفيأنا الثريا وذان الشيب والهرم
ليت الغمام الذي عند صواعقهيزيلهن إلى من عنده الديم
أرى النوى يقتضيني كل مرحلةلا تستقل بها الوخادة الرسم
لئن تركن ضميراً عن ميامنناليحدثن لمن ودعتهم ندم
وإنما قال أولا ليحدثن لسيف الدولة الندم ثم بدله، وليس هذا عتاباً، لكنه سباب، وبسبب هذه القصيدة كاد يقتل عند انصرافه من مجلس إنشادها، وهذا الغرور بعينه.
فأما عتاب الأكفاء، وأهل المودات، والمتعشقين من الظرفاء، فبابة أخرى جارية على طرقاتها.
قال إبراهيم بن العباس الصولي يعاتب محمد بن عبد الملك الزيات، وقد تغير عليه لما وزر:
وكنت أخي بإخاء الزمانفلما نبا صرت حرباً عوانا
وكنت أذم إليك الزمانفأصبحت فيك أذم الزمانا
وكنت أعدك للنائباتفها أنا أطلب منك الأمانا
وهذا عندي من أشد العتاب وأوجعه.
ومن أكرم العتاب قول السيد أبي الحسن أدام الله سيادته وسعادته:
وإني لأطرى كل خل صحبتهوأنت ترى شتمي بغير حياء
ستعلم يوماً ما أسأت لصاحبتكرم أخلاقي وحسن وقائي
ومن مليح ما سمعت قول سعيد بن حميد يعاتب صديقاً له:
أقلل عتابك فالبقاء قليلوالدهر يعدل تارة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفهإلا بكيت عليه حين يزول
ولكل نائبة ألمت مدةولكل حال أقبلت تحويل
فالمنتمون إلى الإخاء عصابةإن حصلوا أفناهم التحصيل
ولعل أحداث المنية والردىيوماً ستصدع بيننا وتحول
ولئن سبقت لتبكين بحسرةوليكثرن علي منك عويل
ولتفجعن بمخلص لك وامقحبل الوفاء بحبله موصول
ولئن سبقت، ولا سبقت، ليمضينمن لا يشاكله لدي خليل
وليذهبن بهاء كل مروءةوليفقدن جمالها المأهول
وأراك تكلف بالعتاب وودناصاف، عليه من الوفاء دليل
ود بدا لذوي الإخاء جمالهوبدت عليه بهجة وقبول
ولعل أيام الحياة قصيرةفعلام يكثر عتبنا ويطول
إلى ههنا أومأ أبو الطيب بقوله:
ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينهافمفترق جاران دارهما العمر
وأشار إليه أيضاً بقوله، وأردت البيت الأخير:
زودينا بحسن وجهك ما دام فحسن الوجوه حال تحول
وصلينا نصلك في هذه الدنيافإن المقام فيها قليل
والجميع من قول الأول:
ولقد علمت فلا تكن متجنياًأن الصدود هو الفراق الأول
حسب الأحبة أن يفرق بينهمريب المنون فما لنا نستعجل
إلا أن ابن حميد قد فنن وبين، وشرح ما أجمل غيره بقوله " لئن سبقت أنا ولئن سبقت أنت " فله بذلك فضل بين، ورجحان ظاهر.
وما أحسن إيجاز الذي قال:
العمر أقصر مدةمن أن يمحق بالعتاب
وقال أبو المحدثين بشار:
إذا كنت في كل الأمور معاتباصديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنهمقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذىظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه
النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع