تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب في أشعار الكتاب

والكتاب أرق الناس في الشعر طبعاً، وأملحهم تصنيعاً، وأحلاهم ألفاظاً، وألطفهم معاني، وأقدرهم على تصرف، وأبعدهم من تكلف.

وقد قيل: الكتاب دهاقين الكلام، وما نزيدك على قول إبراهيم بن العباس الصولي بين يدي المتوكل حين أحضر لمناظرته أحمد بن المدبر فقال ارتجالاً:

صد عني وصدق عني الأقوالاوأطاع الوشاة والعذالا
أتراه يكون شهر صدودوعلى وجهه رأيت الهلالا
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

فطرب له المتوكل واهتز ووصله، وخلع عليه وحمله، وجدد له ولاية. وقيل له في التلطف والاستعطاف أكثر من هذا، وأي مدح أبرع وأبدع من قوله في الفضل بن سهل:

لفضل بن سهل يدتقاصر عنها المثل
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
فباطنها للندىوظاهرها للقبل
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة
ونائلها للغنىوسطوتها للأجل

أليس هذا الماء الزلال، والسحر الحلال؟؟ ولقد أجاد ابن الرومي في تناوله هذا المعنى حين قال:

مفبل ظهر الكف، وهاب بطنهاله راحة فيها الحطيم وزمزم
فظاهرها للناس ركن مقبلوباطنها عين من الجود عيلم
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة

إلا أن الأول أخف وزناً، وأرشق لفظاً ومعنى. وهذان البيتان وإن كانت فيهما زيادة فإنما هما بإزاء البيت الأوسط من أبيات إبراهيم فقط..

ومن تغزل إبراهيم قوله:

أراك فلا أرد الطرف كيلايكون حجاب رؤيتك الجفون
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
ولو أني نظرت بكل عينلما استقصت محاسنك العيون
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

فهذا وأبيك البيان، والخبر الذي كأنه العيان.

وما أجد كل حلاوة وحسن طلاوة، إلا دون قوله:

ابتداء بالتجنيواقتضاء بالتظني
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
واشتفاء بتجنيك لأعدائك مني
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
بأبي قل لي لكي أعلم لم أعرضت عني
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
قد تمنى ذاك أعدائي، فقد نالوا التمني
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

وأما الهجاء فقد بلغ فيه أبعد الغايات بقوله في محمد بن عبد الملك الزيات:

فكن كيف شئت وقل ما تشاءوأرعد يميناً وأبرق شمالاً
نجا بك لؤمك منجى الذبابحمته مقاذيره أن ينالا
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

ومن شعر محمد بن عبد الملك الزيات قوله لأحمد بن أبي دؤاد، وقد أمر الواثق أن يقوم جميع الناس لابن الزيات، ولم يجعل في ذلك رخصة لأحد، وكان ابن أبي دؤاد يشتغل بصلاة الضحى إذا أحس بقدومه أنفةً من القيام إليه في دار السلطان، وامتثالاً للأمر، فصنع ابن الزيات:

صلى الضحى لما استفاد عداوتيوأراه ينسك بعدها ويصوم
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة
لا تعد من عداوة مشئومةتركتك تقعد تارةً وتقوم

ومن تغزله قوله، وهو في غاية العذوبة:

قام بقلبي وقعدلما نفى عني الجلد
يا صاحب القصر الذيأسهر عيني ورقد
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة
واعطشي إلى فمٍيمج خمراً من برد
للشاعر أبو عيسى بن الرشيد، من قصيدة «أَسْهَرَنِي ثُمَّ رَقَدْ»
إن قسم الناس فحسبي بك من كل أحد

وقال يرثي جاريته سلوانة، وهي أم ولده عمر الأصغر:

يقول لي الخلان: لو زرت قبرهافقلت: وهل غير الفؤاد لها قبر؟
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة
على حين لم أحدث فأجهل قدرهاولم أبلغ السن التي معها الصبر
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة

وقال أيضاً وأحسن ما شاء:

مالي إذا غبت لم أذكر بواحدةوإن مرضت فطال السقم لم أعد
للشاعر علية بنت المهدي، من قصيدة «لو كان يمنعُ حسنَ الوجهِ صاحبهُ»
ما أعجب شيء ترجوه فتحرمهقد كنت أحسب أني قد ملأت يدي

ومن شعره في هذا الباب مقطعات متفرقة تغني عن الإكثار منه ههنا.

