تجاوز إلى المحتوى

ليالي بعد الظاعنين شكول

المتنبيالطويلالعصر العباسي

اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه

سند النص: قوبِل ٦٢ بيتًا من هذا النصّ على روايته في ٤ من كتب التراث، منها «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول» و«معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» و«اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» · آخر مراجعة ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦

عن القصيدة

«ليالي بعد الظاعنين شكول» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في ٦٦ بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف اللام.

بحر الطويل: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن · قصائد أخرى رويّها اللام

من هذه القصيدة في كتب التراث

معنى قول المتنبي

لَيَاليّ بَعْدَ الظّاعِنِينَ شُكُولُ

طِوالٌ وَلَيْلُ العاشِقينَ طَويلُ

قال الواحدي في «شرح ديوان المتنبي»: يقول لا يتغير حالي في ليالي بعدهم ولا ينقضي غرامي ووجدي بالحبيب وكأنه ضد قول القائل، إذا ما شئت أن تسلى خليلا، فأكثر دونه عدد الليالي، ثم أخبر عن طولها فقال هي طوال وكذا ليالي العشاق

شرح القصيدة بيتًا بيتًا
  1. ١

    لَيَاليّ بَعْدَ الظّاعِنِينَ شُكُولُ

    طِوالٌ وَلَيْلُ العاشِقينَ طَويلُ

    الواحدي: شكول متشابهة في الطول جمع شكل وشكل الشيء مثله وذلك أن ليالي الناس تقصر وتطول بحسب اختلاف الشتاء والصيف ولياليه طوال لبعد الحبيب وامتناع النوم ويجوز أن يكون مشاكلتها من حيث أنه لا يجد روحا فيها ولا نوما يقول لا يتغير حالي في ليالي بعدهم ولا ينقضي غرامي ووجدي بالحبيب وكأنه ضد قول القائل، إذا ما شئت أن تسلى خليلا، فأكثر دونه عدد الليالي، ثم أخبر عن طولها فقال هي طوال وكذا ليالي العشاق

    العكبري: ١ هَذِه الْقطعَة من الطَّوِيل والقافية من الْمُتَوَاتر وَيذكر فِي هَذِه القصيدة وقْعَة الْغَرِيب شكول جمع شكل وشكل الشَّيْء مثله وَجمع الْقلَّة أشكال وأتى هَاهُنَا بِجمع الْكَثْرَة لِأَنَّهُ أبلغ فِي شكوى الْحَال والظاعنين جمع ظاعن وَهُوَ المرتحل الْمَعْنى يَقُول ليَالِي بعد الظاعنين من أَحبَّنِي متشاكلة فِي طولهَا متشابهة فِي تعذبي بهَا وليل العاشقين يطول عَلَيْهِم بِمَا يقاسونه من السهر وَمَا يَتَجَدَّد لَهُم فِيهِ من الْفِكر وَاللَّيْل يطول بقصر بِحَسب الْفُصُول الْأَرْبَعَة وليله طَوِيل لبعد الحبيب عَنهُ وَامْتِنَاع النّوم مِنْهُ قَالَ الواحدي يجوز أَن تكون مشاكلتها من حَيْثُ أَنه لَا يجد رواحا فِيهَا وَلَا نوما يَقُول لَا يتَغَيَّر حَالي فِي ليَالِي بعدهمْ وَلَا ينقص غرامي ووجدي بالحبيب وَهُوَ ضد قَول الآخر (إذَا مَا شِئْتَ أنْ تَسْلُو حَبِيبا ... فأكْثِرْ دُونَهُ عَدَدَ اللَّيالي)

  2. ٢

    يُبِنَّ ليَ البَدْرَ الذي لا أُريدُهُ

    وَيُخْفِينَ بَدْراً مَا إلَيْهِ سَبيلُ

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول هَذِه اللَّيَالِي يبن لي بدر السَّمَاء الَّذِي لَا أريده ويظهرنه وَلَا يسترنه ومخفين الْبَدْر الَّذِي لَا أحد إِلَيْهِ سَبِيلا

  3. ٣

    وَمَا عِشْتُ مِنْ بَعدِ الأحِبّةِ سَلوَةً

    وَلَكِنّني للنّائِبَاتِ حَمُولُ

    الواحدي: يقول ليس بقاءي بعدهم لسلوى عنهم ولكن لاحتمالي النوائب والشدائد كما قال ابن خراش، فلا تحسبي أني تناسيت عهدكم، ولكن صبري يا أميم جميلُ،

    العكبري: الْإِعْرَاب نصب سلوة على الْمصدر يُرِيد مَا سلوتهم سلوة وَقيل بِإِسْقَاط حرف الْجَرّ يُرِيد عَن سلوة وَقيل مفعول لَهُ الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ بقائي بعدهمْ لسلوة عَنْهُم وَلَا لخلو عَن ذكرهم وَلَكِنِّي حمول للنائبات صبور على الخطوب الموجعات وَهُوَ كَقَوْل أبي خرَاش الْهُذلِيّ (فَلا تَحْسَبِي أَنِّي تَناسَيْتُ عَهْدَكمْ ... وَلَكِنَّ صَبْرِي يَا أُمَيْمَ جَمِيلُ)

  4. ٤

    وَإنّ رَحِيلاً وَاحِداً حَالَ بَيْنَنَا

    وَفي المَوْتِ مِنْ بَعدِ الرّحيلِ رَحيلُ

    الواحدي: يقول ارتحالكم عنا وارتحالنا عنكم حال بيننا لأنا افترقنا وفي الموت الذي يحصل بالفراق رحيل آخر يريد أنه لا يعيش بعدهم

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول وَإِن رحيلا وَاحِدًا غير مضاعف ومفردا غير مردد حَال بيني وَبينهمْ وأيأسني من قربهم وَفِي الْمَوْت الَّذِي أباشره لفقدهم وأشرف عَلَيْهِ من بعدهمْ رحيل يشفع رحيلهم ويعاد يُضَاعف بعادهم وَلَا دَار أبعد من الْقَبْر وَلَا سَبَب أقطع من الْمَوْت

  5. ٥

    إذا كانَ شَمُّ الرَّوحِ أدْنَى إلَيْكُمُ

    فَلا بَرِحَتْني رَوْضَةٌ وَقَبُولُ

    الواحدي: قال ابن جنى إذا كنتم تؤثرون شم الروح في الدنيا وملاقاة نسيمها فلا زلت روضةً وقبولاً أجتذابا إلى هواكم ومصيرا إلى ما تؤثرونه فيكون سبب الدنو منكم وأراد لا برحت روضةً وقبولا فجعل الأسم نكرةً والخبر معرفةً لأجل القافية انتهى كلامه ومن يفسر هذا البيت مثل هذا التفسير فقد فضح نفسه وغر غيره وقال ابن فورجة الروح يؤثره من يأوى إلى هم وينطوي على شوق وأما المحبوب وإن كان إيثار الروح طبعا من الناس فإنهم لا يوصفون بطلب الروح وتشمم النسيم والتعرض لبرد الريح والتشفي بنسيم الهوى وأيضا فما الحاجة إلى أن يكون الأسم نكرةً والخبر معرفةً في قوله برحتني روضة وقبول وبرح ههنا ليس أخت كان التي ترفع المبتدأ وتنصب الخبر وإنما هي من برح فلان من مكانه أي فارقه يقول إذا لم يكن لي من فراقكم راحة إلا التعلل بالنسيم وطلب روح الهوى وتشممي لطيبه بروائحكم وما كان ينالني أيام اللهو من الفرح بقربكم فلا فارقتني روضةٌ وقبولٌ تشوق إلى روائح تلك الروضة وهذا من قول البحتري، تذكرنا ريا الأحبة كلما، تنفس في جنح من الليل باردِ، وأصله من قول الأول، إذا هب علوي الرياح وجدتني، كأني لعلوي الرياح نسيبُ، وقد أحسن وأجاد في هذا التفسير وتلخيصه أنه يقول إذا كان شم الرائحة الطيبة والتنسم بها أدنى إليكم لأنها تذكرني روائحكم وطيب أيام وصالكم فلا فارقتني روضةٌ أستنشق روائحها وريح قبول اتنسم بها لأكون أبدا على ذكركم.

