عَلَى قَدْرِ أَهْلِ الْعَزْمِ تَأْتِي الْعَزَائِمُ
الشاعر: المتنبي · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في 932 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الميم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ الْعَزْمِ تَأْتِي الْعَزَائِمُ ... وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الْكِرَامِ الْمَكَارِمُ
وَتَعْظُمُ فِي عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُهَا ... وَتَصْغُرُ فِي عَيْنِ الْعَظِيمِ الْعَظَائِمُ
يُكَلِّفُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ الْجَيْشَ هَمَّهُ ... وَقَدْ عَجَزَتْ عَنْهُ الْجُيُوشُ الْخَضَارِمُ
وَيَطْلُبُ عِنْدَ النَّاسِ مَا عِنْدَ نَفْسِهِ ... وَذَلِكَ مَا لَا تَدَّعِيهِ الضَّرَاغِمُ
يُفَدِّي أَتَمُّ الطَّيْرِ عُمْرًا سِلَاحَهُ ... نُسُورُ الْمَلَا أَحْدَاثُهَا وَالْقَشَاعِمُ
وَمَا ضَرَّهَا خَلْقٌ بِغَيْرِ مَخَالِبٍ ... وَقَدْ خُلِقَتْ أَسْيَافُهُ وَالْقَوَائِمُ
هَلِ الْحَدَثُ الْحَمْرَاءُ تَعْرِفُ لَوْنَهَا ... وَتَعْلَمُ أَيُّ السَّاقِيَيْنِ الْغَمَائِمُ
سَقَتْهَا الْغَمَامُ الْغُرُّ قَبْلَ نُزُولِهِ ... فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا سَقَتْهَا الْجَمَاجِمُ
بَنَاهَا فَأَعْلَى وَالْقَنَا يَقْرَعُ الْقَنَا ... وَمَوْجُ الْمَنَايَا حَوْلَهَا مُتَلَاطِمُ
وَكَانَ بِهَا مِثْلَ الْجُنُونِ فَأَصْبَحَتْ ... وَمِنْ جُثَثِ الْقَتْلَى عَلَيْهَا تَمَائِمُ
طَرِيدَةَ دَهْرٍ سَاقَهَا فَرَدَدْتَهَا ... عَلَى الدِّينِ بِالْخَطِّيِّ وَالدَّهْرُ رَاغِمُ
تُفِيتُ اللَّيَالِي كُلَّ شَيْءٍ أَخَذْتَهُ ... وَهُنَّ لِمَا يَأْخُذْنَ مِنْكَ غَوَارِمُ
إِذَا كَانَ مَا تَنْوِيهِ فِعْلًا مُضَارِعًا ... مَضَى قَبْلَ أَنْ تُلْقَى عَلَيْهِ الْجَوَازِمُ
وَكَيْفَ تُرَجِّي الرُّومُ وَالرُّوسُ هَدْمَهَا ... وَذَا الطَّعْنُ آسَاسٌ لَهَا وَدَعَائِمُ
وَقَدْ حَاكَمُوهَا وَالْمَنَايَا حَوَاكِمٌ ... فَمَا مَاتَ مَظْلُومٌ وَلَا عَاشَ ظَالِمُ
أَتَوْكَ يَجُرُّونَ الْحَدِيدَ كَأَنَّهُمْ ... سَرَوْا بِجِيَادٍ مَا لَهُنَّ قَوَائِمُ
إِذَا بَرَقُوا لَمْ تَعْرِفِ الْبِيضَ مِنْهُمْ ... ثِيَابُهُمْ مِنْ مِثْلِهَا وَالْعَمَائِمُ
خَمِيسٌ بِشَرْقِ الْأَرْضِ وَالْغَرْبِ زَحْفُهُ ... وَفِي أُذُنِ الْجَوْزَاءِ مِنْهُ زَمَازِمُ
تَجَمَّعَ فِيهِ كُلُّ لِسْنٍ وَأُمَّةٍ ... فَمَا يُفْهِمُ الْحُدَّاثَ إِلَّا التَّرَاجِمُ
فَلِلَّهِ وَقْتٌ ذَوَّبَ الْغِشَّ نَارُهُ ... فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا صَارِمٌ أَوْ ضُبَارِمُ
تُقَطِّعُ مَا لَا يُقَطِّعُ الدِّرْعَ وَالْقَنَا ... وَفِرَّ مِنَ الْفُرْسَانِ مَنْ لَا يُصَادِمُ
وَقَفْتَ وَمَا فِي الْمَوْتِ شَكٌّ لِوَاقِفٍ ... كَأَنَّكَ فِي جَفْنِ الرَّدَى وَهُوَ نَائِمُ
تَمُرُّ بِكَ الْأَبْطَالُ كَلْمَى هَزِيمَةً ... وَوَجْهُكَ وَضَّاحٌ وَثَغْرُكَ بَاسِمُ
تَجَاوَزْتَ مِقْدَارَ الشَّجَاعَةِ وَالنُّهَى ... إِلَى قَوْلِ قَوْمٍ: أَنْتَ بِالْغَيْبِ عَالِمُ
ضَمَمْتَ جَنَاحَيْهِمْ عَلَى الْقَلْبِ ضَمَّةً ... تَمُوتُ الْخَوَافِي تَحْتَهَا وَالْقَوَادِمُ
بِضَرْبٍ أَتَى الْهَامَاتِ وَالنَّصْرُ غَائِبٌ ... وَصَارَ إِلَى اللَّبَّاتِ وَالنَّصْرُ قَادِمُ
حَقَرْتَ الرُّدَيْنِيَّاتِ حَتَّى طَرَحْتَهَا ... وَحَتَّى كَأَنَّ السَّيْفَ لِلرُّمْحِ شَاتِمُ
وَمَنْ طَلَبَ الْفَتْحَ الْجَلِيلَ فَإِنَّمَا ... مَفَاتِيحُهُ الْبِيضُ الْخِفَافُ الصَّوَارِمُ
نَثَرْتَهُمْ فَوْقَ الْأُحَيْدِبِ نَثْرَةً ... كَمَا نُثِرَتْ فَوْقَ الْعَرُوسِ الدَّرَاهِمُ
تَدُوسُ بِكَ الْخَيْلُ الْوُكُورَ عَلَى الذُّرَى ... وَقَدْ كَثُرَتْ حَوْلَ الْوُكُورِ الْمَطَاعِمُ
تَظُنُّ فِرَاخُ الْفُتْخِ أَنَّكَ زُرْتَهَا ... بِأُمَّاتِهَا وَهِيَ الْعِتَاقُ الصَّلَادِمُ
إِذَا زَلِقَتْ مَشَّيْتَهَا بِبُطُونِهَا ... كَمَا تَتَمَشَّى فِي الصَّعِيدِ الْأَرَاقِمُ
أَفِي كُلِّ يَوْمٍ ذَا الدُّمُسْتُقُ مُقْدِمٌ ... قَفَاهُ عَلَى الْإِقْدَامِ لِلْوَجْهِ لَائِمُ
أَيُنْكِرُ رِيحَ اللَّيْثِ حَتَّى يَذُوقَهُ ... وَقَدْ عَرَفَتْ رِيحَ اللُّيُوثِ الْبَهَائِمُ
وَقَدْ فَجَعَتْهُ بِابْنِهِ وَابْنِ صِهْرِهِ ... وَبِالصِّهْرِ حَمَلَاتُ الْأَمِيرِ الْغَوَاشِمُ
مَضَى يَشْكُرُ الْأَصْحَابَ فِي فَوْتِهِ الظُّبَا ... لِمَا شَغَلَتْهَا هَامُهُمْ وَالْمَعَاصِمُ
وَيَفْهَمُ صَوْتَ الْمَشْرَفِيَّةِ فِيهِمُ ... عَلَى أَنَّ أَصْوَاتَ السُّيُوفِ أَعَاجِمُ
وَقَدْ تَنْطِقُ الْأَسْيَافُ وَهِيَ صَوَامِتٌ ... وَمَا كُلُّ نُطْقِ الْمُخْبِرِينَ كَلَامُ
كَفَى بِخِطَابِ الْمَشْرَفِيَّةِ مُخْبِرًا ... بِأَنَّ رُءُوسًا قَدْ شُقِقْنَ وَهَامُ
يُسَرُّ بِمَا أَعْطَاكَ لَا مِنْ جَهَالَةٍ ... وَلَكِنَّ مَغْنُومًا نَجَا مِنْكَ غَانِمُ
وَلَسْتَ مَلِيكًا هَازِمًا لِنَظِيرِهِ ... وَلَكِنَّكَ التَّوْحِيدُ لِلشِّرْكِ هَازِمُ
تَشَرَّفُ عَدْنَانٌ بِهِ لَا رَبِيعَةٌ ... وَتَفْتَخِرُ الدُّنْيَا بِهِ لَا الْعَوَاصِمُ
لَكَ الْحَمْدُ فِي الدُّرِّ الَّذِي لِي لَفْظُهُ ... فَإِنَّكَ مُعْطِيهِ وَإِنِّي نَاظِمُ
وَإِنِّي لَتَعْدُو بِي عَطَايَاكَ فِي الْوَغَى ... فَلَا أَنَا مَذْمُومٌ وَلَا أَنْتَ نَادِمُ
عَلَى كُلِّ طَيَّارٍ إِلَيْهَا بِرِجْلِهِ ... إِذَا وَقَعَتْ فِي مَسْمَعَيْهِ الْغَمَاغِمُ
أَلَا أَيُّهَا السَّيْفُ الَّذِي لَسْتَ مُغْمَدًا ... وَلَا فِيكَ مُرْتَابٌ وَلَا مِنْكَ عَاصِمُ
هَنِيئًا لِضَرْبِ الْهَامِ وَالْمَجْدِ وَالْعُلَا ... وَرَاجِيكَ وَالْإِسْلَامِ أَنَّكَ سَالِمُ
وَلِمْ لَا يَقِي الرَّحْمَنُ حَدَّيْكَ مَا وَقَى ... وَتَفْلِيقُهُ هَامَ الْعِدَا بِكَ دَائِمُ
***
أَرَاعَ كَذَا كُلَّ الْأَنَامِ هُمَامُ ... وَسَحَّ لَهُ رُسُلَ الْمُلُوكِ غَمَامُ
وَدَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا فَأَصْبَحَ جَالِسًا ... وَأَيَّامُهَا فِيمَا يُرِيدُ قِيَامُ
إِذَا زَارَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ الرُّومَ غَازِيًا ... كَفَاهَا لِمَامٌ لَوْ كَفَاهُ لِمَامُ
فَتًى تَتْبَعُ الْأَزْمَانُ فِي النَّاسِ حُكْمَهُ ... لِكُلِّ زَمَانٍ فِي يَدَيْهِ زِمَامُ
تَنَامُ لَدَيْكَ الرُّسُلُ أَمْنًا وَغِبْطَةً ... وَأَجْفَانُ رَبِّ الرُّسُلِ لَيْسَ تَنَامُ
حِذَارًا لِمَعْرُورِي الْجِيَادِ فُجَاءَةً ... إِلَى الطَّعْنِ قُبْلًا مَا لَهُنَّ لِجَامُ
تَعَطَّفُ فِيهِ وَالْأَعِنَّةُ شَعْرُهَا ... وَتُضْرَبُ فِيهِ وَالسِّيَاطُ كَلَامُ
وَمَا تَنْفَعُ الْخَيْلُ الْكِرَامُ وَلَا الْقَنَا ... إِذَا لَمْ يَكُنْ فَوْقَ الْكِرَامِ كِرَامُ
إِلَى كَمْ تَرُدُّ الرُّسُلَ عَمَّا أَتَوْا بِهِ ... كَأَنَّهُمُ فِيمَا وَهَبْتَ مَلَامُ
فَإِنْ كُنْتَ لَا تُعْطِي الذِّمَامَ طَوَاعَةً ... فَعَوْذُ الْأَعَادِي بِالْكِرَامِ ذِمَامُ
وَإِنَّ نُفُوسًا أَمَّمَتْكَ مَنِيعَةٌ ... وَإِنَّ دِمَاءً أَمَّلَتْكَ حَرَامُ
إِذَا خَافَ مَلِكٌ مِنْ مَلِيكٍ أَجَرْتَهُ ... وَسَيْفَكَ خَافُوا وَالْجِوَارَ تُسَامُ
لَهُمْ عَنْكَ بِالْبِيضِ الْخِفَافِ تَفَرُّقٌ ... وَحَوْلَكَ بِالْكُتْبِ اللِّطَافِ زِحَامُ
تَغُرُّ حَلَاوَاتُ النُّفُوسِ قُلُوبَهَا ... فَتَخْتَارُ بَعْضَ الْعَيْشِ وَهْوَ حِمَامُ
وَشَرُّ الْحِمَامَيْنِ الزُّؤَامَيْنِ عِيشَةٌ ... يَذِلُّ الَّذِي يَخْتَارُهَا وَيُضَامُ
فَلَوْ كَانَ صُلْحًا لَمْ يَكُنْ بِشَفَاعَةٍ ... وَلَكِنَّهُ ذُلٌّ لَهُمْ وَغَرَامُ
وَمَنَّ لِفُرْسَانِ الثُّغُورِ عَلَيْهِمُ ... بِتَبْلِيغِهِمْ مَا لَا يَكَادُ يُرَامُ
كَتَائِبُ جَاءُوا خَاضِعِينَ وَأَقْدَمُوا ... وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا خَاضِعِينَ لَخَامُوا
"وَعَزَّتْ قَدِيمًا فِي ذُرَاكَ خُيُولُهُمْ ... وَعَزُّوا، وَعَامَتْ فِي نَدَاكَ وَعَامُوا"
عَلَى وَجْهِكَ الْمَيْمُونِ فِي كُلِّ غَارَةٍ ... صَلَاةٌ تُوَالِي مِنْهُمُ وَسَلَامُ
وَكُلُّ أُنَاسٍ يَتْبَعُونَ إِمَامَهُمْ ... وَأَنْتَ لِأَهْلِ الْمَكْرُمَاتِ إِمَامُ
وَرُبَّ جَوَابٍ عَنْ كِتَابٍ بَعَثْتَهُ ... وَعُنْوَانُهُ لِلنَّاظِرِينَ قَتَامُ
تَضِيقُ بِهِ الْبَيْدَاءُ مِنْ قَبْلِ نَشْرِهِ ... وَمَا فُضَّ بِالْبَيْدَاءِ عَنْهُ خِتَامُ
"حُرُوفُ هِجَاءِ النَّاسِ فِيهِ ثَلَاثَةٌ: ... جَوَادٌ، وَرُمْحٌ ذَابِلٌ، وَحُسَامُ"
أَذَا الْحَرْبِ قَدْ أَتْعَبْتَهَا فَالْهُ سَاعَةً ... لِيُغْمَدَ نَصْلٌ أَوْ يُحَلَّ حِزَامُ
وَإِنْ طَالَ أَعْمَارُ الرِّمَاحِ بِهُدْنَةٍ ... فَإِنَّ الَّذِي يَعْمُرْنَ عِنْدَكَ عَامُ
وَمَا زِلْتَ تُفْنِي السُّمْرَ وَهْيَ كَثِيرَةٌ ... وَتُفْنِي بِهِنَّ الْجَيْشَ وَهْوَ لَهَامُ
مَتَى عَاوَدَ الْجَالُونَ عَاوَدْتَ أَرْضَهُمْ ... وَفِيهَا رِقَابٌ لِلسُّيُوفِ وَهَامُ
وَرَبُّوا لَكَ الْأَوْلَادَ حَتَّى تُصِيبَهَا ... وَقَدْ كَعَبَتْ بِنْتٌ وَشَبَّ غُلَامُ
جَرَى مَعَكَ الْجَارُونَ حَتَّى إِذَا انْتَهَوْا ... إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى جَرَيْتَ وَقَامُوا
فَلَيْسَ لِشَمْسٍ مُذْ أَنَرْتَ إِنَارَةٌ ... وَلَيْسَ لِبَدْرٍ مُذْ تَمَمْتَ تَمَامُ
***
تَذَكَّرْتُ مَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ وَبَارِقٍ ... مَجَرَّ عَوَالِينَا وَمَجْرَى السَّوَابِقِ
وَصُحْبَةِ قَوْمٍ يَذْبَحُونَ قَنِيصَهُمْ ... بِفَضَلَاتِ مَا قَدْ كَسَّرُوا فِي الْمَفَارِقِ
وَلَيْلًا تَوَسَّدْنَا الثُّوَيَّةَ تَحْتَهُ ... كَأَنَّ ثَرَاهَا عَنْبَرٌ فِي الْمَرَافِقِ
بِلَادٌ إِذَا زَارَ الْحِسَانُ بِغَيْرِهَا ... حَصَى تُرْبِهَا ثَقَّبْنَهُ لِلْمَخَانِقِ
سَقَتْنِي بِهَا الْقُطْرُبُّلِيَّ مَلِيحَةٌ ... عَلَى كَاذِبٍ مِنْ وَعْدِهَا ضَوْءُ صَادِقِ
«سُهَادٌ لِأَجْفَانٍ وَشَمْسٌ لِنَاظِرٍ ... وَسُقْمٌ لِأَبْدَانٍ، وَمِسْكٌ لِنَاشِقِ»
وَأَغْيَدَ تَهْوَى نَفْسَهُ كُلُّ عَاقِلٍ ... عَفِيفٍ وَيَهْوَى جِسْمَهُ كُلُّ فَاسِقِ
أَدِيبٌ إِذَا مَا جَسَّ أَوْتَارَ مِزْهَرٍ ... بَلَا كُلَّ سَمْعٍ عَنْ سِوَاهَا بِعَائِقِ
يُحَدِّثُ عَمَّا بَيْنَ عَادٍ وَبَيْنَهُ ... وَصُدْغَاهُ فِي خَدَّيْ غُلَامٍ مُرَاهِقِ
وَمَا الْحُسْنُ فِي وَجْهِ الْفَتَى شَرَفًا لَهُ ... إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي فِعْلِهِ وَالْخَلَائِقِ
وَمَا بَلَدُ الْإِنْسَانِ غَيْرُ الْمُوَافِقِ ... وَلَا أَهْلُهُ الْأَدْنَوْنَ غَيْرُ الْأَصَادِقِ
وَجَائِزَةٌ دَعْوَى الْمَحَبَّةِ وَالْهَوَى ... وَإِنْ كَانَ لَا يَخْفَى كَلَامُ الْمُنَافِقِ
«بِرَأْيِ مَنِ انْقَادَتْ عُقَيْلٌ إِلَى الرَّدَى ... وَإِشْمَاتِ مَخْلُوقٍ، وَإِسْخَاطِ خَالِقِ»
أَرَادُوا عَلِيًّا بِالَّذِي يُعْجِزُ الْوَرَى ... وَيُوسِعُ قَتْلَ الْجَحْفَلِ الْمُتَضَايِقِ
فَمَا بَسَطُوا كَفًّا إِلَى غَيْرِ قَاطِعٍ ... وَلَا حَمَلُوا رَأْسًا إِلَى غَيْرِ فَالِقِ
لَقَدْ أَقْدَمُوا لَوْ صَادَفُوا غَيْرَ آخِذٍ ... وَقَدْ هَرَبُوا لَوْ صَادَفُوا غَيْرَ لَاحِقِ
وَلَمَّا كَسَا كَعْبًا ثِيَابًا طَغَوْا بِهَا ... رَمَى كُلَّ ثَوْبٍ مِنْ سِنَانٍ بِخَارِقِ
وَلَمَّا سَقَى الْغَيْثَ الَّذِي كَفَرُوا بِهِ ... سَقَى غَيْرَهُ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْبَوَارِقِ
وَمَا يُوجِعُ الْحِرْمَانُ مِنْ كَفِّ حَازِمٍ ... كَمَا يُوجِعُ الْحِرْمَانُ مِنْ كَفِّ رَازِقِ
أَتَاهُمْ بِهَا حَشْوَ الْعَجَاجَةِ وَالْقَنَا ... سَنَابِكُهَا تَحْشُو بُطُونَ الْحَمَالِقِ
عَوَابِسَ حَلَّى يَابِسُ الْمَاءِ حُزْمَهَا ... فَهُنَّ عَلَى أَوْسَاطِهَا كَالْمَنَاطِقِ
فَلَيْتَ أَبَا الْهَيْجَاءِ يَرَى خَلْفَ تَدْمُرٍ ... طِوَالَ الْعَوَالِي فِي طِوَالِ السَّمَالِقِ
وَسَوْقَ عَلِيٍّ مِنْ مَعَدٍّ وَغَيْرِهَا ... قَبَائِلَ لَا تُعْطِي الْقُفِيَّ لِسَائِقِ
قُشَيْرٌ وَبَلْعَجْلَانُ فِيهَا خَفِيَّةٌ ... كِرَاءَيْنِ فِي أَلْفَاظِ أَلْثَغَ نَاطِقِ
تُخَلِّيهِمُ النِّسْوَانُ غَيْرَ فَوَارِكٍ ... وَهُمْ خَلَّوُا النِّسْوَانَ غَيْرَ طَوَالِقِ
يُفَرِّقُ مَا بَيْنَ الْكُمَاةِ وَبَيْنَهَا ... بِطَعْنٍ يُسَلِّي حَرَّهُ كُلَّ عَاشِقِ
أَتَى الظُّعْنَ حَتَّى مَا تَطِيرُ رَشَاشَةٌ ... مِنَ الْخَيْلِ إِلَّا فِي نُحُورِ الْعَوَاتِقِ