وأما الحسن بن وهب فمن قوله:

لم تنم مقلتي لطول بكاهاولما جال فوقها من قذاها
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «لم تنم مقلتي لطول بكاها»
فالقذى كحلها إلى أن ترى وجهـ سليمى، وكيف لي أن تراها؟!
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة
أسعدت مقلتي بإدمانها الدمع وهجرانها الكرى مقلتاها
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة
فلعيني في كل حين دموعإنما تستدرها عيناها
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة

وقدم إليه كانون، ومعه قينة كان يهواها، فأمرت بإبعاد الكانون، فصنع:

بأبي كرهت النار حتى أبعدتفعرفت ما معناك في إبعادها
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة
هي ضرة لك بالتماع شعاعهاوبحسن صورتها لدى إيقادها
وأرى صنيعك بالقلوب صنيعهابأراكها وسيالها وعرادها
شركتك في كل الجهات بحسنهاوضيائها وصلاحها وفسادها

ومن مليح الشعر قوله يمدح محمد بن عبد الله بن ظاهر غب مطر:

هطلتنا السماء هطلا دراكاجاوز المزربان فيه السماكا
قلت للبرق إذ تألق فيه:يا زناد السماء من أوراكا
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة
أحبيباً أحببته فجفاكا؟فعسى ذاك أن يعود كذاكا
أم تشبهت بالأمير أبي العباس في جوده؟ فلست هناكا

وهذا هو الكلام الكتابي، السهل، المرسل، الحسن الطلاوة، والظاهر الحلاوة.

ومن قوله يرثى حبيباً الطائي، وكان صديقاً له جداً:

سقى بالموصل القبر الغريباسحائب ينتحبن به نحيبا
إذا أظللنه أطلقن فيهشعيب المزن يتبعها شعيبا
ولطمت البروق له خدوداًوشققت الرعود له جيوبا
فإن تراب ذاك القبر يحويحبيباً كان يدعى لي حبيبا

وهي قصيدة كاملة أتيت بهذا منها معرضاً.

ومن شعراء الكتاب سعيد بن حميد الكاتب، وهو القائل في طول الليل:

يا ليل، بل يا أبدأنائم عنك غد؟
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
يا ليل، لو تلقى الذيألقى بها أو أجد
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
قصر من طولك أوأضعف منك الجلد

ورواه قوم أنحل من منك الجسد والأول عندي أصوب، وعلى كل حال فمنه أخذ أبو الطيب قوله:

ألم ير هذا الليل عينيك رؤيتيفتظهر فيه رقة ونحول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

وليس يلزم الكاتب أن يجاري الشاعر في أحكام صنعة الشعر؛ لرغبة الكتاب في حلاوة الألفاظ وطيرانها، وقلة الكلفة، والإتيان بما يخف على

النفس منها؛ وأيضاً فإن أكثر أشعارهم إنما يأتي تظرفاً، لا عن رغبة ولا رهبة، فهم مطلقون مخلون في شهواتهم، مسامحون في مذاهبهم؛ إذ كانوا إنما يصنعون الشعر تخيراً واستظرافاً، كما قال كشاجم الكاتب:

ولئن شعرت فما تعمدت الهجاء ولا المديحه
لكن رأيت الشعر للآداب ترجمة فصيحه

وعلى هذا النمط يجري الحكم في أشعار الخلفاء، والأمراء، والمترفين من أهل الأقدار: لا يحاسبون فيها محاسبة الشاعر المبرز الذي الشعر صناعته، والمديح بضاعته.

وقد أعرب أبو الفتح بن العميد وأغرب في قوله:

فإن كان مرضياً فقل: شعر كاتبوإن كان مسخوطاً فقل: شعر كاتب

ولو حاولت أن أذكر من علمت من شعراء الكتاب سوى من ذكرت لبعد الأمد، وطالت الشقة، واحتجت إلى أن أقيم لهذا الفن ديواناً مفرداً؛ لكني عولت على ابن الزيات، وابن وهب؛ لإحالة الجاحظ في الفضل عليهما، وآنستهما باثنين ليسا بدونهما، ولو لم آت بهذا الباب إلا بما بنيته عليه من ذكر أشعار السيد الرئيس أبي الحسن أيده الله لكان ذلك فوق الرضا والكفاية.