    العكبري: الْغَرِيب الرّوح نسيم الرّيح الشرقية الَّتِي تَأتي من وَرَاء الْقبْلَة الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جنى إِذا كُنْتُم تؤثرون شم الرّوح فِي الدُّنْيَا وملاقاة نسيمها فَلَا زلت رَوْضَة وقبولا انجذابا إِلَى هواكم ومصيرا إِلَى مَا تؤثرونه وَيكون سَبَب الدنو مِنْكُم أَرَادَ وَلَا بَرحت وروضة وقبولا فَجعل الِاسْم نكرَة وَالْخَبَر معرفَة للقافية وَمن فسر هَذَا التَّفْسِير فقد فَضَح نَفسه وغر غَيره وَقَالَ ابْن فورجة الرّوح يؤثره من يأوي إِلَى هم وينطوي على شوق فَأَما الْأَحِبَّة وَإِن كَانَ إِيثَار الرّوح طبعا من النَّاس فَإِنَّهُم لَا يوصفون بِطَلَب الرّوح وشم النسيم والتعرض لبرد الرّيح والتشفي بنسيم الْهَوَاء وَأَيْضًا فَمَا الْحَاجة إِلَى أَن يكون الِاسْم نكرَة وَالْخَبَر معرفَة وَلَيْسَ هَذَا من أَخَوَات كَانَ وَإِنَّمَا هِيَ من برح فلَان من مَكَانَهُ أَي فَارقه يَقُول إِذا لم يكن لي من فراقكم رَاحَة إِلَّا التعلل بالنسيم وَطلب روح الْهَوَاء وتشممي لطيبه بروائحكم وَمَا كَانَ ينالني أَيَّام اللَّهْو والفرح بقربكم فَلَا فارقتني رَوْضَة وَقبُول يَسُوق إِلَى رَوَائِح تِلْكَ الرَّوْضَة وَهَذَا من قَول البحتري (يُذَكِّرُنا رَيَّا الأَحِبَّةِ كُلَّما ... تَنَفَّسَ فِي جُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ بارِدِ) وَأَصله من قَول الأول (إذَا هَبَّ عُلْوِيُّ الرّياحِ وَجَدْتُنِي ... كأنّي لِعُلْوِيّ الرّياحِ نَسِيبُ) وَالْمعْنَى إِذا كَانَ شم الرّوح أدنى إِلَيْكُم لِأَنَّهَا تذكرني روائحكم وَطيب أَيَّام وصالكم فَلَا فارقتني رَوْضَة أستنشق رائحتها وريح قبُول أتنسم بهَا لأَكُون أبدا على ذكركُمْ انْتهى كَلَامه وَقَالَ ابْن القطاع برح هُنَا بِمَعْنى زَالَ يَقُول إِذا بعدتم وَلَا أصل إِلَيْكُم إِلَّا بشم الرّوح الَّذِي يشبه رَائِحَة نسيمكم فَلَا فارقتني رَوْضَة وَقبُول يأتيني برائحتكم وَقد دَعَا لنَفسِهِ بِالْحَيَاةِ فَإِنَّهُ مَا دَامَ حَيا جَاءَتْهُ الرِّيَاح بروائح أحبته لِأَن قبله (وَفِي المَوْتِ مِنْ بَعْدِ الرَّحِيلِ رَحِيلُ ... ) وَقَالَ ابْن الإفليلي إِذا كَانَ شم الرّوح أقرب الْأَشْيَاء مِنْكُم وأنفذها بالدنو إِلَيْكُم وتيقنت أَن الرياض فِي تبدلكم مَنَازِلكُمْ والمياه الَّتِي تقاربها مواردكم لما يُوجب لكم علو الْحَال من الْحُلُول فِي كرائم الأَرْض فَلَا برحتي رَوْضَة تذكرني مَنَازِلكُمْ وَقبُول أتنسم مِنْهُ ريح أفقكم وَأَشَارَ بِذكر الْقبُول إِلَى أَن رحْلَة أحبته إِلَى جِهَة الشرق وَقَالَ ابْن وَكِيع هَذَا مَأْخُوذ من قَول البحتري (إذَا خَطَرَتْ رِياحٌ جانِبَيْها ... كمَا خَطَرَتْ عَلى الرَّوْضِ القَبُولُ) وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَلَيْسَ فِي الْبَيْت سوى ذكر الرَّوْض وَالْقَبُول

  6. ٦

    وَمَا شَرَقي بالمَاءِ إلاّ تَذكّراً

    لمَاءٍ بهِ أهْلُ الحَبيبِ نُزُولُ

    الواحدي: أراد متذكرا فأقام المصدر مقام الحال كقوله تعالى أن أصبح ماؤكم غورا ويجوز أن يكون مفعولا له كقولك جئتك ابتغاء الخير والمعنى أني كلما شربت الماء شرقت به لأني أذكر ذلك الماء الذي هم نزولٌ به ولا يسوغ لي الماء.

    العكبري: الْإِعْرَاب نصب تذكرا على الْحَال أَي متذكرا فَأَقَامَ الْمصدر مقَام اسْم الْفَاعِل أَي شَرْقي بِالْمَاءِ متذكرا لكذا وَكَذَا أَي فِي هَذِه الْحَال كَقَوْلِك أَخطب مَا يكون الْأَمِير قَائِما أَي فِي حَال قِيَامه وَقَالَ الْخَطِيب نَصبه على الْمصدر وَيجوز أَن يكون مَفْعُولا من أَجله أَي لتذكري وَيجوز رَفعه على أَنه خبر شَرْقي الْغَرِيب الشرق الاختناق بِالْمَاءِ أَو بالريق أَو بِالنَّفسِ الْمَعْنى يَقُول وَمَا أشرق بِالْمَاءِ إِلَّا لعلمي أَن أهل الحبيب الراحلين بِهِ وَقَومه الحافظين لَهُ يعتمدون مَاء ينزلون بِهِ ويستقرون بمنهل يحلونه فيهيج لي المَاء تذكر حُلُوله وأغص بِهِ أسفا على رحيله لِأَنِّي أذكر ذَلِك المَاء الَّذِي هم نزُول بِهِ فَلَا يسوغ لي المَاء

  7. ٧

    يُحَرّمُهُ لَمْعُ الأسِنّةِ فَوْقَهُ

    فَلَيْسَ لِظَمْآنٍ إلَيْهِ وُصُولُ

    الواحدي: يريد أن ذلك الماء منيعٌ بالرماح لا وصول إليه لعطشانٍ وعني بعزة الماء عزة أهله وحبيبه فيما بينهم أي فلا أقدر على اتيانه وزيارته.

    العكبري: الْمَعْنى يُرِيد وصف مَوضِع من يُحِبهُ من الرّفْعَة وَمَا هُوَ بسبيله من الْعِزّ والمنعة فَقَالَ يحرم هَذَا المَاء الَّذِي يردهُ لمع أسنة قومه المحتلين بِهِ وَامْتِنَاع جهتهم واحتداد شوكتهم فَلَيْسَ لظمآن وُصُول إِلَيْهِ وَلَا لوارد طمع فِيهِ وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن محبوبه مَمْنُوع مِنْهُ على الْقرب والبعد فَلَا يقدر على زيارته

  8. ٨

    أما في النّجوم السّائراتِ وغَيرِهَا

    لِعَيْني عَلى ضَوْءِ الصّباحِ دَليلُ

    الواحدي: استطال ليله فقال أما شيء يدلني على ضوء الصبح من نجم وغيره فاستروح إليه من طول الليل وظلمته

    العكبري: الْغَرِيب الدَّلِيل مَا يسْتَدلّ بِهِ وَالدَّلِيل الدَّال ودله يدله دلَالَة وَدلَالَة ودلولة وَالْفَتْح أفْصح وَأنْشد أَبُو عبيد (إنَّي امْرُؤٌ بالطُّرْقِ ذُو دَلالاتِ ... ) الْمَعْنى أَنه استطال ليله فَقَالَ مشتكيا لسهره وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من شدَّة كمده أما فِي النُّجُوم وَغَيرهَا مِمَّا يعرف بِهِ أَوْقَات اللَّيْل دَلِيل يدلني على ضوء الصَّباح وتدانيه وانصرام اللَّيْل وتقاضيه

  9. ٩

    ألمْ يَرَ هذا اللّيْلُ عَيْنَيْكِ رُؤيَتي

    فَتَظْهَرَ فيهِ رِقّةٌ وَنُحُولُ

    الواحدي: يعني أن من رآها عشقها فينحل ويرق من عشقها فيقول أما رآك هذا الليل حتى يخف وتقل اجزاؤه فينكشف عنا وينحسر

    العكبري: الْإِعْرَاب نصب فتظهر لِأَنَّهُ جَوَاب اسْتِفْهَام بِالْفَاءِ الْمَعْنى أَنه خَاطب محبوبته فَقَالَ ألم ير هَذَا اللَّيْل الْجَلِيل خطبه الْمُتَّصِل طوله عَيْنَيْك كَمَا رأيتهما وَيشْهد مَا شهدته من سحرهما فيقل مِنْهُ مَا كثر وَيقصر مِنْهُ مَا طَال ويرق لمن سحرتاه ويلقى من الضعْف والنحول مَا أَلْقَاهُ فينجلي عني

  10. ١٠

    لَقيتُ بدَرْبِ القُلّةِ الفَجْرَ لَقْيَةً

    شَفَتْ كَبِدي وَاللّيْلُ فِيهِ قَتيلُ

    الواحدي: يريد أن الليل أنقضى وبدت تباشر الصبح وقد وافى هذا المكان فشفى لقاء الصبح كمده والليل قتيل في الفجر لأنه ينقض بطلوعه وقد أخذ بعضهم هذا المعنى وكشف عنه فقال، ولما رأيت الصبح قد سل سيفه، وولى انهزاما ليله وكواكبهُ، ولاح احمرارٌ قلت قد ذبح الدجى، وهذا دمٌ قد ضمخ الأرض ساكبه،

    العكبري: الْغَرِيب درب الْقلَّة مَوضِع بِبِلَاد الرّوم والكمد الْحزن الْمَعْنى يَقُول لقِيت بِهَذَا الْموضع الْفجْر لقية على حَال من الْبَهْجَة وسبيل من الْغِبْطَة شفت حزني بتطاول اللَّيْل وأظهرتني عَلَيْهِ بِالْخرُوجِ عَنهُ وَهُوَ كالقتيل الَّذِي نقضت مدَّته وَسَقَطت عَمَّن يحذرهُ مُؤْنَته قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن مَعْنَاهُ فَقَالَ وافينا الْقلَّة وَقت السحر فَكَأَنِّي لقِيت بهَا الْفجْر ثمَّ سرنا صَبِيحَة ذَلِك الْيَوْم إِلَى الْعَصْر أَرْبَعِينَ ميلًا وشننا الغارات وغنمنا وشفيت كمدى لانحسار اللَّيْل عني وَاللَّيْل قَتِيل فِي ذَلِك الْموضع فَكَأَن النَّهَار لما أشرق بضوئه على اللَّيْل قَتله وظفر بِهِ وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى بَعضهم فكشفه بقوله (وَلَّما رأيتُ الصًّبحَ قَدْ سَلَّ سَيْفَهُ ... وَوَلَّى انْهِزَاما لَيْلُهُ وكَوَاكِبُهُ) (وَلاحَ احْمِرارٌ قُلْتُ قَدْ ذُبِحَ الدُّجَى ... وَهَذا دَمٌ قدْ ضَمَّخَ الأرْضَ ساكِبُهْ) الْإِعْرَاب نصب يَوْمًا عطفا على مَعْمُول لقِيت الْمَعْنى يُخَاطب محبوبته وَيَقُول لقِيت بِهَذَا الْموضع يَوْمًا على هَذِه اللَّيْلَة تناهت بهجته وراق منظره حَتَّى كَأَن حسنه عَلامَة توجهينها وَكَأن الشَّمْس فِيهِ رَسُول مِنْك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لما ثار الْغُبَار ستر الشَّمْس فَكَأَنَّهَا رَسُول من محبوبته مستخف وَهَذَا الْمَعْنى من أحسن الْكَلَام قَالَ وَفِي مَعْنَاهُ قَول الآخر (إذَا طَلَعَتْ شَمْسُ النَّهارِ فإنَّها ... أمارَةُ تَسْلِيمي عَلَيْكِ فَسلِّمي)