بِكُلِّ فَلَاةٍ تُنْكِرُ الْإِنْسُ أَرْضَهَا ... ظَعَائِنُ حُمْرُ الْحَلْيِ حُمْرُ الْأَيَانِقِ
وَمَلْمُومَةٌ سَيْفِيَّةٌ رَبْعِيَّةٌ ... تَصِيحُ الْحَصَى فِيهَا صِيَاحَ اللَّقَالِقِ
بَعِيدَةُ أَطْرَافِ الْقَنَا مِنْ أُصُولِهِ ... قَرِيبَةُ بَيْنِ الْبِيضِ غُبْرِ الْيَلَامِقِ
نَهَاهَا وَأَغْنَاهَا عَنِ النَّهْبِ جُودُهُ ... فَمَا تَبْتَغِي إِلَّا حُمَاةَ الْحَقَائِقِ
تَوَهَّمَهَا الْأَعْرَابُ سَوْرَةَ مُتْرَفٍ ... تُذَكِّرُهُ الْبَيْدَاءُ ظِلَّ السُّرَادِقِ
فَذَكَّرَتْهُمْ بِالْمَاءِ سَاعَةَ غَبَّرَتْ ... سَمَاوَةَ كَلْبٍ فِي أُنُوفِ الْحَزَائِقِ
وَكَانُوا يَرُوعُونَ الْمُلُوكَ بِأَنْ بَدَوْا ... وَأَنْ نَبَتَتْ فِي الْمَاءِ نَبْتَ الْغَلَافِقِ
فَهَاجُوكَ أَهْدَى فِي الْفَلَا مِنْ نُجُومِهِ ... وَأَبْدَى بُيُوتًا مِنْ أَدَاحِي النَّقَانِقِ
وَأَصْبَرَ عَنْ أَمْوَاهِهِ مِنْ ضِبَابِهِ ... وَآلَفَ مِنْهَا مُقْلَةً لِلْوَدَائِقِ
وَكَانَ هَدِيرًا مِنْ فُحُولٍ تَرَكْتَهَا ... مُهَلَّبَةَ الْأَذْنَابِ خُرْسَ الشَّقَاشِقِ
فَمَا حَرَمُوا بِالرَّكْضِ خَيْلَكَ رَاحَةً ... وَلَكِنْ كَفَاهَا الْبَرُّ قَطْعَ الشَّوَاهِقِ
وَلَا شَغَلُوا صُمَّ الْقَنَا بِقُلُوبِهِمْ ... عَنِ الرَّكْزِ لَكِنْ عَنْ قُلُوبِ الدَّمَاسِقِ
أَلَمْ يَحْذَرُوا مَسْخَ الَّذِي يَمْسَخُ الْعِدَى ... وَيَجْعَلُ أَيْدِي الْأُسْدِ أَيْدِي الْخَرَانِقِ
وَقَدْ عَايَنُوهُ فِي سِوَاهُمْ وَرُبَّمَا ... أَرَى مَارِقًا فِي الْحَرْبِ مَصْرَعُ مَارِقِ
تَعَوَّدَ أَلَّا تَقْضِمَ الْحَبَّ خَيْلُهُ ... إِذَا الْهَامُ لَمْ تَرْفَعْ جُنُوبَ الْعَلَائِقِ
وَلَا تَرِدُ الْغُدْرَانَ إِلَّا وَمَاؤُهَا ... مِنَ الدَّمِ كَالرَّيْحَانِ تَحْتَ الشَّقَائِقِ
لِوَفْدِ نُمَيْرٍ كَانَ أَرْشَدَ مِنْهُمْ ... وَقَدْ طَرَدُوا الْأَظْعَانَ طَرْدَ الْوَسَائِقِ
أَعَدُّوا رِمَاحًا مِنْ خُضُوعٍ فَطَاعَنُوا ... بِهَا الْجَيْشَ حَتَّى رَدَّ غَرْبَ الْفَيَالِقِ
فَلَمْ أَرَ أَرْمَى مِنْهُ غَيْرَ مُخَاتِلٍ ... وَأَسْرَى إِلَى الْأَعْدَاءِ غَيْرَ مُسَارِقِ
تُصِيبُ الْمَجَانِيقُ الْعِظَامُ بِكَفِّهِ ... دَقَائِقَ قَدْ أَعْيَتْ قِسِيَّ الْبَنَادِقِ
***
طِوَالُ قَنًا تُطَاعِنُهَا قِصَارٌ ... وَقَطْرُكَ فِي نَدًى وَوَغًى بِحَارٌ
وَفِيكَ إِذَا جَنَى الْجَانِي أَنَاةٌ ... تُظَنُّ كَرَامَةً وَهِيَ احْتِقَارٌ
وَأَخْذٌ لِلْحَوَاضِرِ وَالْبَوَادِي ... بِضَبْطٍ لَمْ تُعَوِّدْهُ نِزَارُ
تَشَمَّمُهُ شَمِيمَ الْوَحْشِ إِنْسًا ... وَتُنْكِرُهُ فَيَعْرُوهَا نِفَارُ
وَمَا انْقَادَتْ لِغَيْرِكَ فِي زَمَانٍ ... فَتَدْرِي مَا الْمَقَادَةُ وَالصَّغَارُ
فَأَقْرَحَتِ الْمَقَاوِدُ ذِفْرَيَيْهَا ... وَصَعَّرَ خَدَّهَا هَذَا الْعِذَارُ
وَأَطْمَعَ عَامِرَ الْبُقْيَا عَلَيْهَا ... وَنَزَّقَهَا احْتِمَالُكَ وَالْوَقَارُ
وَغَيَّرَهَا التَّرَاسُلُ وَالتَّشَاكِي ... وَأَعْجَبَهَا التَّلَبُّبُ وَالْمُغَارُ
جِيَادٌ تَعْجِزُ الْأَرْسَانُ عَنْهَا ... وَفُرْسَانٌ تَضِيقُ بِهَا الدِّيَارُ
وَكَانَتْ بِالتَّوَقُّفِ عَنْ رَدَاهَا ... نُفُوسًا فِي رَدَاهَا تُسْتَشَارُ
وَكُنْتَ السَّيْفَ قَائِمَهُ إِلَيْهَا ... وَفِي الْأَعْدَاءِ حَدُّكَ وَالْغِرَارُ
فَأَمْسَتْ بِالْبَدِيَّةِ شَفْرَتَاهُ ... وَأَمْسَى خَلْفَ قَائِمِهِ الْحِيَارُ
وَكَانَ بَنُو كِلَابٍ حَيْثُ كَعْبٌ ... فَخَافُوا أَنْ يَصِيرُوا حَيْثُ صَارُوا
تَلَقَّوْا عِزَّ مَوْلَاهُمْ بِذُلٍّ ... وَسَارَ إِلَى بَنِي كَعْبٍ وَسَارُوا
فَأَقْبَلَهَا الْمُرُوجَ مُسَوَّمَاتٍ ... ضَوَامِرَ لَا هُزَالَ وَلَا شِيَارُ
تُثِيرُ عَلَى سَلَمِيَّةَ مُسْبَطِرًّا ... تَنَاكَرُ تَحْتَهُ لَوْلَا الشِّعَارُ
عَجَاجًا تَعْثُرُ الْعُقْبَانُ فِيهِ ... كَأَنَّ الْجَوَّ وَعْثٌ أَوْ خَبَارُ
وَظَلَّ الطَّعْنُ فِي الْخَيْلَيْنِ خَلْسًا ... كَأَنَّ الْمَوْتَ بَيْنَهُمَا اخْتِصَارُ
فَلَزَّهُمُ الطِّرَادُ إِلَى قِتَالٍ ... أَحَدُّ سِلَاحِهِمْ فِيهِ الْفِرَارُ
مَضَوْا مُتَسَابِقِي الْأَعْضَاءِ فِيهِ ... لِأَرْؤُسِهِمْ بِأَرْجُلِهِمْ عِثَارُ
يَشُلُّهُمْ بِكُلِّ أَقَبَّ نَهْدٍ ... لِفَارِسِهِ عَلَى الْخَيْلِ الْخِيَارُ
وَكُلِّ أَصَمَّ يَعْسِلُ جَانِبَاهُ ... عَلَى الْكَعْبَيْنِ مِنْهُ دَمٌ مُمَارُ
يُغَادِرُ كُلَّ مُلْتَفِتٍ إِلَيْهِ ... وَلَبَّتُهُ لِثَعْلَبِهِ وِجَارُ
إِذَا صَرَفَ النَّهَارُ الضَّوْءَ عَنْهُمْ ... دَجَا لَيْلَانِ: لَيْلٌ وَالْغُبَارُ
وَإِنْ جَنَحَ الظَّلَامُ انْجَابَ عَنْهُمْ ... أَضَاءَ الْمُشْرَفِيَّةُ وَالنَّهَارُ
"يُبَكِّي خَلْفَهُمْ دَثَرٌ، بُكَاهُ ... رُغَاءٌ أَوْ ثُؤَاجٌ أَوْ يُعَارُ"
غَطَا بِالْغَنْثَرِ الْبَيْدَاءَ حَتَّى ... تَخَيَّرَتِ الْمَتَالِي وَالْعِشَارُ
وَمَرُّوا بِالْجَبَاةِ يَضُمُّ فِيهَا ... كِلَا الْجَيْشَيْنِ مِنْ نَقْعٍ إِزَارُ
وَجَاءُوا الصَّحْصَحَانَ بِلَا سُرُوجٍ ... وَقَدْ سَقَطَ الْعِمَامَةُ وَالْخِمَارُ
وَأُرْهِقَتِ الْعَذَارَى مُرْدَفَاتٍ ... وَأُوطِئَتِ الْأُصَيْبِيَةُ الصِّغَارُ
وَقَدْ نُزِحَ الْعُوَيْرُ فَلَا عُوَيْرٌ ... وَنَهْيَا وَالْبُيَيِّضَةُ وَالْجِفَارُ
وَلَيْسَ بِغَيْرِ تَدْمُرَ مُسْتَغَاثٌ ... وَتَدْمُرُ كَاسْمِهَا لَهُمْ دَمَارُ
أَرَادُوا أَنْ يُدِيرُوا الرَّأْيَ فِيهَا ... فَصَبَّحَهُمْ بِرَأْيٍ لَا يُدَارُ
وَجَيْشٍ كُلَّمَا حَارُوا بِأَرْضٍ ... وَأَقْبَلَ أَقْبَلَتْ فِيهِ تَحَارُ
يَحُفُّ أَغَرَّ لَا قَوَدٌ عَلَيْهِ ... وَلَا دِيَةٌ تُسَاقُ وَلَا اعْتِذَارُ
تُرِيقُ سُيُوفُهُ مُهَجَ الْأَعَادِي ... وَكُلُّ دَمٍ أَرَاقَتْهُ جُبَارُ
فَكَانُوا الْأُسْدَ لَيْسَ لَهَا مِصَالٌ ... عَلَى طَيْرٍ وَلَيْسَ لَهَا مَطَارُ
إِذَا فَاتُوا الرِّمَاحَ تَنَاوَلَتْهُمْ ... بِأَرْمَاحٍ مِنَ الْعَطَشِ الْقِفَارُ
"يَرَوْنَ الْمَوْتَ قُدَّامًا وَخَلْفًا ... فَيَخْتَارُونَ، وَالْمَوْتُ اضْطِرَارُ"
إِذَا سَلَكَ السَّمَاوَةَ غَيْرُ هَادٍ ... فَقَتْلَاهُمْ لِعَيْنَيْهِ مَنَارُ
وَلَوْ لَمْ يُبْقِ لَمْ تَعِشِ الْبَقَايَا ... وَفِي الْمَاضِي لِمَنْ بَقِيَ اعْتِبَارُ
إِذَا لَمْ يَرْعَ سَيِّدُهُمْ عَلَيْهِمْ ... فَمَنْ يَرْعَى عَلَيْهِمْ أَوْ يَغَارُ
تُفَرِّقُهُمْ وَإِيَّاهُ السَّجَايَا ... وَيَجْمَعُهُمْ وَإِيَّاهُ النِّجَارُ
وَمَالَ بِهَا عَلَى أَرَكٍ وَعَرْضٍ ... وَأَهْلُ الرَّقَّتَيْنِ لَهَا مَزَارُ
وَأَجْفَلَ بِالْفُرَاتِ بَنُو نُمَيْرٍ ... وَزَأْرُهُمُ الَّذِي زَأَرُوا خُوَارُ
فَهُمْ حُزَقٌ عَلَى الْخَابُورِ صَرْعَى ... بِهِمْ مِنْ شُرْبِ غَيْرِهِمْ خُمَارُ
فَلَمْ يَسْرَحْ لَهُمْ بِالصُّبْحِ مَالٌ ... وَلَمْ تُوقَدْ لَهُمْ بِاللَّيْلِ نَارُ
حِذَارَ فَتًى إِذَا لَمْ يَرْضَ عَنْهُمْ ... فَلَيْسَ بِنَافِعٍ لَهُمُ الْحِذَارُ
تَبِيتُ وُفُودُهُمْ تَسْرِي إِلَيْهِ ... وَجَدْوَاهُ الَّذِي سَأَلُوا اغْتِفَارُ
فَخَلَّفَهُمْ بِرَدِّ الْبِيضِ عَنْهُمْ ... وَهَامُهُمْ لَهُ مَعَهُمْ مُعَارُ
هُمُ مِمَّنْ أَذَمَّ لَهُمْ عَلَيْهِ ... كَرِيمُ الْعِرْقِ وَالْحَسَبِ النُّضَارُ
وَأَضْحَى بِالْعَوَاصِمِ مُسْتَقِرًّا ... وَلَيْسَ لِبَحْرِ نَائِلِهِ قَرَارُ
وَأَضْحَى ذِكْرُهُ فِي كُلِّ أَرْضٍ ... تُدَارُ عَلَى الْغِنَاءِ بِهِ الْعُقَارُ
تَخِرُّ لَهُ الْقَبَائِلُ سَاجِدَاتٍ ... وَتَحْمَدُهُ الْأَسِنَّةُ وَالشِّفَارُ
كَأَنَّ شُعَاعَ عَيْنِ الشَّمْسِ فِيهِ ... فَفِي أَبْصَارِنَا عَنْهُ انْكِسَارُ
فَمَنْ طَلَبَ الطِّعَانَ فَذَا عَلِيٌّ ... وَخَيْلُ اللَّهِ وَالْأَسَلُ الْحِرَارُ
يَرَاهُ النَّاسُ حَيْثُ رَأَتْهُ كَعْبٌ ... بِأَرْضٍ مَا لِنَازِلِهَا اسْتِتَارُ
يُوَسِّطُهُ الْمَفَاوِزَ كُلَّ يَوْمٍ ... طِلَابُ الطَّالِبِينَ لَا الانْتِظَارُ
تَصَاهَلُ خَيْلُهُ مُتَجَاوِبَاتٍ ... وَمَا مِنْ عَادَةِ الْخَيْلِ السِّرَارُ
بَنُو كَعْبٍ وَمَا أَثَّرْتَ فِيهِمْ ... يَدٌ لَمْ يُدْمِهَا إِلَّا السِّوَارُ
بِهَا مِنْ قَطْعِهِ أَلَمٌ وَنَقْصٌ ... وَفِيهَا مِنْ جَلَالَتِهِ افْتِخَارُ
لَهُمْ حَقٌّ بِشِرْكِكَ فِي نِزَارٍ ... وَأَدْنَى الشِّرْكِ فِي أَصْلٍ جِوَارُ
لَعَلَّ بَنِيهِمْ لِبَنِيكَ جُنْدٌ ... فَأَوَّلُ قُرَّحِ الْخَيْلِ الْمِهَارُ
وَأَنْتَ أَبَرُّ مَنْ لَوْ عَقَّ أَفْنَى ... وَأَعْفَى مَنْ عُقُوبَتُهُ الْبَوَارُ
وَأَقْدَرُ مَنْ يُهَيِّجُهُ انْتِصَارٌ ... وَأَحْلَمُ مَنْ يُحَلِّمُهُ اقْتِدَارُ
وَمَا فِي سَطْوَةِ الْأَرْبَابِ عَيْبٌ ... وَلَا فِي ذِلَّةِ الْعَبْدَانِ عَارُ
***
أَيَا رَامِيًا يُصْمِي فُؤَادَ مَرَامِهِ ... تُرَبِّي عِدَاهُ رِيشَهَا لِسِهَامِهِ
"أَسِيرُ إِلَى إِقْطَاعِهِ، فِي ثِيَابِهِ ... عَلَى طَرَفِهِ، مِنْ دَارِهِ بِحُسَامِهِ"
وَمَا مَطَرَتْنِيهِ مِنَ الْبِيضِ وَالْقَنَا ... وَرُومِ الْعِبِدَّى هَاطِلَاتُ غَمَامِهِ
فَتًى يَهَبُ الْإِقْلِيمَ بِالْمَالِ وَالْقُرَى ... وَمَا فِيهِ مِنْ فُرْسَانِهِ وَكِرَامِهِ
وَيَجْعَلُ مَا خُوِّلْتُهُ مِنْ نَوَالِهِ ... جَزَاءً لِمَا خَوَّلْتُهُ مِنْ كَلَامِهِ
فَلَا زَالَتِ الشَّمْسُ الَّتِي فِي سَمَائِهِ ... مُطَالِعَةَ الشَّمْسِ الَّتِي فِي لِثَامِهِ
وَلَا زَالَ تَجْتَازُ الْبُدُورُ بِوَجْهِهِ ... تَعَجَّبُ مِنْ نُقْصَانِهَا وَتَمَامِهِ
***
إِنْ يَكُنْ صَبْرُ ذِي الرَّزِيَّةِ فَضْلًا ... تَكُنِ الْأَفْضَلَ الْأَعَزَّ الْأَجَلَّا
أَنْتَ يَا فَوْقَ أَنْ تُعَزَّى عَنِ الْأَحْ ... بَابِ فَوْقَ الَّذِي يُعَزِّيكَ عَقْلًا
وَبِأَلْفَاظِكَ اهْتَدَى فَإِذَا عَزْ ... زَاكَ قَالَ الَّذِي لَهُ قُلْتَ قَبْلًا
قَدْ بَلَوْتَ الْخُطُوبَ مُرًّا وَحُلْوًا ... وَسَلَكْتَ الْأَيَّامَ حَزْنًا وَسَهْلًا
وَقَتَلْتَ الزَّمَانَ عِلْمًا فَمَا يُغْ ... رِبُ قَوْلًا وَلَا يُجَدِّدُ فِعْلًا
أَجِدُ الْحُزْنَ فِيكَ حِفْظًا وَعَقْلًا ... وَأَرَاهُ فِي الْخَلْقِ ذُعْرًا وَجَهْلًا
لَكَ إِلْفٌ يَجُرُّهُ وَإِذَا مَا ... كَرُمَ الْأَصْلُ كَانَ لِلْإِلْفِ أَصْلًا
وَوَفَاءٌ نَبَتَّ فِيهِ وَلَكِنْ ... لَمْ يَزَلْ لِلْوَفَاءِ أَهْلُكَ أَهْلًا
إِنَّ خَيْرَ الدُّمُوعِ عَيْنًا لَدَمْعٌ ... بَعَثَتْهُ رِعَايَةٌ فَاسْتَهَلَّا
أَيْنَ ذِي الرِّقَّةُ الَّتِي لَكَ فِي الْحَرْ ... بِ إِذَا اسْتَكْرَهَ الْحَدِيدُ وَصَلَّا
أَيْنَ خَلَّفْتَهَا غَدَاةَ لَقِيتَ الْ ... رُومَ وَالْهَامُ بِالصَّوَارِمِ تُفْلَى
قَاسَمَتْكَ الْمَنُونُ شَخْصَيْنِ جَوْرًا ... جَعَلَ الْقَسْمُ نَفْسَهُ فِيهِ عَدْلًا
فَإِذَا قِسْتَ مَا أَخَذْنَ بِمَا أَغْ ... دَرْنَ سَرَّى عَنِ الْفُؤَادِ وَسَلَّى
وَتَيَقَّنْتَ أَنَّ حَظَّكَ أَوْفَى ... وَتَبَيَّنْتَ أَنَّ جَدَّكَ أَعْلَى
وَكَمِ انْتَشْتَ بِالسُّيُوفِ مِنَ الدَّهْ ... رِ أَسِيرًا وَبِالنَّوَالِ مُقِلًّا
عُدَّهَا نُصْرَةً عَلَيْهِ فَلَمَّا ... صَالَ خَتْلًا رَآهُ أَدْرَكَ تَبْلًا
كَذَّبَتْهُ ظُنُونُهُ؛ أَنْتَ تُبْلِي ... هِ وَتَبْقَى فِي نِعْمَةٍ لَيْسَ تَبْلَى
وَلَقَدْ رَامَكَ الْعُدَاةُ كَمَا رَا ... مَ فَلَمْ يَجْرَحُوا لِشَخْصِكَ ظِلًّا
وَلَقَدْ رُمْتَ بِالسَّعَادَةِ بَعْضًا ... مِنْ نُفُوسِ الْعِدَا فَأَدْرَكْتَ كُلًّا
قَارَعَتْ رُمْحَكَ الرِّمَاحُ وَلَكِنْ ... تَرَكَ الرَّامِحِينَ رُمْحُكَ عُزْلًا
وَلَكَشَّفْتَ ذَا الْحَنِينِ بِضَرْبٍ ... طَالَمَا كَشَّفَ الْكُرُوبَ وَجَلَّى
خُطْبَةٌ لِلْحَمَامِ لَيْسَ لَهَا رَدْ ... دٌ وَإِنْ كَانَتِ الْمُسَمَّاةُ ثُكْلَا
وَإِذَا لَمْ تَجِدْ مِنَ النَّاسِ كُفْئًا ... ذَاتُ خِدْرٍ أَرَادَتِ الْمَوْتَ بَعْلَا
وَلَذِيذُ الْحَيَاةِ أَنْفَسُ فِي النَّفْ ... سِ وَأَشْهَى مِنْ أَنْ يُمَلَّ وَأَحْلَى
وَإِذَا الشَّيْخُ قَالَ: أُفٍّ فَمَا مَلْ ... لَ حَيَاةً وَإِنَّمَا الضَّعْفُ مَلَّا
آلَةُ الْعَيْشِ صِحَّةٌ وَشَبَابٌ ... فَإِذَا وَلَّيَا عَنِ الْمَرْءِ وَلَّى
أَبَدًا تَسْتَرِدُّ مَا تَهَبُ الدُّنْ ... يَا فَيَا لَيْتَ جُودَهَا كَانَ بُخْلَا
فَكَفَتْ كَوْنَ فَرْحَةٍ تُورِثُ الْغَمْ ... مَ وَخِلٍّ يُغَادِرُ الْوَجْدَ خِلَّا
وَهِيَ مَعْشُوقَةٌ عَلَى الْغَدْرِ وَلَا تَحْ ... فَظُ عَهْدًا وَلَا تُتَمِّمُ وَصْلَا
«كُلُّ دَمْعٍ يَسِيلُ مِنْهَا، عَلَيْهَا ... وَبِفَكِّ الْيَدَيْنِ عَنْهَا تُخَلَّى»
شِيَمُ الْغَانِيَاتِ فِيهَا فَلَا أَدْ ... رِي لِذَا أَنَّثَ اسْمَهَا النَّاسُ أَمْ لَا
