من «الوساطة بين المتنبي وخصومه» للقاضي الجرجاني (ت ٣٩٢هـ)
ما عاب العلماء على أبي الطيب
فما أنكره عليه أهلُ العلم واستضعفوه قوله:
جلَلاً كما بي فليَكُ التّبريحُأغِذاء ذا الرَّشإ الأغنّ الشّيحُ
فقال أهل الإعراب: حذف النون من تكن إذا استقبلتها اللام خطأ؛ لأنها تتحرك الى الكسر، وإنما تحذف استخفافاً إذا سكنت، فقال لهم المحتجّ عن أبي الطيب: لعمري إن وجهَ الكلام ما ذكرتُم، لكنّ ضرورة الشعر تُجيز حذف النون مع الألف واللام، وقد حكاه أبو زيد عن العرب في كتابه المعروف بكتاب النوادر، وأنشد لحسيل بن عُرفُطة:
لم يكُ الحقُّ سوى أن هاجَهرسمُ دارٍ قد تعفّى بالسُرَر
غيّر الجدّة عن عِرْفانِهاخُرْق الريحِ وطوفانُ المطر
وأبو زيد ثِقة والرواية عن العرب حجّة، وقد جاء مثله:
فلستُ بآتيه ولا أستطيعُهولاكِ اسقِني إنْ كان ماؤُكَ ذا فضْل
كأنه حذف ثم جاء بالساكن منبعد فتركه على الحذف. وأنكر أصحاب المعاني قطعَ المصراع الثاني عن الأول في اللفظ والمعنى، فقال المحتجّ عنه إنما يسوغُ الإنكار لو قطع قبل الإتمام، وابتدأ بالثاني وقد غادر من الأول بقية، فأما أن يستوفي مراده، ثم ينتقل الى غيره فليس بعيب، وإنما المصراعان كالبيتين، وه قد استوفى بقوله:
جلَلاً كما بي فليَكُ التّبريحُ
هذا المعنى، ثم ابتدأ بالمصراع الثاني مستفهماً فما في هذا من العيب! وقال بعضهم: قد يفعلُ الشاعر مثل هذا في النسيب خاصة ليدلّ به على تمكّن الشوق منه، وغلبة الحب عليه، وليرى أن آثار الاختلاط ظاهرة في كلامه، وأنه مشغول عن تقويم خطابه، قالوا: ولذلك قال:
أغِذاء ذا الرّشإ الأغنّ الشيحُ
وجعلوا من هذا الباب قول زهير:
قِف بالدّيار التي لم يعفُها القدَمُبلى وغيّرَها الأرواحُ والدّيمُ
فنقض بالمصراع الثاني الأول ولم يحفل بتكذيب نفسه، وأنكر هؤلاء قول من ذهب الى أن معنى البيت أن القدم لم يعفُها، وإنما غيّرها الأرواح والدّيَم. ومن النّقض الظاهر قول بشار:
لم يطُل ليلي ولكن لم أنمونفى عني الكرى طيفٌ ألم
فقال: لم أنم، ثم زعم أن الطيف ألمّ به، وهو لا يُلمّ إلا بنائم. وقال غيره إن بين المصراعين اتصالاً لطيفاً، وهو أنه لما أخبر عن عظم تبريحه، وشدّة أسفه بيّن أن الذي أورثه التبريح والأسف وهدَى إليه الشوق والقلق هو الأغنّ الذي شكّكه غلبة شِبْه الغِزلان عليه في غذائه، وهذا الاعتذار قريب.
وعابوا له:
أمطِ عنك تشبيهي بما وكأنّهفلا أحدٌ فوقي ولا أحدٌ مثلي
فقالوا: إنما يشبه من الأسماء بمِثل وشِبه ونحوهما، ومن الأدوات بالكاف، ثم تدخل على أنّ فيقال: كأنه الأسد، وقد تقرّب العرب التشبيه بأن تجعل أحد الشيئين
هو الآخر، فتقول زيد الأسد عادياً، والسيفُ مسلولاً، فأما ما فلها مواقعُ معروفة وليس للتشبيه في أبوابه مدخل. وهذا مما سُئِل أبو الطيب عنه فذكر أنّ ما تأتي لتحقيقِ التشبيه؛ تقول: عبد الله الأسد وما عبد الله إلا الأسد وإلا كالأسد، تنفي أن يشبَّه بغيره، وقال:
وما هندُ إلا مُهرة عربيةسَليلةُ أفراس تجلَّلها بغْل
وقد تجيء مع الكاف قال لبيد:
وما المرءُ إلا كالشِهاب وضوئِهيحور رماداً بعد إذْ هو ساطِعُ
فكأن قائلاً قال: ما هو إلا كذا، وآخُ قال: كأنه كذا، فقال: أمط عنك تشبيهي بما وكأنه. وأقول: إن التشبيه بما محال وإنما يقع التشبيه في هذه المواضع التي ذكرها بحرْفه، فإذا قال: ما المرء إلا كالشهاب فإنما المفيد للتشبيه الكاف ودخلت ما للنفي فنفَت أن يكون المرء إلا كالشهاب، فهي لم تتعد موضعها من النفي، لكنها نفَت الاشتباه سوى المستثنى منها، وإذا قال: ما هند إلا مهرة فإن ما دخلت على المبتدأ والخبر، وكأن الأصل هند مهرة، وهو في تحقيق المعنى عائد الى تقريب الشّبَه، وإن كان اللفظ مُبانياً، ثم نفى أن يكون كذلك فأدخل حرفي النفي والاستثناء، فليس بمُنكَر أن يُنسَب التشبيهُ الى ما إذا كان له هذا الأثر، وباب الشعر أوسع من أن يضيق عن مثله.
وأنكروا قوله:
إذا كان بعض الناس سيفاً لدولةٍففي الناس بوقاتٌ لها وطبول
فقالوا: إنّ جمع بوق على بوقات خطأ، وإنما يجمع باب فُعْل على أفعال في أدنى العدد، مثاله: قُفْل وأقفال. وعود وأعْواد، وقد يخرج عنه الى أفعل؛ مثل بُرْد وأبرد،
فأما في أكثر العدد فالباب فُعول؛ نحو جند وجنود، وبُرْد وبرود، فإن كان من المضاعف ففِعال، نحو خُف وخفاف، وحُب وحِباب، وقد جاء على فِعَلة نحو تُرْس وتِرَسَة، وجُحْر وجِحَرة، وعلى فِعْلان، نحو كوز وكيزان، وعلى فِعالة، نحو مُهر ومِهارة، وإنما يجمع على فعلات ما كان على فُعلة؛ نحو ركبة وركبات، فيكون فيها ثلاثة أوجه: فتح الكاف وضمها وتسكينها، فأما فُعْل وفعلات فمما لا يُعرَف في شيء من الكلام في صحيح ولا معتلّ. وسئل أبو الطيب عن ذلك فقال: هذا الاسمُ مولّد لم يُسمَع واحده إلا هكذا ولا جمعه بغير التاء، وإنما هو مثل حمّام وحمّامات وساباط وساباطات؛ وسائر ما جمَعوه من المذكر بالتاء. وقال المحتجّ عنه: إن أصل الجمع التأنيث، ولذلك جاء ما جاء منه بالتاء، وإن كان في الأصل مذكراً. قال: فمن جمع اسماً لم يجِدْ عن العرب جمعَه فأجراه على الأصل لم يسُغ الردّ عليه، ولم يجُز أن ينسب الى الخطأ لأجله، وهذا اسمٌ أعجمي تكلّمت به العربُ، ولم يحفظ عنهم جمعه، فلما احتاج المولدون إليه أجرَوه على أصل الجموع، وتبعوا فيه عادة العرب في الأسماء المنقولة عن الأسماء الأعجمية، نحو سُرادق وسُرادِقات، وساباط وساباطات، وخان وخانات، وهارون وهارونات، وإيوان وإوانات، فعدلوا بجميع هذه الأبنية عن أصول قياسه، وألحقوها بأصل الجمع وغلبوا فيها التأنيث، ولولا ذلك لما جاز في خان وهو مثل مالٍ أن يُجمَع على خانات، كما لا يقال: مال ومالات، ولا في إوان وهو مثل جِراب، وقد ترخّصوا في الأسماء العربية بمثل ذلك تغليباً للتأنيث في هذا الباب، فأخرجوها عن أبوابه، وخالفوا فيها أخواتها؛ قالوا: بُوان وبُوانات، وخَيال وخيالات، وجمل سِجِلّ وجمل سجِلاّت، ولميلهم لهذا الاختيار قالوا في جمع ذي القعدة: ذوات القعدة، وفي جمع ابن آوى بنات آوى، وكذلك بنات عرس، وقالوا مثل
ذلك في الشهور، فجمعوا رمضان وشوال رمضانات وشوّالات؛ كل هذا تقديماً للتأنيث في باب الجمع، وميلاً به عن التذكير، ولكلّ اسم من هذه الأسماء قياسٌ مطّرد وبابٌ متّسق، عدلوا به عنه وهو معرض. وتركوه وهو سهلٌ ممكن. فلهذا وأشباهِه اختار أبو الطيب بوقات على أبْواق، والوزن يتم بهما، والضرورة لا تدفع أحدهما.