  11. ١١

    وَيَوْماً كأنّ الحُسْنَ فيهِ عَلامَةٌ

    بعَثْتِ بهَا والشّمسُ منكِ رَسُولُ

    الواحدي: استحسن اليوم لما كان قبله من استبشاعه الليل وأضاف حسنه إلى الحبيبة يقول كأنك بعثت من حسنك علامةً على يد الشمس لأنها لما طلعت الشمس حسن اليوم وكأن الشمس جاءت بحسنه والحبيبة بعثت ذلك الحسن

  12. ١٢

    وَما قَبلَ سَيفِ الدّوْلَةِ اثّارَ عاشِقٌ

    ولا طُلِبَتْ عندَ الظّلامِ ذُحُولُ

    الواحدي: أتار افتعل من الثأر وأصله الهمز أثأر يتئر اثئارا إذا أدرك الثأر قال ابن جنى يقول لولا سيف الدولة لما وصلت إلى درب القلة حتى شفيت نفسي من الليل بملاقاة الفجر قال ابن فورجة هذه الابيات من محاسن هذه القصيدة وإذا توبع فيها أبو الفتح ضاعت وبطلت افترى أبا الطيب لولا سيف الدولة لما اصبح ليله ولما لقي الفجر ولو لم يصل إلى درب القلة لما شفى عشقه واي فائدة للعاشق في الوصول إلى درب القلة وقد خلط أبو الطيب في هذه الأبيات تشبيبا بتقريظ وغرضه أن يصف يوم ظفر سيف الدولة بالحسن والطيب ويذكر سوء صنيع الليل عنده فيما مضى وأراد بقوله والليل فيه قتيل حمرة الشفق وأنه كدم على صدر نحير ولما لقيه كذلك شمت به لطول ما قاسى من همه وجعل حسن اليوم وهو ظفر سيف الدولة لسروره أنه قتل الليل واتار لأبي الطيب على ما جرت به العادة من نسبة الغرائب إلى الممدوحين وإن كانت من المحال يدل على هذا قوله

  13. ١٣

    وَلَكِنّهُ يَأتي بكُلّ غَريبَةٍ

    تَرُوقُ عَلى استِغْرابِها وَتَهُولُ

    الواحدي: على استغرابها معناه على استغراب الناس أياها وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول

    العكبري: الْغَرِيب تروق تعجب وتهول تفزع الْمَعْنى يَقُول سيف الدولة يَأْتِي بِكُل غَرِيبَة فِي مجده وَبِكُل نادرة فِي كرمه فيروق ذَلِك ويعجب ويهول ويفزع ويسلى من شهده عَمَّا سواهُ وينسيه مَا لقِيه وقاساه

  14. ١٤

    رَمَى الدّرْبَ بالجُرْدِ الجيادِ إلى العِدى

    وَما عَلِمُوا أنّ السّهامَ خُيُولُ

    الواحدي: أي رماهم بخيلٍ أسرع إليهم من السهام ولم يعلموا أن خيلا تسرع إسراع السهام

    العكبري: الْغَرِيب الدَّرْب الْمدْخل إِلَى أَرض الْعَدو والجرد القصيرة شعر الْجلد وَهُوَ من شَوَاهِد الْكَرم لَهَا والجياد جمع جيد على غير قِيَاس وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ الْمَعْنى يَقُول قَامَت لَهُم الْخُيُول مقَام السِّهَام فِي السرعة والمضاء وَلم يعلمُوا أَن خيلا تسرع إِلَيْهِم إسراع السِّهَام وَالْمعْنَى أَنه رمى درب الرّوم مقدما عَلَيْهِم وغاديا إِلَيْهِم بكتائب خيله ومواكب جَيْشه فَصَارَت كالسهام مسرعة ونفذت منافذها وَلم تعلم الرّوم قبل ذَلِك أَن من الْخَيل مَا يفعل فعل هَذِه وَلَا أَن مِنْهَا مَا يسير مثل هَذَا السّير فِي الْإِسْرَاع

  15. ١٥

    شَوَائِلَ تَشْوَالَ العَقَارِبِ بالقَنَا

    لهَا مَرَحٌ مِنْ تَحْتِهِ وَصَهيلُ

    الواحدي: أراد شوائل بالقنا تشوال العقارب بأذنابها شبه الرماح مع الخيل بأذناب العقارب إذا شالت بها يقال شال الشيء إذا ارتفع

    العكبري: الْإِعْرَاب شوائل حَال من الجرد وَالضَّمِير فِي تَحْتَهُ يعود على القنا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وَلَا يمْتَنع أَن يرجع إِلَى الممدوح الْغَرِيب الشوائل الَّتِي ترفع أذنابها عِنْد الجري وَهُوَ دَلِيل على قوتها والمرح لعب يتبعهُ النشاط وَقد مرح بِالْكَسْرِ فَهُوَ مرح ومريح بِالتَّشْدِيدِ مثل سكير وأمرحه غَيره وَالِاسْم المراح بِكَسْر الْمِيم الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح شبه القنا مَعَ الْخَيل بأذناب العقارب إِذا شالت بهَا والتشوال بِمَنْزِلَة التمساء يُرَاد بِهِ الْمُبَالغَة وَالْكَثْرَة وَكَذَا نَقله الواحدي حرفا حرفا وَالْمعْنَى أَنه يُشِير إِلَى سرعَة سَيرهَا وَكَثْرَة جريها ورفعها الأذناب فِي ذَلِك الجري وَهُوَ دَلِيل على كرمها وَقُوَّة ظهرهَا والتشوال أَكثر مَا يكون فِي الْخَيل عِنْد الجري ثمَّ دلّ على نشاطها بمراحها وعَلى عزة أَنْفسهَا بصهيلها وَقَالَ ابْن وَكِيع وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول كثير (وَهُمْ يَضْرِبونَ الصَّفَّ حَتَّى تَبَيَّنُوا ... وَهُمْ يَرْجِعُونَ الخَيْلَ جْمَّا قُرُوُنها) وَلَيْسَ فِيهِ من معنى المتنبي شَيْء وَلَا يلم بِهِ أبدا

  16. ١٦

    وَما هيَ إلاّ خَطْرَةٌ عَرَضَتْ لَهُ

    بحَرّانَ لَبّتْهَا قَناً وَنُصُولُ

    الواحدي: هي كناية عن الرمية التي دل عليها قوله رمى الدرب يقول لم تكن إلا خاطرا عرض له فأجاب خاطره الرماح والسيوفُ

    العكبري: الْغَرِيب حران بَلْدَة من بِلَاد الجزيرة بِالْقربِ من الرقة والتلبية الْإِجَابَة والنصول جمع نصل وَهِي السيوف الْمَعْنى يَقُول وَمَا هِيَ يُرِيد هَذِه الْغَزْوَة الَّتِي رمى بهَا أَرض الْعَدو إِلَّا خطرة عرضت لسيف الدولة يُشِير إِلَى أَنَّهَا كَانَت مَعَ جلالتها وعظمتها عَن بديهة وفعلها مَعَ احتفالها عَن غير روية فلبتها القنا والنصول واقترن بهَا الصنع الْجَمِيل

  17. ١٧

    هُمَامٌ إذا ما هَمّ أمضَى هُمُومَهُ

    بأرْعَنَ وَطْءُ المَوْتِ فيهِ ثَقيلُ

    الواحدي: يعني أن وطأ الموت في جيشه ثقيل على من يحاول موته من أعدائه

    العكبري: الْغَرِيب الْهمام الْملك ذُو الهمة وهم أَرَادَ فعل الْأَمر والهموم الإرادات والأرعن الْجَيْش الْكثير الفضول لَهُ رعون كرعون الْجبَال وَهِي أنف الْجبَال الْمَعْنى هُوَ همام إِذا بِأَمْر فعله وَمَا أَرَادَهُ أنفذه بِجَيْش حافل وَجمع غَالب يقدمهُ إِلَى الْأَعْدَاء ويقصدهم بِهِ فِيهِ حتفهم وهلاكهم ويطؤهم الْمَوْت اثقل وَطْأَة ويصرعهم أَشد صرعة

  18. ١٨

    وَخَيْلٍ بَرَاهَا الرّكضُ في كلّ بلدةٍ

    إذا عَرّسَتْ فيها فلَيسَ تَقِيلُ

    الواحدي: أي إذا نزلت ليلا في بلدة لم تقم بها نهارا بل تقيل ببلدة أخرى وأراد فليس تقيل فيها فحذف المضاف إليه،

    العكبري: الْإِعْرَاب وخيل عطف على قَوْله بأرعن أَي وبخيل وَأَرَادَ تقِيل فِيهَا فَحذف لدلَالَة الأولى على الثَّانِيَة الْغَرِيب براها أهزلها وأضعفها والتعريس نزُول الركب آخر اللَّيْل للاستراحة والقائلة مَعْرُوفَة وَهُوَ النُّزُول فِي الهاجرة الْمَعْنى يَقُول وبخيل تضمنها ذَلِك الْجَيْش براها لما يحملهَا من الركض ويكلفها من السّير فِي بِلَاد يفتحها إِلَى الْعَدو وَلَا تقيل فِيهَا وتسير وَلَا تستريح

