لا يحزن اللّه الأمير فإنّني
الشاعر: المتنبي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة مدح
هذه القصيدة من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في 76 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة مدح.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لا يحزن اللّه الأمير فإنّني ... لآخــــذ مــــن حالاته بنصيب
ومن سرّ أهل الأرض ثمّ بكى أسىً ... بــــكــــى بعيونٍ سرّها وقلوب
وإنّي وإن كان الدّفين حبيبه ... حبيبٌ إلى قلبي حبيب حبيبي
وقد فارق النّاس الأحبّة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كلّ طبيب
سبقنا إلى الدّنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئةٍ وذهوب
تملّكها الآتي تملّك سالبٍ ... وفارقها الماضي فراق سليب
ولا فضل فيها للشّجاعة والنّدى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب
وأوفى حياة الغابرين لصاحبٍ ... حياة امرئٍ خانته بعد مشيب
لأبقى يماكٌ في حشاي صبابةً ... إلى كلّ تركيّ النّجار جليب
وما كل وجهٍ أبيضٍ بمباركٍ ... ولا كلّ جفنٍ ضيّق بنجيب
لئن ظهرت فينا عليه كآبةٌ ... لقد ظهرت في حدّ كلّ قضيب
وفي كلّ قوسٍ كلّ يومٍ تناضلٌ ... وفــــي كــــلّ طــــرفٍ كــــلّ يوم ركوب
يعزّ عليه أن يخلّ بعادةٍ ... وتدعو لأمرٍ وهو غير مجيب
وكنت إذا أبصرته لك قائماً ... نــــظــــرت إلى ذي لبدتين أديب
فإن يكن العلق النّفيس فقدته ... فــــمــــن كــــفّ متلافٍ أغرّ وهوب
كأنّ الرّدى غادٍ على كلّ ماجدٍ ... إذا لم يــــعوّذ مجده بعيوب
ولولا أيادي الدّهر في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوب
وللتّرك للإحسان خيرٌ لمحسنٍ ... إذا جعل الإحسان غير ربيب
وإنّ الذي أمست نزارٌ عبيده ... غنيّ عن استعباده لغريب
كفى بصفاء الودّ رقّاً لمثله ... وبالقرب منه مفخراً للبيب
فــــعوّض سيف الدّولة الأجر إنّه ... أجــــلّ مــــثابٍ من أجلّ مثيب
فتى الخيل قد بلّ النّجيع نحورها ... يطاعن في ضنك المقام عصيب
يعاف خيام الرّيط في غزواته ... فما خيمه إلاّ غبار حروب
"علينا لك الإسعاد، إن كان نافعاً، ... بــــشــــقّ قــــلوبٍ لا بــــشــــقّ جيوب"
فربّ كئيبٍ ليس تندى جفونه ... وربّ كثير الدّمع غير كئيب
تسلّ بفكرٍ في أبيك فإنّما ... بكيت فكان الضّحك بعد قريب
إذا استقبلت نفس الكريم مصابها ... بخبثٍ ثنت فاستدبرته بطيب
وللواجد المكروب من زفراته ... ســــكــــون عــــزاءٍ أو ســــكون لغوب
وكم لك جدّاً لم تر العين وجهه ... فــــلم تجر في آثاره بغروب
فدتك نفوس الحاسدين فإنّها ... مــــعذّبة في حضرةٍ ومغيب
وفي تعبٍ من يحسد الشّمس نورها ... ويجهد أن يأتي لها بضريب
فديناك من ربعٍ وإن زدتنا كربا ... فإنّك كنت الشّرق للشّمس والغربا
وكيف عرفنا رسم من لم تدع لنا ... فؤاداً لعرفان الرّسوم ولا لبّا
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامةً ... لمن بان عنه أن نلمّ به ركبا
ندمّ السّحاب الغرّ في فعلها به ... ونعرض عنها كلّما طلعت عتبا
ومن صحب الدّنيا طويلاً تقلّبت ... على عينه حتّى يرى صدقتها كذبا
وكيف التذاذي بالأصائل والضّحى ... إذا لم يعد ذاك النّسيم الّذي هبّا ؟!