قال الخصْم: هذه اللفظة وإن كانت قليلة عن العرب فقد تكلّمت بها، وعرفت قديماً في لغتها: وأنشدوا:
رحى طحّانةٍ صاح بوقُها
وقد روي في الحديث أن النبي ﷺ لما استشار أصحابه في أمر ينصِبه علَماً للصلاة؛ يجمع الناس عليها؛ قال بعضهم: ناقوسٌ كناقوس النصارى، وقال آخرون: بوق كبوق اليهود، ولسنا نبعد أن تكون الكلمةُ عربية صحيحة، وأن تكون اللغتان اتفقتا فيها، فإنا نجد لها اشتقاقاً وأصلاً في العربية مشهوراً، وهو قولهم: أصابتنا بوقة من المطر؛ أي دَفعة. قال رؤبة:
من باكِر الوسْمِيّ نضّاحِ البُوَقْ
ويقولون للشيء إذا انفجر دَفعة: انْباق، وهذا البوق المصوِّت يندفع فيه الصوت فكأنّه ينفجرُ منه، وينفلِت انفلاتَ البوقَة من المطر، فإن كانت عربية فبابُ جمعِها معروف، وإن كانت أعجمية فالعرب إذا عرّبت أعجمياً ألحقتهُ بكلامها، وأجرَته على أبنيتها؛ ألا تراهم قالوا: مُهرَق ومهارِق، وبَلاس وبُلُس، وبُستان وبساتين، ويلمَق ويَلامق، ورَزْدَق ورزادِق، وأمثال ذلك كثير موجود؛ وإنما يعدلون
ببعضه عنبابه الى التاء كما يعدلون بالعربي في نحو قولهم: بُوان وبُوانات، وإنما هذه الأحرف التي عددْتُموها ألفاظٌ خرجت عن القياس، وشذّت عن العبرة، وإنما يتبع فيها السماع، ويوقَف عند الرّواية، لا يتعدّى الى غيرها، ولا يتجاوز تلك الحروف بأعينها. ولا تكاد تجد باباً من العربية يخلو من نوادر وشواذّ؛ ولو جعلت أصولاً وأُجرِيت على حكم القياس لبطلت الأصول واختلط الكلام، ولجاز أن يقال في جمل أجمل كما قالوا: جبَل وأجْبل، وجاز كلب وأكْلاب كما قالوا: فرْخ وأفراخ. قال المحتج: ليس هذا من الباب الذي ذكرته، وليس بجار مجرى الشاذّ والنادر، بل قياس مستمر في جميع ما لا يوجد له مثال القلّة من المذكّر، وقد جاء أيضاً فيما له مثال القلّة وإن لم يكن مستمراً، وأنشد قول أوس بن حَجَر:
تكنّفَنا الأعداءُ من كل جانبٍلينتزعوا علقاتنا ثم تربعوا
فجمع علقاً على علقات وأنشد لغيره:
يرى عيساً يسودهن ماءمن النّجَداتِ يحلبها الذميل
يريد جمع النّجَد، وهو العرَق؛ في أبيات كثيرة تشهد لما قاله.
قد قال الفريقان ما حكيناه؛ وقد كان لأبي الطيب في الصحيح مندوحة، وفي المجتَمع عليه متّسع.
وعابوا عليه قوله:
وإني لمِنْ قومٍ كأنّ نفوسَنابها أنَفٌ أن تسكُن اللّحَمَ والعظْما
فقالوا؛ قطع الكلام الأول قبل استيفاء الكلام وإتمام الخبر، وإنما كان يجب أن يقول: كأنّ نفوسهم ليرجعَ الضمير الى القوم، فيتم به الكلام. وهذا من شنيع ما وُجِد في شعره، وقد اعتذر له بأمور سنذكرها على ما فيها بمشيئة الله تعالى.
زعم بعض المحتجين عنه أنّ العرب تحمل الكلام على المعنى فتصرفُ الضمير عن وجهه، وتترك ردّه مع الحاجة إليه؛ لأن المراد بالضمير الثاني هو الأول في الحقيقة، وإن اختلفت العلامتان. قالوا: وقد جاء ذلك عن العرب في الأسماء الناقصة التي تتم صلاتُها وهي أحوجُ الى الضمير الراجع إليها؛ لأنها كالحرْف المفرد لا يتمّ إلا بالحروف التي تنْضافُ إليه؛ فصلَتُه بما فيه من الضمير كبقية حروف الاسم، فهو أمسّ حاجةً، وأشدّ افتقاراً الى ردّ الضمير إليه، وتكميل ذلك النّقص به، فمما جاء في ذلك قول المهلهل:
وأنا الذي قتلتُ بكراً بالقَناوتركتُ تغلِبَ غير ذاتِ سِنام
وإنما وجه الكلام: وأنا الذي قتَل؛ ويكون في قتل ضميرٌ تقديرُه وأنا الذي قتل هو.
وقول أبي النجم:
يأيّها الذي قد سُؤتَنيوفضحتني وطردتَ أمّ عِياليا
ولو ردّ الضميرَ على حقيقة الكلام لقال: الذي قد ساءني.
وكل هذا حُمل على المعنى، قالوا: وقد جاء في القرآن العزيز: (إن الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحات إنّا لا نُضيعُ أجْرَ من أحسَن عمَلاً). وليس في الخبر ما يرجعُ الى الأول، ولو ردّ الضميرُ الى الأول لقيل: إنّا لا نضيعُ أجرَهم؛ لكنه لما كان من أحسن عملاً هم المُضمرون بهم، الذي في أجرهم جاز أن ينوبَ أحدُهما عن الآخر، لأنّ من أحسن عملاً هو من آمن.
ومثلُ هذا قوله تعالى: (والذين يمسِّكون بالكِتاب وأقاموا الصلاة إنّا لا نضيعُ أجرَ المُصلحين) لما كان معنى المصلحين معنى الذين يمسكون بالكتاب جاز أن يُقام مقامَه فيعود الذكر إليه في المعنى، فكأنّه قال: إنا لا نُضيع أجرَهم. وعلى هذا أجاز النحويون: المؤمنُ أكرمُ من اتّقى الله، لأن معنى من اتّقى الله معنى المؤمن؛ قالوا: فكذلك هذان الضميران في اتفاق المعنيين.
قالوا: وقد جاء في شعر العرب ما يُشبِه هذا مما أُقيم فيه أحد الكتابين مقام الأخرى اعتماداً على المعنى؛ مثل قول لبيد:
فبنى لنا بيتاً رفيعاً سَمْكهُفسَما إليهِ كهلُها وغُلامُها
يريد كهلُنا وغُلامنا. قالوا: وشبيهٌ بهذا قول الله تعالى: (حتى إذا كنتُم في الفُلكِ وجرَيْن بهم بريحٍ طيّبة) عدل عن ضمير المخاطب الى ضمير الغائب اعتماداً على ظهور المعنى. قالوا: ويجوز أن يكون اكتفى بقوله: وإني لمن قومٍ كرام وأشرافٍ.
فحذف الصفة استغناء بما تقدم، وما تعقب من الكلام، ثم ابتدأ خبراً ثانياً، وصرف الخطاب عن الأول، وهذا سائغٌ لا يُردّ. ألا تراه لو قال: وإني لمن قوم كرام، ثم أمسك لكان قد استكمل الفائدة، واستوفى الغرض، ولم يُحظَر عليه العدول الى غيره، ولم يُطالَب بردّ الضمير الى ما تقدّمه. ومن طلب أبواب الحذْف والاختصار، والانتقال من كلام الى كلام، والانصراف عن الخطاب قبل استتمامه اجتزأ بظهور الغاية واستِبانة المراد. وتتبّع ذلك في معادنِه. والكتب المصنفة فيه تصوّر صحةَ ما قلناه؛ فأما استقصاء ذلك وذِكْرُ جميعه فمما يُعظِم حجم الكتاب، ويُطيل حواشي الكلام، ولا يحصلُ منه على كبير فائدة.
وأنشدوا لعبد الله بن قيس الرُقيّات:
فتاتان أما منهما فشبيهةهلالاً وأخرى منهما تشبه الشمسا
فتاتان بالنجم السعيد وُلِدتُماولم تلقيا يوماً هواناً ولا نحْسا
فلم يقل فتاتان ولدَتا، وهو حق الكلام؛ لكنه عدل إليهما مخاطباً، ولم يحفِل بتغيير الكنايات والضمائر. قوله: فتاتان كالمنقطع من الكلام قبل استقلاله بفائدة، والكلام الثاني كالمبتور قبل تمامه إلا أن يُحمَل على ما حملنا عليه بيتَ أبي الطيب،
ونحو بيت ابن الرقيات قول أبي الطيب:
قومٌ تفرّست المنايا فيكمقرأتْ لكم في الحرب صبْرَ كِرامِ
كأنه قال: أنتم قوم هذه حالكم، وقوله:
كريمٌ متى استوهِبَتْ ما أنتَ راكبٌوقد لقِحَتْ حربٌ فإنّك باذِلُ
وأقول: إنّ هذه القضية إذا استمرت على ظاهرها، واقتصر على القدْر المذكور منها، اختلطت الكنايات وتداخلت الضمائر، ولم ينفصِل غائب عن حاضر، ولم يتميّز مخاطب. وله مواضع تختصّ بالجواز، وأخرى تبعُد عنه، وبينهما فصول تدِقّ وتغمُض، ولذكرِها موضعٌ هو أملَك بهما، وأبياتُ أبي الطيب عندي غير مُستكرَهة في قسم الجواز، وقد بلغ هذا المحتجّ منه مبلغاً، غير أنّ أبا الطيب عندي غيرُ معذور بتركِه الأمرَ القويّ الصحيح الى المُشكِل الضعيف الواهي لغير ضرورة داعية، ولا حاجة ماسّة؛ إذ موقعُ اللفظتين من الوزنِ واحد؛ ولو قال: نفوسهم لأزال الشُبهة، ودفع القالة، وأسقط عنه الشغب، وعناء التعب.