  19. ١٩

    فَلَمّا تَجَلّى مِنْ دَلُوكٍ وَصَنْجةٍ

    عَلَتْ كلَّ طَوْدٍ رَايَةٌ وَرَعيلُ

    الواحدي: يقول لما فصل من هذين الموضعين وبان منهما تفرقت فرسانه فعمت راياته ورعال حيله الجبال

    العكبري: الْغَرِيب دلوك وصنجة بلدان من بِلَاد الرّوم والطود الْجَبَل والرعيل الْجَمَاعَة من النَّاس وَالْخَيْل وَقيل الرَّعْلَة والرعيل الْقطعَة من الْخَيل وَالْجمع رعال قَالَ طرفَة (ذُلُقٌ فِي غارَةٍ مَسْفُوحةٍ ... كَرِعالِ الطَّيْرِ أسْرابا تَمُرْ) واسترعل خرج فِي أول الرعيل الْمَعْنى يُرِيد أَنه لما بلغ هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ انتشرت جيوشه وبدت لَهُ فِي كل جبل راية ماثلة يتلوها جمَاعَة ناهضة

  20. ٢٠

    على طُرُقٍ فيها على الطُّرْقِ رِفْعَةٌ

    وَفي ذِكرِها عِندَ الأنيسِ خُمُولُ

    الواحدي: أي على طرق في الجبال فهي مرتفعة على الطرق وهي خاملةُ الذكر لأنها لم تسلك

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول سلك هَذَا الْجَيْش إِلَى الرّوم على طرق فحرف الْجَرّ يتَعَلَّق بِمَحْذُوف أَي سلك إِلَى الرّوم على طرق كَانَت ممتنعة لَا تسلك ومجهولة لَا تعرف فَكَانَت مُرْتَفعَة على الطّرق مشرفة على سَائِر السبل وَفِي ذكرهَا عِنْد النَّاس خمول لجهلهم بهَا وَقلة سلوكهم لَهَا وَلها رفْعَة على الطّرق لِأَنَّهَا فِي رُءُوس الْجبَال

  21. ٢١

    فَمَا شَعَرُوا حَتى رَأوْهَا مُغِيرَةً

    قِبَاحاً وَأمّا خَلْقُها فَجَميلُ

    الواحدي: يعني فجئتهم الخيل فلم يشعروا إلا بها تغير عليهم قباحا في أعينهم لأنها تأتي للغارة عليهم وهي جميلة الخلق وهذا كقوله أيضا، حسن في عيون أعدائه أقبحُ من ضيفه رأته السوامُ،

    العكبري: الْإِعْرَاب نصب قباحا صفة لمغيرة الْمَعْنى يَقُول فجأتهم هَذِه الْخَيل فَلم يشعروا بهَا إِلَّا مُغيرَة عَلَيْهِم قباحا أَعينهم لسوء فعلهَا بهم وَهِي مَعَ ذَلِك جميلَة فِي خلقهَا متناهية فِي حسنها

  22. ٢٢

    سَحَائِبُ يَمْطُرْنَ الحَديدَ علَيهِمِ

    فكُلُّ مَكانٍ بالسّيوفِ غَسيلُ

    الواحدي: جعل خيله كالسحائب لما فيها من بريق الأسلحة وصياح الأبطال وجعل مطرها الحديد لأنها تنصب عليهم بالسيوف والأسنة ولما جعل الحديد مطرا جعل المكان الذي يقع عليه الحديد مغسولا به

    العكبري: الْإِعْرَاب سحائب نَصبه على الْبَدَل من قباح قَالَه أَبُو الْفَتْح وَيجوز على الْبَدَل من ضمير رأوها الْمَعْنى جعل خيله كالسحائب لما فِيهَا من بريق الأسلحة وأصوات الفرسان وَجعل مطرها الْحَدِيد لِأَنَّهَا تنصب عَلَيْهِم بِالسُّيُوفِ والأسنة وَلما جعل الْحَدِيد مَطَرا جعل الْمَكَان الَّذِي يَقع بِهِ مغسولا بِهِ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز أَن يَعْنِي بالسحاب الْغُبَار الثائر وَيكون فِي الْكَلَام حذف أَي رَأَوْا وَالْمعْنَى أَنه وصف خيله بِالْكَثْرَةِ فَقَالَ سحائب تمطر الْحَدِيد عَلَيْهِم وتعمل السِّلَاح فيهم فَكل مَكَان تغسله السيوف بِمَا تسفكه من الدِّمَاء وتغشاه بِمَا تحدثه من الْقَتْل

  23. ٢٣

    وَأمْسَى السّبَايَا يَنْتَحِبنَ بعِرْقَةٍ

    كأنّ جُيُوبَ الثّاكِلاتِ ذُيُولُ

    الواحدي: عرفة موضع أي الجواري التي سبيت يبكين بهذا المكان ويشققن جيوبهن على من فقدن من قتلاهن فكأن جيوبهن في سعتها ذيول

  24. ٢٤

    وَعادَتْ فَظَنّوهَا بمَوْزَارَ قُفّلاً

    وَلَيسَ لهَا إلاّ الدّخولَ قُفُولُ

    الواحدي: عادة خيل سيف الدولة فظنها الروم راجعةً إلى بلادها وليس لها رجوع إلا الدخول عليهم من درب موزار يعني قفولها الذي ظنوه كان دخولا عليهم

    العكبري: الْغَرِيب موزار مَوضِع بِبِلَاد الرّوم والقفول الرُّجُوع وَمِنْه الحَدِيث كَانَ إِذا قفل من غَزْو وقفل يقفل بِالضَّمِّ والقافلة الرّفْقَة الراجعة من السّفر الْمَعْنى لما عَادَتْ خيل سيف الدولة ظَنّهَا الرّوم قافلة منصرفة بموزار وَلَيْسَ لَهَا قفول إِلَّا الدُّخُول إِلَيْهِم والاقتحام عَلَيْهِم فَكَانَ عودتها إِلَى موزار بِخِلَاف مَا ظنوه وَبِغير مَا احتسبوه

  25. ٢٥

    فَخاضَتْ نَجيعَ القَوْمِ خَوْضاً كأنّهُ

    بكُلِّ نَجيعٍ لمْ تَخُضْهُ كَفيلُ

    الواحدي: الهاء في كأنه للخوض يقول خاضت خوضا وافرا تاما كأن ذلك الخوض كفيل بكل دم لم تخضه لأن من رأى ذلك الخوض علم أنه لا يتعذر عليها خوض دم

    العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي كَأَنَّهُ يعود على الْمصدر والنجيع الدَّم الضَّارِب إِلَى السوَاد وَقَالَ الْأَصْمَعِي هُوَ دم الْجوف خَاصَّة وَالْكَفِيل الضَّامِن الْمَعْنى يَقُول خاضت هَذِه الْخَيل بموزار الدَّم الَّذِي سفكت من الرّوم خوضا كَأَنَّهُ يكفل بِظَاهِر الْغَلَبَة فِيهِ واقتران النَّصْر بِهِ مَا خاضته بعد ذَلِك من دِمَائِهِمْ وهزمته من جيوشهم لِأَن من رأى ذَلِك الْخَوْض علم أَنه لَا يتَعَذَّر عَلَيْهَا خوض دم غَيره

  26. ٢٦

    تُسايِرُها النّيرانُ في كلّ مَنزِلٍ

    بهِ القوْمُ صَرْعَى والدّيارُ طُلولُ

    الواحدي: أي تسير معها النيران إينما سلكت أي أنهم يحرقون كل موضع وطئوه من بلادهم ويقتلون أهله فتخرب ديارهم وتبقى الآثار

    العكبري: الْغَرِيب الطلول مَا بقى من أثار الديار الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذِه الْخَيل تسير مَعَ النيرَان الَّتِي تضرمها فِي ديار الرّوم فِي كل مَسْلَك أَهله صرعى بِالْقَتْلِ ومنازله طلول بالخراب يُشِير إِلَى مَا أحدثته هَذِه الْخَيل فِي بِلَاد الرّوم من إحراق شجرهم وَهدم دِيَارهمْ وَكَثْرَة الْقَتْل فيهم

  27. ٢٧

    وَكَرّتْ فمَرّتْ في دِماءِ مَلَطْيَةٍ

    مَلَطْيَةُ أُمٌّ للبَنِينَ ثَكُولُ

    الواحدي: عادت الخيل فخاضت في دماء أهل ملطية أي سفكت دماءهم حتى خاضت فيها الخيل وجعل ملطية أما لأهلها وجعلهم كالبنين لها وقد فقدتهم حين قتلوا

    العكبري: الْغَرِيب ملطية مَدِينَة مَعْرُوفَة من بِلَاد الرّوم وَغَيرهَا لِأَنَّهَا أَعْجَمِيَّة وَالِاسْم الأعجمي إِذا وَقع إِلَى الْعَرَب غيرته وَسكن الطَّاء لإِقَامَة الْوَزْن والثكول الَّتِي تفقد أَوْلَادهَا الْمَعْنى يَقُول كرت هَذِه الْخَيل فمرت فِي دِمَاء أهل ملطية فَأخْبر عَن الْبَلَد كَمَا يخبر عَن أَهله كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ أَي أهل الْقرْيَة يُرِيد أَنَّهَا خاضت فِي دِمَائِهِمْ الَّتِي سفكت وَجعلهَا أما لأَهْلهَا وهم كالبنين لَهَا وَقد فقدتهم حِين قتلوا

  28. ٢٨

    وَأضْعَفْنَ ما كُلّفْنَهُ مِنْ قُباقِبٍ

    فأضْحَى كأنّ الماءَ فيهِ عَليلُ

    الواحدي: قباقب اسم نهر عبرته خيل سيف الدولة فجعل جرى مائه ضعيفا بكثرة قوائمها فيه والمعنى أضعفت الخيل الماء الذي كلفت الخيل قطعهُ