يَا مَلِيكَ الْوَرَى الْمُفَرِّقَ مَحْيَا ... وَمَمَاتًا فِيهِمْ وَعِزًّا وَذُلَّا
قَلَّدَ اللَّهُ دَوْلَةً سَيْفُهَا أَنْ ... تَ حُسَامًا بِالْمَكْرُمَاتِ مُحَلَّى
فَبِهِ أَغْنَتِ الْمَوَالِيَ بَذْلًا ... وَبِهِ أَفْنَتِ الْأَعَادِيَ قَتْلًا
وَإِذَا اهْتَزَّ لِلنَّدَى كَانَ بَحْرًا ... وَإِذَا اهْتَزَّ لِلْوَغَى كَانَ نَصْلًا
وَإِذَا الْأَرْضُ أَظْلَمَتْ كَانَ شَمْسًا ... وَإِذَا الْأَرْضُ أَمْحَلَتْ كَانَ وَبْلًا
وَهُوَ الضَّارِبُ الْكَتِيبَةَ وَالطَّعْ ... نَةُ تَغْلُو وَالضَّرْبُ أَعْلَى وَأَغْلَى
أَيُّهَا الْبَاهِرُ الْعُقُولَ فَمَا يُدْ ... رَكُ وَصْفًا أَتْعَبْتَ فِكْرِي فَمَهْلًا
مَنْ تَعَاطَى تَشَبُّهًا بِكَ أَعْيَا ... هُ وَمَنْ دَلَّ فِي طَرِيقِكَ ضَلَّا
فَإِذَا مَا اشْتَهَى خُلُودَكَ دَاعٍ ... قَالَ: لَا زِلْتَ أَوْ تَرَى لَكَ مِثْلًا
***
ذِي الْمَعَالِي فَلْيَعْلُوَنْ مَنْ تَعَالَى ... هَكَذَا هَكَذَا، وَإِلَّا فَلَا، لَا
شَرَفٌ يَنْطَحُ النُّجُومَ بِرَوْقَيْ ... هِ وَعِزٌّ يُقَلْقِلُ الْأَجْبَالَا
حَالُ أَعْدَائِنَا عَظِيمٌ وَسَيْفُ الدَّ ... وْلَةِ ابْنُ السُّيُوفِ أَعْظَمُ حَالَا
كُلَّمَا أَعْجَلُوا النَّذِيرَ مَسِيرًا ... أَعْجَلَتْهُمْ جِيَادُهُ الْإِعْجَالَا
فَأَتَتْهُمْ خَوَارِقُ الْأَرْضِ مَا تَحْ ... مِلُ إِلَّا الْحَدِيدَ وَالْأَبْطَالَا
خَافِيَاتُ الْأَلْوَانِ قَدْ نَسَجَ النَّقْ ... عُ عَلَيْهَا بَرَاقِعًا وَجِلَالَا
حَالَفَتْهُ صُدُورُهَا وَالْعَوَالِي ... لَيَخُوضَنَّ دُونَهُ الْأَهْوَالَا
وَلَتَمْضِنَّ حَيْثُ لَا يَجِدُ الرُّمْ ... حُ مَدَارًا وَلَا الْحِصَانُ مَجَالَا
لَا أَلُومُ ابْنَ لَاوَنٍ مَلِكَ الرُّو ... مِ وَإِنْ كَانَ مَا تَمَنَّى مُحَالَا
أَقْلَقَتْهُ بَنِيَّةٌ بَيْنَ أُذْنَيْ ... هِ وَبَانٍ بَغَى السَّمَاءَ فَنَالَا
يَجْمَعُ الرُّومَ وَالصَّقَالِبَ وَالْبُلْ ... غَرَ فِيهَا وَتَجْمَعُ الْآجَالَا
وَتُوَافِيهِمُ بِهَا فِي الْقَنَا السُّمْ ... رِ كَمَا وَافَتِ الْعِطَاشَ الصِّلَالَا
قَصَدُوا هَدْمَ سُورِهَا فَبَنَوْهُ ... وَأَتَوْا كَيْ يُقَصِّرُوهُ فَطَالَا
وَاسْتَجَرُّوا مَكَايِدَ الْحَرْبِ حَتَّى ... تَرَكُوهَا لَهَا عَلَيْهِمْ وَبَالَا
رُبَّ أَمْرٍ أَتَاكَ لَا تَحْمَدُ الْفَعْ ... عَالَ فِيهِ وَتَحْمَدُ الْأَفْعَالَ
وَقِسِيٍّ رُمِيتَ عَنْهَا فَرَدَّتْ ... فِي قُلُوبِ الرُّمَاةِ عَنْكَ النِّصَالَا
أَخَذُوا الطُّرُقَ يَقْطَعُونَ بِهَا الرُّسْ ... لَ فَكَانَ انْقِطَاعُهَا إِرْسَالَا
وَهُمُ الْبَحْرُ ذُو الْغَوَارِبِ إِلَّا ... أَنَّهُ صَارَ عِنْدَ بَحْرِكَ آلَا
مَا مَضَوْا لَمْ يُقَاتِلُوكَ وَلَكِنْ ... نَ الْقِتَالَ الَّذِي كَفَاكَ الْقِتَالَا
وَالَّذِي قَطَّعَ الرِّقَابَ مِنَ الضَّرْ ... بِ بِكَفَّيْكَ قَطَّعَ الْآمَالَا
وَالثَّبَاتُ الَّذِي أَجَادُوا قَدِيمًا ... عَلَّمَ الثَّابِتِينَ ذَا الْإِجْفَالَا
نَزَلُوا فِي مَصَارِعٍ عَرَفُوهَا ... يَنْدُبُونَ الْأَعْمَامَ وَالْأَخْوَالَا
تَحْمِلُ الرِّيحُ بَيْنَهُمْ شَعْرَ الْهَا ... مِ وَتَذْرِي عَلَيْهِمُ الْأَوْصَالَا
تُنْذِرُ الْجِسْمَ أَنْ يُقِيمَ لَدَيْهَا ... وَتُرِيهِ لِكُلِّ عُضْوٍ مِثَالَا
أَبْصَرُوا الطَّعْنَ فِي الْقُلُوبِ دِرَاكًا ... قَبْلَ أَنْ يُبْصِرُوا الرِّمَاحَ خَيَالَا
وَإِذَا حَاوَلَتْ طِعَانَكَ خَيْلٌ ... أَبْصَرَتْ أَذْرُعَ الْقَنَا أَمْيَالَا
بَسَطَ الرُّعْبُ فِي الْيَمِينِ يَمِينًا ... فَتَوَلَّوْا وَفِي الشِّمَالِ شِمَالَا
يَنْفُضُ الرَّوْعُ أَيْدِيًا لَيْسَ تَدْرِي ... أَسُيُوفًا حَمَلْنَ أَمْ أَغْلَالَا
وَوُجُوهًا أَخَافَهَا مِنْكَ وَجْهٌ ... تَرَكَتْ حُسْنَهَا لَهُ وَالْجَمَالَا
"وَالْعِيَانُ الْجَلِيُّ يُحْدِثُ لِلظَّنِّ ... زَوَالًا، وَلِلْمُرَادِ انْتِقَالَا"
وَإِذَا مَا خَلَا الْجَبَانُ بِأَرْضٍ ... طَلَبَ الطَّعْنَ وَحْدَهُ وَالنِّزَالَا
أَقْسَمُوا لَا رَأَوْكَ إِلَّا بِقَلْبٍ ... طَالَمَا غَرَّتِ الْعُيُونُ الرِّجَالَا
أَيُّ عَيْنٍ تَأَمَّلَتْكَ فَلَاقَتْكَ ... وَطَرْفٍ رَنَا إِلَيْكَ فَآلَا
مَا يَشُكُّ اللَّعِينُ فِي أَخْذِكَ الْجَيْ ... شَ فَهَلْ يَبْعَثُ الْجُيُوشَ نَوَالَا
مَا لِمَنْ يَنْصِبُ الْحَبَائِلَ فِي الْأَرْ ... ضِ وَمَرْجَاةُ أَنْ يَصِيدَ الْهِلَالَا
إِنَّ دُونَ الَّتِي عَلَى الدَّرْبِ وَالْأَحْ ... دَبِ وَالنَّهْرِ مُخْلِطًا مِزْيَالَا
غَصَبَ الدَّهْرَ وَالْمُلُوكَ عَلَيْهَا ... فَبَنَاهَا فِي وَجْنَةِ الدَّهْرِ خَالَا
وَحَمَاهَا بِكُلِّ مُطَّرِدِ الْأَكْ ... عُبِ جَوْرَ الزَّمَانِ وَالْأَوْجَالَا
فَهِيَ تَمْشِي مَشْيَ الْعَرُوسِ اخْتِيَالَا ... وَتَثَنَّى عَلَى الزَّمَانِ دَلَالَا
فِي خَمِيسٍ مِنَ الْأُسُودِ بَئِيسٍ ... يَفْتَرِسْنَ النُّفُوسَ وَالْأَمْوَالَا
وَظُبًى تَعْرِفُ الْحَرَامَ مِنَ الْحِلِّ ... فَقَدْ أَفْنَتِ الدِّمَاءَ حَلَالَا
إِنَّمَا أَنْفُسُ الْأَنِيسِ سِبَاعٌ ... يَتَفَارَسْنَ جَهْرَةً وَاغْتِيَالًا
مَنْ أَطَاقَ الْتِمَاسَ شَيْءٍ غِلَابًا ... وَاغْتِصَابًا لَمْ يَلْتَمِسْهُ سُؤَالًا
كُلُّ غَادٍ لِحَاجَةٍ يَتَمَنَّى ... أَنْ يَكُونَ الْغَضَنْفَرَ الرِّئْبَالَا
***
رَأَيْتُكَ تُوسِعُ الشُّعَرَاءَ نَيْلًا ... حَدِيثَهُمُ الْمُوَلَّدَ وَالْقَدِيمَا
فَتُعْطِي مَنْ بَقَى مَالًا جَسِيمًا ... وَتُعْطِي مَنْ مَضَى شَرَفًا عَظِيمًا
سَمِعْتُكَ مُنْشِدًا بَيْتِي زِيَادٍ ... نَشِيدًا مِثْلَ مُنْشِدِهِ كَرِيمًا
فَمَا أَنْكَرْتُ مَوْضِعَهُ وَلَكِنْ ... غَبَطْتُ بِذَاكَ أَعْظُمَهُ الرَّمِيمَا
***
ذِكَرُ الصِّبَا وَمَرَابِعِ الْآرَامِ ... جَلَبَتْ حِمَامِي قَبْلَ وَقْتِ حِمَامِي
دِمَنٌ تَكَاثَرَتِ الْهُمُومُ عَلَيَّ فِي ... عَرَصَاتِهَا كَتَكَاثُرِ اللُّوَّامِ
وَكَأَنَّ كُلَّ سَحَابَةٍ وَقَفَتْ بِهَا ... تَبْكِي بِعَيْنَيْ عُرْوَةَ بْنِ حِزَامِ
"وَلَطَالَمَا أَفْنَيْتُ رِيقَ كِعَابِهَا ... فِيهَا، وَأَفْنَتْ بِالْعِتَابِ كَلَامِي"
قَدْ كُنْتُ تَهْزَأُ بِالْفِرَاقِ مَجَانَةً ... وَتَجُرُّ ذَيْلَيْ شِرَّةٍ وَعُرَامِ
لَيْسَ الْقِبَابُ عَلَى الرِّكَابِ وَإِنَّمَا ... هُنَّ الْحَيَاةُ تَرَحَّلَتْ بِسَلَامِ
لَيْتَ الَّذِي خَلَقَ النَّوَى جَعَلَ الْحَصَى ... لِخِفَافِهِنَّ مَفَاصِلِي وَعِظَامِي
مُتَلَاحِظَيْنِ نَسُحُّ مَاءَ شُئُونِنَا ... حَذَرًا مِنَ الرُّقَبَاءِ فِي الْأَكْمَامِ
أَرْوَاحُنَا انْهَمَلَتْ وَعِشْنَا بَعْدَهَا ... مِنْ بَعْدِ مَا قَطَرَتْ عَلَى الْأَقْدَامِ
لَوْ كُنَّ يَوْمَ جَرَيْنَ كُنَّ كَصَبْرِنَا ... عِنْدَ الرَّحِيلِ لَكُنَّ غَيْرَ سِجَامِ
لَمْ يَتْرُكُوا لِي صَاحِبًا إِلَّا الْأَسَى ... وَذَمِيلَ ذِعْلِبَةٍ كَفَحْلِ نَعَامِ
"وَتَعَذُّرُ الْأَحْرَارِ صَيَّرَ ظَهْرَهَا ... إِلَّا إِلَيْكَ، عَلَيَّ فَرْجُ حَرَامِ"
أَنْتَ الْغَرِيبَةُ فِي زَمَانٍ أَهْلُهُ ... وُلِدَتْ مَكَارِمُهُمْ بِغَيْرِ تَمَامِ
أَكْثَرْتَ مِنْ بَذْلِ النَّوَالِ وَلَمْ تَزَلْ ... عَلَمًا عَلَى الْإِفْضَالِ وَالْإِنْعَامِ
صَغَّرْتَ كُلَّ كَبِيرَةٍ وَكَبُرْتَ عَنْ ... لَكَأَنَّهُ وَعَدَدْتَ سِنَّ غُلَامِ
وَرَفَلْتَ فِي حُلَلِ الثَّنَاءِ وَإِنَّمَا ... عَدَمُ الثَّنَاءِ نِهَايَةُ الْإِعْدَامِ
عَيْبٌ عَلَيْكَ تُرَى بِسَيْفٍ فِي الْوَغَى ... مَا يَصْنَعُ الصَّمْصَامُ بِالصَّمْصَامِ
إِنْ كَانَ مِثْلُكَ كَانَ أَوْ هُوَ كَائِنٌ ... فَبَرِئْتُ حِينَئِذٍ مِنَ الْإِسْلَامِ
مَلِكٌ زَهَتْ بِمَكَانِهِ أَيَّامُهُ ... حَتَّى افْتَخَرْنَ بِهِ عَلَى الْأَيَّامِ
وَتَخَالُهُ سَلَبَ الْوَرَى مِنْ حِلْمِهِ ... أَحْلَامَهُمْ فَهُمْ بِلَا أَحْلَامِ
وَإِذَا امْتَحَنْتَ تَكَشَّفَتْ عَزَمَاتُهُ ... عَنْ أَوْحَدِيِّ النَّقْضِ وَالْإِبْرَامِ
وَإِذَا سَأَلْتَ بَنَانَهُ عَنْ نَيْلِهِ ... لَمْ يَرْضَ بِالدُّنْيَا قَضَاءَ ذِمَامِ
مَهْلًا أَلَا لِلَّهِ مَا صَنَعَ الْقَنَا ... فِي عَمْرِو حَابٍ وَضَبَّةَ الْأَغْتَامِ
لَمَّا تَحَكَّمَتِ الْأَسِنَّةُ فِيهِمُ ... جَارَتْ وَهُنَّ يَجُرْنَ فِي الْأَحْكَامِ
فَتَرَكْتَهُمْ خَلَلَ الْبُيُوتِ كَأَنَّمَا ... غَضِبَتْ رُءُوسُهُمْ عَلَى الْأَجْسَامِ
أَحْجَارُ نَاسٍ فَوْقَ أَرْضٍ مِنْ دَمٍ ... وَنُجُومُ بِيضٍ فِي سَمَاءِ قَتَامِ
وَذِرَاعُ كُلِّ أَبِي فُلَانٍ كُنْيَةً ... حَالَتْ فَصَاحِبُهَا أَبُو الْأَيْتَامِ
عَهْدِي بِمَعْرَكَةِ الْأَمِيرِ وَخَيْلِهِ ... فِي النَّقْعِ مُحْجِمَةً عَنِ الْإِحْجَامِ
صَلَّى الْإِلَهُ عَلَيْكَ غَيْرَ مُوَدَّعٍ ... وَسَقَى ثَرَى أَبَوَيْكَ صَوْبُ غَمَامِ
وَكَسَاكَ ثَوْبَ مَهَابَةٍ مِنْ عِنْدِهِ ... وَأَرَاكَ وَجْهَ شَقِيقِكَ الْقَمْقَامِ
فَلَقَدْ رَمَى بَلَدَ الْعَدُوِّ بِنَفْسِهِ ... فِي رَوْقِ أَرْعَنَ كَالْغِطَمِّ لُهَامِ
قَوْمٌ تَفَرَّسَتِ الْمَنَايَا فِيكُمُ ... فَرَأَتْ لَكُمْ فِي الْحَرْبِ صَبْرَ كِرَامِ
تَاللَّهِ مَا عَلِمَ امْرُؤٌ لَوْلَاكُمُ ... كَيْفَ السَّخَاءُ وَكَيْفَ ضَرْبُ الْهَامِ
***
الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ ... هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ الْمَحَلُّ الثَّانِي
فَإِذَا هُمَا اجْتَمَعَا لِنَفْسٍ مَرَّةٍ ... بَلَغَتْ مِنَ الْعَلْيَاءِ كُلَّ مَكَانِ
وَلَرُبَّمَا طَعَنَ الْفَتَى أَقْرَانَهُ ... بِالرَّأْيِ قَبْلَ تَطَاعُنِ الْأَقْرَانِ
لَوْلَا الْعُقُولُ لَكَانَ أَدْنَى ضَيْغَمٍ ... أَدْنَى إِلَى شَرَفٍ مِنَ الْإِنْسَانِ
وَلَمَا تَفَاضَلَتِ النُّفُوسُ وَدَبَّرَتْ ... أَيْدِي الْكُمَاةِ عَوَالِيَ الْمَرَّانِ
لَوْلَا سَمِيُّ سُيُوفِهِ وَمَضَاؤُهُ ... لَمَّا سُلِلْنَ لَكُنَّ كَالْأَجْفَانِ
خَاضَ الْحِمَامَ بِهِنَّ حَتَّى مَا دَرَى ... أَمِنِ احْتِقَارٍ ذَاكَ أَمْ نِسْيَانِ
وَجَرَى فَقَصَّرَ عَنْ مَدَاهُ فِي الْعُلَا ... أَهْلُ الزَّمَانِ وَأَهْلُ كُلِّ زَمَانِ
«تَخِذُوا الْمَجَالِسَ فِي الْبُيُوتِ، وَعِنْدَهُ ... أَنَّ السُّرُوجَ مَجَالِسُ الْفِتْيَانِ»
وَتَوَهَّمُوا اللَّعِبَ الْوَغَى الْهَيْجَاءِ ... غَيْرَ الطَّعْنِ فِي الْمَيْدَانِ
قَادَ الْجِيَادَ إِلَى الطِّعَانِ وَلَمْ يَقُدْ ... إِلَّا إِلَى الْعَادَاتِ وَالْأَوْطَانِ
كُلُّ ابْنِ سَابِقَةٍ يُغِيرُ بِحُسْنِهِ ... فِي قَلْبِ صَاحِبِهِ عَلَى الْأَحْزَانِ
إِنْ خُلِّيَتْ رُبِطَتْ بِآدَابِ الْوَغَى ... فَدُعَاؤُهَا يُغْنِي عَنِ الْأَرْسَانِ
فِي جَحْفَلٍ سَتَرَ الْعُيُونَ غُبَارُهُ ... فَكَأَنَّمَا يُبْصِرْنَ بِالْآذَانِ
يُرْمَى بِهَا الْبَلَدُ الْبَعِيدُ مُظَفَّرٌ ... كُلُّ الْبَعِيدِ لَهُ قَرِيبٌ دَانِي
فَكَأَنَّ أَرْجُلَهَا بِتُرْبَةِ مَنْبِجٍ ... يَطْرَحْنَ أَيْدِيَهَا بِحِصْنِ الرَّانِ
حَتَّى عَبَرْنَ بِأَرْسَنَاسَ سَوَابِحًا ... يَنْشُرْنَ فِيهِ عَمَائِمَ الْفُرْسَانِ
يَقْمُصْنَ فِي مِثْلِ الْمَدَى مِنْ بَارِدٍ ... يَذَرُ الْفُحُولَ وَهُنَّ كَالْخِصْيَانِ
وَالْمَاءُ بَيْنَ عَجَاجَتَيْنِ مُخَلِّصٌ ... تَتَفَرَّقَانِ بِهِ وَتَلْتَقِيَانِ
رَكَضَ الْأَمِيرُ وَكَاللُّجَيْنِ حَبَابُهُ ... وَثَنَى الْأَعِنَّةَ وَهُوَ كَالْعِقْيَانِ
فَتَلَ الْحِبَالَ مِنَ الْغَدَائِرِ فَوْقَهُ ... وَبَنَى السَّفِينَ لَهُ مِنَ الصُّلْبَانِ
وَحَشَاهُ عَادِيَةً بِغَيْرِ قَوَائِمٍ ... عُقْمَ الْبُطُونِ حَوَالِكَ الْأَلْوَانِ
تَأْتِي بِمَا سَبَتِ الْخُيُولُ كَأَنَّهَا ... تَحْتَ الْحِسَانِ مَرَابِضُ الْغِزْلَانِ
بَحْرٌ تَعَوَّدَ أَنْ يُذِمَّ لِأَهْلِهِ ... مِنْ دَهْرِهِ وَطَوَارِقِ الْحَدَثَانِ
فَتَرَكْتَهُ وَإِذَا أَذَمَّ مِنَ الْوَرَى ... رَاعَاكَ وَاسْتَثْنَى بَنِي حَمْدَانَ
الْمُخْفِرِينَ بِكُلِّ أَبْيَضَ صَارِمٍ ... ذِمَمَ الدُّرُوعِ عَلَى ذَوِي التِّيجَانِ
مُتَصَعْلِكِينَ عَلَى كَثَافَةِ مُلْكِهِمْ ... مُتَوَاضِعِينَ عَلَى عَظِيمِ الشَّانِ
يَتَقَيَّلُونَ ظِلَالَ كُلِّ مُطَهَّمٍ ... أَجَلِ الظَّلِيمِ وَرِبْقَةِ السَّرْحَانِ
خَضَعَتْ لِمُنْصُلِكَ الْمَنَاصِلُ عَنْوَةً ... وَأَذَلَّ دِينُكَ سَائِرَ الْأَدْيَانِ
وَعَلَى الدُّرُوبِ وَفِي الرُّجُوعِ غَضَاضَةٌ ... وَالسَّيْرُ مُمْتَنِعٌ مِنَ الْإِمْكَانِ
وَالطُّرْقُ ضَيِّقَةُ الْمَسَالِكِ بِالْقَنَا ... وَالْكُفْرُ مُجْتَمِعٌ عَلَى الْإِيمَانِ
نَظَرُوا إِلَى زُبَرِ الْحَدِيدِ كَأَنَّمَا ... يَصْعَدْنَ بَيْنَ مَنَاكِبِ الْعِقْبَانِ