وقوله:
مضى بعد ما التفّ الرِّماحان ساعةًكما يتلقّى الهُدْبُ في الرّقْدةِ الهُدْبا
فأنكروا تثنية الرماح، وهو جمع رمح فحاجّهم أبو الطيب ببيت أبي النّجم:
تنقلتُ من أول التنقلبين رِماحَيْ مالكِ ونهشَل
والتثنية عند النحويين جائزة في مثل هذا إذا اختلفت الضروب والأجناس،
وأكثر ما على أبي الطيب أن يتبع أبا النّجم وأضرابه من شعراء العرب، فهم القدوة وبهم الائتمام، وفيهم الأُسوة.
وقوله:
فأرْحامُ شِعرٍ يتّصلْن لدُنّهُوأرحامُ مالٍ ما تَني تتقطّعُ
فأنكروا تشديد النون من لدنّ، وإنما هو لدُنْ ولدْن؛ فأما تشديد النون فغير معروف في لغة العرب، وقد كان أبو الطيب خوطِب في ذلك فجعل مكان لدنّه ببابه، ثم احتجّ بما أذكره جملة. قال: قد يجوز للشاعر من الكلام ما لا يجوز لغيره لا للاضطرار إليه، ولكن للاتّساع فيه، واتفاق أهله عليه، فيحذفون ويزيدون، وروى أبياتاً منها:
إذا غاب غدواً عنك بلْعمّ لم تكنجليداً ولم تعطِف عليك العواطف
إنما هو ابن العم؛ ومنها قول قطري:
غَداة طغت عَلْماءِ بكر بن وائلوعُجْنا صدورَ الخيل نحو تميم
وقول لبيد:
درسَ المَنا بمُتالِعٍ فأبان
يريد المنازل.
وقول الآخر:
ثم تنادوا بعد ذاك الضّوْضامنهم بهاتِ وهلاّ وبابا
نادى منادٍ منهم ألاتاقالوا جميعاً كلهم ألاتا
آخر:
قد وعدَتْني أمّ عمرٍ وأن تاتدهن رأسي وتفلّيني وا
وتمسحُ القَنْفاء حتى تنْتا
ومما زاد فيه قول شبيب بن ثعلبة:
ولسْبةُ الحُرقوصِ بالقَفَنّودُمَّل في الاست مستقرّن
أحِبُّ منك موضع الوُشْحُنّفذاك من ذاك الى السنن
قطنة من أجود القطن
فزاد هذه النونات.
وقول الآخر:
تعرضت لم تأل عن قتلٍ ليتعرض المهرة في الطولْ
فزاد لاماً. وقال الآخر:
يا ليتها قد خرجَتْ من فمه
وقول الآخر:
وليس المال فاعلمْه بمالوإن أعياك إلا الديني
والتشديد في لدنّ أحسن من هذا كله؛ لأن النون ساكنة مع هاء، والنون تتبين عند حروف الحلق لتباعدها منها؛ فزاد في تبينها فاجتلب التشديد، وهذه زيادة نون. وقد قال بعض العرب:
مُذْ لَدُ شَوْلاً فاليَ إتْلائِها
فحذف النون من لدُن. وقال آخر:
منا إن ذرّ قرن الشمس حتىأغاثَ شريدَهم غلسُ الظلامِ
فزاد ألفاً في مَنْ. وقال آخر:
إن شكلي وإنّ شكلَكِ شتىفالزمي الخُص واحفظي تبْيَضِضّي
أراد: تبيضّي، فزاد ضاداً أخرى، والعرب تقول: أنْظور بمعنى أنْظُر؛ وأنشدوا:
وإنني حيث ما يثني الهوى بصريمن حيث ما سلَكوا أدْنو فأنْظورُ
قال: وللفصحاء المدلّين في أشعارهم مالم يُسمَع من غيرهم؛ كقول امرئ القيس: ديمةٌ هطْلاء. وذي الرُمة: أُدْمانة - يعني أدْماء. وفي شعر ابن أحمر وأمية: الهَينمان، والبلقوس، والقَساوِسَة؛ في جمع قَسٌ. ومثل هذا أكثر من أن يُحصى.
فقال الخصم: قد خلط هذا الرجل في احتجاجه، وجمع بين أمور مختلفة، ودلّتا على بُعْدِه عن تحصيل المعاني، وذهابه عن مقاييس النحو، وأجرى كلامَه الى غاية
توجبُ قلب اللغة، ونقْضَ مباني العربية؛ لأنه جعل الشعراءَ بزعمه أمراءَ الكلام، وأباح لهم التصرّفَ على غير ضرورة؛ وهذه القضية إن سبقت على اطّراد قياسِها زال نظام الإعراب، وجاز للشاعر أن يقول ما شاء، وأن يناول ما أراد عن قرب، فيثقّلُ كل مخفّف، ويخفف كل مثقّل، ويحذف ويزيد، ويغيّر الجموع، ويتحكّم في التصريف، ويتعدّى ذلك الى حركات الإعراب، ويتجاوزُه الى ترتيب الحروف؛ فإذا كان هذا ممتنعاً محظوراً، ومتعذَّرا محجوراً، فلا بدّ من حد يقف عنده الشاعر، وينتهي إليه الفرق بين النظم والنثر، فيزول هذا الأساس الذي مهّده، والأصل الذي قرّره، ويرجع الى ما قالت العلماء فيه، وما أجيزَ للمضطر من التسهيل، وفُضِّل به النظمُ من التسامح، وهي أبواب معروفة، ووجوه محصور أكثرُها، ومعظَمُ ما يوجد فيها رد الكلمة الى أصلها، والى ما أوجب القياس الأعم له؛ مثلصرف ما لا ينصرف؛ لأن ترْك الصرف لعلة، فأزيلت وألحق الاسم بأصل الأسماء. ومثل قصر ما يُعدّ، لأن المَدّة زيادة عارضة فحذفت. ومثل إظهار التضعيف كقوله:
إني أجود لأقوامٍ وإن ضَنِنوا
لأنه الأصل، ونحو هذا وشبهه.
وقد يجيء عن العرب شواذ لا تجعل أصولاً، ولا يلزَم لها قياس؛ لأنّ ذلك لو ساغ واستمر لانْقلبت اللغة، وانتقضت الحقائق، وهُم الى الحذف فيه أميل، وبالتخفيف أولع، وعلى ذلك قالوا: درس المنا؛ يريد المنازل. وقالوا: قواطن مكة من وُرْق الحما يريد الحَمام. وهذا باب يتسع فيه القول، وتتشعّب فيه الوجوه، وقدصنفت فيه كتب معروفة. ولأهْل الكوفة فيه رُخَص لاتكاد توجد لغيرهم من النحويين؛ كإجازتهم مد المقصور، وترك صرف الاسم المنصرف، ونحو ذلك؛ غير أنهم لا يبلغون به مرتبة الإهمال، ولا يرّضونه لتحكم الشعراء، ويجعلون هذا الباب من الضرورة، ويقتصرون به على الحاجة.
فأما ذكر أبي الطيب في هذا الكلام بَلْعمّ وعَلماء، ونحو ذلك فبمعزل عن هذا الشأن؛ لأنه سائغ في غير الشعر، وجائز في كل الكلام، وأكثر ما تقول العرب: عَلْماءِ بني فلان، وله باب ولا حاجة بنا الى ذكره، بعد أن عرفناك أنه غير متصل بما تنازعه من ضرورات الشعر، وكذلك الأبيات التي عددها في الحذف، فقد قدمنا لك ميْل العرب الى الاختصار، وإيثارَها الى الإيجاز، وغلبة الحذف على كلامها، وكثرته في خطابها.
وقد حكى الأصمعي أن أخوَين من العرب مكثا متهاجرين زماناً، وهما يحُلان ويرتحلان معاً فإذا أراد أحدُهما الرحيل، قال: ألا تا، فجيبه الآخر ألا فا، وعلى هذا الطريق جروا في استعمال الترخيم، وترك الخبر في كثير من الابتداءات في مواضع من الشروط، وهذا لا يوجب التعدي الى ما ترخص به أبو الطيب، وسوّغه لنفسه واحتج به لشعره. فأما قوله: تبيضضي، فجار على ما خبّرناك باحتمال الشعر له من إظهار التضعيف، فأما التشديد الزائد فيه، وفي مستقرنّ والطول ونحو ذلك، فلأنها حروف الرويّ وخواتم القوافي، ومنقطع الكلام، فاحتملت ما لا يحتمله غيرها. ولو ساغ أن يُنصب ذلك علَماً، ويجعل عبرة، ويستمرّ على شريطة القياس لوجب أن لا ينكر على الشاعر إذا قال: رأيت حسناً؛ فشدد النون، أو ضربت محمداً فثقل الدال؛ كما جاز لك في الطولّ ومستقرنّ، ويجري ذلك في سائر الأسماء وجميع الحروف والأفعال، وهذا أمر لا ينتهي إليه عاقل. وقد جاء عن العرب التشديد في أواخر الأسماء إذا وقفوا عليها، وهذا ما يؤكد ما قلناه في تمييز القوافي عن غيرها؛ من حيث كانت العرب تقف عليها، وإن كانت مطلقة.