    العكبري: الْغَرِيب قباقب اسْم نهر بِبَلَد الرّوم الْمَعْنى يَقُول أضعفت هَذِه الْخَيل هَذَا النَّهر عِنْد عبوره بِشدَّة تزاحمها فِيهِ وَكَثْرَة ترادفها عَلَيْهِ فأضحى مَاؤُهُ كالعليل السَّاقِط الْقُوَّة فَجعلت جري مَائه ضَعِيفا وَالْمعْنَى أضعفت الْخَيل المَاء الَّذِي كلفت قطعه

  29. ٢٩

    وَرُعْنَ بِنَا قَلْبَ الفُراتِ كأنّمَا

    تَخِرُّ عَلَيْهِ بالرّجالِ سُيُولُ

    الواحدي: أي لما عبرت الخيل بنا الفرات راعته كثرة الخيل فكأنما يقع فيه سيول من الرجال الذين يخوضونه ولما جعل الفرات مروعا استعار له قلبا لأن الروع يكون في القلب

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول لما عبرت الْخَيل الْفُرَات راعته كَثْرَة الْخَيل أَي ذعرته وأخافته وأفزعته حَتَّى كَأَنَّمَا يخر عَلَيْهِ من جماعات الرِّجَال سيول طارقة وأمواج بَحر متلاطمة واستعار للفرات قلبا

  30. ٣٠

    يُطارِدُ فيهِ مَوْجَهُ كُلُّ سابحٍ

    سَواءٌ عَلَيْهِ غَمْرَةٌ وَمسيلُ

    الواحدي: أي الموج كانت تنجفل عن قوائم الخيل وهي تبعها فجعل ذلك كالمطاردة والغمرة معظم الماء والمعنى أن الخيل كانت تسبح في الغمرة وتسير في المسيل

    العكبري: الْغَرِيب السابح الْفرس الَّذِي يمد يَدَيْهِ وَعمرَة المَاء مجتمعه ومعظمه والمسيل مجْرى مَاء الْمَطَر الْمَعْنى يَقُول يطارد موج هَذَا النَّهر كل سابح من الْخَيل سَوَاء عِنْده الغمرة والمسيل وَالْكثير والقليل يُشِير إِلَى مَا على هَذِه الْخَيل من شدَّة الْأَمر وَمَا بلغته من قُوَّة الْخلق

  31. ٣١

    تَراهُ كأنّ المَاءَ مَرّ بجِسْمِهِ

    وَأقْبَلَ رَأسٌ وَحْدَهُ وتَليلُ

    الواحدي: أي إذا سبح الفرس في الماء لم يظهر منه إلا الرأس والعنق

    العكبري: الْغَرِيب التليل الْعُنُق الْمَعْنى يُرِيد أَن الْفرس إِذا سبح فِي المَاء لم يظْهر مِنْهُ إِلَّا الرَّأْس والعنق وَالْمعْنَى ترى ذَلِك السابح فِي الْفُرَات لِكَثْرَة مَائه وَتعذر خوضه قد استتر جِسْمه وخفى أَكْثَره حَتَّى كَأَن المَاء مر بِنَفسِهِ إِلَّا الْقَلِيل وَهُوَ الرَّأْس والعنق

  32. ٣٢

    وَفي بَطْنِ هِنزيطٍ وَسِمْنينَ للظُّبَى

    وَصُمِّ القَنَا مِمّنْ أبَدْنَ بَدِيلُ

    الواحدي: كانت السيوف والرماح قد اهلكت الرجال في هذين الموضعين فلما عاودنه بعد مدة وجدت قوما آخرين قد أدركوا بدلا عن الأول

  33. ٣٣

    طَلَعْنَ عَلَيْهِمْ طَلْعَةً يَعْرِفُونَها

    لهَا غُرَرٌ مَا تَنْقَضِي وَحُجُولُ

    الواحدي: أي طلعت الخيل على أهل هذين الموضعين طلعةً قد عرفوها لها شهرة كغرر الخيل وحجولها لأنه طالما طلعت عليهم الخيل وأغارت

    العكبري: الْغَرِيب الْغرَر جمع غرَّة وَهِي الَّتِي تكون فِي وَجه الْفرس والحجول بَيَاض يكون فِي قَوَائِمهَا الْمَعْنى طلعت هَذِه الْخَيل بِهَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ من الرّوم طلعة قد ٩ عرفُوا مثلهَا وعهدوا مَا يشبهها بجلالتها وعظمتها وشهرتها وَلها غرر لَا تخفي بهَا وحجول لَا تستتر مَعهَا

  34. ٣٤

    تَمَلُّ الحُصُونُ الشُّمُّ طُولَ نِزالِنَا

    فَتُلْقي إلَيْنَا أهْلَهَا وَتَزُولُ

    الواحدي: الشم الطوال المرتفعة في السماء أي أنها تمل ول منازلتنا إياها فتزول هي عن أماكنها بالخراب وتمكننا من أهلها

    العكبري: الْغَرِيب الشم الطوَال المرتفعة الْعَالِيَة الْمَعْنى يَقُول تمل الْحُصُون المستعلية مداومتنا لقتالها وملازمتنا لحصارها فيسهل لنا الظفر بهَا وَلَا تمْتَنع عَمَّا نحاوله من هدمها وتصبح كالزائلة بِتَغَيُّر بنيتها واستحالة هنيئتها

  35. ٣٥

    وَبِتْنَ بحصْنِ الرّانِ رَزْحَى منَ الوَجى

    وَكُلُّ عَزيزٍ للأمِيرِ ذَلِيلُ

    الواحدي: باتت الخيل رازحة معيبةً بهذا المكان مما اصابها في حوافرها ثم اعتذر لها فقال لم يلحقها ذلك لضعفها ولكن الأمير كلفها من همه صعبا فذلت له وإن كانت عزيرةً قويةً.

  36. ٣٦

    وَفي كُلِّ نَفْسٍ ما خَلاهُ مَلالَةٌ

    وَفي كُلِّ سَيفٍ ما خَلاهُ فُلُولُ

    العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي خلاه لسيف الدولة وموضعه نصب بخلا الْمَعْنى يُرِيد من شدَّة مَا لاقوا فِي هَذِه الْغَزْوَة فِي كل نفس من نفوس الْجَيْش ملالة مَا خلا سيف الدولة فَإِنَّهُ لَا يفتر وَلَا يمل وَلَا يكسل وَكَذَلِكَ كل سيف فِي ذَلِك الْجَيْش قد فَلهُ الضَّرْب وأوهنه الجلاد وَهُوَ السَّيْف الَّذِي لَا ينبو عَن ضريبته وَلَا يضيق عَن جمل عَظمته

  37. ٣٧

    وَدُونَ سُمَيْساطَ المَطامِيرُ وَالمَلا

    وَأوْدِيَةٌ مَجْهُولَةٌ وَهُجُولُ

    الواحدي: المطمورة حفرة يخبأ فيها الكعام والشراب والملا المتسع من الأرض والهجل المطمئن من الأرض يقول قبل الوصول إلى سميساط هذه الأشياء.

    العكبري: الْغَرِيب سميساط بلد من بِلَاد الرّوم والمطامير جمع مطمورة وَهِي حُفْرَة غائرة فِي الأَرْض والملا الفلاة والهجول جمع هجل وَهُوَ المطمئن من الأَرْض قَالَ أَبُو زبيد (نَحِنُّ للظِّمْءِ مِمَّا قَدْ أَلَمَّ بِهَا ... بالهَجْلِ مِنْها كأصْوَاتِ الزَّنابِيرِ) الْمَعْنى يُرِيد لما ورد الْخَبَر عَلَيْهِ بِخُرُوج الرّوم إِلَى بِلَاد الْمُسلمين فأتبعهم وأوقع بهم فَيَقُول وَدون سميساط الَّتِي حل فِيهَا جَيش سيف الدولة مَا اعْتَرَضَهُمْ من المطامير الَّتِي سلكوا بَينهَا والفلاة الَّتِي قطعُوا بعْدهَا وَمَا سلكوا بعد ذَلِك من الأودية المجهولة والهجول الْمُتَّصِلَة

  38. ٣٨

    لَبِسْنَ الدّجَى فيها إلى أرْضِ مرْعَشٍ

    وَللرّومِ خَطْبٌ في البِلادِ جَليلُ

    الواحدي: أي سارت الخيل في تلك الأودية إلى ارض مرعش ليلا فكأنها لبست الدجى حين سارت في الظلمة وهو من قول ذي الرمة، فلما لبسن الليل، البيت وقوله وللروم خطب وذلك أن سيف الدولة لما نزل بحصن الران ورد عليه الخبر أن الروم في بلاد المسلمين يعبثون ويقتلون ويجوز أن يكون المعنى أن لأرض الروم خطبا جليلا لأن الوصول إليها صعب لتعذر الطريق إليها ولشدة شوكة أهلها وقد داسها سيف الدولة بحوافر خيله وذلل أهلها

    العكبري: الْغَرِيب مرعش حصن من حصون الرّوم ولبسن الدجى سرن فِي الظلام وَهُوَ من قَول ذِي الرمة (فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ ... الْبَيْت) الْمَعْنى يُرِيد أَن سيف الدولة لما نزل بحصن الران ورد عَلَيْهِ الْخَبَر أَن الرّوم خَرجُوا إِلَى بِلَاد الْمُسلمين يقتلُون ويفسدون فَرجع إِلَيْهِم مسرعا فَقتل مِنْهُم خلقا كثيرا واسر قسطنطين بن دمستق وجرح إِيَّاه فِي وَجهه فَهَذَا معنى قَوْله وللروم خطب جليل بِمَا فعلوا فِي الْبِلَاد فَذكر أَن الْخَيل لبست الدجى فِي سَيرهَا إِلَى الْعَدو تسرع وتخب نحوهم وتوضع حَتَّى أَتَت أَرض مرعش وخطب الرّوم جليل فِي الْبِلَاد مستشنع ومخوف متوقع وَقَالَ الواحدي يُرِيد أَن الأَرْض الرّوم خطبا جَلِيلًا لِأَن الْوُصُول إِلَيْهَا صَعب لتعذر الطَّرِيق إِلَيْهَا ولشدة شَوْكَة أَهلهَا وَقد داسها سيف الدولة بحوافر خيله وذلل أَهلهَا