وَفَوَارِسٍ يُحْيِي الْحِمَامُ نُفُوسَهَا ... فَكَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْحَيَوَانِ
مَا زِلْتَ تَضْرِبُهُمْ دِرَاكًا فِي الذُّرَى ... ضَرْبًا كَأَنَّ السَّيْفَ فِيهِ اثْنَانِ
خَصَّ الْجَمَاجِمَ وَالْوُجُوهَ كَأَنَّمَا ... جَاءَتْ إِلَيْكَ جُسُومُهُمْ بِأَمَانِ
فَرَمَوْا بِمَا يَرْمُونَ عَنْهُ وَأَدْبَرُوا ... يَطَئُونَ كُلَّ حَنِيَّةٍ مِرْنَانِ
يَغْشَاهُمْ مَطَرُ السَّحَابِ مُفَصَّلًا ... بِمُهَنَّدٍ وَمُثَقَّفٍ وَسِنَانِ
حُرِمُوا الَّذِي أَمِلُوا وَأَدْرَكَ مِنْهُمُ ... آمَالَهُ مَنْ عَادَ بِالْحِرْمَانِ
وَإِذَا الرِّمَاحُ شَغَلْنَ مُهْجَةَ ثَائِرٍ ... شَغَلَتْهُ مُهْجَتُهُ عَنِ الْإِخْوَانِ
هَيْهَاتَ عَاقَ عَنِ الْعِوَادِ قَوَاضِبٌ ... كَثُرَ الْقَتِيلُ بِهَا وَقَلَّ الْعَانِي
وَمُهَذَّبٌ أَمَرَ الْمَنَايَا فِيهِمُ ... فَأَطَعْنَهُ فِي طَاعَةِ الرَّحْمَنِ
قَدْ سَوَّدَتْ شَجَرَ الْجِبَالِ شُعُورُهُمْ ... فَكَأَنَّ فِيهِ مُسِفَّةَ الْغِرْبَانِ
وَجَرَى عَلَى الْوَرَقِ النَّجِيعُ الْقَانِي ... فَكَأَنَّهُ النَّارَنْجُ فِي الْأَغْصَانِ
إِنَّ السُّيُوفَ مَعَ الَّذِينَ قُلُوبُهُمْ ... كَقُلُوبِهِنَّ إِذَا الْتَقَى الْجَمْعَانِ
تَلْقَى الْحُسَامَ عَلَى جَرَاءَةِ حَدِّهِ ... مِثْلَ الْجَبَانِ بِكَفِّ كُلِّ جَبَانِ
رَفَعَتْ بِكَ الْعَرَبُ الْعِمَادَ وَصَيَّرَتْ ... قِمَمَ الْمُلُوكِ مَوَاقِدَ النِّيرَانِ
أَنْسَابُ فَخْرِهِمْ إِلَيْكَ وَإِنَّمَا ... أَنْسَابُ أَصْلِهِمْ إِلَى عَدْنَانِ
يَا مَنْ يُقَتِّلُ مَنْ أَرَادَ بِسَيْفِهِ ... أَصْبَحْتُ مِنْ قَتْلَاكَ بِالْإِحْسَانِ
فَإِذَا رَأَيْتُكَ حَارَ دُونَكَ نَاظِرِي ... وَإِذَا مَدَحْتُكَ حَارَ فِيكَ لِسَانِي
***
عُقْبَى الْيَمِينِ عَلَى عُقْبَى الْوَغَى نَدَمٌ ... مَاذَا يَزِيدُكَ فِي إِقْدَامِكَ الْقَسَمُ
وَفِي الْيَمِينِ عَلَى مَا أَنْتَ وَاعِدُهُ ... مَا دَلَّ أَنَّكَ فِي الْمِيعَادِ مُتَّهَمُ
آلَى الْفَتَى ابْنُ شُمُشْقِيقٍ فَأَحْنَثَهُ ... فَتًى مِنَ الضَّرْبِ يُنْسَى عِنْدَهُ الْكَلِمُ
"وَفَاعِلٌ مَا اشْتَهَى يُغْنِيهِ عَنْ حَلِفٍ ... عَلَى الْفِعَالِ، حُضُورُ الْفِعْلِ وَالْكَرَمُ"
كُلُّ السُّيُوفِ إِذَا طَالَ الضِّرَابُ بِهَا ... يَمَسُّهَا غَيْرَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ السَّأَمُ
لَوْ كَلَّتِ الْخَيْلُ حَتَّى لَا تَحَمَّلُهُ ... تَحَمَّلَتْهُ إِلَى أَعْدَائِهِ الْهِمَمُ
أَيْنَ الْبَطَارِقُ وَالْحَلْفُ الَّذِي حَلَفُوا ... بِمَفْرِقِ الْمَلِكِ وَالزَّعْمُ الَّذِي زَعَمُوا
وَلَّى صَوَارِمَهُ إِكْذَابَ قَوْلِهِمُ ... فَهُنَّ أَلْسِنَةٌ أَفْوَاهُهَا الْقِمَمُ
نَوَاطِقٌ مُخْبِرَاتٌ فِي جَمَاجِمِهِمْ ... عَنْهُ بِمَا جَهِلُوا مِنْهُ وَمَا عَلِمُوا
الرَّاجِعُ الْخَيْلَ مُحْفَاةً مُقَوَّدَةً ... مِنْ كُلِّ مِثْلِ وَبَارٍ أَهْلُهَا إِرَمُ
وَظَنُّهُمْ أَنَّكَ الْمِصْبَاحُ فِي حَلَبٍ ... إِذَا قَصَدْتَ سِوَاهَا عَادَهَا الظُّلَمُ
وَالشَّمْسَ يَعْنُونَ إِلَّا أَنَّهُمْ جَهِلُوا ... وَالْمَوْتَ يَدْعُونَ إِلَّا أَنَّهُمْ وَهِمُوا
فَلَمْ تُتِمَّ سَرُوجٌ فَتْحَ نَاظِرِهَا ... إِلَّا وَجَيْشُكَ فِي جَفْنَيْهِ مُزْدَحِمُ
وَالنَّقْعُ يَأْخُذُ حَرَّانًا وَبُقْعَتَهَا ... وَالشَّمْسُ تُسْفِرُ أَحْيَانًا وَتَلْتَئِمُ
سُحُبٌ تَمُرُّ بِحِصْنِ الرَّانِ مُمْسِكَةً ... وَمَا بِهَا الْبُخْلُ لَوْلَا أَنَّهَا نِقَمُ
جَيْشٌ كَأَنَّكَ فِي أَرْضٍ تُطَاوِلُهُ ... فَالْأَرْضُ لَا أَمَمٌ وَالْجَيْشُ لَا أَمَمُ
إِذَا مَضَى عَلَمٌ مِنْهَا بَدَا عَلَمٌ ... وَإِنْ مَضَى عَلَمٌ مِنْهُ بَدَا عَلَمُ
وَشُزَّبٌ أَحْمَتِ الشِّعْرَى شَكَائِمَهَا ... وَوَسَّمَتْهَا عَلَى آنَافِهَا الْحَكَمُ
حَتَّى وَرَدْنَ بِسِمْنِينٍ بُحَيْرَتَهَا ... تَنِشُّ بِالْمَاءِ فِي أَشْدَاقِهَا اللُّجُمُ
وَأَصْبَحَتْ بِقُرَى هَنْزِيطَ جَائِلَةً ... تَرْعَى الظُّبَا فِي خَصِيبٍ نَبْتُهُ اللِّمَمُ
فَمَا تَرَكْنَ بِهَا خُلْدًا لَهُ بَصَرٌ ... تَحْتَ التُّرَابِ وَلَا بَازًا لَهُ قَدَمُ
وَلَا هِزَبْرًا لَهُ مِنْ دِرْعِهِ لِبَدٌ ... وَلَا مَهَاةً لَهَا مِنْ شِبْهِهَا حَشَمُ
تَرْمِي عَلَى شَفَرَاتِ الْبَاتِرَاتِ بِهِمْ ... مَكَامِنَ الْأَرْضِ وَالْغِيطَانَ وَالْأُكُمُ
وَجَاوَزُوا أَرْسَنَاسًا مُعْصِمِينَ بِهِ ... وَكَيْفَ يَعْصِمُهُمْ مَا لَيْسَ يَنْعَصِمُ
وَمَا يَصُدُّكَ عَنْ بَحْرٍ لَهُمْ سَعَةٌ ... وَمَا يَرُدُّكَ عَنْ طَوْدٍ لَهُمْ شَمَمُ
ضَرَبْتَهُ بِصُدُورِ الْخَيْلِ حَامِلَةً ... قَوْمًا إِذَا تَلِفُوا قِدْمًا فَقَدْ سَلِمُوا
تَجَفَّلُ الْمَوْجُ عَنْ لَبَّاتِ خَيْلِهِمُ ... كَمَا تَجَفَّلُ تَحْتَ الْغَارَةِ النَّعَمُ
"عَبَرْتَ تَقْدُمُهُمْ فِيهِ وَفِي بَلَدٍ ... سُكَّانُهُ رِمَمٌ، مَسْكُونُهَا حُمَمُ"
وَفِي أَكُفِّهِمُ النَّارُ الَّتِي عُبِدَتْ ... قَبْلَ الْمَجُوسِ إِلَى ذَا الْيَوْمِ تَضْطَرِمُ
هِنْدِيَّةٌ إِنْ تُصَغِّرْ مَعْشَرًا صَغُرُوا ... بِحَدِّهَا أَوْ تُعَظِّمْ مَعْشَرًا عَظُمُوا
قَاسَمْتَهَا تَلَّ بَطْرِيقٍ فَكَانَ لَهَا ... أَبْطَالُهَا وَلَكَ الْأَطْفَالُ وَالْحَرَمُ
تَلْقَى بِهِمْ زَبَدَ التَّيَّارِ مُقْرَبَةٌ ... عَلَى جَحَافِلِهَا مِنْ نَضْحِهِ رَثَمُ
دُهْمٌ فَوَارِسُهَا رُكَّابُ أَبْطُنِهَا ... مَكْدُودَةٌ وَبِقَوْمٍ لَا بِهَا الْأَلَمُ
مِنَ الْجِيَادِ الَّتِي كِدْتَ الْعَدُوَّ بِهَا ... وَمَا لَهَا خَلْقٌ مِنْهَا وَلَا شِيَمُ
نِتَاجُ رَأْيِكَ فِي وَقْتٍ عَلَى عَجَلٍ ... كَلَفْظِ حَرْفٍ وَعَاهُ سَامِعٌ فَهِمُ
وَقَدْ تَمَنَّوْا غَدَاةَ الدَّرْبِ فِي لَجَبٍ ... أَنْ يُبْصِرُوكَ فَلَمَّا أَبْصَرُوكَ عَمُوا
صَدَمْتَهُمْ بِخَمِيسٍ أَنْتَ غُرَّتُهُ ... وَسَمْهَرِيَّتُهُ فِي وَجْهِهِ غَمَمُ
فَكَانَ أَثْبَتَ مَا فِيهِمْ جُسُومُهُمْ ... يَسْقُطْنَ حَوْلَكَ وَالْأَرْوَاحُ تَنْهَزِمُ
وَالْأَعْوَجِيَّةُ مِلْءَ الطُّرْقِ خَلْفَهُمْ ... وَالْمَشْرَفِيَّةُ مِلْءَ الْيَوْمِ فَوْقَهُمُ
إِذَا تَوَافَقَتِ الضَّرَبَاتُ صَاعِدَةً ... تَوَافَقَتْ قُلَلٌ فِي الْجَوِّ تَصْطَدِمُ
وَأَسْلَمَ ابْنُ شُمُشْقِيقٍ أَلِيَّتَهُ ... أَلَّا انْثَنَى فَهُوَ يَنْأَى وَهِيَ تَبْتَسِمُ
لَا يَأْمَلُ النَّفَسَ الْأَقْصَى لِمُهْجَتِهِ ... فَيَسْرِقُ النَّفَسَ الْأَدْنَى وَيَغْتَنِمُ
تَرُدُّ عَنْهُ قَنَا الْفُرْسَانِ سَابِغَةٌ ... صَوْبُ الْأَسِنَّةِ فِي أَثْنَائِهَا دِيَمُ
تَخُطُّ فِيهَا الْعَوَالِي لَيْسَ تَنْفُذُهَا ... كَأَنَّ كُلَّ سِنَانٍ فَوْقَهَا قَلَمُ
فَلَا سَقَى الْغَيْثُ مَا وَارَاهُ مِنْ شَجَرٍ ... لَوْ زَلَّ عَنْهُ لَوَارَى شَخْصَهُ الرَّخَمُ
أَلْهَى الْمَمَالِكَ عَنْ فَخْرٍ قَفَلْتَ بِهِ ... شُرْبُ الْمُدَامَةِ وَالْأَوْتَارُ وَالنَّغَمُ
مُقَلَّدًا فَوْقَ شُكْرِ اللَّهِ ذَا شَطَبٍ ... لَا تُسْتَدَامُ بِأَمْضَى مِنْهُمَا النِّعَمُ
أَلْقَتْ إِلَيْكَ دِمَاءُ الرُّومِ طَاعَتَهَا ... فَلَوْ دَعَوْتَ بِلَا ضَرْبٍ أَجَابَ دَمُ
يُسَابِقُ الْقَتْلَ فِيهِمْ كُلُّ حَادِثَةٍ ... فَمَا يُصِيبُهُمْ مَوْتٌ وَلَا هَرَمُ
نَفَتْ رُقَادَ عَلِيٍّ عَنْ مَحَاجِرِهِ ... نَفْسٌ يُفَرِّحُ نَفْسًا غَيْرَهَا الْحُلُمُ
الْقَائِمُ الْمَلِكُ الْهَادِي الَّذِي شَهِدَتْ ... قِيَامَهُ وَهُدَاهُ الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ
اِبْنُ الْمُعَفَّرِ فِي نَجْدٍ فَوَارِسُهَا ... بِسَيْفِهِ وَلَهُ كُوفَانُ وَالْحَرَمُ
لَا تَطْلُبَنَّ كَرِيمًا بَعْدَ رُؤْيَتِهِ ... إِنَّ الْكِرَامَ بِأَسْخَاهُمْ يَدًا خُتِمُوا
وَلَا تُبَالِ بِشِعْرٍ بَعْدَ شَاعِرِهِ ... قَدْ أَفْسَدَ الْقَوْلَ حَتَّى أُحْمِدَ الصَّمَمُ
***
فَارَقْتُكُمْ فَإِذَا مَا كَانَ عِنْدَكُمُ ... قَبْلَ الْفِرَاقِ أَذًى بَعْدَ الْفِرَاقِ يَدُ
إِذَا تَذَكَّرْتُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ ... أَعَانَ قَلْبِي عَلَى الشَّوْقِ الَّذِي أَجِدُ
***
يَا أُخْتَ خَيْرِ أَخٍ، يَا بِنْتَ خَيْرِ أَبٍ ... كِنَايَةً بِهِمَا عَنْ أَشْرَفِ النَّسَبِ
أَجَلُّ قَدْرِكِ أَنْ تُسَمَّيْ مُؤَبَّنَةً ... وَمَنْ يَصِفْكِ فَقَدْ سَمَّاكِ لِلْعَرَبِ
لَا يَمْلِكُ الطَّرَبُ الْمَحْزُونُ مَنْطِقَهُ ... وَدَمْعَهُ وَهُمَا فِي قَبْضَةِ الطَّرَبِ
غَدَرْتَ يَا مَوْتُ كَمْ أَفْنَيْتَ مِنْ عَدَدٍ ... بِمَنْ أَصَبْتَ وَكَمْ أَسْكَتَّ مِنْ لَجَبٍ
وَكَمْ صَحِبْتُ أَخَاهَا فِي مُنَازَلَةٍ ... وَكَمْ سَأَلْتُ فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ تَخِبِ
طَوَى الْجَزِيرَةَ حَتَّى جَاءَنِي خَبَرٌ ... فَزِعْتُ فِيهِ بِآمَالِي إِلَى الْكَذِبِ
حَتَّى إِذَا لَمْ يَدَعْ لِي صِدْقُهُ أَمَلًا ... شَرِقْتُ بِالدَّمْعِ حَتَّى كَادَ يَشْرَقُ بِي
تَعَثَّرَتْ بِهِ فِي الْأَفْوَاهِ أَلْسُنُهَا ... وَالْبُرْدُ فِي الطُّرُقِ وَالْأَقْلَامُ فِي الْكُتُبِ
كَأَنَّ فِعْلَةَ لَمْ تَمْلَأْ مَوَاكِبُهَا ... دِيَارَ بَكْرٍ وَلَمْ تَخْلَعْ وَلَمْ تَهَبِ
وَلَمْ تَرُدَّ حَيَاةً بَعْدَ تَوْلِيَةٍ ... وَلَمْ تُغِثْ دَاعِيًا بِالْوَيْلِ وَالْحَرَبِ
أَرَى الْعِرَاقَ طَوِيلَ اللَّيْلِ مُذْ نُعِيَتْ ... فَكَيْفَ لَيْلُ فَتَى الْفِتْيَانِ فِي حَلَبِ
يَظُنُّ أَنَّ فُؤَادِي غَيْرُ مُلْتَهِبٍ ... وَأَنَّ دَمْعَ جُفُونِي غَيْرُ مُنْسَكِبِ
بَلَى وَحُرْمَةِ مَنْ كَانَتْ مُرَاعِيَةً ... لِحُرْمَةِ الْمَجْدِ وَالْقُصَّادِ وَالْأَدَبِ
وَمَنْ مَضَتْ غَيْرَ مَوْرُوثٍ خَلَائِقُهَا ... وَإِنْ مَضَتْ يَدُهَا مَوْرُوثَةَ النَّشَبِ
وَهَمُّهَا فِي الْعُلَا وَالْمُلْكِ نَاشِئَةً ... وَهَمُّ أَتْرَابِهَا فِي اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ
يَعْلَمْنَ حِينَ تُحَيَّا حُسْنَ مَبْسَمِهَا ... وَلَيْسَ يَعْلَمُ إِلَّا اللَّهُ بِالشَّنَبِ
مَسَرَّةٌ فِي قُلُوبِ الطِّيبِ مَفْرِقُهَا ... وَحَسْرَةٌ فِي قُلُوبِ الْبِيضِ وَالْيَلَبِ
إِذَا رَأَى وَرَآهَا رَأْسَ لَابِسِهِ ... رَأَى الْمَقَانِعَ أَعْلَى مِنْهُ فِي الرُّتَبِ
فَإِنْ تَكُنْ خُلِقَتْ أُنْثَى فَقَدْ خُلِقَتْ ... كَرِيمَةً غَيْرَ أُنْثَى الْعَقْلِ وَالْحَسَبِ
وَإِنْ تَكُنْ تَغْلِبُ الْغَلْبَاءُ عُنْصُرَهَا ... فَإِنَّ فِي الْخَمْرِ مَعْنًى لَيْسَ فِي الْعِنَبِ
فَلَيْتَ طَالِعَةَ الشَّمْسَيْنِ غَائِبَةٌ ... وَلَيْتَ غَائِبَةَ الشَّمْسَيْنِ لَمْ تَغِبِ
وَلَيْتَ عَيْنَ الَّتِي آبَ النَّهَارُ بِهَا ... فِدَاءَ عَيْنِ الَّتِي زَالَتْ وَلَمْ تَؤُبِ
فَمَا تَقَلَّدَ بِالْيَاقُوتِ مُشْبِهُهَا ... وَلَا تَقَلَّدَ بِالْهِنْدِيَّةِ الْقُضُبِ
وَلَا ذَكَرْتُ جَمِيلًا مِنْ صَنَائِعِهَا ... إِلَّا بَكَيْتُ وَلَا وُدٌّ بِلَا سَبَبِ
قَدْ كَانَ كُلُّ حِجَابٍ دُونَ رُؤْيَتِهَا ... فَمَا قَنِعْتِ لَهَا يَا أَرْضُ بِالْحُجُبِ
وَلَا رَأَيْتُ عُيُونَ الْإِنْسِ تُدْرِكُهَا ... فَهَلْ حَسَدْتِ عَلَيْهَا أَعْيُنَ الشُّهُبِ
وَهَلْ سَمِعْتِ سَلَامًا لِي أَلَمَّ بِهَا؟ ... فَقَدْ أَطَلْتُ وَمَا سَلَّمْتُ مِنْ كَثَبِ
وَكَيْفَ تَبْلُغُ مَوْتَانَا الَّتِي دُفِنَتْ ... وَقَدْ يُقَصِّرُ عَنْ أَحْيَائِنَا الْغُيُبِ
يَا أَحْسَنَ الصَّبْرِ زُرْ أَوْلَى الْقُلُوبِ بِهَا ... وَقُلْ لِصَاحِبِهِ: يَا أَنْفَعَ السُّحُبِ
«وَأَكْرَمَ النَّاسِ لَا مُسْتَثْنِيًا أَحَدًا ... مِنَ الْكِرَامِ، سِوَى آبَائِكَ النُّجُبِ»
وَعَادَ فِي طَلَبِ الْمَتْرُوكِ تَارِكُهُ ... إِنَّا لَنَغْفُلُ وَالْأَيَّامُ فِي الطَّلَبِ
مَا كَانَ أَقْصَرَ وَقْتًا كَانَ بَيْنَهُمَا ... كَأَنَّهُ الْوَقْتُ بَيْنَ الْوِرْدِ وَالْقَرَبِ
جَزَاكَ رَبُّكَ بِالْأَحْزَانِ مَغْفِرَةً ... فَحُزْنُ كُلِّ أَخِي حُزْنٍ أَخُو الْغَضَبِ
وَأَنْتُمُ نَفَرٌ تَسْخُو نُفُوسُكُمُ ... بِمَا يَهَبْنَ وَلَا يَسْخُونَ بِالسَّلَبِ
حَلَلْتُمُ مِنْ مُلُوكِ النَّاسِ كُلِّهِمُ ... مَحَلَّ سُمْرِ الْقَنَا مِنْ سَائِرِ الْقَصَبِ
فَلَا تَنَلْكَ اللَّيَالِي إِنَّ أَيْدِيَهَا ... إِذَا ضَرَبْنَ كَسَرْنَ النَّبْعَ بِالْغَرَبِ
وَلَا يُعِنَّ عَدُوًّا أَنْتَ قَاهِرُهُ ... فَإِنَّهُنَّ يَصِدْنَ الصَّقْرَ بِالْخَرَبِ
"وَإِنْ سَرَرْنَ بِمَحْبُوبٍ، فَجَعْنَ بِهِ ... وَقَدْ أَتَيْنَكَ فِي الْحَالَيْنِ بِالْعَجَبِ"