فأما الألفاظ التي زعم أن الشعراء تفرّدوا بها فإنها موجودة عن أئمة اللغة، وعمن ينتهي السّندُ إليهم، ويُعتَمد في اللسان عليهم؛ وإنما نتكلم بما تكلّموا به، وواحد كالجميع، والنّفَر كالقبيلة، والقبيلة كالأمة، فإذا سمعنا من العربي الفصيح
الذي يعتد حجة كلمةً اتّبعناه فيها. ثم إن لم تبلغْنا عن غيره، ولم نسمع بها إلا في كلامه لم نزعم أنه اخترعها، ولم نحكم أنه أبو عُذرِها.
وعلى هذا أكثر اللغة؛ لا سيما الألفاظ النادرة، والحروف الفردة. وكم نقل الناس عن أبي مهدية، وأبي الدقيش، وأبي الجراح، وأبي الصقر، والقناني، وأم الهيثم؛ وفلان وفلانة من لفظة لم تسمع قبلَهم، ولم تؤخذ إلا عنهم، ثم ليس لنا أن نجعلهم منفردين بتلك الكلمات، ومختصين بتلك الحروف. وهذا سبيل ما وجد في شعر هؤلاء من الشواذ الغريبة، والألفاظ النادرة. وقد أيّد بعض من يحتج لأبي الطيب ما قدمناه من كلامه بأن قال: قد بيّن الرجل العلة في حسْن هذه الزيادة، وذكر أن النون كما كانت خفيفة وكانت ساكنة، ومن حقها أن تتبيّن عند حروف الحلْقِ حسُن تشديدُها لتظهر ظهوراً شافياً، فهذه علة قريبة قد يحتمل للشاعر تغيير الكلام لأجلها. ويؤكد ذلك أن النون أقرب الحروف الى حروف العلة: الياء والواو، وأكثرها شبهاً بهما؛ ومناسبة لهما؛ لأنها تُدغَم فيهما، وتزاد حيث يزادان؛ فتنصب علماً للصرف، كما يجعلان علامة للإعراب، وتبدل الألف منها في قولك: اضْرِبْن؛ إذا أردْت النون الخفيفة؛ كما تبدل منها في مواضع البدل، وتحُلّ محلّ الواو في قولك: نهْرانيّ وصنعاني؛ وإنما هو نهراويّ وصنعاوي، وتحذف إذا كانت خفيفة كما يحذفان لالتقاء الساكنين فلما جرى معهما هذا المجرى، وحل من مناسبتهما هذا المحل، احتمل ما يحتملانه من حذف وزيادة، وحروف العلة أكثر الحروف احتمالاً، وأوسعها متصَرَّفاً؛ ولذلك يحمل عليها في الحذف، ويتجوز فيها بالزيادة، وعلى هذا استجازوا زيادةَ الياء في صياريف؛ وإنما هو صيارِف؛ إشباعاً للمدة للزوم الكسرة في هذا الموضع. قال الشاعر:
تنفي يداها الحصَى في كل هاجرَةنفْيَ الدراهِم تنْقادُ الصّياريف
وقد قال الفرزدق - فزادياء لغير علة إلا لإقامة الوزن:
تبكي عليه الشمس والقمر الذيبه يبهج السّارون ليلَ التمائم
أراد التّمام فزاد الياء. وقال الهذلي:
به الروم أو تَنوخ أو الآطام من صوّران أو زيد
فشدد الواو من صوران، وإنما هو صوران، ولإجرائهم النون هذا المجرى قالوا:
قطنّة من أجود القين
فشدد النون من قُطنّة وليس هو في موضع قافية، ولا هو حرف روي. وقد احتمل للشعراء لأجل الشعر ما هو أبلغ من تغيير الألفاظ وإزالة الكلام عن موضعه. قال الفرزدق:
وما فارقتُها شِبَعاً ولكنْرأيتُ الدهرَ يأخذ ما يُعار
أراد يُعير، فغير البناء كما تراه. وقال زهير:
ماءٌ بشرقيّ سلْمى فَيْدُ أوْرَكَكُ
وإنما اسم الماء ركّ، وليس هذا موضع إظهار التضعيف عند أكثر النحويين. وقال دُريد:
فإن تُعقِب الأيام والدهر تعلَموابني قارب أنا غضاب بمعبد
يريد بعبد الله؛ فغير اسمه كما ترى. وقال حسان بن ثابت:
من معشرٍ لا يغدِرون بذمّة الحارث بن حبيّب بن سحام
إنما هو حبيب. والكلام في هذا الباب يكثر من الفريقين.
وقوله:
ليس إلاك يا علي همامسيفه دون عِرضِه مسلولُ
وقوله:
لم تر من نادمتْ إلاّكا
فأنكروا اتصال الضمير بإلا، وحق الضمير أن ينفصل عنها، وبذلك جاء القرآن. قال الله تعالى: (ضلّ من تدْعون إلا إيّاهُ) وهو الظاهر في قياس النحو، والمشهور عن العرب. وقد روى الفرّاء بيتاً عن العرب احتج به أبو الطيب واحتذى عليه:
فما نُبالي إذا ما كنتِ جارتَناألاّ يجاورَنا إلاّكِ ديّارُ
وأنا أرى أن لا يطالب الشاعر بأكثر من إسناد قوله الى شعر عربي منقول عن ثقة وناهيك بالفرّاء! وقوله:
أحادٌ أم سُداسٌ في أحادِ
وقد مضى في صدر هذه الرسالة المواضع التي أنكرت في هذا البيت: وقد كان أبو الطيب سئل عنه فأجاب عن قولهم: إن سداساً غير محكي عن العرب، وأن أهل اللغة يزعمون أنهم لم يزيدوا على رُباع، وإنما هي ألفاظ معدولة يوقف به على السماع بأن قال: إنه قد جاء من العرب خُماس وسُداس الى عُشار؛ حكاه أبو عمرو الشيباني وابن السّكيت، وذكره أبو حاتم في كتاب الإبل، وزعم أبو عبيدة في المجاز أنه لا يعلمهم قالوا فوق رُباع؛ وهؤلاء ثقات لم يحكُموا إلا ما علموا، وقد جاء ذلك في الشعر. قال الكميت:
فلمْ يستريثونك حتى رميْتَ فوق الرّجال خِصالاً عُشارا
آخر:
ضربت خُماس ضربة عبْشَميأدار سُداس أن لا يستقيما
وقد نسبت العرب الى كل ذلك فقالوا: خُماسي وسُداسي وعُشاري. قال أبو النجم:
فوق الخماسيّ قليلاً تفضّله
فأما قولهم: إن هذه الألفاظ إنما عدلت في المعنى، فأجريت مُجرى واحد واحد، اثنين اثنين، فقد قال المحتج له: إن أصل عدْلها وإن كان على ذلك فقد تكلم بها في معنى الأعداد المفردة، وعلى ذلك وقع النسب إليها في الخُماسي والعُشاري، والنسب لا يصح إلا على هذا المعنى. وقد استدلوا بقوله: ضربت خماس ... البيت. وهذا غير العنى الذي ذهبوا إليه، وإنما هو اسم معدول عن خمسة، ولا مدخل للتكرير فيه. وقالوا في إنكارهم تخصيص سُداس من بين الأعداد: إن الأعداد إذا استولت في المعنى لم يحظر على ذكر أحدهما، ولو قال خُماس أو رُباع لكان الأمر واحداً، ولو بلغ العُشار لم يزده غيرَ فضْل الاستطالة، وليس على الشاعر إذا بالغ في وصف أن ينتهي الى الغاية، ولا يترك في الإفراط مذهباً؛ على أنه قد يجوز أن يكون قصد استيفاء الأسبوع فقال: أهي ليلة أم ستّ؛ مضافة إليها، ولم يرد به الحساب، فيحمل على ما يوجبه حكم الضّرْب، فيكون الواحد في الستة ستة، وإنما قال أواحدة هي أم ست في واحدة، فإذا جعلت الست في الواحدة على جهة الظرْف والوعاء صارت سبعاً. فهذا وجه قريب.
قال الخصم: قد صغّر الليلة ثم استطالها فقال: لُييْلَتنا المَنوطة بالتناد.
قال أبو الطيب: هذا تصغير التعظيم، والعرب تفعله كثيراً. قال لبيد:
وكلّ أناسٍ سوف تدخُل بينهمدوَيْهِيَةٌ تصفرّ منها الأنامل
أراد لطف مدخلها فصغّرها. وقال الأنصاري: أنا عُذيْقها المرجِّب،
وجُذَيلُها المُحكّك؛ فصغر وهو يريد التعظيم.