  39. ٣٩

    فَلَمّا رَأوْهُ وَحْدَهُ قَبْلَ جَيْشِهِ

    دَرَوْا أنّ كلَّ العالَمِينَ فُضُولُ

    الواحدي: في هذه إشارة إلى أنه لشجاعته يتقدم الخيل حتى رآءه الروم وحده ولما رأوه علموا أنه يغني غناء بني آدم كلهم وإن من سواه من العالمين لا حاجة إليهم مع وجوده

    العكبري: الْغَرِيب الفضول الزَّوَائِد الَّتِي لَا حَاجَة إِلَيْهَا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ جمع فضل وَقد أبدلته الْعَامَّة فَجَعَلته عبارَة عَن الدُّخُول فِيمَا لَا يَعْنِي الْإِنْسَان وَإِنَّمَا هُوَ تَشْبِيه لَهُ بِغَيْرِهِ وَنقل لَهُ عَن مَوْضِعه وَمِنْه قَول الرَّاعِي (مِنْ نِعْمَةِ الرَّحَمنِ لامِن حِسلَتِس حليتي ... أّني أُعُدُّ لَهُ عَلَّى فُضُولاً) الْمَعْنى يَقُول إِن الرّوم لما رَأَوْا سيف الدولة يقدم جَيْشه ويقود جمعه دروا أَن الْعَالمين بعده فضول زَائِدَة ونوافل سَاقِطَة وَأَنه يَسْتَغْنِي بِنَفسِهِ وَلَا يفْتَقر إِلَى جَيْشه

  40. ٤٠

    وَأنّ رِمَاحَ الخَطّ عَنْهُ قَصِيرَةٌ

    وَأنّ حَديدَ الهِنْدِ عَنهُ كَليلُ

    الواحدي: وعلموا أن الرماح لا تصل إليه وأن السيوف تكل عنه فلا تقطعه أما لأنها تندفع دونه لعزته ومنعته وأما لأن هيبته تمنع الطاعن والضارب

    العكبري: الْغَرِيب الْخط مَوضِع بِالْيَمَامَةِ وَهُوَ خطّ هجر تنْسب إِلَيْهِ الرماح الخطية والكليل الَّذِي لَا يقطع الْمَعْنى علمُوا أَن الرماح لَا تصل إِلَيْهِ وَأَن السيوف تكل عَنهُ إِمَّا لِأَنَّهَا تنْدَفع دونه لعزته ومنعته وَإِمَّا لِأَن هيبته تمنع الضَّارِب والطاعن وَهَذَا إِشَارَة إِلَى إحجام الضاربين والطاعنين واعتصامهم بالفرار مِنْهُ

  41. ٤١

    فأوْرَدَهُمْ صَدْرَ الحِصانِ وَسَيْفَهُ

    فَتًى بأسُهُ مِثْلُ العَطاءِ جَزيلُ

    الواحدي: يعني أنهم قتلوا بحضرته وهو راكبٌ جعلهم وأردين صدر فرسه حين أحضروا بين يديه وهو راكب وواردين سيفه حين قتلوا به

    العكبري: الْغَرِيب الحصان الْفَحْل من الْخَيل والجزيل الْكثير الْمَعْنى يُشِير إِلَى لحاق سيف الدولة بالروم وإيقاعه بهم فصيرهم موردا لصدر حصانه ونهبه لحد سَيْفه فَتى بأسه شَدِيد بَالغ كَمَا أَن إعطاءه كثير فبأسه يماثل جوده وإقدامه يشاكل فَضله

  42. ٤٢

    جَوَادٌ عَلى العِلاّتِ بالمالِ كُلّهِ

    وَلَكِنّهُ بالدّارِعِينَ بَخيلُ

    الواحدي: يجود بماله على اختلاف احواله كيف ما دار به الأمر كان جوادا ولكنه بخيل برجاله والمعنى أنه يبذل المال ويصون الأبطال وأن جعلنا الدارعين من الأعداء كان المعنى أنه يقتلهم ولا يجود بهم عليهم

    العكبري: الْغَرِيب العلات الْعَوَائِق والدارعون جمع دارع وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الدرْع مثل لِأَبْنِ وتامر الْمَعْنى يَقُول جواد على الْعَوَائِق المعترضة بضروب مَاله كُله لَا يستأثر بِشَيْء من ذَلِك وَلَا يدخره وَلَا يمسِكهُ وَلكنه ضنين بفرسانه بخيل شَدِيد الْبُخْل بِأَصْحَابِهِ وَقَالَ الواحدي إِن جعلنَا الدارعين من الْأَعْدَاء كَانَ الْمَعْنى أَنه يقتلهُمْ وَلَا يجود بهم عَلَيْهِم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وبخله بالدارعين أَنه يقتلهُمْ بِنَفسِهِ أَو يسلبهم أَو يحميهم اصطناعا

  43. ٤٣

    فَوَدّعَ قَتْلاهُمْ وَشَيّعَ فَلَّهُمْ

    بضَرْبٍ حُزُونُ البَيضِ فيهِ سُهولُ

    الواحدي: ترك الذين قتلهم وابتع الذين انهزموا بضربٍ لا تدفعه البيض عن الرأس وكأن الحزن منها سهل لذلك الضرب

    العكبري: الْغَرِيب الفل المنهزم والحزن مَا غلظ من الأَرْض وَهُوَ ضد السهل وَالْبيض جمع بَيْضَة وَهُوَ مَا ستر الرَّأْس من حَدِيد الْمَعْنى يُرِيد أَنه ودع قتلاهم عِنْد تَركهم وَتبع مهزميهم عِنْد هَرَبهمْ بِضَرْب شَدِيد وجلاد وَكيد يكسر الْبيض فِي رُءُوس الفرسان فَيجْعَل مَا علا مِنْهَا وارتفع كَالَّذي انخفض فَلَا تَدْفَعهُ الْبيض عَن الرُّءُوس فَكَأَن الْحزن مِنْهَا سهل لذَلِك الضَّرْب وطابق بَين التوديع والتشييع والحزن والسهل

  44. ٤٤

    على قَلْبِ قُسْطَنْطينَ مِنْهُ تَعَجّبٌ

    وَإنْ كانَ في ساقَيْهِ مِنْهُ كُبُولُ

    الواحدي: يعني ابن الدمستق يقول وإن كان مشغولا بالقيد فذلك لا يمنعه من التعجب مما يرى من شجاعته

    العكبري: الْغَرِيب قسطنطين هُوَ ابْن الدمستق مقدم الرّوم والكبول جمع كبل وَهُوَ الْقَيْد الضخم كبلت الْأَسير وكبلته إِذا قيدته فَهُوَ مكبول ومكبل الْمَعْنى يَقُول على قلب ابْن الدمستق من ذَلِك الضَّرْب تعجب شاغل وروع غَالب وَإِن كَانَ مَشْغُولًا بالقيد وَذَلِكَ لَا يمنعهُ من التَّعَجُّب مِمَّا يرى من شجاعة سيف الدولة وَقَالَ الْخَطِيب لما أسر سيف الدولة قسطنطين أكْرمه وَأقَام عِنْده بحلب مُدَّة فَمَاتَ فَاغْتَمَّ لذَلِك سيف الدولة فَلَمَّا بلغ مَوته أَبَاهُ دخلت الرّوم الجيوش الَّتِي فِيهَا الْمُسلمُونَ وَقتلُوا جمَاعَة فَكَانَ سيف الدولة يعيب عَلَيْهِم ذَلِك لأَنهم ظنُّوا أَنه سقَاهُ وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا ظنُّوا

  45. ٤٥

    لَعَلّكَ يَوْماً يا دُمُسْتُقُ عَائِدٌ

    فَكَمْ هارِبٍ مِمّا إلَيْهِ يَؤولُ

    الواحدي: يقول أن هربت فلعلك تعود يوما فقد يهرب الإنسان مما يعود إليه وهذا تهديد له أي أنك تعود فتؤسر أو تقتل

    العكبري: الْغَرِيب الدمستق هُوَ أَمِير الرّوم الْمَعْنى أَنه يهدده يَقُول لَعَلَّك يَوْمًا تعود إِلَى مواقعة سيف الدولة فيحيق بك الْهَلَاك الَّذِي استدفعته بفرارك فَرب هارب منا يَئُول إِلَيْهِ ويتخلص مِمَّا يُورِدهُ الْحِين فِيهِ الْمَعْنى قد يهرب الْإِنْسَان مِمَّا يعود إِلَيْهِ قَالَ ابْن وَكِيع وَهَذَا مِمَّا نقل من قَول ابْن الرُّومِي (وَإذَا خَشِيتَ مِنَ الأُمُورِ مُقَدَّراً ... وَهَرَبْتَ مِنْهُ فَنَحْوَهُ تتوَجَّهُ)

  46. ٤٦

    نَجَوْتَ بِإِحْدَى مُهْجَتَيْكَ جَرِيحَةً

    وَخَلَّفْتَ إِحْدَى مُهْجَتَيْكَ تَسِيلُ

    الواحدي: يريد أنه هرب مجروحا ونجا بروحه فجعل مهجته مجروحةً وإن كانت الجراحة على بدنه لأن الجراحة على البدن تسري إلى الروح وعني بالمهجة الثانية ابنه وقوله تسيل قال ابن جنى يعني أن ابنه يذوب في القيد هما وهزالا وليس ما قاله شيئا والمعنى أنه يقتل فيسيل دمه إلا ترى أنه قال