فمن ذلك قوله:

باكر الراح ودع عنك العدلواسع في الصحة من قبل العلل
واغتنم لذة يوم زائلفالمنايا ضاحكات بالأمل
ما ترى الساقي كشمس طلعتتحمل المريخ في برج الحمل
مائساً كالغصن في دعص نقاًفاتن المقلة زينت بالكحل

وقوله أيضاً يتغزل:

مر بنا يهتز في مشيهمثل اهتزاز الغصن الرطب
فمقلتي ترتع في حسنهومقلتاه أحرقت قلبي

قوله " أحرقت " وهما مقلتان كقول بعضهم، وأنشده أبو الجراح في طبقات الشعراء:

أشركت عيناه ظالمةفي دمي يا عظم ما جنت

فقال " ظالمة " وقال " جنت " لأن التثنية جمع في الحقيقة، والجماعة تخبر عنها كما تخبر عن الواحد: لمكان التأنيث، والشاهد من قول القدماء قول أحدهم:

لمن زحلوقة زلبها العينان تنهل

فقال " تنهل " وكان حقه أن يقول " تنهلان " لكن العلة ما قدمت.

ومن الموعظة الحسنة البالغة قوله:

أمن الزمان زمانة العقلفاخش الإله وحل عن الجهل
واعلم بأنك في الحساب غداًتجزى بما قدمت من فعل

ومن تشكي أحوال الناس وقلة ثقتهم وإنصافهم قوله:

أيا رب، إن الناس لا ينصفوننيولم يحسنوا قرضي على حسناتي
إذا ما رأوني في رخاء ترددواإلي، وأعدائي لدى الأزمات
ومهما أكن في نعمة حزنوا لهاذوو أنفس في شدة جذلات
ثقاتي ما دامت صلاتي لديهموإن عنهم أخرتها فعداتي
سأمنع قلبي أن يحن إليهموأصرف عنهم قالياً لحظاتي
وألزم نفسي الصبر دأبا لعلنيأعاين ما أملت قبل مماتي
ألا إنما الدنيا كفاف وصحةوأمن، ثلاث هن طيب حياتي

قوله " ثلاث " يعني ثلاث خصال أو ثلاث أحوال، كما قال طرفة:

فلولا ثلاث هن من لذة الفتى ثم فسرهن فقال: فمنهن سبق العاذلات بشربة وكرى إذا نادى المضاف مجنباً وتقصير يوم الدجن والسبق والتقصير والكر كلها مذكرة، لكن أراد ما قدمت.

ومن أحسن الأشعار قوله:

خليلي، إن لم تسعداني فأقصرافليس يداوي بالعتاب المتيم
تريدان مني النسك في غير حينهوغصني ريان ورأسي أسحم

وقوله في قصيدة طويلة:

غراء واضحة ينوس بقرطهاجيد حكى جيد الغزال الأعنق
صدت فأغرت بالسجوم مدامعيوالعين تذرف بالدموع السبق
تشكو البعاد إذا بعدت تصبراًوإن ارتجعت إلى الزيارة تفرق
ولقد يبيت أخو المودة لائميفي حبها لوم الشفيق المشفق
حتى إذا طلعت فأبصر شخصهاأخزى جهالة لائمي المستحمق
كم قد قطعت بوصلها من ليلةوبشرب صافية كلون الزئبق
يسعى بها كالبدر ليلة تمهسحار ألحاظ رخيم المنطق
آليت أترك ذا وتلك وهذهحتى يفارقني سواد المفرق

فلله سلامة هذا الطبع واندفاعه، وقرب هذا اللفظ واتساعه، ولله رقة معانيه وإرهافها، وظهورها مع ذلك وانكشافها، ولطف مواقعها من القلوب، وسرعة تأثيرها في النفوس، وسيرد من شعره فيما بعد ما لاق بالمواضع التي يذكر فيها، إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.