وقال آخر:
يا سَلمُ أسقاك البُريقُ الوامِضُوالدِيَم الغادية الفضافِض
أما تصغير اللفظ على تكثير المعنى فغير منكر؛ وهو كثير في كلام العرب؛ لكن في احتجاج أبي الطيب خلل؛ من قبل أن دُويْهية في هذا الموضع تصغير في المعنى واللفظ، وكذلك جذيلها المحكك لأن هذا الجذل لا يكون إلا لطيف الجرم؛ وإنما هو جذم من النخلة تحتكّ به الإبل، وكما زاد تحكّك الإبل به زاد لطفاً وصِغَراً وضئولة. وإنما وجه القول في هذا أن من التصغير ما يكون جارياً على طريق الاستهانة والتحقير، ومنه ما يراد به الصِّغر واللطافة؛ فأنت إذ قلت: جاءَني رُجيل لم تُبالِ بصغَر جسمه، وتفاوت خلْقه، وقِصَر قامته، إذا أردت تحقيرَ شأنه والإهوان به، ومتى أردت الإخبار عن ضئولته. ودمامة خلْقه لم تعرّج على حاله، ولم تفكر في محله. وقد تقول ذلك للملك على هذا الوجه، وتقول للرجل العادي على الوجه الأول، وقد تفعل ذلك وأنت تريد ذمّه؛ وإن كان قويّ الخُلُق، عظيم الشأن. وذكرُ لَبيد الدويْهية على لفظ التصغير من باب اللطافة دون النِّكاية؛ وقول أبي الطيب لُييلتنا خارج مخرج الذم والهجو، ثم قد أزال الالتباس وأفصح عن المراد بقوله: المنوطة بالتناد، إذ قد بين أنه لم يرد قِصَر مدتها. ولا قرب انقضائها. فأما قول أبي الطيب: إني لم أرد بالتّناد القيامة، وإنما أردت مصدر تَنادَى القوم، وعنيت أنها منوطة بما أهم منه فهو أعْلم بقصده، وأعرب بنيته؛ غير أن نسْق الكلام يشهد عليه. ومن تأمله عرف أنه بأن يراد به القيامة أشبه، ولا عيب فيه لو أراده؛ إنما هو ضرب من الإفراط قد استعمله الشعراء. قال بشار:
أضلَّ النهارُ المستنيرُ طريقَهأم الدهر ليلٌ كله ليس يبرَحُ
ومثله كثير موجود.
وقوله:
ولم تردّ حياةً بعد توليةٍولم تغِثْ داعياً بالويلِ والحرَبِ
قالوا: العرب لا تقول دَعا بالويل والحرب، وإنما يقال: دعا ويلَه؛ كما يقول دعا فلاناً. قال الله تعالى (لا تدْعو اليومَ ثُبوراً واحداً وادعوا ثُبوراً كثيراً). فإنما يقال: دعا بكذا إذا طلب أن يؤتى بذلك الشيء؛ كقول الفرزدق:
دعوتُ بقُضبانِ الأراك التي جَنىلها الرّكْبُ من نُعمان أيام عرّفوا
وتداعوا بشعارهم، ودعا لكذا، أي من أجله، فقال أبو الطيب: يقال دعا للقتال وللخير وللشعر ولما به، أي إليه. ومن أجله قال طرفة:
وإن أُدْع للجُلّى أنْ من حُماتِهاوإن يأتك الأعداءُ بالجهْدِ أجهَدِ
ويقال: دعا باللَّهَف وبالويل والحرَب بيا، وأيا؛ لأنه لفظ الداعي. وقال ذو الرمة:
تداعيْن باسم الشِّيب من متثلِّمٍجوانبهُ من بصرةٍ وسِلام
وقال الراعي:
إذا ما دعت شيباً بجنَبِ عُنيزَةمشافرُها في ماء مُزنٍ وباقِلِ
وقال:
دعا الداعي بحيّ على الفلاح
وقال عنترة:
دعاني دعوةً والخيلُ ترديفما أدري أبِسْمي أم كَناني
وإنما يقال: دعا بكذا إذا أمر أن يؤتى به، لأنه ذكر اسمه. والذي ناله أبو الطيب محكيّ عن العرب، معروف عند أهل العلم، فإذا أراد ذكر المدعوّ قال: دعوته، وإذا أراد ما يلفظ به قال: دعا بكذا وكذا، وعلى هذا بيتُ عنترة، وقول الآخر:
دعا الدّاعي بحيّ على الفلاح
وقوله:
بياضُ وجهٍ يريكَ الشمسَ حالكةًودُرُّ لفظٍ يريكَ الدُرَّ مخشَلَبا
قالوا: مخشلبا ليس من كلام العرب. فقال أبو الطيب: هي كلمة عربية فصيحة، وقد ذكرها العجّاج. ولست أعرفها في شعر العجاج ولا أحفظها محكي عن العرب؛ غير أني أرى استعمالها وأمثالها غير محفوظ، لأني أجد العرب تستعمل كثيراً من ألفاظ العجَم إذا احتاجت إليه لإقامة الوزن، وإتمام القافية، وقد تتجاوز ذلك الى استعماله مع الاستغناء عنه؛ كما سموا الحمَل برَقاً مع كثرة أسماء الغنم عندهم، وكما قال التغلبي:
وكنا إذا القيسيّ نبّ عَتودهضرَبْناه دون الأنثَييْن على الكرْدِ
أراد الكَرْدَن، وهو العُنق، فأقام به القافية. وقال الآخر:
قد علمت فارس حِميَر والأعرابُ بالدّشْت أيُّهم نزَلا
أراد الدّشت وهو فارسي، وأسماؤه عند العرب كثيرة، فلم يمنعهم ذلك من الارتفاق به. وكذا قال الآخر:
تضمنها وهم ركوب كأنهإذا ضم جنبيها المخارِق رَزْدَقُ
يريد رَستَه، وهو الصف من النخل وغيره، إلا أنهم زعموا أنه أراد النخل هنا. وقد استعمل العجّاج في قوافي جميميته ألفاظاً منه. قال:
كما رأيت في المَلاء البَرْدَجا
يريد الرقيق؛ وهو بالفارسية برْده. وقال:
كالحبشيّ التفّ أو تسبّجا
يريد لبس قميصاً، وإنما هو بالفارسية شَبِي فعربه بسَبيجة ثم صرّف منه فِعلاً، في أبيات غيرها.
فليس بمحظور على الشاعر الاقتداء بهم في أمثال ذلك إذا احتاج إليه؛ فأما المحدَثون فقد اتّسعوا فيه حتى جاوزوا الحدّ لما احتاجوا الى الإفهام، وكانت تلك الألفاظ أغلبَ على أهل زمانهم، وأقربَ من أفهام منْ يقصدون إفهامه.
وقد أفرط أبو نواس حتى استعمل زنمرده، وبازبنده، وباريكنده، وغير ذلك، فإن كانت اللفظة مسموعةً عن العرب على ما حكاه أبو الطيب، فقد زالت الكلْفة، وإن لم تكن محفوظة فما رويناه من أمثالها عن العرب والمحدثين يعتذر عنه، ويقوم بحجته.
وقوله:
ليس التعلل بالآمال من أرَبيولا القُنوعِ بضنْكِ العيش من شيَمي
قالوا: القُنوع خطأ وإنما هي القناعة، فأما القُنوع فالمسألة، يقال: قَنَع يقنَع قناعة؛ إذا رضي، وقنع يقنَع قُنوعاً؛ إذ سأل والفاعل فيهما قانِع.
قال المحتج: الرواية المسموعة هي:
ولا القناعة بالإقلال من شيَمي
وقد سمعت رواة الشاميين يذكرون أنه أنشدهم قديماً القُنوع ثم غيّر الإنشاد، ورجع الى القناعة، ثم إن القنوع بمعنى القناعة محكيّة عن العرب، وإن لم تكن مشهورة، وقد ذكرها أهل اللغة، وحكَوا عن أوس بن الحارث الطائي أنه أوصى ابنَه، فقال في بعض وصيته: خير الغنى القنوع وشر الفقر الخُضوع. ولا يحتمل معنى القُنوع هنا في هذا الكلام إلا الرضا والقناعة. وقوله:
واحرّ قلباه ممّن قلبُه شَبم
فألحق الهاء في قلباه. قالوا: وإنما تلحَقُ في الوق لخفاء الألف فتبين بها، فإذا وصلت حذفت.
قال المحتج: هذا هو الأكثر عند العرب، والاختيار عند النحويين، غير أنه ليس على الشاعر عيب في اتباع اللفظة النادرة إذا رَواها الثقاة، ومتى وُجدت الرواية عن ثقة لم يُحظَر على الشاعر قبولها، والعمل بها لأجل اختلاف النحويين، وقد أجاز الفراء وغيره إلحاقَ هذه الهاء في الوصل، وروي فيه:
يا ربِّ يا ربّاه إياك أسلعفواً أيا ربّاه من قبل الأجَل
وأنشدوا:
يا مرحباه بحمار ناجية
وأنشدوا للمجنون:
فقلت أيا ربّاه أوّل سؤلتيلنفسيَ ليلى ثم أنت حسيبها
وقد قال أبو زيد في بيت امرئ القيس:
وقد رابني قولُها يا هَناهويْحك ألْحَقت شراً بشر
إن هذه الهاء هاء الوقف، وخالفه جُلّ النحويين؛ ففي هذه الأبيات عذر واضح
للمتنبي. وأضعف من إلحاق هذه الهاء إسقاط الياء في قلباه؛ وإنما الوجه واحر قلبِياه، وكذلك: وانقطاع ظهرياه، لأن الياء إنما تسقط حيث يحذف التنوين من المنادى، فلما كنت تقول: يا زيد فتحذف التنوين قلت واغلاماه، فأسقطت الياء، ولو قلت واغلام غلامياه أثبت الياء؛ لأنك تقول في النداء يا غلامَ زيدٍ فتنون المضاف الى المنادى، ولك في المفرد إثبات الياء تقول: واغلامياه، وإذا جاء موضع تثبت فيه النون فليس غير إثبات الياء؛ هذا الذي عليه جِلّة النحويين وحُذّاقهم، وقد أجاز بعضم إسقاط الياء في هذا الموضع، وهو في الشعر أقوى منه في الكلام.