    العكبري: الْغَرِيب المهجة الجريحة الدمستق والسائلة ابْنه الْمَعْنى يُرِيد أَن الدمستق ضرب فِي وَجهه فِي هَذِه الْوَقْعَة فَمضى هَارِبا واسر ابْنه فَجعل مهجته مجروحة وَإِن كَانَت الْجراحَة لَا تكون إِلَّا فِي الْبدن لِأَنَّهَا تسرى إِلَى الرّوح وَقَوله تسيل قَالَ أَبُو الْفَتْح يَعْنِي أَن ابْنه يذوب فِي الْقَيْد هما وغما وَقَالَ الواحدي لَيْسَ قَول أبي الْفَتْح بِشَيْء وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَنه يقتل فيسيل دَمه وَالْمعْنَى أَنه يُخَاطب الدمستق فَيَقُول أَنْت وابنك كالشيء الْوَاحِد ومهجتاكما كالمهجة المفردة وَإِن كنت نجوت بمهجتك بعد الْجرْح الَّذِي نالك وخزى الْفِرَار الَّذِي لحقك فقد تركت مهجتك الثَّانِيَة فِي قبض الْأسر سَائِلَة ولحقيقة الْهَلَاك مُبَاشرَة فَمَا أدْرك ابْنك فقد أدركك وَمَا لحقه فقد لحقك

  47. ٤٧

    أتُسْلِمُ للخَطّيّةِ ابنَكَ هَارِباً

    وَيَسْكُنَ في الدّنْيا إلَيكَ خَليلُ

    الواحدي: هذا استفهام إنكارٍ وتوبيخٌ يقول أتخذله وتهرب ويثق بك أحد بعد ذلك من خلانك أي لا يثق بك أحد بع هذا ثم ذكر عذره في ذلك فقال

    العكبري: الْإِعْرَاب هَذَا اسْتِفْهَام إِنْكَار وتوبيخ وهاربا حَال من الْمُخَاطب الْغَرِيب الخطية منسوبة إِلَى الْخط مَوضِع بِالْيَمَامَةِ الْمَعْنى يَقُول للدمستق أتسلم ابْنك للرماح هَارِبا عَنهُ وتتركه فِي قَبْضَة الْأسر متبرئا مِنْهُ ويسكن إِلَيْك بعد هَذَا خَلِيل تألفه وتسر بعيش تستأنفه

  48. ٤٨

    بِوَجْهِكَ مَا أَنْسَاكَهُ مِنْ مُرِشَّةٍ

    نَصِيرُكَ مِنْهَا رَنَّةٌ وَعَوِيلُ

    الواحدي: يعني جراحةً ترش الدم إرشاشا يقول بوجهك جراحة انستك ابنك وليس لك من ينصرك منها إلا الرنين والصياح والمعنى أنك عاجز عن نصرة نفسك فكيف تنصر ابنك

    العكبري: الْغَرِيب المرشة الطعنة الَّتِي يرش مِنْهَا الدَّم إرشاشا والرنة الصَّوْت بالبكاء والعويل الْبكاء الْمَعْنى يَقُول أَنْت عَاجز عَن نَفسك فَكيف لَك بنصر ابْنك وبوجهك من الْجِرَاحَات الَّتِي لحقتك والآلام الموجعة الَّتِي لازمتك مَا أنساك فَقده وَسَهل عَلَيْك أمره ونصيرك المداومة للرنين والملازمة للعويل

  49. ٤٩

    أغَرّكُمُ طولُ الجُيوشِ وَعَرْضُهَا

    عَليٌّ شَرُوبٌ للجُيُوشِ أكُولُ

    الواحدي: يقول أغركم كثرة رجالكم لا تغرنكم الكثرة فإن سيف الدولة يغلبكم وإن كثر عددكم وأراد بالشرب والأكل الإفناء والإبادة حتى لا يبقى منهم شيء لأن ما شرب أو أكل لم تر له عين

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول أغركم احتفال جيوشكم وَكَثْرَة عددكم والجيوش لسيف الدولة كالغذاء الَّذِي يتقوت بِهِ ويتحكم فِي اسْتِعْمَاله فَهُوَ يشرب الجيوش ويأكلها ويتلفها ويهلكها وَالْأكل وَالشرب ذكرهمَا على سَبِيل الِاسْتِعَارَة وَهُوَ ينظر فِيهِ إِلَى قَول أبي نواس (فإنْ يَكُ بَاقِي إفْكِ فِرْعَوْنَ فيكُم ... فإنَّ عَصَا مُوسَى بِكَفّ خَصِيبِ)

  50. ٥٠

    إذا لم تَكُنْ للّيْثِ إلاّ فَريسَةً

    غَذاهُ وَلم يَنْفَعْكَ أنّكَ فِيلُ

    الواحدي: هذا مثل ضربه يقول أنتم وإن كنتم أكثر عددا فن الظفر دونكم للأسد فلا تنفعكم كثرتكم كالفيل مع الليث فإن الفيل لا ينفعه عظمه إذا صار فريسةً للأسد

    العكبري: الْغَرِيب غذاه صَار لَهُ غذَاء وَالضَّمِير رَاجع إِلَى اللَّيْث والفيل مَعْرُوف وَهُوَ عَظِيم الْخلقَة الْمَعْنى هَذَا مثل ضربه للروم يَقُول إِن كُنْتُم أَكثر عددا فَإِن الظفر لَهُ دونكم فَلَا ينفعكم كثرتكم كالفيل مَعَ اللَّيْث فَإِن الْفِيل لَا يَنْفَعهُ عظمه إِذا صَار فريسة للأسد

  51. ٥١

    إذا الطّعْنُ لم تُدْخِلْكَ فيهِ شَجاعةٌ

    هيَ الطّعنُ لم يُدخِلْكَ فيهِ عَذولُ

    الواحدي: إذا لم تدخلك الشجاعة في الطعن لم يدخلك فيه العذل يعني أن التحريض لا يحرك الجبان

    العكبري: الْمَعْنى إِذا لم تدخلك الشجَاعَة فِي الطعْن لم يدْخلك فِيهِ العذل يَعْنِي أَن التحريك لَا يُحَرك الجبان وَالْمعْنَى إِذا لم تدخلك فِيهِ شجاعة هِيَ الطعْن وَبهَا يكون الْبَطْش وَالْفِعْل لم يدْخلك فِيهِ عاذل يعذلك على الْجُبْن ويستقسرك على قَبِيح الْفِعْل لِأَن الْخلق غَالب والطباع للْإنْسَان لَازِمَة

  52. ٥٢

    وَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أبْصَرْنَ صَوْلَهُ

    فَقَدْ عَلّمَ الأيّامَ كَيفَ تَصُولُ

    الواحدي: أن أبصرت الأيام صولته على أهل الروم فقد علمها كيف تصول يعني أن الأيام تتعلم منه البأس

    العكبري: الْغَرِيب الصولة حَملَة الباطش وصال عَلَيْهِ إِذا استطال وصال عَلَيْهِ وثب صولا وصولة يُقَال رب قَول أَشد من صول والمصاولة المواثبة وَكَذَلِكَ الصيال والصيالة والفحلان يتصاولان أَي يتواثبان الْمَعْنى يَقُول إِن تكن الْأَيَّام أَبْصرت وقائع سيف الدولة وبطشه فقد علمهَا من ذَلِك مَا لم تعلمه وكشف لَهَا مَا لم تعرفه ونهج لَهَا سَبِيل الصول وَالْقُدْرَة ونبهها على حقائق الْغَلَبَة مَعَ أَن هَذِه الْأَحْوَال إِلَى الْأَيَّام تنْسب وآثارها فِيهَا تمثل

  53. ٥٣

    فَدَتْكَ مُلُوكٌ لم تُسَمَّ مَوَاضِياً

    فإنّكَ ماضِي الشّفْرَتَينِ صَقيلُ

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول فدتك مُلُوك تروم مشابهتك وَلم تسم سيوفا مواضي فتماثلك فِي اسْمك وتعادلك فِي قدرك فَإنَّك السَّيْف اسْما وَحَقِيقَة وتلقبا وَحدك ماضي الشفرتين صقيل الصفحتين

  54. ٥٤

    إذا كانَ بَعضُ النّاسِ سَيفاً لدَوْلَةٍ

    فَفي النّاسِ بُوقاتٌ لهَا وطُبُولُ

    الواحدي: الوق قد جاء في كلام العرب أنشد الأصميع، زمر النصارى زمرت في البوق، ومنه سميت الداهية بائقةً ويقال أباق عليهم الدهر أي هجم عليهم كما يخرج الصوت من البوق ويجمع على بوقات وإن كان مذكرا وهو جائز كما قالوا حمام وحمامات وسرادق وسرادقات وجواب وجوابات وهو كثير والمعنى أنك إذا كنت سيف الدولة فغيرك من الملوك بالإضافة إليك للدولة بمنزلة البوق والطبل أي لا يغنون غناءك ولا يقومون مقامك وعني ببعض الناس سيف الدولة هذا هو الظاهر من معنى البيت وقال أبو الفضل العروضي أراد بالبوق الطبل الشعراء الذين يشيعون ذكره ويذكرون في اشعارهم غزواته فينتشر بهم ذكره في الناس كالبوق والطبل اللذين هما لأعلام الناس بما يحدث

  55. ٥٥

    أنَا السّابِقُ الهادي إلى ما أقُولُهُ

    إذِ القَوْلُ قَبْلَ القائِلِينَ مَقُولُ

    الواحدي: يقول أنا الذي أسبق واتقدم غيري إلى ما أقوله يعني أنه يخترع المعاني البكر التي لم يسبق غليها إذا قال ما سبق إليه