وَرُبَّمَا احْتَسَبَ الْإِنْسَانُ غَايَتَهَا ... وَفَاجَأَتْهُ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُحْتَسَبِ
وَمَا قَضَى أَحَدٌ مِنْهَا لُبَانَتَهُ ... وَلَا انْتَهَى أَرَبٌ إِلَّا إِلَى أَرَبِ
"تُخَالِفُ النَّاسَ حَتَّى لَا اتِّفَاقَ لَهُمْ ... إِلَّا عَلَى شَجَبٍ، وَالْخُلْفُ فِي الشَّجَبِ"
فَقِيلَ: تَخْلُصُ نَفْسُ الْمَرْءِ سَالِمَةً ... وَقِيلَ: تُشْرِكُ جِسْمَ الْمَرْءِ فِي الْعَطَبِ
وَمَنْ تَفَكَّرَ فِي الدُّنْيَا وَمُهْجَتِهِ ... أَقَامَهُ الْفِكْرُ بَيْنَ الْعَجْزِ وَالتَّعَبِ
***
مَا لَنَا كُلُّنَا جَوًى يَا رَسُولُ ... أَنَا أَهْوَى وَقَلْبُكَ الْمَتْبُولُ
كُلَّمَا عَادَ مَنْ بَعَثْتُ إِلَيْهَا ... غَارَ مِنِّي وَخَانَ فِيمَا يَقُولُ
"أَفْسَدَتْ بَيْنَنَا الْأَمَانَاتِ عَيْنَا ... هَا، وَخَانَتْ قُلُوبَهُنَّ الْعُقُولُ"
تَشْتَكِي مَا اشْتَكَيْتُ مِنْ أَلَمِ الشَّوْ ... قِ إِلَيْهَا وَالشَّوْقُ حَيْثُ النُّحُولُ
وَإِذَا خَامَرَ الْهَوَى قَلْبَ صَبٍّ ... فَعَلَيْهِ لِكُلِّ عَيْنٍ دَلِيلُ
زَوِّدِينَا مِنْ حُسْنِ وَجْهِكِ مَا دَا ... مَ فَحُسْنُ الْوُجُوهِ حَالٌ تَحُولُ
وَصِلِينَا نَصِلْكِ فِي هَذِهِ الدُّنْ ... يَا فَإِنَّ الْمَقَامَ فِيهَا قَلِيلُ
مَنْ رَآهَا بِعَيْنِهَا شَاقَهُ الْقُطْ ... طَانُ فِيهَا كَمَا تَشُوقُ الْحُمُولُ
إِنْ تَرَيْنِي أَدْمَتُ بَعْدَ بَيَاضٍ ... فَحَمِيدٌ مِنَ الْقَنَاةِ الذُّبُولُ
صَحِبَتْنِي عَلَى الْفَلَاةِ فَتَاةٌ ... عَادَةُ اللَّوْنِ عِنْدَهَا التَّبْدِيلُ
سَتَرَتْكِ الْحِجَالُ عَنْهَا وَلَكِنْ ... بِكِ مِنْهَا مِنَ اللَّمَى تَقْبِيلُ
مِثْلَهَا أَنْتِ لَوَّحْتِنِي وَأَسْقَمْ ... تِ وَزَادَتْ أَبْهَاكُمَا الْعَطْبُولُ
نَحْنُ أَدْرَى وَقَدْ سَأَلْنَا بِنَجْدٍ ... أَطَوِيلٌ طَرِيقُنَا أَمْ يَطُولُ
وَكَثِيرٌ مِنَ السُّؤَالِ اشْتِيَاقٌ ... وَكَثِيرٌ مِنْ رَدِّهِ تَعْلِيلُ
لَا أَقَمْنَا عَلَى مَكَانٍ وَإِنْ طَا ... بَ وَلَا يُمْكِنُ الْمَكَانَ الرَّحِيلُ
كُلَّمَا رَحَّبَتْ بِنَا الرَّوْضُ قُلْنَا: ... حَلَبٌ قَصْدُنَا وَأَنْتِ السَّبِيلُ
فِيكِ مَرْعَى جِيَادِنَا وَالْمَطَايَا ... وَإِلَيْهَا وَجِيفُنَا وَالذَّمِيلُ
وَالْمُسَمَّوْنَ بِالْأَمِيرِ كَثِيرٌ ... وَالْأَمِيرُ الَّذِي بِهَا الْمَأْمُولُ
الَّذِي زِلْتُ عَنْهُ شَرْقًا وَغَرْبًا ... وَنَدَاهُ مُقَابِلِي لَا يَزُولُ
وَمَعِي أَيْنَمَا سَلَكْتُ كَأَنِّي ... كُلُّ وَجْهٍ لَهُ بِوَجْهِي كَفِيلُ
وَإِذَا الْعَذْلُ فِي النَّدَى زَادَ سَمْعًا ... فَفِدَاهُ الْعَذُولُ وَالْمَعْذُولُ
وَمَوَالٍ تُحْيِيهِمْ مِنْ يَدَيْهِ ... نِعَمٌ غَيْرُهُمْ بِهَا مَقْتُولُ
فَرَسٌ سَابِقٌ وَرُمْحٌ طَوِيلٌ ... وَدِلَاصٌ زَغْفٌ وَسَيْفٌ صَقِيلُ
«كُلَّمَا صَبَّحَتْ دِيَارَ عَدُوٍّ ... قَالَ: تِلْكَ الْغُيُوثُ، هَذِي السُّيُولُ»
دَهِمَتْهُ تَطَايَرُ الزَّرَدُ الْمُحْ ... كَمُ عَنْهُ كَمَا يَطِيرُ النَّسِيلُ
تَقْنُصُ الْخَيْلُ خَيْلَهُ قَنْصَ الْوَحْ ... شِ وَيَسْتَأْسِرُ الْخَمِيسُ الرَّعِيلُ
وَإِذَا الْحَرْبُ أَعْرَضَتْ زَعَمَ الْهَوْ ... لَ لِعَيْنَيْهِ أَنَّهُ تَهْوِيلُ
فَإِذَا صَحَّ فَالزَّمَانُ صَحِيحٌ ... وَإِذَا اعْتَلَّ فَالزَّمَانُ عَلِيلُ
وَإِذَا غَابَ وَجْهُهُ عَنْ مَكَانٍ ... فِيهِ مِنْ نَثَاهُ وَجْهٌ جَمِيلُ
لَيْسَ إِلَّاكَ يَا عَلِيُّ هُمَامٌ ... سَيْفُهُ دُونَ عِرْضِهِ مَسْلُولُ
كَيْفَ لَا يَأْمَنُ الْعِرَاقُ وَمِصْرٌ ... وَسَرَايَاكَ دُونَهَا وَالْخُيُولُ
لَوْ تَخَرَّمْتَ عَنْ طَرِيقِ الْأَعَادِي ... رَبَطَ السِّدْرُ خَيْلَهُمْ وَالنَّخِيلُ
وَدَرَى مَنْ أَعَزَّهُ الدَّفْعُ عَنْهُ ... فِيهِمَا أَنَّهُ الْحَقِيرُ الذَّلِيلُ
أَنْتَ طُولَ الْحَيَاةِ لِلرُّومِ غَازٍ ... فَمَتَى الْوَعْدُ أَنْ يَكُونَ الْقُفُولُ
وَسِوَى الرُّومِ خَلْفَ ظَهْرِكَ رُومٌ ... فَعَلَى أَيِّ جَانِبَيْكَ تَمِيلُ
قَعَدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَنْ مَسَاعِي ... كَ وَقَامَتْ بِهَا الْقَنَا وَالنُّصُولُ
مَا الَّذِي عِنْدَهُ تُدَارُ الْمَنَايَا ... كَالَّذِي عِنْدَهُ تُدَارُ الشُّمُولُ
لَسْتُ أَرْضَى بِأَنْ تَكُونَ جَوَادًا ... وَزَمَانِي بِأَنْ أَرَاكَ بَخِيلُ
نَغَّصَ الْبُعْدُ عَنْكَ قُرْبَ الْعَطَايَا ... مَرْتَعِي مُخْصِبٌ وَجِسْمِي نَحِيلُ
إِنْ تَبَوَّأْتُ غَيْرَ دُنْيَايَ دَارًا ... وَأَتَانِي نَيْلٌ فَأَنْتَ الْمُنِيلُ
مِنْ عَبِيدِي إِنْ عِشْتُ لِي أَلْفُ كَافُو ... رٍ وَلِي مِنْ نَدَاكَ رِيفٌ وَنِيلُ
مَا أُبَالِي إِذَا اتَّقَتْكَ الْمَنَايَا ... مَنْ دَهَتْهُ حُبُولُهَا وَالْخُبُولُ
***
فَهِمْتُ الْكِتَابَ أَبَرَّ الْكُتُبْ ... فَسَمْعًا لِأَمْرِ أَمِيرِ الْعَرَبْ
وَطَوْعًا لَهُ وَابْتِهَاجًا بِهِ ... وَإِنْ قَصَّرَ الْفِعْلُ عَمَّا وَجَبْ
وَمَا عَاقَنِي غَيْرُ خَوْفِ الْوُشَاةِ ... وَإِنَّ الْوِشَايَاتِ طُرُقُ الْكَذِبْ
وَتَكْثِيرُ قَوْمٍ وَتَقْلِيلُهُمْ ... وَتَقْرِيبُهُمْ بَيْنَنَا وَالْخَبَبْ
وَقَدْ كَانَ يَنْصُرُهُمْ سَمْعُهُ ... وَيَنْصُرُنِي قَلْبُهُ وَالْحَسَبْ
وَمَا قُلْتُ لِلْبَدْرِ أَنْتَ اللُّجَيْنُ ... وَلَا قُلْتُ لِلشَّمْسِ أَنْتَ الذَّهَبْ
فَيَقْلَقُ مِنْهُ الْبَعِيدُ الْأَنَاةِ ... وَيَغْضَبُ مِنْهُ الْبَطِيءُ الْغَضَبْ
وَمَا لَاقَنِي بَلَدٌ بَعْدَكُمْ ... وَلَا اعْتَضْتُ مِنْ رَبِّ نُعْمَايَ رَبْ
وَمَنْ رَكِبَ الثَّوْرَ بَعْدَ الْجَوَا ... دِ أَنْكَرَ أَظْلَافَهُ وَالْغَبَبْ
"وَمَا قِسْتُ كُلَّ مُلُوكِ الْبِلَادِ ... فَدَعْ ذِكْرَ بَعْضٍ، بِمَنْ فِي حَلَبْ"
وَلَوْ كُنْتَ سَمَّيْتَهُمْ بِاسْمِهِ ... لَكَانَ الْحَدِيدَ وَكَانُوا الْخَشَبْ
أَفِي الرَّأْيِ يُشْبِهُ، أَمْ فِي السَّخَا ... ءِ أَمْ فِي الشَّجَاعَةِ، أَمْ فِي الْأَدَبْ
مُبَارَكُ الِاسْمِ، أَغَرُّ اللَّقَبْ ... كَرِيمُ الْجِرِشَّى، شَرِيفُ النَّسَبْ
أَخُو الْحَرْبِ، يُخْدِمُ مِمَّا سَبَى ... قَنَاهُ، وَيَخْلَعُ مِمَّا سَلَبْ
إِذَا حَازَ مَالًا فَقَدْ حَازَهُ ... فَتًى لَا يُسَرُّ بِمَا لَا يَهَبْ
وَإِنِّي لَأُتْبِعُ تَذْكَارَهُ ... صَلَاةَ الْإِلَهِ وَسَقْيَ السُّحُبْ
وَأُثْنِي عَلَيْهِ بِآلَائِهِ ... وَأَقْرُبُ مِنْهُ نَأَى أَوْ قَرُبْ
وَإِنْ فَارَقَتْنِي أَمْطَارُهُ ... فَأَكْثَرُ غُدْرَانِهَا مَا نَصَبْ
أَيَا سَيْفَ رَبِّكَ لَا خَلْقِهِ ... وَيَا ذَا الْمَكَارِمِ لَا ذَا الشَّطَبْ
وَأَبْعَدَ ذِي هِمَّةٍ هِمَّةً ... وَأَعْرَفَ ذِي رُتْبَةٍ بِالرُّتَبْ
وَأَطْعَنَ مَنْ مَسَّ خَطِّيَّةً ... وَأَضْرَبَ مَنْ بِحُسَامٍ ضَرَبْ
بِذَا اللَّفْظِ نَادَاكَ أَهْلُ الثُّغُورْ ... فَلَبَّيْتَ وَالْهَامُ تَحْتَ الْقُضُبْ
وَقَدْ يَئِسُوا مِنْ لَذِيذِ الْحَيَاةْ ... فَعَيْنٌ تَغُورُ وَقَلْبٌ يَجِبْ
وَغَرَّ الدُّمُسْتُقَ قَوْلُ الْوُشَا ... ةِ: إِنَّ عَلِيًّا ثَقِيلٌ وَصِبْ
وَقَدْ عَلِمَتْ خَيْلُهُ أَنَّهُ ... إِذَا هَمَّ وَهْوَ عَلِيلٌ رَكِبْ
أَتَاهُمْ بِأَوْسَعَ مِنْ أَرْضِهِمْ ... طِوَالِ السَّبِيبِ قِصَارِ الْعَسَبْ
تَغِيبُ الشَّوَاهِقُ فِي جَيْشِهِ ... وَتَبْدُو صِغَارًا إِذَا لَمْ تَغِبْ
وَلَا تَعْبُرُ الرِّيحُ فِي جَوِّهِ ... إِذَا لَمْ تَخَطَّ الْقَنَا أَوْ تَثِبْ
فَغَرَّقَ مُدْنَهُمُ بِالْجُيُوشْ ... وَأَخْفَتَ أَصْوَاتَهُمْ بِاللَّجَبْ
فَأَخْبِثْ بِهِ طَالِبًا قَتْلَهُمْ ... وَأَخْبِثْ بِهِ تَارِكًا مَا طَلَبْ
نَأَيْتَ فَقَاتَلَهُمْ بِاللِّقَاءِ ... وَجِئْتَ فَقَاتَلَهُمْ بِالْهَرَبْ
وَكَانُوا لَهُ الْفَخْرَ لَمَّا أَتَى ... وَكُنْتَ لَهُ الْعُذْرَ لَمَّا ذَهَبْ
سَبَقْتَ إِلَيْهِمْ مَنَايَاهُمُ ... وَمَنْفَعَةُ الْغَوْثِ قَبْلَ الْعَطَبْ
فَخَرُّوا لِخَالِقِهِمْ سُجَّدًا ... وَلَوْ لَمْ تُغِثْ سَجَدُوا لِلصُّلُبْ
وَكَمْ ذُدْتَ عَنْهُمْ رَدًى بِالرَّدَى ... وَكَشَّفْتَ مِنْ كُرَبٍ بِالْكُرَبْ
وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّهُ إِنْ يَعُدْ ... يَعُدْ مَعَهُ الْمَلِكُ الْمُعْتَصِبْ
وَيَسْتَنْصِرَانِ الَّذِي يَعْبُدَانِ ... وَعِنْدَهُمَا أَنَّهُ قَدْ صُلِبْ
وَيَدْفَعُ مَا نَالَهُ عَنْهُمَا ... فَيَا لِلرِّجَالِ لِهَذَا الْعَجَبْ
أَرَى الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُشْرِكِيـ ... نَ إِمَّا لِعَجْزٍ وَإِمَّا رَهَبْ
وَأَنْتَ مَعَ اللَّهِ فِي جَانِبٍ ... قَلِيلَ الرُّقَادِ كَثِيرَ التَّعَبْ
كَأَنَّكَ وَحْدَكَ وَحَّدْتَهُ ... وَدَانَ الْبَرِيَّةُ بِابْنٍ وَأَبْ
فَلَيْتَ سُيُوفَكَ فِي حَاسِدٍ ... إِذَا مَا ظَهَرْتَ عَلَيْهِمْ كَئِبْ
وَلَيْتَ شَكَاتَكَ فِي جِسْمِهِ ... وَلَيْتَكَ تَجْزِي بِبُغْضٍ وَحُبّْ
فَلَوْ كُنْتَ تَجْزِي بِهِ نِلْتُ مِنْ ... كَ أَضْعَفَ حَظٍّ بِأَقْوَى سَبَبْ
***
سَيْفُ الْإِلَهِ عَلَى أَعْلَى مُقَلَّدِهِ ... وَمَوْضِعُ الْعِزِّ مِنْهُ فَوْقَ مَقْعَدِهِ
مَا اهْتَزَّ مِنْهُ عَلَى عُضْوٍ يُسَيِّرُهُ ... إِلَّا اتَّقَاهُ بِتُرْسٍ مِنْ مُخَلَّدِهِ
ذَمَّ الْإِلَهُ إِلَيْهِ مِنْ مَحَبَّتِهِ ... مَا ذَمَّ مِنْ بَدْرِهِ فِي حَمْدِ أَحْمَدِهِ
"شَمْسٌ، إِذَا الشَّمْسُ لَاقَتْهُ عَلَى فَرَسٍ ... تَرَدَّدَ النُّورُ مِنْهَا فِي تَرَدُّدِهِ"
لَمْ يَقْبُحِ الْحُسْنُ إِلَّا عِنْدَ طَلْعَتِهِ ... كَالْعَبْدِ يَقْبُحُ إِلَّا عِنْدَ سَيِّدِهِ
قَالَتْ عَنِ السَّيْرِ طِبْ نَفْسًا فَقُلْتُ لَهَا ... لَا يَصْدُرُ الْعَبْدُ إِلَّا بَعْدَ مَوْرِدِهِ
نَفْسٌ تُصَغِّرُ نَفْسَ الدَّهْرِ مِنْ كِبَرٍ ... لَهَا نُهًى كَهْلَهُ فِي سِنِّ أَمْرَدِهِ
لَمْ أَعْرِفِ الْجُودَ إِلَّا مُذْ عَرَفْتُ فَتًى ... لَمْ يُولَدِ الْجُودُ إِلَّا عِنْدَ مَوْلِدِهِ
***
يَا سَيْفَ دَوْلَةِ ذِي الْجَلَالِ وَمَنْ لَهُ ... خَيْرُ الْخَلَائِقِ وَالْعِبَادِ سَمِيُّ
اُنْظُرْ إِلَى صِفِّينَ حِينَ أَتَيْتَهَا ... فَانْصَاعَ عَنْهَا الْجَحْفَلُ الْغَرْبِيُّ
"فَكَأَنَّهُ جَيْشُ ابْنِ حَرْبٍ رَعْتَهُ ... حَتَّى كَأَنَّكَ يَا عَلِيُّ، عَلِيُّ"
"تَمَنَّيْتَهَا لَمَّا تَمَنَّيْتَ أَنْ تَرَى ... صَدِيقًا فَأَعْيَا، أَوْ عَدُوًّا مُدَاجِيَا"
إِذَا كُنْتَ تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ بِذِلَّةٍ ... فَلَا تَسْتَعِدَّنَّ الْحُسَامَ الْيَمَانِيَا
وَلَا تَسْتَطِيلَنَّ الرِّمَاحَ لِغَارَةٍ ... وَلَا تَسْتَجِيدَنَّ الْعِتَاقَ الْمَذَاكِيَا
فَمَا يَنْفَعُ الْأُسْدَ الْحَيَاءُ مِنَ الطَّوَى ... وَلَا تُتَّقَى حَتَّى تَكُونَ ضَوَارِيَا
حَبِبْتُكَ قَلْبِي قَبْلَ حُبِّكَ مَنْ نَأَى ... وَقَدْ كَانَ غَدَّارًا فَكُنْ لِي وَافِيَا
وَأَعْلَمُ أَنَّ الْبَيْنَ يُشْكِيكَ بَعْدَهُ ... فَلَسْتَ فُؤَادِي إِنْ رَأَيْتُكَ شَاكِيَا
فَإِنَّ دُمُوعَ الْعَيْنِ غَدْرٌ بِرَبِّهَا ... إِذَا كُنَّ إِثْرَ الْغَادِرِينَ جَوَارِيَا
إِذَا الْجُودُ لَمْ يُرْزَقْ خَلَاصًا مِنَ الْأَذَى ... فَلَا الْحَمْدُ مَكْسُوبًا وَالْمَالُ بَاقِيَا
وَلِلنَّفْسِ أَخْلَاقٌ تَدُلُّ عَلَى الْفَتَى ... أَكَانَ سَخَاءً مَا أَتَى أَمْ تَسَاخِيَا
أَقِلَّ اشْتِيَاقًا أَيُّهَا الْقَلْبُ رُبَّمَا ... رَأَيْتُكَ تُصْفِي الْوُدَّ مَنْ لَيْسَ جَازِيَا
خُلِقْتُ أَلُوفًا لَوْ رَجَعْتُ إِلَى الصِّبَى ... لَفَارَقْتُ شَيْبِي مُوجَعَ الْقَلْبِ بَاكِيَا
وَلَكِنَّ بِالْفُسْطَاطِ بَحْرًا أَزَرْتُهُ ... حَيَاتِي وَنُصْحِي وَالْهَوَى وَالْقَوَافِيَا
وَجُرْدًا مَدَدْنَا بَيْنَ آذَانِهَا الْقَنَا ... فَبِتْنَ خِفَافًا يَتَّبِعْنَ الْعَوَالِيَا
تَمَاشَى بِأَيْدٍ كُلَّمَا وَافَتِ الصَّفَا ... نَقَشْنَ بِهِ صَدْرَ الْبُزَاةِ حَوَافِيَا
وَتَنْظُرُ مِنْ سُودٍ صَوَادِقَ فِي الدُّجَى ... يَرَيْنَ بَعِيدَاتِ الشُّخُوصِ كَمَا هِيَا
وَتَنْصِبُ لِلْجَرْسِ الْخَفِيِّ سَوَامِعًا ... يَخَلْنَ مُنَاجَاةَ الضَّمِيرِ تَنَادِيًا
تَجَاذَبُ فُرْسَانُ الصَّبَاحِ أَعِنَّةً ... كَأَنَّ عَلَى الْأَعْنَاقِ مِنْهَا أَفَاعِيَا
بِعَزْمٍ يَسِيرُ الْجِسْمُ فِي السَّرْجِ رَاكِبًا ... بِهِ وَيَسِيرُ الْقَلْبُ فِي الْجِسْمِ مَاشِيًا
قَوَاصِدَ كَافُورٍ تَوَارِكَ غَيْرِهِ ... وَمَنْ قَصَدَ الْبَحْرَ اسْتَقَلَّ السَّوَاقِيَا
فَجَاءَتْ بِنَا إِنْسَانَ عَيْنِ زَمَانِهِ ... وَخَلَّتْ بَيَاضًا خَلْفَهَا وَمَآقِيَا
نَجُوزُ عَلَيْهَا الْمُحْسِنِينَ إِلَى الَّذِي ... نَرَى عِنْدَهُمْ إِحْسَانَهُ وَالْأَيَادِيَا