وقوله:
حملْتُ إليهِ من ثَنائي حديقَةًسَقاها الحِجَى سقْيَ الرياضِ السّحائِبِ
قالوا: فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول؛ وإنما يفصل بينهما بالظروف والحروف وما أشبههما؛ لقول الشاعر:
لما رأت ساتيدَما استعْبَرتْلله درّ اليوم منْ لامَها
ساتيدما: جبل؛ يقال: ما طلعت عليه الشمس إلا أريق فيه دم، معناه لله درّ من لامها اليوم. وقول الآخر:
كتَحْبير الكتاب بكفِّ يوماًيهوديّ يقارب أو يزيل
وقول الآخر:
كأن أصواتَ من إيغالهن بناأواخر الميْس أصوات الفراريج
يريد: كأن أصواتَ أواخر الميْس، فأما في هذا فلا يجوز الفصل بينهما؛ لأنهما كالاسم الواحد.
قال المحتج: لقد أجاز الفرّاء هذا وأنشد فيه:
ترى النّور فيها مدخل الظل رأسَهوسائره باد الى الشمس أجمع
والرواية المشهورة رأسَه - بالنصب - وأنشد أبو عبيدة:
تفرق آلاف الحجيج على منىوصدعهم مشي النوى عنك أربع
أراد: وصدعهم النوى عنك مشي أربع ليال. وأنشد أيضاً:
وحلَق الماذيّ والقلانِسفداسهم دوْس الحصاء الدائس
وقال آخر:
يفرُك حَبّ السُنْبل الكُنافِجبالقاع فرْك القطن المحالج
ومما يقارب هذه الأبيات، مما يحتاج في بعضها الى تبيين وكشف، ويتجه في بعضها الطعنُ عليه، ويضعف في بعضها الاحتجاج عنه قوله:
هَذي برزْتِ لنا فهِجْتِ رَسيسا
قالوا: حذف علامة النداء من هذي؛ وحذفُها خطأ؛ لأن هذي تصلحُ أن تكون نعتاً لأي، وكل معرفة تصلح جاز أن تكون نعتاً لأي، فحذفُ علامة النداء منه غير جائز.
قال المحتج: هذا لعمري أصل القياس في النحو؛ غير أن ضرورة الشعر تجيز
القياس في النحو، وقد أجازوا ذلك في النكرات، وهو أبعد في الجواز من هذه المعارف؛ قال الشاعر:
صاحِ هلْ أبصرْتَ بالخبْتَينِ من أسماءَ نارا
وقال العجاج:
جاري لا تستنكري عذيري
فإذا جاز هذا في النكرات فهو في المعارف أجوز؛ مع أنّ النحويين قد ذكروا ذلك وأدخلوه في أبواب ضرورة الشعر.
وقوله:
بيضاءُ يمنعُها التكلّم دَلُّهاتيهاً ويمنعُها الحياءُ تَميسا
فنصب تميس مع حذف أن، وهو عند النحويين ضعيف، لا يجيزون النصب على إضمار أن، إلا أن يكون منها عوض، وقد أجازه الكوفيون. وأنشدوا قول طرفة:
ألا أيّهذا اللائِمي أحضُرَ الوغَى
بإضمار أن، والبصريون يروونه على الرفع.
وقوله:
عوابِسَ حلّ يابسُ الماءِ حُزمَهافهنّ على أوساطِها كالمناطِقِ
قالوا: الماء لا يوصف باليَبَس، وإنما يقال: جَمد الماء وجَمَس السّمن، ويبس العود والنبت، ونحو ذلك.
قال المحتج: قد جاء عن العرب وصفُ الماء باليَبَس. قال بشر يصف خيلاً:
تراها من يَبيس الماء شُهْباًمُخالِطُ درّةٍ فيها غِرار
قالوا: وقد استعار الجموس في الماء ذو الرمة فقال:
ونقْري سَديفَ اللّحم والماء جامس
قال الخصم: أما يبيس الماء فإن العلماء رووا عن العرب أنها تُسمى العرب يَبيس الماء، فليس هو من هذا الباب بسبيل، وأما بيت ذو الرمة فقد ردّه الأصمعي، وعاب ذا الرمة به.
قال المحتج: أما تسميةُ العرَق يبيسَ الماء فلسْنا ندفعه؛ غير أنّ هذا البيت يشهد بخلاف ما قلتم؛ لأنه جعلها شُهباً، والعرق لا يغير ألوانه، وإنما أراد ما جمَد من الماء عليها، وبيت ذي الرمّة صحيح عنه، وهو حجة تلزُم الأصمعي وغيرَه. وهل ينكر الأصمعي ذلك إلا برواية عن العرب؟ ومتى ثبتت الرواية عن موثوق بفصاحته فقد وجب التسليم له.
وقوله:
تفكُّرُه علمٌ ومنطقُه حُكمٌوباطنُه دينٌ وظاهرُه ظرْفُ
قالوا: خرج عن الوزن لأنه لم يجئ عن العرب مفاعلن في عروض الطويل غير مصرّع.
قال المحتج: إنما جاءالبحر على مفاعيلن، وليس يُحظَر على الشاعر إجراؤه على الأصل، وقد جاء عن العرب مفاعيلن في المصرّع، وما خرج عن الوزن لم يحتمله
المصرّع ولا غيره. قال امرؤ القيس:
ألا انعَمْ صباحاً أيها الطلَلُ الباليوهل ينْعمنْ من كان في العُصُرِ الخالي
فجاء بالعروض على مفاعيلن لمّا صرع. قالوا: وقد جاء في شعر المحدَثين ما أجروا فيه غير المصرّع مُجرى المصرّع، فقال شاعرهم:
فالوجه مثل الصبح مُبيضّوالشعرُ مثل الليل مسودُّ
وأبو الطيب أعذر من هذا، لأنه جرى على أصل البحر في الدائرة. وقد حرى أبو تمام الى ما هو أقبح من الأمرين، فصرّع المِصراع في قوله:
يقول فيُسمِع، ويمشي فيسرعُويضرب في ذات الإله فيوجِع
وعلى مثل هذا الطريق يعاب أبو الطيب بقوله:
إنما بدْرُ بنُ عمارٍ سحابٌهطِلٌ فيه ثَوابٌ وعِقابُ
فإنه أخرج الرّمَل على فاعلاتن في العروض، فأجْرى على ذلك جميع القصيدة في الأبيات الغير مُصرّعة، وإنما جاء الشعر منه على فاعِلن؛ لكن أصله في الدائرة فاعلاتن، وإن كان غير محفوظ عن العرب.
وقوله:
ولعلّي مؤمِّلٌ بعضَ ما أبْلُغُ باللُطْفِ من عزيزٍ حميدِ
قالوا: تمنى أن يؤمّل بعض ما يبلغ، وهذا لا يليق بالكلام، وإنما وجهه أن يقول: ولعلي بالغ بعض ما أؤمّل.
قال المحتج: قد يجوز أن يكون أراد: لعلي أبلغ آمالي، وأيد عليها بلطف الله تعالى حتى يكون ما أؤمله بعضَ ما أصل إليه، وهذا غير مُستنكر.
وقوله:
وعذلْتُ أهلَ العِشقِ حتّى ذُقتُهفعجِبْت كيف يموت من لا يعشقُ
قالوا: صعوبة العشق وشدته على أهله لا توجب ألا يموتَ من لا يعشق فيعجب منه، وإنما يقتضي أن كلّ من يعشق يموت؛ وكأنه أراد: كيف لا يعرف من يعشق! فذهب عن مُراده.
قال بعض من يحتج عن أبي الطيب: إنه خرج مخرج القلْب، وهو كثير في شعر العرب، ومنه قول الأعشى:
وكل كميت كأنّ السّليط في حيثُ وارى الأديمُ الشِّعارا
يريد: حيث وارى الشّعار الأديمَ، فقلب الكلام. وكقول الأخطل:
مثلُ القنافِذِ هدّاجون قد بلغَتْنَجرانَ إن بلغت سوءَاتهم هجَرُ
يريد بلغت سوءاتهم هجَر. وقال الشماخ:
منه ولدت ولم يؤْشَب به حسبيليّا كما عُصِبَ العِلْباء بالعودِ
أراد كما عصب العود بالعلباء. وقال آخر:
أسلمته في دمشق كماأسلمت وحشية وهَقا
أراد كما أسلم وهَقٌ وحشية. وقال آخر:
كان الزّناء فريضة الرجم
أراد كأن الرجم فريضة الزناء، ومثل هذا كثير.
وقال غيره: إن الكلام جار على طريقته، غير محتاج الحمل على القلْب، وإنما المراد كيف تكون المنية غيرَ العشق؛ أي أن الأمر المتقرِّر في النفوس أنه على مراتب الشدة هو الموت، وإني لما ذقت العشق فعرفت شدّته عجبت كيف يكون هذا الأمر الصعب المتّفق على شدّته غير العشق، وكيف يجوز ألا تعم علته فتستولي على الناس، حتى تكون مناياهم منه، وهلاك جميعهم منه.
وقوله:
شَديدُ البُعدِ من شُربِ الشّمولِتُرُنْجُ الهند أو طلْعُ النخيل
قالوا: المعروف من العرب الأترُج والترُنْج مما يغلط به العامة، فقال أبو الطيب: يقال أترجة وأترج وترنج، حكاها أبو زيد، وذكرهما ابن السّكيت في أدب الكاتب.