ذكرت به وصلاً كأن لم أفز به ... وعيشاً كأنّي كنت أقطعه وثبا
وفتّانة العينين قتّالة الهوى ... إذا نفحت شيخاً روائحها شبّا
لهــــا بشر الدّرّ الّذي قلّدت به ... ولم أر بدراً قبلها قلّد الشّهبا
فيا شوق ما أبقى ويالي من النّوى ... ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما أصبى
لقــــد لعــــب المــــشتّ بها وبي ... وزوّدني في السّير ما زوّد الضّبّا
ومن تكن الأسد الضّواري جدوده ... يكن ليله صبحاً ومطعمه غصبا
ولست أبالي بعد إدراكي العلا ... أكان تراثاً ما تناولت أم كسبا
فربّ غلام علّم المجد نفسه ... كتعليم سيف الدّولة الدّولة الضّربا
إذا الدّولة استكفت به في ملمّةٍ ... كفاها فكان السّيف والكفّ والقلبا
تهاب سيوف الهند وهي حدائدٌ ... فكيف إذا كانت نزاريّةً عربا
ويرهب ناب اللّيث واللّيث وحده ... فكيف إذا كان اللّيوث له صحبا
ويُخشى عباب البحر وهو مكانه ... فكيف بمن يغشى البلاد إذا عبّا
عليم بأسرار الدّيانات واللّغى ... له خطراتٌ تفضح النّاس والكتبا
فبوركت من غيثٍ كأنّ جلودنا ... به تنبت الدّيباج والوشى والعصبا
"ومن واهب جزلاً ومن زاجر هلاً ... ومن هاتك درعاً، ومن ناثرٍ قصبا"
هنيئاً لأهل الثّغر رأيك فيهم ... وأنّك حزب الله صرت لهم حزبا
وأنّك رعت الدّهر فيها وريبه ... فإن شكّ فليحدث بساحتها خطبا
فيوماً بخيلٍ تطرد الرّوم عنهم ... ويوماً بجودٍ تطرد الفقر والجدبا
سراياك تترى والدّمستق هاربٌ ... وأصحابه قتلى وأمواله نهبى
أتى مرعشاً يستقرب البعد مقبلاً ... وأدبر إذ أقبلت يستبعد القربا
كذا يترك الأعداء من يكره القنا ... ويقفل من كانت غنيمته رعبا
وهل ردّ عنه باللّقان وقوفه ... صدور العوالي والمطهّمة القبّا
مضى بعد ما التفّ الرّماحان ساعةً ... كما يتلقّى الهدب في الرّقدة الهدبا
ولكــــــنّه ولّى وللطّــــــعــــــن ســــــورةٌ ... إذ ذكرتها نفسه لمس الجنبا
وخلّى العذارى والبطاريق والقرى ... وشعث النّصارى والقرابين والصّلبا
أرى كلّنا يبغي الحياة بسعيه ... حريصاً عليها مستهاماً بها صبّا
فحبّ الجبان النّفس أورده التّقى ... وحبّ الشّجاع النّفس أورده الحربا
ويختلف الرّزقان والفعل واحدٌ ... إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا
فأضحت كأنّ السّور من فوق بدؤه ... إلى الأرض قد شقّ الكواكب والتّربا
تصدّ الرّياح الهوج عنها مخافةً ... وتفزع فيها الطّير أن تلقط الحبّا
وتردى الجياد الجرد فوق جبالها ... وقد ندف الصّنّبر في طرقها العطبا
كفى عجباً أن يعجب النّاس أنّه ... بنى مرعشاً تبّاً لآرائهم تبّاً
وما الفرق ما بين الأنام وبينه ... إذا حذر المحذور واستصعب الصّعبا
لأمر أعدّته الخلافة للعدى ... وسمّته دون العالم الصّارم العضبا
ولم تفترق عنه الأسنّة رحمةً ... ولم تترك الشّام الأعادي له حبّا
ولكن نفاها عنه غير كريمةٍ ... كريم النّثا ما سبّ قطّ ولا سبّا