فَتًى مَا سَرَيْنَا فِي ظُهُورِ جُدُودِنَا ... إِلَى عَصْرِهِ إِلَّا نُرَجِّيَ التَّلَاقِيَا
تَرَفَّعَ عَنْ عَوْنِ الْمَكَارِمِ قَدْرُهُ ... فَمَا يَفْعَلُ الْفَعَلَاتِ إِلَّا عَذَارِيَا
يُبِيدُ عَدَاوَاتِ الْبُغَاةِ بِلُطْفِهِ ... فَإِنْ لَمْ تَبِدْ مِنْهُمْ أَبَادَ الْأَعَادِيَا
أَبَا الْمِسْكِ ذَا الْوَجْدُ الَّذِي كُنْتُ تَائِقًا ... إِلَيْهِ وَذَا الْوَقْتُ الَّذِي كُنْتُ رَاجِيًا
لَقِيتُ الْمُرُورَى وَالشَّنَاخِيبَ دُونَهُ ... وَجُبْتُ هَجِيرًا يَتْرُكُ الْمَاءَ صَادِيًا
أَبَا كُلِّ طِيبٍ لَا أَبَا الْمِسْكِ وَحْدَهُ ... وَكُلَّ سَحَابٍ لَا أَخُصُّ الْغَوَادِيَا
يَدُلُّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كُلُّ فَاخِرٍ ... وَقَدْ جَمَعَ الرَّحْمَنُ فِيكَ الْمَعَانِيَا
إِذَا كَسَبَ النَّاسُ الْمَعَالِيَ بِالنَّدَى ... فَإِنَّكَ تُعْطِي فِي نَدَاكَ الْمَعَالِيَا
وَغَيْرُ كَثِيرٍ أَنْ يَزُورَكَ رَاجِلٌ ... فَيَرْجِعَ مَلِكًا لِلْعِرَاقَيْنِ وَالِيَا
فَقَدْ تَهَبُ الْجَيْشَ الَّذِي جَاءَ غَازِيًا ... لِسَائِلِكَ الْفَرْدِ الَّذِي جَاءَ عَافِيًا
وَتَحْتَقِرُ الدُّنْيَا احْتِقَارَ مُجَرِّبٍ ... يَرَى كُلَّ مَا فِيهَا وَحَاشَاكَ فَانِيًا
وَمَا كُنْتَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْمُلْكَ بِالْمُنَى ... وَلَكِنْ بِأَيَّامٍ أَشَبْنَ النَّوَاصِيَا
عِدَاكَ تَرَاهَا فِي الْبِلَادِ مَسَاعِيَا ... وَأَنْتَ تَرَاهَا فِي السَّمَاءِ مَرَاقِيَا
لَبِسْتَ لَهَا كَدَرَ الْعَجَاجِ كَأَنَّمَا ... تَرَى غَيْرَ صَافٍ أَنْ تَرَى الْجَوَّ صَافِيًا
وَقُدْتَ إِلَيْهَا كُلَّ أَجْرَدَ سَابِحٍ ... يُؤَدِّيكَ غَضْبَانًا وَيُثْنِيكَ رَاضِيًا
وَمُخْتَرَطٍ مَاضٍ يُطِيعُكَ آمِرًا ... وَيَعْصِي إِذَا اسْتَثْنَيْتَ أَوْ كُنْتَ نَاهِيًا
وَأَسْمَرَ ذِي عِشْرِينَ تَرْضَاهُ وَارِدًا ... وَيَرْضَاكَ فِي إِيرَادِهِ الْخَيْلَ سَاقِيًا
كَتَائِبَ مَا انْفَكَّتْ تَجُوسُ عَمَائِرًا ... مِنَ الْأَرْضِ قَدْ جَاسَتْ إِلَيْهَا فَيَافِيَا
غَزَوْتَ بِهَا دُورَ الْمُلُوكِ فَبَاشَرَتْ ... سَنَابِكُهَا هَامَاتِهِمْ وَالْمَغَانِيَا
وَأَنْتَ الَّذِي تَغْشَى الْأَسِنَّةَ أَوَّلًا ... وَتَأْنَفُ أَنْ تَغْشَى الْأَسِنَّةَ ثَانِيًا
إِذَا الْهِنْدُ سَوَّتْ بَيْنَ سَيْفَيْ كَرِيهَةٍ ... فَسَيْفُكَ فِي كَفٍّ تُزِيلُ التَّسَاوِيَا
وَمِنْ قَوْلِ سَامٍ لَوْ رَآكَ لِنَسْلِهِ: ... فِدَى ابْنِ أَخِي نَسْلِي وَنَفْسِي وَمَالِيَا
مَدًى بَلَّغَ الْأُسْتَاذَ أَقْصَاهُ رَبُّهُ ... وَنَفْسٌ لَهُ لَمْ تَرْضَ إِلَّا التَّنَاهِيَا
دَعَتْهُ فَلَبَّاهَا إِلَى الْمَجْدِ وَالْعُلَا ... وَقَدْ خَالَفَ النَّاسُ النُّفُوسَ الدَّوَاعِيَا
فَأَصْبَحَ فَوْقَ الْعَالَمِينَ يَرَوْنَهُ ... وَإِنْ كَانَ يُدْنِيهِ التَّكَرُّمُ نَائِيًا
***
أُرِيكَ الرِّضَا لَوْ أَخْفَتِ النَّفْسُ خَافِيًا ... وَمَا أَنَا عَنْ نَفْسِي وَلَا عَنْكَ رَاضِيًا
أَمِينًا وَإِخْلَاقًا وَغَدْرًا وَخِسَّةً ... وَجُبْنًا ؟ أَشَخْصًا لُحْتَ لِي أَمْ مَخَازِيَا
تَظُنُّ ابْتِسَامَاتِي رَجَاءً وَغِبْطَةً ... وَمَا أَنَا إِلَّا ضَاحِكٌ مِنْ رَجَائِيَا
"وَتُعْجِبُنِي رِجْلَاكَ فِي النَّعْلِ، إِنَّنِي ... رَأَيْتُكَ ذَا نَعْلٍ إِذَا كُنْتَ حَافِيًا"
وَأَنَّكَ لَا تَدْرِي أَلَوْنُكَ أَسْوَدٌ ... مِنَ الْجَهْلِ أَمْ قَدْ صَارَ أَبْيَضَ صَافِيًا
وَيُذْكِرُنِي تَخْيِيطُ كَعْبِكَ شَقَّهُ ... وَمَشْيُكَ فِي ثَوْبٍ مِنَ الزَّيْتِ عَارِيًا
وَلَوْلَا فُضُولُ النَّاسِ جِئْتُكَ مَادِحًا ... بِمَا كُنْتُ فِي سِرِّي بِهِ لَكَ هَاجِيًا
فَأَصْبَحْتَ مَسْرُورًا بِمَا أَنَا مُنْشِدٌ ... وَإِنْ كَانَ بِالْإِنْشَادِ هَجْوُكَ غَالِيًا
فَإِنْ كُنْتُ لَا خَيْرًا أَفَدْتُ فَإِنَّنِي ... أَفَدْتُ بِلَحْظِي مِشْفَرَيْكَ الْمَلَاهِيَا
وَمِثْلُكَ يُؤْتَى مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ ... لِيُضْحِكَ رَبَّاتِ الْحِدَادِ الْبَوَاكِيَا
***
إِنَّمَا التَّهْنِئَاتُ لِلْأَكْفَاءِ ... وَلِمَنْ يَدَّنِي مِنَ الْبُعَدَاءِ
وَأَنَا مِنْكَ لَا يُهَنِّئُ عُضْوٌ ... بِالْمَسَرَّاتِ سَائِرَ الْأَعْضَاءِ
مُسْتَقِلٌّ لَكَ الدِّيَارُ وَلَوْ كَا ... نَ نُجُومًا آجُرُّ هَذَا الْبِنَاءِ
وَلَوْ أَنَّ الَّذِي يَخُرُّ مِنَ الْأَمْ ... وَاهِ فِيهَا مِنْ فِضَّةٍ بَيْضَاءِ
أَنْتَ أَعْلَى مَحَلَّةً أَنْ تُهَنَّا ... بِمَكَانٍ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ
وَلَكَ النَّاسُ وَالْبِلَادُ وَمَا يَسْ ... رَحُ بَيْنَ الْغَبْرَاءِ وَالْخَضْرَاءِ
وَبَسَاتِينُكَ الْجِيَادُ وَمَا ... تَحْمِلُ مِنْ سَمْهَرِيَّةٍ سَمْرَاءِ
إِنَّمَا يَفْخَرُ الْكَرِيمُ أَبُو الْمِسْ ... كِ بِمَا يَبْتَنِي مِنَ الْعَلْيَاءِ
وَبِأَيَّامِهِ الَّتِي انْسَلَخَتْ عَنْ ... هُ وَمَا دَارَهُ سِوَى الْهَيْجَاءِ
وَبِمَا أَثَّرَتْ صَوَارِمُهُ الْبِي ... ضُ لَهُ فِي جَمَاجِمِ الْأَعْدَاءِ
وَبِمِسْكٍ يُكَنَّى بِهِ لَيْسَ بِالْمِسْ ... كِ وَلَكِنَّهُ أَرِيجُ الثَّنَاءِ
لَا بِمَا تَبْتَنِي الْحَوَاضِرُ فِي الرِّي ... فِ وَمَا يَطَّبِي قُلُوبَ النِّسَاءِ
«نَزَلَتْ، إِذْ نَزَلْتَهَا، الدَّارُ فِي أَحْ ... سَنَ مِنْهَا مِنَ السَّنَا وَالسَّنَاءِ»
حَلَّ فِي مَنْبِتِ الرَّيَاحِينِ مِنْهَا ... مَنْبِتُ الْمَكْرُمَاتِ وَالْآلَاءِ
تَفْضَحُ الشَّمْسَ كُلَّمَا ذَرَّتِ الشَّمْ ... سُ بِشَمْسٍ مُنِيرَةٍ سَوْدَاءِ
إِنَّ فِي ثَوْبِكَ الَّذِي الْمَجْدُ فِيهِ ... لَضِيَاءً يُزْرِي بِكُلِّ ضِيَاءِ
«إِنَّمَا الْجِلْدُ مَلْبَسٌ، وَابْيِضَاضُ النَّ ... فْسِ خَيْرٌ مِنَ ابْيِضَاضِ الْقَبَاءِ»
«كَرَمٌ فِي شَجَاعَةٍ، وَذَكَاءٌ ... فِي بَهَاءٍ، وَقُدْرَةٌ فِي وَفَاءِ»
مَنْ لِبِيضِ الْمُلُوكِ أَنْ تُبَدِّلَ اللَّوْ ... نَ بِلَوْنِ الْأُسْتَاذِ وَالسَّحْنَاءِ
فَتَرَاهَا بَنُو الْحُرُوبِ بِأَعْيَا ... نٍ تَرَاهُ بِهَا غَدَاةَ اللِّقَاءِ
يَا رَجَاءَ الْعُيُونِ فِي كُلِّ أَرْضٍ ... لَمْ يَكُنْ غَيْرَ أَنْ أَرَاكَ رَجَائِي
"وَلَقَدْ أَفْنَتِ الْمَفَاوِزُ خَيْلِي ... قَبْلَ أَنْ نَلْتَقِي، وَزَادِي وَمَائِي"
فَارْمِ بِي مَا أَرَدْتَ مِنِّي فَإِنِّي ... أَسَدُ الْقَلْبِ آدَمِيُّ الرُّوَاءِ
وَفُؤَادِي مِنَ الْمُلُوكِ وَإِنْ كَا ... نَ لِسَانِي يُرَى مِنَ الشُّعَرَاءِ
***
مِنَ الْجَآذِرِ فِي زِيِّ الْأَعَارِيبِ ... حُمْرِ الْحُلَى وَالْمَطَايَا وَالْجَلَابِيبِ
إِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ شَكًّا فِي مَعَارِفِهَا ... فَمَنْ بَلَاكَ بِتَسْهِيدٍ وَتَعْذِيبِ
لَا تَجْزِنِي بِضَنًى بِي بَعْدَهَا بَقَرٌ ... تَجْزِي دُمُوعِي مَسْكُوبًا بِمَسْكُوبِ
سَوَائِرٌ رُبَّمَا سَارَتْ هَوَادِجُهَا ... مَنِيعَةً بَيْنَ مَطْعُونٍ وَمَضْرُوبِ
وَرُبَّمَا وَخَدَتْ أَيْدِي الْمَطِيِّ بِهَا ... عَلَى نَجِيعٍ مِنَ الْفُرْسَانِ مَصْبُوبِ
كَمْ زَوْرَةٍ لَكَ فِي الْأَعْرَابِ خَافِيَةٍ ... أَدْهَى وَقَدْ رَقَدُوا مِنْ زَوْرَةِ الذِّيبِ
أَزُورُهُمْ وَسَوَادُ اللَّيْلِ يَشْفَعُ لِي ... وَأَنْثَنِي وَبَيَاضُ الصُّبْحِ يُغْرِي بِي
قَدْ وَافَقُوا الْوَحْشَ فِي سُكْنَى مَرَاتِعِهَا ... وَخَالَفُوهَا بِتَقْوِيضٍ وَتَطْنِيبِ
جِيرَانُهَا وَهُمْ شَرُّ الْجِوَارِ لَهَا ... وَصَحْبُهَا وَهُمْ شَرُّ الْأَصَاحِيبِ
فُؤَادُ كُلِّ مُحِبٍّ فِي بُيُوتِهِمْ ... وَمَالُ كُلِّ أَخِيذِ الْمَالِ مَحْرُوبِ
مَا أَوْجُهُ الْحَضَرِ الْمُسْتَحْسَنَاتُ بِهِ ... كَأَوْجُهِ الْبَدَوِيَّاتِ الرَّعَابِيبِ
حُسْنُ الْحَضَارَةِ مَجْلُوبٌ بِتَطْرِيَةٍ ... وَفِي الْبَدَاوَةِ حُسْنٌ غَيْرُ مَجْلُوبِ
أَيْنَ الْمَعِيزُ مِنَ الْآرَامِ نَاظِرَةً ... وَغَيْرَ نَاظِرَةٍ فِي الْحُسْنِ وَالطِّيبِ
أَفْدِي ظِبَاءَ فَلَاةٍ مَا عَرَفْنَ بِهَا ... مَضْغَ الْكَلَامِ وَلَا صَبْغَ الْحَوَاجِيبِ
وَلَا بَرَزْنَ مِنَ الْحَمَّامِ مَائِلَةً ... أَوْرَاكُهُنَّ صَقِيلَاتِ الْعَرَاقِيبِ
وَمِنْ هَوَى كُلِّ مَنْ لَيْسَتْ مُمَوَّهَةً ... تَرَكْتُ لَوْنَ مَشِيبِي غَيْرَ مَخْضُوبِ
وَمِنْ هَوَى الصِّدْقِ فِي قَوْلِي وَعَادَتِهِ ... رَغِبْتُ عَنْ شَعَرٍ فِي الْوَجْهِ مَكْذُوبِ
لَيْتَ الْحَوَادِثَ بَاعَتْنِي الَّذِي أَخَذَتْ ... مِنِّي بِحِلْمِي الَّذِي أَعْطَتْ وَتَجْرِيبِي
فَمَا الْحَدَاثَةُ مِنْ حِلْمٍ بِمَانِعَةٍ ... قَدْ يُوجَدُ الْحِلْمُ فِي الشُّبَّانِ وَالشِّيبِ
"تَرَعْرَعَ الْمَلِكُ الْأُسْتَاذُ مُكْتَهِلًا ... قَبْلَ اكْتِهَالٍ، أَدِيبًا قَبْلَ تَأْدِيبِ"
مُجَرَّبًا فَهِمًا مِنْ قَبْلِ تَجْرِبَةٍ ... مُهَذَّبًا كَرَمًا مِنْ قَبْلِ تَهْذِيبِ
حَتَّى أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا نِهَايَتَهَا ... وَهَمُّهُ فِي ابْتِدَاءَاتٍ وَتَشْبِيبِ
يُدَبِّرُ الْمُلْكَ مِنْ مِصْرٍ إِلَى عَدَنٍ ... إِلَى الْعِرَاقِ فَأَرْضِ الرُّومِ فَالنُّوبِ
إِذَا أَتَتْهَا الرِّيَاحُ النُّكْبُ مِنْ بَلَدٍ ... فَمَا تَهُبُّ بِهَا إِلَّا بِتَرْتِيبِ
وَلَا تُجَاوِزُهَا شَمْسٌ إِذَا شَرَقَتْ ... إِلَّا وَمِنْهُ لَهَا إِذْنٌ بِتَغْرِيبِ
يُصَرِّفُ الْأَمْرَ فِيهَا طِينُ خَاتَمِهِ ... وَلَوْ تَطَلَّسَ مِنْهُ كُلُّ مَكْتُوبِ
يَحُطُّ كُلَّ طَوِيلِ الرُّمْحِ حَامِلُهُ ... مِنْ سَرْجِ كُلِّ طَوِيلِ الْبَاعِ يَعْبُوبِ
كَأَنَّ كُلَّ سُؤَالٍ فِي مَسَامِعِهِ ... قَمِيصُ يُوسُفَ فِي أَجْفَانِ يَعْقُوبِ
إِذَا غَزَتْهُ أَعَادِيهِ بِمَسْأَلَةٍ ... فَقَدْ غَزَتْهُ بِجَيْشٍ غَيْرِ مَغْلُوبِ
"أَوْ حَارَبَتْهُ فَمَا تَنْجُو بِتَقْدِمَةٍ ... مِمَّا أَرَادَ، وَلَا تَنْجُو بِتَجْبِيبِ"
"أَضْرَتْ شَجَاعَتُهُ أَقْصَى كَتَائِبِهِ ... عَلَى الْحِمَامِ، فَمَا مَوْتٌ بِمَرْهُوبِ"
قَالُوا هَجَرْتَ إِلَيْهِ الْغَيْثَ ! قُلْتُ لَهُمْ: ... إِلَى غُيُوثِ يَدَيْهِ وَالشَّآبِيبِ
إِلَى الَّذِي تَهَبُ الدَّوْلَاتِ رَاحَتُهُ ... وَلَا يَمُنُّ عَلَى آثَارِ مَوْهُوبِ
وَلَا يَرُوعُ بِمَغْدُورٍ بِهِ أَحَدًا ... وَلَا يُفَزِّعُ مَوْفُورًا بِمَنْكُوبِ
بَلَى يَرُوعُ بِذِي جَيْشٍ يُجَدِّلُهُ ... ذَا مِثْلِهِ فِي أَحَمِّ النَّقْعِ غِرْبِيبِ
وَجَدْتُ أَنْفَعَ مَالٍ كُنْتُ أَذْخَرُهُ ... مَا فِي السَّوَابِقِ مِنْ جَرْيٍ وَتَقْرِيبِ
لَمَّا رَأَيْنَ صُرُوفَ الدَّهْرِ تَغْدِرُ بِي ... وَفَيْنَ لِي وَوَفَتْ صُمُّ الْأَنَابِيبِ
فُتْنَ الْمَهَالِكَ حَتَّى قَالَ قَائِلُهَا: ... مَاذَا لَقِينَا مِنَ الْجُرْدِ السَّرَاحِيبِ
تَهْوِي بِمُنْجَرِدٍ لَيْسَتْ مَذَاهِبُهُ ... لِلُبْسِ ثَوْبٍ وَمَأْكُولٍ وَمَشْرُوبِ
يَرَى النُّجُومَ بِعَيْنَيْ مَنْ يُحَاوِلُهَا ... كَأَنَّهَا سَلَبٌ فِي عَيْنِ مَسْلُوبِ
حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى نَفْسٍ مُحَجَّبَةٍ ... تَلْقَى النُّفُوسَ بِفَضْلٍ غَيْرِ مَحْجُوبِ
فِي جِسْمِ أَرْوَعَ صَافِي الْعَقْلِ تُضْحِكُهُ ... خَلَائِقُ النَّاسِ إِضْحَاكَ الْأَعَاجِيبِ
"فَالْحَمْدُ قَبْلُ لَهُ، وَالْحَمْدُ بَعْدُ لَهَا ... وَلِلْقَنَا وَلِإِدْلَاجِي وَتَأْوِيبِي"
وَكَيْفَ أَجْحَدُ يَا كَافُورُ نِعْمَتَهَا ... وَقَدْ بَلَغْنَكَ بِي يَا كُلَّ مَطْلُوبِي
يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْغَانِي بِتَسْمِيَةٍ ... فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ عَنْ وَصْفٍ وَتَلْقِيبِ
أَنْتَ الْحَبِيبُ وَلَكِنِّي أَعُوذُ بِهِ ... مِنْ أَنْ أَكُونَ مُحِبًّا غَيْرَ مَحْبُوبِ
***
أَوَدُّ مِنَ الْأَيَّامِ مَا لَا تَوَدُّهُ ... وَأَشْكُو إِلَيْهَا بَيْنَنَا وَهِيَ جُنْدُهُ
يُبَاعِدُنِي حِبًّا يَجْتَمِعْنَ وَوَصْلُهُ ... فَكَيْفَ بِحِبٍّ يَجْتَمِعْنَ وَصَدُّهُ
أَبَى خُلُقُ الدُّنْيَا حَبِيبًا تُدِيمُهُ ... فَمَا طَلَبِي مِنْهَا حَبِيبًا تَرُدُّهُ
وَأَسْرَعُ مَفْعُولٍ فَعَلْتَ تَغَيُّرًا ... تَكَلُّفُ شَيْءٍ فِي طِبَاعِكَ ضِدُّهُ
رَعَى اللَّهُ عِيسًا فَارَقَتْنَا وَفَوْقَهَا ... مَهًا كُلُّهَا يُولِي بِجَفْنَيْهِ خَدَّهُ
بِوَادٍ بِهِ مَا بِالْقُلُوبِ كَأَنَّهُ ... وَقَدْ رَحَلُوا جِيدٌ تَنَاثَرَ عِقْدُهُ
إِذَا سَارَتِ الْأَحْدَاجُ فَوْقَ نَبَاتِهِ ... تَفَاوَحَ مِسْكُ الْغَانِيَاتِ وَرَنْدُهُ
وَحَالٍ كَإِحْدَاهُنَّ رُمْتُ بُلُوغَهَا ... وَمِنْ دُونِهَا غُولُ الطَّرِيقِ وَبُعْدُهُ