وقوله:
فِدًى من على الغَبراءِ أوّلهم أنالهذا الأبيّ المائد الجائد القرْمِ
قالوا: لم يُحْك عن العرب: الجائد، وإنما المحكي عنهم رجل جواد، وفرس جواد، ومطر جواد.
قال المحتج: هذا الباب يستغنى فيه بالقياس عن السماع لاطّراده، واتّساق أمره على الاعتدال، فكل فعل في الكلام يقتضي التصريف الى فاعل ومفعول، وكل فعل فله مُفعِل ومفعَل، ولسنا نحتاج في مثل هذا الى التوقف واتباع المسموع، وهذا أشبه بمذاهب القياس، والأصل الذي عليه أهل اللغة.
وقوله:
خلائقٌ لو حَواها الزَّنجُ لانقلَبواظُمْيَ الشِّفاهِ جِعادَ الشّعْرِ غُرّانا
قالوا: الزَّنْجيّ لا يوجد إلا جعْدَ الشعر، وإنما تُفرِط الجعودةُ فيهم حتى تخرج عن حدّ الاعتدال، فكيف ينقلِبون من الجُعودة الى الجعودة! قال المحتجّ: إن للأوصاف حدوداً إذا فارقتها الى نقْص أو زيادة زالت الصفاتُ الى ما يخالفُ حقيقة اللغة، أو عادة الاستعمال، وللوصْف بالَعْد نهايةٌ، فإذا زاد فإنما هو المُقلَعِطّ والمُقلَعِدّ، وإن كان على هيئة شعْر الزنج فهو المُفَلْفَل، ونحو ذلك من الأوصاف؛ ولذلك صاروا يمدحون بجُعودة الشعر ويذمّون بشعور الزّنج، فلا شكّ أن ما حمدوه غير ما ذموه، وإنما مُراد الشاعر بقوله انقلبوا جعاد الشعر أنهم صاروا الى حدّ الاعتدال الذي يُحمَد ويُستَحسن ويوصَف به ويختار.
وقوله:
بَليتُ بِلى الأطلالِ إنْ لم أقِفْ بهاوقوفَ شَحيحٍ ضاعَ في التُرْبِ خاتَمُهْ
قالوا: أراد التناهي في إطالة الوقوف فبالغ في تقصيره؛ وكم عسى هذا الشحيح بالغاً ما بلغ من الشُحّ، وواقعاً حيثُ وقعَ من البُخل أن يقف على طلب خاتمه، والخاتَم أيضاً ليس مما يَخْفى في التُرْب إذا طُلِب، ولا يعسُر وجوده إذا فتش. وقد ذهب المحتجّون عنه في الاعتذار له مذاهبَ لا أرضى أكثرها، وأقرَبُ ما يقال في الإنصاف ما أقوله إن شاء الله تعالى.
أقول إن التشبيه والتمثيل قد يقع تارةً بالصورة والصفة، وأخرى بالحال والطريقة؛ فإذا قال الشاعر - وهو يريدُ إطالة وقوفه: إني أقف وقوفَ شحيحٍ ضاع خاتَمه، لم يُرِد التسوية بين الوقوفين في القَدْر والزمان والصورة، وإنما يريد لأقفَنّ وقوفاً زائداً على القدْر المعتاد خارجاً عن حدّ الاعتدال، كما أنّ وقوفَ الشحيحِ يزيدُ على ما يُعرَف في أمثاله، وعلى ما جرت به العادةُ في أضرابه، وإنما هو كقول الشعر:
رُبّ ليلٍ أمدّ من نفَسِ العاشِقِ طولاً قطعْتُه بانتِحابِ
ونحن نعلم أنّ العاشق بالغاً ما بلغَ لا يمتد نفسُه امتِداد أقصر أجزاءِ الليل، وأن السعة الواحدة من ساعاته لا تنقضي إلا عن أنفاسٍ لا تُحصى؛ كائنةً ما كانت في امتدادها وطوله، وإنما مرادُ الشاعر أن الليل زائدٌ في الطول على مقادير الليالي كزيادة نفَسِ العاشق على الأنفاس؛ فهذا وجهٌ لا أرى به بأساً في تصحيح المعنى، وإن كنتُ لا أرى أن يؤخَذ الشاعر بهذه الدقائق الفلسفية ما لم يأخذْ نفسَه بها، ويتكلّف التعملَ لها، فيؤخذ حينئذ بحكمه، ويُطالب بما جنى على نفسه.
وقوله:
كأنّه من عِلمِه بالمَقتَلِعلّم بُقْراط فِصادَ الأكْحَلِ
قالوا: لم يكن بقراط فصّاداً ولا كان الفصْد غالباً عليه في زمانه، وإنما كثُر بعده. قال المحتجّ: أما هذه الدعوى فلا يُعلَم كيف وجهها؟ وهل أنتم صادقون فيها؟ وقد كان الفصْد قديماً، ولكنهم كانوا يحتذبون العِرْق بآلة شبيهة بالقِنّارة ثم يبضَعونه، فهذا أحوجُ الى الحِذْقِ واللُطف، ولسنا نأبى أن يكون بُقراط لا يفصد، وليس مقصِد الشاعر إلا علمه بالفصْد، وقد عُلِم موقعُ المعرفة بالتشريح من هذا العلم، وكيف يفتقر الى الوقوف على تشعّب العروق، واتّصال ما اتصل منها، وانفصال ما انفصل، وليس بمثل بُقْراط - على عِلمِه ومعرفته بالطبّ، واجتماع الألسُن على تقديمه جهْل ذلك، وقد يعلمُ الشيء منْ لا يعالجه بيده، ولا يتولاّه بنفسه، وليس ترْكُه مباشرة ذلك بدالّ على جهلِه به. ولو كان بُقراط أجهلَ الناس بذلك لم يلْحق أبا الطيب من هذا القول نقيصةٌ على طريقته؛ لأنهم لا يؤخَذون بمعرفة الأطباء ومواقعهم من الصناعة، ومهارتهم في العلم والعمل، ولما رأى الأطباء
لا يخْلون من معرفة العروق ومواقِع الفصْد، ورأى بقراط هو المقدَّم في الطب ضرب به المثل في ذلك، وهو ليس بأكبر من غلط العربي في اسم داود ﵇ الى اسم ابنه سليمان ﵇، ثم غلَطه في اسمه حتى يجعلَه مرة سلاّماً، ومرة يسميه سُليماً.
وقال الآخر منهم:
مثل النّصارَى قتلوا المَسيحا
لما سمع القصة ولم يدر كيف حقيقةُ القول فيها أجراها على ما خطر بباله.
وقوله:
الفاعلُ الفِعلَ لم يُفعَل لشدّتِهوالقائلُ القولَ لم يُترَك ولم يُقَلِ
قالوا: كيف يكون القول غيرَ متروك ولا مَقول؟ وهل هذه إلا مناقضَة ظاهرة! قال المحتج: إنّ من عادة الناس إذا استقصَروا فعلَ الفعل قالوا: فعلتَ وما فعلتَ؛ أي لم تفعله على وجْه التمام، ولم تبلُغ به شريطة الكمال؛ فقد تكلّفْت الفعلَ، وكأنّك لم تفعل. فكذا هو القول لم يُترَك ولم يُقَل؛ لأنه قد تعرّض له فلم يوفِّه حقّه، ولم يبلُغ المرادَ فيه؛ فكأنه لم يُقَل. وقد يجوز أن يكون المُراد به أنه لم يُترَك، لأنه لم يخطُر بالبال فيُترَك، وإنما ابتدعتَه أنت وسبقتَ إليه؛ والشيء إذا لم يخطُر بالبال، ولم تتعلّقْ به الهمّة لم يُسَمّ متروكاً في المُتعارَف من الكلام؛ وليس يجبُ أن يكون الحكمُ بالمناقضة مقصوراً على ظاهر اللفظ، وإنما المعوَّل على المعاني والمقاصد؛ ولو ادّعى ذلك في قول القائل كان أسوَغ:
في كفه معطية منوع
وقوله:
حتى نجا من خوفه وما نجا
فقيل: كيف تكون معطية منوعاً وكيف ينجو ولا ينجو لكان دالاً على جهْل المدّعي وقصورِ علمه عن الأغراض.
وقوله:
يفضَحُ الشسَ كلّما زرّتِ الشمْسُ بشمسٍ منيرةٍ سوْداءِ
قالوا: الشمسُ لا تكونُ سوداءَ، والإنارة تضادّ السوادَ، فقد تصرّف في المناقضة كيف شاء.
قال المحتجّ: إنه لم يجعلُه شمساً في لونِه فيستحيلُ عليه السوادُ. وللشعراء في التشبيه أغراض، فإذا شبّهوا بالشمس في موضع الوصفِ بالحُسنِ أرادوا به البهاء والرّوْنَق والضياءَ، ونُصوعَ اللونِ والتمام، وإذا ذكروه في الوصف بالنّباهة والشُهرة أرادوا به عمومَ مطْلعها وانتشار شُعاعها، واشتراك الخاصّ والعام في معرفتِها وتعظيمها. وإذا قرنوه بالجَلال والرِّفعة أرادوا به أنوارها وارتفاع محلها. وإذا ذكروه في باب النفع والإرْفاق قصدوا به تأثيرَها في النّشوء والنّماء، والتحليل والتصفية. ولكل واحدٍ من هذه الوجوه بابٌ مُفرد، وطريقٌ متميّز؛ فقد يكون المشبَّه بالشمس في العلوّ والنَباهة، والنّفْعِ والجَلالة أسود، وقد يكون منيرَ الفعال كمِدَ اللوْن، واضحَ الأخلاق كاسِفَ المنظَر؛ فهذا غرضُ الرجل؛ غير أن في اللفظ بشاعةً لا تُدفَع، وبُعْداً عن القبول ظاهر.