وجيشٌ يثنّى كلّ طودٍ كأنّه ... خريق رياحٍ واجهت غصناً رطبا
كأنّ نجوم اللّيل خافتت مغاره ... فمدّت عليها من عجاجته حجبا
فمن كان يرضى اللّؤمَ والكفرَ ملكُهُ ... فهذا الّذي يرضى المكارم والرّبّا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الدفين: دفن: الدَّفْن: السَّتْر والمُواراة، دَفَنه [دَفِنه] يَدْفِنُه دَفْناً وادَّفَنه فاندَفَن وتَدَفَّن فَهُوَ مَدْفون ودَفِين. والدِّفْن والدَّفينُ: الْمَدْفُونُ، وَالْجَمْعُ أَدفان ودُفَناء. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: امرأَة … (لسان العرب)
- بعيون: (عَيَنَ) الْعَيْنُ وَالْيَاءُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى عُضْوٍ بِهِ يُبْصَرُ وَيُنْظَرُ، ثُمَّ يُشْتَقُّ مِنْهُ، وَالْأَصْلُ فِي جَمِيعِهِ مَا ذَكَرْنَا. قَالَ الْخَلِيلُ: الْعَيْنُ النَّاظِرَةُ لِك … (مقاييس اللغة)
- بنصيب: صيب: الصُّيَّابُ والصُّيَّابة[[. قوله الصياب والصيابة [إلخ] بشد التحتية وتخفيفها على المعنيين المذكورين كما في القاموس وغيره.]]: أَصلُ الْقَوْمِ. والصُّيَابةُ والصُّيَابُ: الخالِصُ مِنْ كلِّ شَيْءٍ؛ أَنشد ثعلب: إِني وَسَ … (لسان العرب)
- تملكها: ملك: اللَّيْثُ: المَلِكُ هُوَ الله، تعالى ونقدّس، مَلِكُ المُلُوك لَهُ المُلْكُ وَهُوَ مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ وَهُوَ مَلِيكُ الْخَلْقِ أَيْ رَبُّهُمْ وَمَالِكُهُمْ. وَفِي التَّنْزِيلِ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ؛ قَرَأَ ابْ … (لسان العرب)
- حالاته: حال: أَتى بمُحال. ورجل مِحْوال: كثيرُ مُحال الكلام. وكلام مُسْتَحيل: مُحال. ويقال: أَحَلْت الكلام أُحِيله إِحالة إِذا أَفسدته. وروى ابن شميل عن الخليل بن أَحمد أَنه قال: المُحال الكلام لغير شيء، والمستقيم كلامٌ لشيء، وال … (لسان العرب)
- سالب: سلب: سَلَبَه الشيءَ يَسْلُبُه سَلْباً وسَلَباً، واسْتَلَبَه إِياه. وسَلَبُوتٌ، فَعَلوتٌ: مِنه. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: رَجُلٌ سَلَبوتٌ، وامرأَةٌ سَلَبوتٌ كَالرَّجُلِ. وَكَذَلِكَ رجلٌ سَلَّابةٌ، بالهاءِ، والأُنثى سَلَّاب … (لسان العرب)
- سبقنا: سبق: السَّبْق: القُدْمةُ فِي الجَرْي وَفِي كُلِّ شَيْءٍ؛ تَقُولُ: لَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ سُبْقةٌ وسابِقةٌ وسَبْقٌ، وَالْجَمْعُ الأَسْباق والسَّوابِقُ. والسَّبْقُ: مَصْدَرُ سَبَقَ. وَقَدْ سَبَقَه يَسْبُقُه ويَسْبِقُه سَبْق … (لسان العرب)
- سليب: سلب: سَلَبَه الشيءَ يَسْلُبُه سَلْباً وسَلَباً، واسْتَلَبَه إِياه. وسَلَبُوتٌ، فَعَلوتٌ: مِنه. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: رَجُلٌ سَلَبوتٌ، وامرأَةٌ سَلَبوتٌ كَالرَّجُلِ. وَكَذَلِكَ رجلٌ سَلَّابةٌ، بالهاءِ، والأُنثى سَلَّاب … (لسان العرب)