    العكبري: الْغَرِيب كَلَام مقول وَكلمَة مقولة الْمَعْنى يَقُول أَنا السَّابِق إِلَى مَا أبدعه فِي القَوْل الْهَادِي إِلَى مَا أغرب بِهِ من الشّعْر لَا أهتدي إِلَى ذَلِك بِمن سبقني بعمره وفاتني بتقدم عصره إِذْ كَانَ غَيْرِي من الْقَائِلين لَا يخرج عَمَّا قيل قبله وَلَا يُورد إِلَّا مَا قد قَالَه قبله غَيره وَالْمعْنَى أَنه لَا يخترع الْمعَانِي الَّتِي لم يسْبق إِلَيْهَا

  56. ٥٦

    وَما لكَلامِ النّاسِ فيمَا يُريبُني

    أُصُولٌ ولا للقائِليهِ أُصُولُ

    الواحدي: أي ما يتكلم به حسادي فيما يريبني ليس له أصل ولا لهم أي انهم يكذبون عليّ فلا أصل لما يقولون لأنه كذبٌ ولا أصل لهم أي لا نسب يعرف بذلك

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول وَمَا لكَلَام حاسدي من النَّاس فِيمَا أستريبه مِنْهُم ويتصل بِي عَنْهُم أصُول ثابته فِي الصدْق كَمَا أَن مَا لِلْقَائِلين بذلك أصُول ثَابِتَة فِي الْفضل فسقوطهم فِي أَقْوَالهم كسقوطهم فِي أَحْوَالهم وَهَذِه الْعبارَة وَإِن زَادَت على لَفظه فَهِيَ مفهومة من حَقِيقَة قَصده

  57. ٥٧

    أُعَادَى على ما يُوجبُ الحُبَّ للفَتى

    وَأهْدَأُ وَالأفكارُ فيّ تَجُولُ

    الواحدي: أي أعادي على علمي وفضلي وتقدمي في الشعر وذلك مما يوجب الحب لا العداوة واسكن أنا وأفكاري تجول فيّ ولا تسكن

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول أعادي على فضلي وَعلمِي وتقدمي فِي الشّعْر وَذَلِكَ مِمَّا يُوجب الْحبّ لَا الْعَدَاوَة واسكن أَنا والأفكار تجول فِي وَلَا تسكن

  58. ٥٨

    سِوَى وَجَعِ الحُسّادِ داوِ فإنّهُ

    إذا حلّ في قَلْبٍ فَلَيسَ يحُولُ

    الواحدي: أي لا تشتغل بمداواة حسد الحساد فإن الحسد إذا نزل في القلب لا يتحول عنه

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول على سَبِيل الْمثل غير مَا يصطنعه الْحَاسِد فداوه بلطفك وَعلمه بِحِلْمِك وَأما وجع الحاسدين فَلَا طمع فِيهِ وَلَا سَبِيل للعلاج عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا حل فِي الْقلب المتخلق بِهِ ثَابت لَا يحول ودائم لَا يَزُول

  59. ٥٩

    وَلا تَطْمَعَنْ من حاسِدٍ في مَوَدّةٍ

    وَإنْ كُنْتَ تُبْديهَا لَهُ وَتُنيلُ

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَا تطمعن فِي صدق مَوَدَّة وخلوص محبَّة مِمَّن أتقن حسده وَإِن أظهرت ذَلِك والتزمته وأبديته واعتقدته وبذلت لَهُ مَعَ ذَلِك النّيل والمشاركة والحسد دَاء لَا يبرأ مِنْهُ وَخلق لَا ينْفَصل صَاحبه عَنهُ

  60. ٦٠

    وَإنّا لَنَلْقَى الحادِثاتِ بأنْفُسٍ

    كَثيرُ الرّزايا عندَهنّ قَليلُ

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول مخبرا عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ من الصَّبْر وَقلة الْجزع لحوادث الدَّهْر وَأَنا لنلقى الْحَوَادِث بأنفس صابرة وعزائم ثَابِتَة تستقل الرزايا الْكَثِيرَة وتحتقر الخطوب الجليلة

  61. ٦١

    يَهُونُ عَلَيْنَا أنْ تُصابَ جُسُومُنَا

    وَتَسْلَمَ أعْراضٌ لَنَا وَعُقُولُ

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول يهون أَن تصاب جسومنا فِي الْحَرْب وَأَن تتعرض للجراح وَالْقَتْل إِذا كَانَت أعراضنا وافرة وعقولنا سَالِمَة وَهَذَا من قَوْله الَّذِي لَا يُشَارك فِيهِ وَأَصله لحبيب (لَا يأْسَفُونَ إذَا هُمُ سَمِنَتْ لَهُمْ ... أحْسابُهُمْ أنْ تَهْزُلَ الأعْمارُ)

  62. ٦٢

    فَتيهاً وَفَخْراً تَغْلِبَ ابْنَةَ وَائِلٍ

    فَأنْتِ لخَيرِ الفاخِرِينَ قَبيلُ

    الواحدي: يقول لتغلب وهي قبيلة سيف الدولة أفخري وتيهي فأنت قبيلٌ لخير من فخر يعني سيف الدولة

    العكبري: الْإِعْرَاب نصب تيها وفخرا على الْمصدر وتغلب من رَفعه رَفعه على النداء الْمُفْرد وَجعل ابْنة وَائِل مَنْصُوبًا بالنداء الْمُضَاف وَمن نَصبه جعله مُضَافا إِلَى وَائِل وَابْنَة بَدَلا مِنْهُ وأنث تغلب لِأَنَّهَا قَبيلَة وهم رَهْط سيف الدولة وَبكر وتغلب ابْنا وَائِل بن قاسط وَمن ولدهما الْجُمْهُور الْأَعْظَم من ربيعَة بن نزار الْمَعْنى يَقُول لتغلب افخري وتيهي على سَائِر الْعَرَب لِأَنَّك قَبيلَة سيف الدولة فَهُوَ قبيل خير الفاخرين وَأكْرم من تدفعين بِهِ الأكرمين

  63. ٦٣

    يَغُمُّ عَلِيّاً أنْ يَمُوتَ عَدُوُّهُ

    إذا لم تَغُلْهُ بالأسِنّةِ غُولُ

    الواحدي: تغله تهلكه وتذهب به يقال غاله يقول إذا اهلكه والغول المهلك يقول الغم غول النفس والغضب غول الحلم يقول إذا مات عدوه حتف انفه ولم يحصل مقتولا بسنانه غمه ذلك

    العكبري: الْغَرِيب تغله تهلكه والغول المهلك والغول الْمنية الْمَعْنى يَقُول هُوَ يغتم إِذا مَاتَ عدوه حتف أَنفه وَلم يقْتله بِسَيْفِهِ وَرمحه مَعَ مَاله فِي ذَلِك من الْكِفَايَة وبلوغ الرَّغْبَة وَسُقُوط المئونة إِذا لم تغله أسنته وتحط بِهِ مقدرته وتهلكه وقائعه لِأَنَّهُ على يَقِين من الظفر بِهِ فَإِذا فَاتَهُ بِالْمَوْتِ سَاءَهُ ذَلِك وَظن أَنه شَيْء سبق إِلَيْهِ وَمنع من بُلُوغ المُرَاد فِيهِ

  64. ٦٤

    شَريكُ المَنَايَا وَالنّفُوسُ غَنيمَةٌ

    فَكُلُّ مَمَاتٍ لم يُمِتْهُ غُلُولُ

    الواحدي: جعله شريك المنايا لكثرة من يقتله يقول بينه وبين المنايا شركة في النفوس فكل منية لم تكن عن سيفه وسنانه فهو غلول من المنايا

  65. ٦٥

    فإنْ تَكُنِ الدّوْلاتُ قِسْماً فإنّهَا

    لِمَنْ وَرَدَ المَوْتَ الزّؤامَ تَدُولُ

    الواحدي: يقول إذا كانت الدولة قسما لبعض الناس فإنها قسمة من حضر الحرب ومواضع القتال والموتُ الزؤام الوحيُّ

    العكبري: الْغَرِيب الدولات الظفر وَهِي أَيْضا من دولة السُّلْطَان وَهِي بِمَعْنى الْمصدر والدولة فِي الْحَرْب أَن تدال إِحْدَى الفئتين على الْأُخْرَى والجميع الدول والدولة بِالضَّمِّ فِي المَال وبالفتح فِي الْحَرْب وأدالنا الله من عدونا من الدولة والإدالة الْغَلَبَة يُقَال اللَّهُمَّ أدلني على فلَان وَانْصُرْنِي عَلَيْهِ ودالت الْأَيَّام أَي دارت الْمَعْنى يَقُول إِن تكن الدولات أقساما تسْتَحقّ وحظوظا تستوجب فَإِن أَحَق من دَانَتْ لَهُ دولته فملكت وأسعدنه فَانْفَرد بهَا من ورد الْمَوْت الزؤام وَهُوَ العاجل غير متهيب وأقدم عَلَيْهِ غير متوقع

  66. ٦٦

    لِمَنْ هَوّنَ الدّنْيا على النّفسِ ساعَةً

    وَللبِيضِ في هامِ الكُماةِ صَليلُ

    الواحدي: يقول الدولة تدول لمن وطن نفسه على القتل ولم يمل إلى الدنيا بالنكوص عن الحرب وصبر على المكروه وهو يسمع صليل الحديد في رؤوس الشجعان وتأخر مدحه فتعتب عليه فقال يعتذر إليه

    العكبري: الْغَرِيب الْبيض السيوف والكماة الشجعان والصليل امتداد الصَّوْت الْمَعْنى يَقُول الدولة تدول لمن وَطن نَفسه على الْقَتْل وَلم يمل إِلَى الدُّنْيَا بالنكوص عَن الْحَرْب وصبر على الْمَكْرُوه وَهُوَ يسمع صليل الْحَدِيد فِي رُءُوس الشجعان والأبطال تنجالد وكئوس الْمَوْت تتنازع وَأَحْكَام السيوف من الفرسان نَافِذَة وَأَصْوَاتهَا فِي رُءُوس الشجعان عالية

هذه القصيدة بشرح الواحدي، والعكبري

أبيات مشهورة منها(٦)
التعليقات(٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.