وقوله:
لا يأتَلي في ترْكِ أنْ لا يأتَلي
قالوا: أفسد المعنى، لأن لا يأتَلي لا يُقصّر؛ فكأنه قال: لا يقصِّر في ترْك أن لا يُقصِّر فوصفه بالتقصير. وبيان ذلك أنه لم يأتَل؛ فقد جدّ في ترْكِ الجِدّ، وهو نهايةُ التقصير. قال المحتج: لا أرى لا إلا زائدة؛ فتقديرُ الكلام: لا يأتلي في تركِ أن يأتلي؛ فكأنه لا يقصِّر في تركِ التقصير، وهذا هو الجِدّ؛ وزيادة لا غيرُ مستَنْكَر، وقد جاء في القرآن والشعر، قال الله تعالى: (لئلا يعْلَم) فمعناه ليعلم. وقال أبو النجم:
وما ألو البيض ألا تسحرا
فزاد لا، فأما زيادةُ ما فكثيرٌ مشهور. وقال العجّاج في زيادة لا:
في بئرِ لا حُورٍ سرَى وما شعَرْ
أي في بئر حورٍ.
وقوله:
كأنّك أبصَرْت الذي بي وخِفتَهإذا عِشْتَ فاخترْتَ الحِمام على الثُّكْلِ
قالوا: هذا الكلام الذي لا طريقَ للفهم إليه لتخالُفِ أطرافِه وتنافُرِ معانيه وألفاظه؛ يقول: كأنك أبصرتَ ما بي من الحُزنِ عليك، وخِفتَه إذا عشتَ، فاخترتَ أن تكوت على أن تثكل، ولو عاش ما أبصر شيئاً مما لحقَه ولا خافَه، لأنّ الذي جرّ ذلك الحزنَ والضّنَى هو موته، فكيف يكونُ - لو عاش - مُبصِراً له وخائفاً! وما معنى هذا الثُكْل ها هنا؟ أهو ثُكْل هذا الميّت له أم ثكله للميّت؟ فإن كان ثكله للميّت فهو الحِمام الذي قد حصل، وإن كان ثكل الميّت له فكأنه قال:
قد اخترتَ موتَك على موتي، ووجدَ الحِمام أهون من ثكلك لي! فكيف يقول ذلك وهو لو عاشَ لم يكن لثكله له سبب! ولو كان له ما يؤدّيه الى هذا الضّنى الذي ذكره في حياة هذا الميت لكان مثْكولاً وهو حيّ، مُصيباً منه الضّنى ما أصاب المتنبي! قالوا: وما نعرف بيتاً يُقارب هذا الخطأ إلا بيت أبي تمام:
لو لم يمُتْ أطراف بين الرّماح إذاًلماتَ إذا لم يمتْ من شدّة الحَزَنِ
قال المحتج: إنكم ذهبتُم عن غرض الرجل، وظننتُم أنه أراد: أنك خفت نزولَ هذا الضّنى بي لأجلِك، وأنت حيّ، ولم يرِدْ ما خطر لكم؛ وإنما مذهبُه فيه أنك خِفتَ أن يصيبني هذا العارضُ من الضّنى وأنت حيّ، فيبلغ منك الغمّ به مبلغ الثّكل، فاخترتَ الحِمام عليه.
فقال الخصم: هبِ الأمرَ على ما قلتُم، ما وجْهُ هذه المخافة؟ وكيف يصيبه ذلك الحزنُ وهو يثكل حبيباً ولم يفقد عزيزاً؟ وما وجْه شفقةِ ابنِ سيفِ الدولة على المتنبي حتى يفدي حزنَه بنفسه، ويختار الحِمام على ثُكلِه؛ على أنه له في ذلك عادات، منها قوله يرثي والدة هذا الممدوح:
بعيشِك هل سلوتِ؟ فإنّ قلبيوإن جانَبتُ أرضَكِ غيرُ سالي
وقوله يرثي أخته:
وهل سمعتِ سَلاماً لي ألمّ بهافقد أطلَعْتَ وما سلّمْتُ من كثَبِ
وما باله يسلم على الحرم، ويتشوّق الى الأمهات! ومن سبقه الى هذا! وإنما يفعل ذلك من يرثي بعض أهلِه، وأما استعماله إياه في هذا الموضع فدالٌ على ضعف البصر بمواقع الكلام. وما تحقق ذلك فيه قوله:
وغرَّ الدُمُسْتُقَ قولُ الوُشاةِ إنّ عليّاً ثقيلٌ وَصِبْ
فجعل الأمراء يوشَى بهم، وإنما الوشاية السعاية ونحوها، ومن شأن الممدوح أن يفضل على عدوّه، ويجري العدوّ مجرى بعض أصحابه؛ لا سيما إذا كان الممدوح مثل ابن حمدان والعدوّ الدُمستُق، وليس بسائغ في اللغة أن يقال: وشي فلان بالسلطان الى رعيته، ولو قيل ذلك في أميرين لكان قصّر بالموشى به لا محالة؛ وإنما المعروف الصحيح أن يوشَى بالأصغر الى الأكبر، فإن توسع في ذلك فبالنظير.
قال المحتج: أصل الوشاية استخراج الحديث بالمسئلة والتلطّف، كما يستوشي الرجل جرْي الفرس بتحريكه وغمزِه بعَقبيه؛ فقد يجوز أن يجري هذه الكلمة على أصلها، ويجعل هؤلاء وشاة لما أتوه بهذا الخبر: والكلامُ هو الأول عندي والعذرُ فيه يضعف، وإنما أراد بالوُشاة الذين بعثوه على قصْد الثغور، فإنما وشوْا بأهلها لما دلّوه على ضعفِهم واشتغال ناصرهم.
ومن هذا الضّرب قوله:
ما ينقُص الموت نفْساً من نفوسِهمُإلا وفي يدِه من نتنِها عودُ
قالوا: والعودُ لا يشتمّ، ولو اشتمّ لم يحظ من ريحه بطائل، وإنما يظهر عرْفه إذا حللت النار أجزاءه ولطفتها، فانبثّت في الهواء ودخلت في الخياشيم.
قال القاضي: وليس في المعنى عندي ما ذكره، ولا ذهب الرجل حيث ظنّوا، وإنما أراد أنه لا يباشرها إذا قبضها، ولكن يقبِضها وفي يده عودٌ يتناولها بطرفه، كما يريد الإنسان أخذَ الشيء يستقذره، فيصون عنه يده، ويتناوله بحاجز، ولم يرِدْ عود الطيب. وإنما أراد عوداً من العيدان أيها كانت.
وأمثال هذه الاعتراضات كثيرة واستقصاء جميعها بابٌ من التطويل، وإنما
يصلُح استيفاءُ ذلك إذا قصدنا شرْح المعاني المستغلة من شعره، فإنّ القولَ في ذلك يتّصل بالكشف عن هذه الأمور، ويتناول الغامض الخفيّ، والمتوسط المحتمل، والظاهر الذي فيه بعضُ اللبس؛ فينفي ما يجب أن ينفي؛ ويعتذر لما يحتمل العذر، ويذكر مثل قوله:
إذا ضوؤها لاقى من الطير فرْجةًتدوَّرَ فوق البَيضِ مثلَ الدّراهمِ
ويبَين كيف صار ما يقع من الشمس على البيْض إذا وجدَتْ من الطير فرْجةً مستديراً ولم يكن مستطيلاً، وإن كانت المشاهدة صحّحَت قول الشاعر، وإنما بقي علينا تعرُّف العلة. ومثل قوله:
لو لم تكنْ من ذا الورَى اللّذْ مِنكَ هوعقِمَتْ بمولِدِ نسلِها حوّاءُ
كيف يكون من الورى، والورَى منه: ونحو هذه المعاني وما يشاكلها. وقد قدّمنا عند ذكرنا الاستعارات ووجوه الإغراق والإفراط ما يبين لك القولَ في مثل قوله:
وضاقت الأرضُ حتى كاد هاربُهمإذا رأى غيرَ شيء ظنّه رجُلا
وقله:
فلوْ سرْنا وفي تشرينَ خمسٌرأوْني قبلَ أن يرَوا السِّماكا
وإنما يطلع السماك في تلك الليلة.
وفي مثل قوله:
فصار سُقْمي به في جسمِ كتْماني
فجعل للكِتمان جِسماً. وما لحق بهذين البابين من استعارة بعيدة، وإفراط فاحش. فأما كتابُنا هذا فقد وفّيناه حقه، وبلغنا به نهايتَه، وآتينا على ما وصلت الطاقةُ إليه، وما أسعفَنا الإمكانُ به؛ فإذا زادنا النظرُ والفكرُ والمطالعةُ والبحث بعضَ ما يليق به أضفناه إليه؛ وإن أفادنا غيرُنا منه ما قصّر علمنا عنه استفدناه وأعظمنا النعمةَ فيه، وعرفنا لصاحبه فضلَ التقديم، ولرجعنا له بحق التعليم. وبالله نستعين على كل خير، وإياه نسأل التوفيق، ونستوهب العِصْمة والتسديد، وهو حسبُنا ونِعْمَ الوكيل.
النص من طبعة عيسى البابي الحلبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف شرح المحققين وحواشيهم. مصادر الموقع