وَأَتْعَبُ خَلْقِ اللَّهِ مَنْ زَادَ هَمُّهُ ... وَقَصَّرَ عَمَّا تَشْتَهِي النَّفْسُ وُجْدُهُ
فَلَا يَنْحَلِلْ فِي الْمَجْدِ مَالُكَ كُلُّهُ ... فَيَنْحَلَّ مَجْدٌ كَانَ بِالْمَالِ عَقْدُهُ
وَدَبِّرْهُ تَدْبِيرَ الَّذِي الْمَجْدُ كَفُّهُ ... إِذَا حَارَبَ الْأَعْدَاءَ وَالْمَالُ زَنْدُهُ
فَلَا مَجْدَ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ قَلَّ مَالُهُ ... وَلَا مَالَ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ قَلَّ مَجْدُهُ
وَفِي النَّاسِ مَنْ يَرْضَى بِمَيْسُورِ عَيْشِهِ ... وَمَرْكُوبُهُ رِجْلَاهُ وَالثَّوَابُ جِلْدُهُ
وَلَكِنَّ قَلْبًا بَيْنَ جَنْبَيَّ مَا لَهُ ... مَدًى يَنْتَهِي بِي فِي مُرَادٍ أَحُدُّهُ
يَرَى جِسْمَهُ يُكْسَى شُفُوفًا تُرِبُّهُ ... فَيَخْتَارُ أَنْ يُكْسَى دُرُوعًا تَهُدُّهُ
يُكَلِّفُنِي التَّهْجِيرَ فِي كُلِّ مَهْمَهٍ ... عَلِيقِي مَرَاعِيهِ وَزَادِي رَبْدُهُ
وَأَمْضَى سِلَاحٍ قَلَّدَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ ... رَجَاءُ أَبِي الْمِسْكِ الْكَرِيمِ وَقَصْدُهُ
هُمَا نَاصِرَا مَنْ خَانَهُ كُلُّ نَاصِرٍ ... وَأُسْرَةُ مَنْ لَمْ يُكْثِرِ النَّسْلَ جَدُّهُ
أَنَا الْيَوْمَ مِنْ غِلْمَانِهِ فِي عَشِيرَةٍ ... لَنَا وَالِدٌ مِنْهُ يُفَدِّيهِ وُلْدُهُ
فَمِنْ مَالِهِ مَالُ الْكَبِيرِ وَنَفْسِهِ ... وَمِنْ مَالِهِ دَرُّ الصَّغِيرِ وَمَهْدُهُ
نَجُرُّ الْقَنَا الْخَطِّيَّ حَوْلَ قِبَابِهِ ... وَتُرْدَى بِنَا قُبُّ الرِّبَاطِ وَجُرْدُهُ
وَنَمْتَحِنُ النُّشَّابَ فِي كُلِّ وَابِلٍ ... دَوِيُّ الْقِسِيِّ الْفَارِسِيَّةِ رَعْدُهُ
فَإِلَّا تَكُنْ مِصْرُ الشَّرَى أَوْ عَرِينَهُ ... فَإِنَّ الَّذِي فِيهَا مِنَ النَّاسِ أُسْدُهُ
سَبَائِكُ كَافُورٍ وَعِقْيَانُهُ الَّذِي ... بِصُمِّ الْقَنَا لَا بِالْأَصَابِعِ نَقْدُهُ
بَلَاهَا حَوَالَيْهِ الْعَدُوُّ وَغَيْرُهُ ... وَجَرَّبَهَا هَزْلُ الطِّرَادِ وَجِدُّهُ
أَبُو الْمِسْكِ لَا يَفْنَى بِذَنْبِكَ عَفْوُهُ ... وَلَكِنَّهُ يَفْنَى بِعُذْرِكَ حِقْدُهُ
فَيَا أَيُّهَا الْمَنْصُورُ بِالْجَدِّ سَعْيُهُ ... وَيَا أَيُّهَا الْمَنْصُورُ بِالسَّعْيِ جَدُّهُ
تَوَلَّى الصِّبَا عَنِّي فَأَخْلَفْتَ طِيبَهُ ... وَمَا ضَرَّنِي لَمَّا رَأَيْتُكَ فَقْدُهُ
"لَقَدْ شَبَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ كُهُولُهُ ... لَدَيْكَ، وَشَابَتْ عِنْدَ غَيْرِكَ مُرْدُهُ"
أَلَا لَيْتَ يَوْمَ السَّيْرِ يُخْبِرُ حَرُّهُ ... فَتَسْأَلَهُ، وَاللَّيْلَ يُخْبِرُ بَرْدُهُ
وَلَيْتَكَ تَرْعَانِي وَحَيْرَانُ مُعْرِضٌ ... فَتَعْلَمَ أَنِّي مِنْ حُسَامِكَ حَدُّهُ
وَأَنِّي إِذَا بَاشَرْتُ أَمْرًا أُرِيدُهُ ... تَدَانَتْ أَقَاصِيهِ وَهَانَ أَشَدُّهُ
وَمَا زَالَ أَهْلُ الدَّهْرِ يَشْتَبِهُونَ لِي ... إِلَيْكَ فَلَمَّا لُحْتَ لِي لَاحَ فَرْدُهُ
يُقَالُ إِذَا أَبْصَرْتَ جَيْشًا وَرَبَّهُ ... أَمَامَكَ رَبٌّ رَبُّ ذَا الْجَيْشِ عَبْدُهُ
وَأَلْقَى الْفَمَ الضَّحَّاكَ أَعْلَمُ أَنَّهُ ... قَرِيبٌ بِذِي الْكَفِّ الْمُفَدَّاةِ عَهْدُهُ
فَزَارَكَ مِنِّي مَنْ إِلَيْكَ اشْتِيَاقُهُ ... وَفِي النَّاسِ إِلَّا فِيكَ وَحْدَكَ زُهْدُهُ
يُخَلِّفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ دَارَكَ غَايَةً ... وَيَأْتِي فَيَدْرِي أَنَّ ذَلِكَ جُهْدُهُ
فَإِنْ نِلْتُ مَا أَمَّلْتُ مِنْكَ فَرُبَّمَا ... شَرِبْتُ بِمَاءٍ يَعْجِزُ الطَّيْرَ وِرْدُهُ
وَوَعْدُكَ فِعْلٌ قَبْلَ وَعْدٍ لِأَنَّهُ ... نَظِيرُ فِعَالِ الصَّادِقِ الْقَوْلِ وَعْدُهُ
فَكُنْ فِي اصْطِنَاعِي مُحْسِنًا كَمُجَرِّبٍ ... يَبِنْ لَكَ تَقْرِيبُ الْجَوَادِ وَشَدُّهُ
إِذَا كُنْتَ فِي شَكٍّ مِنَ السَّيْفِ فَابْلُهُ ... فَإِمَّا تُنَفِّيهِ وَإِمَّا تُعِدُّهُ
وَمَا الصَّارِمُ الْهِنْدِيُّ إِلَّا كَغَيْرِهِ ... إِذَا لَمْ يُفَارِقْهُ النِّجَادُ وَغِمْدُهُ
وَإِنَّكَ لَلْمَشْكُورُ فِي كُلِّ حَالَةٍ ... وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْبَشَاشَةَ رِفْدُهُ
وَكُلُّ نَوَالٍ كَانَ أَوْ هُوَ كَائِنٌ ... فَلَحْظَةُ طَرْفٍ مِنْكَ عِنْدِي نِدُّهُ
وَإِنِّي لَفِي بَحْرٍ مِنَ الْخَيْرِ أَصْلُهُ ... عَطَايَاكَ أَرْجُو مَدَّهَا وَهِيَ مَدُّهُ
وَمَا رَغْبَتِي فِي عَسْجَدٍ أَسْتَفِيدُهُ ... وَلَكِنَّهَا فِي مَفْخَرٍ أَسْتَجِدُّهُ
يَجُودُ بِهِ مَنْ يَفْضَحُ الْجُودَ جُودُهُ ... وَيَحْمَدُهُ مَنْ يَفْضَحُ الْحَمْدَ حَمْدُهُ
فَإِنَّكَ مَا مَرَّ النُّحُوسُ بِكَوْكَبٍ ... وَقَابَلْتَهُ إِلَّا وَوَجْهُكَ سَعْدُهُ
***
يَقِلُّ لَهُ الْقِيَامُ عَلَى الرُّءُوسِ ... وَبَذْلُ الْمَكْرُمَاتِ مِنَ النُّفُوسِ
إِذَا خَانَتْهُ فِي يَوْمٍ ضَحُوكٍ ... فَكَيْفَ تَكُونُ فِي يَوْمٍ عَبُوسٍ
***
أَحَقُّ دَارٍ بِأَنْ تُدْعَى مُبَارَكَةً ... دَارٌ مُبَارَكَةُ الْمُلْكِ الَّذِي فِيهَا
وَأَجْدَرُ الدُّورِ أَنْ تُسْقَى بِسَاكِنِهَا ... دَارٌ عَدَا النَّاسِ يَسْتَسْقُونَ أَهْلِيهَا
هَذِي مَنَازِلُكَ الْأُخْرَى نُهَنِّئُهَا ... فَمَنْ يَمُرُّ عَلَى الْأُولَى يُسَلِّيهَا
إِذَا حَلَلْتَ مَكَانًا بَعْدَ صَاحِبِهِ ... جَعَلْتَ فِيهِ عَلَى مَا قَبْلَهُ تِيهًا
لَا تُنْكِرِ الْعَقْلَ مِنْ دَارٍ تَكُونُ بِهَا ... فَإِنَّ رِيحَكَ رُوحٌ فِي مَغَانِيهَا
أَتَمَّ سَعْدَكَ مَنْ لَقَّاكَ أَوَّلَهُ ... وَلَا اسْتَرَدَّ حَيَاةً مِنْكَ مُعْطِيهَا
***
فِرَاقٌ وَمَنْ فَارَقْتُ غَيْرُ مُذَمَّمٍ ... وَأَمٌّ وَمَنْ يَمَّمْتُ خَيْرُ مُيَمَّمِ
وَمَا مَنْزِلُ اللَّذَّاتِ عِنْدِي بِمَنْزِلٍ ... إِذَا لَمْ أُبَجَّلْ عِنْدَهُ وَأُكَرَّمِ
سَجِيَّةُ نَفْسٍ مَا تَزَالُ مُلِيحَةً ... مِنَ الضَّيْمِ مَرْمِيًّا بِهَا كُلَّ مَخْرَمِ
"رَحَلْتُ فَكَمْ بَاكٍ بِأَجْفَانِ شَادِنٍ ... عَلَيَّ، وَكَمْ بَاكٍ بِأَجْفَانِ ضَيْغَمِ"
وَمَا رَبَّةُ الْقُرْطِ الْمَلِيحِ مَكَانُهُ ... بِأَجْزَعَ مِنْ رَبِّ الْحُسَامِ الْمُصَمَّمِ
فَلَوْ كَانَ مَا بِي مِنْ حَبِيبٍ مُقَنَّعٍ ... عَذَرْتُ وَلَكِنْ مِنْ حَبِيبٍ مُعَمَّمِ
رَمَى وَاتَّقَى رَمْيِي وَمِنْ دُونِ مَا اتَّقَى ... هَوًى كَاسِرٌ كَفِّي وَقَوْسِي وَأَسْهُمِي
إِذَا سَاءَ فِعْلُ الْمَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ ... وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ
وَعَادَى مُحِبِّيهِ بِقَوْلِ عُدَاتِهِ ... وَأَصْبَحَ فِي لَيْلٍ مِنَ الشَّكِّ مُظْلِمِ
أُصَادِقُ نَفْسَ الْمَرْءِ مِنْ قَبْلِ جِسْمِهِ ... وَأَعْرِفُهَا فِي فِعْلِهِ وَالتَّكَلُّمِ
وَأَحْلُمُ عَنْ خِلِّي وَأَعْلَمُ أَنَّهُ ... مَتَى أَجْزِهِ حِلْمًا عَنِ الْجَهْلِ يَنْدَمِ
وَإِنْ بَذَلَ الْإِنْسَانُ لِي جُودَ عَابِسٍ ... جَزَيْتُ بِجُودِ التَّارِكِ الْمُتَبَسِّمِ
وَأَهْوَى مِنَ الْفِتْيَانِ كُلَّ سَمَيْدَعٍ ... نَجِيبٍ كَصَدْرِ السَّمْهَرِيِّ الْمُقَوَّمِ
خَطَتْ تَحْتَهُ الْعِيسُ الْفَلَاةَ وَخَالَطَتْ ... بِهِ الْخَيْلُ كَبَّاتِ الْخَمِيسِ الْعَرَمْرَمِ
وَلَا عِفَّةٌ فِي سَيْفِهِ وَسِنَانِهِ ... وَلَكِنَّهَا فِي الْكَفِّ وَالْفَرْجِ وَالْفَمِ
وَمَا كُلُّ هَاوٍ لِلْجَمِيلِ بِفَاعِلٍ ... وَلَا كُلُّ فَعَّالٍ لَهُ بِمُتَمِّمِ
فِدًى لِأَبِي الْمِسْكِ الْكِرَامُ فَإِنَّهَا ... سَوَابِقُ خَيْلٍ يَهْتَدِينَ بِأَدْهَمِ
أَغَرَّ بِمَجْدٍ قَدْ شَخَصْنَ وَرَاءَهُ ... إِلَى خُلُقٍ رَحْبٍ وَخَلْقٍ مُطَهَّمِ
إِذَا مَنَعَتْ مِنْكَ السِّيَاسَةُ نَفْسَهَا ... فَقِفْ وَقْفَةً قُدَّامَهُ تَتَعَلَّمِ
يَضِيقُ عَلَى مَنْ رَاءَهُ الْعُذْرُ أَنْ يُرَى ... ضَعِيفَ الْمَسَاعِي أَوْ قَلِيلَ التَّكَرُّمِ
وَمَنْ مِثْلُ كَافُورٍ إِذَا الْخَيْلُ أَحْجَمَتْ ... وَكَانَ قَلِيلًا مَنْ يَقُولُ لَهَا اقْدُمِي
شَدِيدُ ثَبَاتِ الطِّرْفِ وَالنَّقْعُ وَاصِلٌ ... إِلَى لَهَوَاتِ الْفَارِسِ الْمُتَلَثِّمِ
أَبَا الْمِسْكِ أَرْجُو مِنْكَ نَصْرًا عَلَى الْعِدَا ... وَآمُلُ عِزًّا يَخْضِبُ الْبِيضَ بِالدَّمِ
وَيَوْمًا يَغِيظُ الْحَاسِدِينَ وَحَالَةً ... أُقِيمُ الشَّقَا فِيهَا مَقَامَ التَّنَعُّمِ
وَلَمْ أَرْجُ إِلَّا أَهْلَ ذَاكَ وَمَنْ يُرِدْ ... مَوَاطِرَ مِنْ غَيْرِ السَّحَائِبِ يَظْلِمِ
فَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي مِصْرَ مَا سِرْتُ نَحْوَهَا ... بِقَلْبِ الْمَشُوقِ الْمُسْتَهَامِ الْمُتَيَّمِ
وَلَا نَبَحَتْ خَيْلِي كِلَابُ قَبَائِلٍ ... كَأَنَّ بِهَا فِي اللَّيْلِ حَمْلَاتِ دَيْلَمِ
وَلَا اتَّبَعَتْ آثَارَنَا عَيْنُ قَائِفٍ ... فَلَمْ تَرَ إِلَّا حَافِرًا فَوْقَ مَنْسِمِ
وَسُمْنَا بِهَا الْبَيْدَاءَ حَتَّى تَغَمَّرَتْ ... مِنَ النِّيلِ وَاسْتَذْرَتْ بِظِلِّ الْمُقَطَّمِ
وَأَبْلَجَ يَعْصِي بِاخْتِصَاصِي مُشِيرَهُ ... عَصَيْتُ بِقَصْدِيهِ مُشِيرِي وَلُوَّمِي
فَسَاقَ إِلَيَّ الْعُرْفَ غَيْرَ مُكَدَّرٍ ... وَسُقْتُ إِلَيْهِ الشُّكْرَ غَيْرَ مُجَمْجَمِ
قَدِ اخْتَرْتُكَ الْأَمْلَاكَ فَاخْتَرْ لَهُمْ بِنَا ... حَدِيثًا وَقَدْ حَكَّمْتُ رَأْيَكَ فَاحْكُمِ
فَأَحْسَنُ وَجْهٍ فِي الْوَرَى وَجْهُ مُحْسِنٍ ... وَأَيْمَنُ كَفٍّ فِيهِمُ كَفُّ مُنْعِمِ
وَأَشْرَفُهُمْ مَنْ كَانَ أَشْرَفَ هِمَّةً ... وَأَكْثَرَ إِقْدَامًا عَلَى كُلِّ مُعْظَمِ
لِمَنْ تَطْلُبُ الدُّنْيَا إِذَا لَمْ تُرِدْ بِهَا ... سُرُورَ مُحِبٍّ أَوْ مَسَاءَةَ مُجْرِمِ
وَقَدْ وَصَلَ الْمُهْرُ الَّذِي فَوْقَ فَخْذِهِ ... مِنِ اسْمِكَ مَا فِي كُلِّ عُنْقٍ وَمِعْصَمِ
لَكَ الْحَيَوَانُ الرَّاكِبُ الْخَيْلَ كُلَّهُ ... وَإِنْ كَانَ بِالنِّيرَانِ غَيْرَ مُوَسَّمِ
وَلَوْ كُنْتُ أَدْرِي كَمْ حَيَاتِي قَسَمْتُهَا ... وَصَيَّرْتُ ثُلْثَيْهَا انْتِظَارَكَ فَاعْلَمِ
وَلَكِنَّ مَا يَمْضِي مِنَ الدَّهْرِ فَائِتٌ ... فَجُدْ لِي بِحَظِّ الْبَادِرِ الْمُتَغَنِّمِ
رَضِيتُ بِمَا تَرْضَى بِهِ لِي مَحَبَّةً ... وَقُدْتُ إِلَيْكَ النَّفْسَ قَوْدَ الْمُسَلِّمِ
وَمِثْلُكَ مَنْ كَانَ الْوَسِيطَ فُؤَادُهُ ... فَكَلِّمْهُ عَنِّي وَلَمْ أَتَكَلَّمِ
***
أَنَوْكُ مِنْ عَبْدٍ وَمِنْ عِرْسِهِ ... مَنْ حَكَّمَ الْعَبْدَ عَلَى نَفْسِهِ
وَإِنَّمَا يُظْهِرُ تَحْكِيمَهُ ... لِيُحْكِمَ الْإِفْسَادَ فِي حِسِّهِ
مَا مَنْ يَرَى أَنَّكَ فِي وَعْدِهِ ... كَمَنْ يَرَى أَنَّكَ فِي حَبْسِهِ
الْعَبْدُ لَا تَفْضُلُ أَخْلَاقُهُ ... عَنْ فَرْجِهِ الْمُنْتِنِ أَوْ ضِرْسِهِ
لَا يُنْجِزُ الْمِيعَادَ فِي يَوْمِهِ ... وَلَا يَعِي مَا قَالَ فِي أَمْسِهِ
وَإِنَّمَا تَحْتَالُ فِي جَذْبِهِ ... كَأَنَّكَ الْمَلَّاحُ فِي قَلْسِهِ
فَلَا تُرَجِّ الْخَيْرَ عِنْدَ امْرِئٍ ... مَرَّتْ يَدُ النَّخَّاسِ فِي رَأْسِهِ
وَإِنْ عَرَاكَ الشَّكُّ فِي نَفْسِهِ ... بِحَالِهِ فَانْظُرْ إِلَى جِنْسِهِ
فَقَلَّمَا يَلْؤُمُ فِي ثَوْبِهِ ... إِلَّا الَّذِي يَلْؤُمُ فِي غَرْسِهِ
مَنْ وَجَدَ الْمَذْهَبَ عَنْ قَدْرِهِ ... لَمْ يَجِدِ الْمَذْهَبَ عَنْ قَنْسِهِ
***
حَسَمَ الصُّلْحُ مَا اشْتَهَتْهُ الْأَعَادِي ... وَأَذَاعَتْهُ أَلْسُنُ الْحُسَّادِ
وَأَرَادَتْهُ أَنْفُسٌ حَالَ تَدْبِي ... رِكَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُرَادِ
صَارَ مَا أَوْضَعَ الْمُخِبُّونَ فِيهِ ... مِنْ عِتَابٍ، زِيَادَةً فِي الْوِدَادِ
وَكَلَامُ الْوُشَاةِ لَيْسَ عَلَى الْأَحْبَا ... بِ سُلْطَانِهِ عَلَى الْأَضْدَادِ
إِنَّمَا تَنْجَحُ الْمَقَالَةُ فِي الْمَرْ ... ءِ إِذَا وَافَقَتْ هَوًى فِي الْفُؤَادِ
وَلَعَمْرِي لَقَدْ هُزِزْتُ بِمَا قِي ... لَ فَأُلْفِيتُ أَوْثَقَ الْأَطْوَادِ
وَأَشَارَتْ بِمَا أَبَيْتَ رِجَالٌ ... كُنْتَ أَهْدَى مِنْهَا إِلَى الْإِرْشَادِ
قَدْ يُصِيبُ الْفَتَى الْمُشِيرُ وَلَمْ يَجْ ... هَدْ وَيُشْوِي الصَّوَابَ بَعْدَ اجْتِهَادِ
نِلْتَ مَا لَا يُنَالُ بِالْبِيضِ وَالسُّمْ ... رِ وَصُنْتَ الْأَرْوَاحَ فِي الْأَجْسَادِ
وَقَنَا الْخَطِّ فِي مَرَاكِزِهَا حَوْ ... لَكَ وَالْمُرْهَفَاتُ فِي الْأَغْمَادِ
مَا دَرَوْا، إِذْ رَأَوْا فُؤَادَكَ فِيهِمْ ... سَاكِنًا، أَنَّ رَأْيَهُ فِي الطِّرَادِ
فَفِدَى رَأْيِكَ الَّذِي لَمْ تُفَدْهُ ... كُلُّ رَأْيٍ مُعَلَّمٍ مُسْتَفَادِ
وَإِذَا الْحِلْمُ لَمْ يَكُنْ فِي طِبَاعٍ ... لَمْ يُحَلِّمْ تَقَدُّمُ الْمِيلَادِ
فَبِهَذَا وَمِثْلِهِ سُدْتَ يَا كَا ... فُورُ وَاقْتَدْتَ كُلَّ صَعْبِ الْقِيَادِ
وَأَطَاعَ الَّذِي أَطَاعَكَ وَالطَّا ... عَةُ لَيْسَتْ خَلَائِقَ الْآسَادِ
إِنَّمَا أَنْتَ وَالِدٌ، وَالْأَبُ الْقَا ... طِعُ أَحْنَى مِنْ وَاصِلِ الْأَوْلَادِ
لَا عَدَا الشَّرُّ مَنْ بَغَى لَكُمَا الشَّرَّ ... وَخَصَّ الْفَسَادُ أَهْلَ الْفَسَادِ
أَنْتُمَا مَا اتَّفَقْتُمَا الْجِسْمُ وَالرُّو ... حُ فَلَا احْتَجْتُمَا إِلَى الْعُوَّادِ
وَإِذَا كَانَ فِي الْأَنَابِيبِ خُلْفٌ ... وَقَعَ الطَّيْشُ فِي صُدُورِ الصِّعَادِ
أَشْمَتَ الْخُلْفُ بِالشُّرَاةِ عِدَاهَا ... وَشَفَى رَبَّ فَارِسٍ مِنْ إِيَادِ
وَتَوَلَّى بَنِي الْبَرِيدِيِّ فِي الْبَصْ ... رَةِ حَتَّى تَمَزَّقُوا فِي الْبِلَادِ
بِكُمَا بِتُّ عَائِذًا فِيكُمَا مِنْ ... هُ وَمِنْ كُلِّ بَاغٍ وَعَادِ
وَبِلُبَّيْكُمَا الْأَصِيلَيْنِ أَنْ تَفْ ... رُقَ صُمُّ الرِّمَاحِ بَيْنَ الْجِيَادِ
أَوْ يَكُونَ الْوَلِيُّ أَشْقَى عَدُوٍّ ... بِالَّذِي تَذْخَرَانِهِ مِنْ عَتَادِ
هَلْ يَسُرَّنَّ بَاقِيًا بَعْدَ مَاضٍ ... مَا تَقُولُ الْعُدَاةُ فِي كُلِّ نَادِ
مَنَعَ الْوُدُّ وَالرِّعَايَةُ وَالسُّؤْ ... دُدُ أَنْ تَبْلُغَا إِلَى الْأَحْقَادِ
وَحُقُوقٌ تُرَقِّقُ الْقَلْبَ لِلْقَلْ ... بِ وَلَوْ ضُمِّنَتْ قُلُوبَ الْجَمَادِ
فَغَدَا الْمَلِكُ بَاهِرًا مَنْ رَآهُ ... شَاكِرًا مَا أَتَيْتُمَا مِنْ سَدَادِ
فِيهِ أَيْدِيكُمَا عَلَى الظَّفَرِ الْحُلْ ... وِ وَأَيْدِي قَوْمٍ عَلَى الْأَكْبَادِ
هَذِهِ دَوْلَةُ الْمَكَارِمِ وَالرَّأْ ... فَةِ وَالْمَجْدِ وَالنَّدَى وَالْأَيَادِي
كَسَفَتْ سَاعَةً كَمَا تَكْسِفُ الشَّمْ ... سُ وَعَادَتْ وَنُورُهَا فِي ازْدِيَادِ
يَزْحَمُ الدَّهْرَ رُكْنُهَا عَنْ أَذَاهَا ... بِفَتًى مَارِدٍ عَلَى الْمُرَّادِ
«مُتْلِفٍ، مُخْلِفٍ، وَفِيٍّ، أَبِيٍّ، ... عَالِمٍ، حَازِمٍ، شُجَاعٍ، جَوَادِ»
أَجْفَلَ النَّاسُ عَنْ طَرِيقِ أَبِي الْمِسْ ... كِ وَذَلَّتْ لَهُ رِقَابُ الْعِبَادِ
كَيْفَ لَا يُتْرَكُ الطَّرِيقُ لِسَيْلٍ ... ضَيِّقٍ عَنْ أَتِيِّهِ كُلُّ وَادِ
***
أُغَالِبُ فِيكَ الشَّوْقَ وَالشَّوْقُ أَغْلَبُ ... وَأَعْجَبُ مِنْ ذَا الْهَجْرِ وَالْوَصْلُ أَعْجَبُ
«أَمَا تَغْلَطُ الْأَيَّامُ فِيَّ بِأَنْ أَرَى ... بَغِيضًا تُنَائِي، أَوْ حَبِيبًا تُقَرِّبُ»
وَلِلَّهِ سَيْرِي مَا أَقَلَّ تَئِيَّةً ... عَشِيَّةَ شَرْقِيَّ الْحَدَالَى وَغُرَّبُ
عَشِيَّةَ أَحْفَى النَّاسِ بِي مَنْ جَفَوْتُهُ ... وَأَهْدَى الطَّرِيقَيْنِ الَّذِي أَتَجَنَّبُ
وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدِي مِنْ يَدٍ ... تُخَبِّرُ أَنَّ الْمَانَوِيَّةَ تَكْذِبُ
وَقَاكَ رَدَى الْأَعْدَاءِ تَسْرِي إِلَيْهِمُ ... وَزَارَكَ فِيهِ ذُو الدَّلَالِ الْمُحَجَّبُ
وَيَوْمٍ كَلَيْلِ الْعَاشِقِينَ كَمَنْتُهُ ... أُرَاقِبُ فِيهِ الشَّمْسَ أَيَّانَ تَغْرُبُ
وَعَيْنِي إِلَى أُذْنَيْ أَغَرَّ كَأَنَّهُ ... مِنَ اللَّيْلِ بَاقٍ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَوْكَبُ
لَهُ فَضْلَةٌ عَنْ جِسْمِهِ فِي إِهَابِهِ ... تَجِيءُ عَلَى صَدْرٍ رَحِيبٍ وَتَذْهَبُ
شَقَقْتُ بِهِ الظَّلْمَاءَ أُدْنِي عِنَانَهُ ... فَيَطْغَى وَأُرْخِيهِ مِرَارًا فَيَلْعَبُ
وَأَصْرَعُ أَيَّ الْوَحْشِ قَفَّيْتُهُ بِهِ ... وَأَنْزِلُ عَنْهُ مِثْلَهُ حِينَ أَرْكَبُ
وَمَا الْخَيْلُ إِلَّا كَالصَّدِيقِ قَلِيلَةٌ ... وَإِنْ كَثُرَتْ فِي عَيْنِ مَنْ لَا يُجَرِّبُ
إِذَا لَمْ تُشَاهِدْ غَيْرَ حُسْنِ شِيَاتِهَا ... وَأَعْضَائِهَا فَالْحُسْنُ عَنْكَ مُغَيَّبُ
لَحَا اللَّهُ ذِي الدُّنْيَا مُنَاخًا لِرَاكِبٍ ... فَكُلُّ بَعِيدِ الْهَمِّ فِيهَا مُعَذَّبُ
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي: هَلْ أَقُولُ قَصِيدَةً ... فَلَا أَشْتَكِي فِيهَا وَلَا أَتَعَتَّبُ
وَبِي مَا يَذُودُ الشِّعْرَ عَنِّي أَقَلُّهُ ... وَلَكِنَّ قَلْبِي يَا ابْنَةَ الْقَوْمِ قُلَّبُ
«وَأَخْلَاقُ كَافُورٍ، إِذَا شِئْتُ مَدْحَهُ ... وَإِنْ لَمْ أَشَأْ تُمْلِي عَلَيَّ وَأَكْتُبُ»
إِذَا تَرَكَ الْإِنْسَانُ أَهْلًا وَرَاءَهُ ... وَيَمَّمَ كَافُورًا فَمَا يَتَغَرَّبُ
فَتًى يَمْلَأُ الْأَفْعَالَ رَأْيًا وَحِكْمَةً ... وَبَادِرَةً أَحْيَانَ يَرْضَى وَيَغْضَبُ
إِذَا ضَرَبَتْ فِي الْحَرْبِ بِالسَّيْفِ كَفُّهُ ... تَبَيَّنْتُ أَنَّ السَّيْفَ بِالْكَفِّ يَضْرِبُ
تَزِيدُ عَطَايَاهُ عَلَى اللَّبْثِ كَثْرَةً ... وَتَلْبَثُ أَمْوَاهُ السَّحَابِ فَتَنْضُبُ
أَبَا الْمِسْكِ هَلْ فِي الْكَأْسِ فَضْلٌ أَنَالُهُ ؟ ... فَإِنِّي أُغَنِّي مُنْذُ حِينٍ وَتَشْرَبُ
وَهَبْتَ عَلَى مِقْدَارِ كَفَّيْ زَمَانِنَا ... وَنَفْسِي عَلَى مِقْدَارِ كَفَّيْكَ تَطْلُبُ
إِذَا لَمْ تَنُطْ بِي ضَيْعَةً أَوْ وِلَايَةً ... فَجُودُكَ يَكْسُونِي وَشُغْلُكَ يَسْلُبُ
يُضَاحِكُ فِي ذَا الْعِيدِ كُلٌّ حَبِيبَهُ ... حِذَائِي وَأَبْكِي مَنْ أُحِبُّ وَأَنْدُبُ
أَحِنُّ إِلَى أَهْلِي وَأَهْوَى لِقَاءَهُمْ ... وَأَيْنَ مِنَ الْمُشْتَاقِ عَنْقَاءُ مُغْرِبُ
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَبُو الْمِسْكِ أَوْ هُمُ ... فَإِنَّكَ أَحْلَى فِي فُؤَادِي وَأَعْذَبُ
وَكُلُّ امْرِئٍ يُولِي الْجَمِيلَ مُحَبَّبٌ ... وَكُلُّ مَكَانٍ يَنْبُتُ الْعِزَّ طَيِّبُ
يُرِيدُ بِكَ الْحُسَّادُ مَا اللَّهُ دَافِعٌ ... وَسُمْرُ الْعَوَالِي وَالْحَدِيدُ الْمُذَرَّبُ
وَدُونَ الَّذِي يَبْغُونَ مَا لَوْ تَخَلَّصُوا ... إِلَى الشَّيْبِ مِنْهُ عِشْتَ وَالطِّفْلُ أَشْيَبُ
إِذَا طَلَبُوا جَدْوَاكَ أُعْطُوا وَحُكِّمُوا ... وَإِنْ طَلَبُوا الْفَضْلَ الَّذِي فِيكَ خُيِّبُوا
وَلَوْ جَازَ أَنْ يَحْوُوا عُلَاكَ وَهَبْتَهَا ... وَلَكِنْ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا لَيْسَ يُوهَبُ
وَأَظْلَمُ أَهْلِ الظُّلْمِ مَنْ بَاتَ حَاسِدًا ... لِمَنْ بَاتَ فِي نَعْمَائِهِ يَتَقَلَّبُ
وَأَنْتَ الَّذِي رَبَّيْتَ ذَا الْمُلْكِ مُرْضِعًا ... وَلَيْسَ لَهُ أُمٌّ سِوَاكَ وَلَا أَبُ
وَكُنْتَ لَهُ لَيْثَ الْعَرِينِ لِشِبْلِهِ ... وَمَا لَكَ إِلَّا الْهِنْدُوَانِيُّ مِخْلَبُ
لَقِيتَ الْقَنَا عَنْهُ بِنَفْسٍ كَرِيمَةٍ ... إِلَى الْمَوْتِ فِي الْهَيْجَا مِنَ الْعَارِ تَهْرُبُ
وَقَدْ يَتْرُكُ النَّفْسَ الَّتِي لَا تَهَابُهُ ... وَيَخْتَرِمُ النَّفْسَ الَّتِي تَتَهَيَّبُ
وَمَا عَدِمَ اللَّاقُوكَ بَأْسًا وَشِدَّةً ... وَلَكِنَّ مَنْ لَاقَوْا أَشَدُّ وَأَنْجَبُ
"ثَنَاهُمْ، وَبَرْقُ الْبِيضِ فِي الْبِيضِ صَادِقٌ ... عَلَيْهِمْ، وَبَرْقُ الْبِيضِ فِي الْبِيضِ خُلَّبُ"
سَلَلْتَ سُيُوفًا عَلَّمَتْ كُلَّ خَاطِبٍ ... عَلَى كُلِّ عُودٍ كَيْفَ يَدْعُو وَيَخْطُبُ
وَيُغْنِيكَ عَمَّا يَنْسِبُ النَّاسُ أَنَّهُ ... إِلَيْكَ تَنَاهَى الْمَكْرُمَاتُ وَتُنْسَبُ
وَأَيُّ قَبِيلٍ يَسْتَحِقُّكَ قَدْرُهُ ... مَعَدُّ بْنُ عَدْنَانٍ فِدَاكَ وَيَعْرُبُ
وَمَا طَرَبِي لَمَّا رَأَيْتُكَ بِدْعَةً ... لَقَدْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَرَاكَ فَأَطْرَبُ
وَتَعْذُلُنِي فِيكَ الْقَوَافِي وَهِمَّتِي ... كَأَنِّي بِمَدْحٍ قَبْلَ مَدْحِكَ مُذْنِبُ
وَلَكِنَّهُ حَالَ الطَّرِيقُ وَلَمْ أَزَلْ ... أُفَتِّشُ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ وَيُنْهَبُ
فَشَرَّقَ حَتَّى لَيْسَ لِلشَّرْقِ مَشْرِقٌ ... وَغَرَّبَ حَتَّى لَيْسَ لِلْغَرْبِ مَغْرِبُ
إِذَا قُلْتُهُ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ وُصُولِهِ ... جِدَارٌ مُعَلًّى أَوْ خِبَاءٌ مُطَنَّبُ
***
بِمَ التَّعَلُّلُ لَا أَهْلٌ وَلَا وَطَنُ ... وَلَا نَدِيمٌ، وَلَا كَأْسٌ، وَلَا سَكَنُ
أُرِيدُ مِنْ زَمَنِي ذَا أَنْ يُبَلِّغَنِي ... مَا لَيْسَ يَبْلُغُهُ فِي نَفْسِهِ الزَّمَنُ
لَا تَلْقَ دَهْرَكَ إِلَّا غَيْرَ مُكْتَرِثٍ ... مَا دَامَ يَصْحَبُ فِيهِ رُوحَكَ الْبَدَنُ
فَمَا يُدِيمُ سُرُورٌ مَا سُرِرْتَ بِهِ ... وَلَا يَرُدُّ عَلَيْكَ الْفَائِتَ الْحَزَنُ
مِمَّا أَضَرَّ بِأَهْلِ الْعِشْقِ أَنَّهُمُ ... هَوُوا وَمَا عَرَفُوا الدُّنْيَا وَلَا فَطِنُوا
تَفْنَى عُيُونُهُمْ دَمْعًا وَأَنْفُسُهُمْ ... فِي إِثْرِ كُلِّ قَبِيحٍ وَجْهُهُ حَسَنُ
تَحَمَّلُوا حَمَلَتْكُمْ كُلُّ نَاجِيَةٍ ... فَكُلُّ بَيْنٍ عَلَيَّ الْيَوْمَ مُؤْتَمَنُ
مَا فِي هَوَادِجِكُمْ مِنْ مُهْجَتِي عِوَضٌ ... إِنْ مُتُّ شَوْقًا وَلَا فِيهَا لَهَا ثَمَنُ
يَا مَنْ نُعِيتُ عَلَى بُعْدٍ بِمَجْلِسِهِ ... كُلٌّ بِمَا زَعَمَ النَّاعُونَ مُرْتَهَنُ
كَمْ قَدْ قُتِلْتُ وَكَمْ قَدْ مُتُّ عِنْدَكُمْ ... ثُمَّ انْتَفَضْتُ فَزَالَ الْقَبْرُ وَالْكَفَنُ
قَدْ كَانَ شَاهِدَ دَفْنِي قَبْلَ قَوْلِهِمْ ... جَمَاعَةٌ ثُمَّ مَاتُوا قَبْلَ مَنْ دَفَنُوا
مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى الْمَرْءُ يُدْرِكُهُ ... تَجْرِي الرِّيَاحُ بِمَا لَا تَشْتَهِي السُّفُنُ
رَأَيْتُكُمْ لَا يَصُونُ الْعِرْضَ جَارُكُمُ ... وَلَا يَدِرُّ عَلَى مَرْعَاكُمُ اللَّبَنُ
جَزَاءُ كُلِّ قَرِيبٍ مِنْكُمُ مَلَلٌ ... وَحَظُّ كُلِّ مُحِبٍّ مِنْكُمُ ضَغَنُ
وَتَغْضَبُونَ عَلَى مَنْ نَالَ رِفْدَكُمُ ... حَتَّى يُعَاقِبَهُ التَّنْغِيصُ وَالْمِنَنُ
فَغَادَرَ الْهَجْرُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ ... بَهْمَاءَ تَكْذِبُ فِيهَا الْعَيْنُ وَالْأُذُنُ
تَحْبُو الرَّوَاسِمُ مِنْ بَعْدِ الرَّسِيمِ بِهَا ... وَتَسْأَلُ الْأَرْضَ عَنْ أَخْفَافِهَا الثُّفُنُ
إِنِّي أُصَاحِبُ حِلْمِي وَهْوَ بِي كَرَمٌ ... وَلَا أُصَاحِبُ حِلْمِي وَهْوَ بِي جُبُنُ
وَلَا أُقِيمُ عَلَى مَالٍ أُذَلُّ بِهِ ... وَلَا أَلَذُّ بِمَا عِرْضِي بِهِ دَرَنُ
سَهِرْتُ بَعْدَ رَحِيلِي وَحْشَةً لَكُمُ ... ثُمَّ اسْتَمَرَّ مَرِيرِي وَارْعَوَى الْوَسَنُ
وَإِنْ بُلِيتُ بِوُدٍّ مِثْلِ وُدِّكُمُ ... فَإِنَّنِي بِفِرَاقٍ مِثْلِهِ قَمِنُ
أَبْلَى الْأَجِلَّةَ مُهْرِي عِنْدَ غَيْرِكُمُ ... وَبُدِّلَ الْعُذْرُ بِالْفُسْطَاطِ وَالرَّسَنُ
عِنْدَ الْهُمَامِ أَبِي الْمِسْكِ الَّذِي غَرِقَتْ ... فِي جُودِهِ مُضَرُ الْحَمْرَاءِ وَالْيَمَنُ
وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنِّي بَعْضُ مَوْعِدِهِ ... فَمَا تَأَخَّرُ آمَالِي وَلَا تَهِنُ
هُوَ الْوَفِيُّ وَلَكِنِّي ذَكَرْتُ لَهُ ... مَوَدَّةً فَهُوَ يَبْلُوهَا وَيَمْتَحِنُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
سند النص
صُحِّح ٢٧ بيتًا فيه من نسخٍ أخرى في المكتبة
من شروح القرّاء
تكون مطالب المرء التي يعزم عليها، بمقدار ما بلغه من عالي الهمة وقوة الإرادة، فإن كان كبير النفس قوي العزم، كان الأمر الذي يعزم عليه عظيما، وكذلك المكارم تكون على قدر ذويها.
وهذا مأخوذ مما في الحديث :إن بعض العقلاء سئل عن اسوأ الناس حالاً؟ فقال:من قويت شهوته وبعدت همته واتسعت معرفته وضاقت مقدرته
الهم:الهمة، والوجد:السعة قال الواحدي:هذا مثل ضربه لنفسه كأنه يقول:أنا أتعب خلق الله لزيادة همتي وقصور طاقتي من الغنى عن مبلغ ما أهم به
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الجيوش: جيش: جاشَت النفسُ تَجِيش جَيْشاً وجُيوشاً وجَيَشاناً: فاظَتْ. وجاشَتْ نفسِي جَيْشاً وجَيشاناً: غَثَتْ أَو دارَتْ لِلْغَّثَيان، فإِن أَردْتَ أَنها ارتفعَت مِنْ حُزن أَو فزَع قُلت: جَشَأَت. وَفِي الْحَدِيثِ: جاؤوا بِلَحْم … (لسان العرب)
- الحدث: حدث: الحَدِيثُ: نقيضُ الْقَدِيمِ. والحُدُوث: نقيضُ القُدْمةِ. حَدَثَ الشيءُ يَحْدُثُ حُدُوثاً وحَداثةً، وأَحْدَثه هُوَ، فَهُوَ مُحْدَثٌ وحَديث، وَكَذَلِكَ اسْتَحدثه. وأَخذني مِنْ ذَلِكَ مَا قَدُمَ وحَدُث؛ وَلَا يُقَالُ ح … (لسان العرب)
- الخضارم: خضرم: بِئْرٌ خِضْرِمٌ: كَثِيرَةُ الْمَاءِ. وَمَاءٌ مُخَضْرَمٌ وخُضارِمٌ: كَثِيرٌ؛ وَخَرَجَ العَجَّاج يُرِيدُ اليَمامة فَاسْتَقْبَلَهُ جَريرُ بْنُ الخَطَفى فَقَالَ: أَين تُرِيدُ؟ قَالَ: أُريد الْيَمَامَةَ، قَالَ: تَجِدُ ب … (لسان العرب)
- الساقيين: سقي: السَّقْيُ: مَعْرُوفٌ، وَالِاسْمُ السُّقْيا، بِالضَّمِّ، وسَقاهُ اللهُ الغيثَ وأَسْقاهُ؛ وَقَدْ جَمَعَهما لَبيدٌ فِي قَوْلِهِ: سَقَى قَوْمي بَنِي مَجْدٍ، وأَسْقَى ... نُمَيْراً والقبائِلَ مِنْ هِلالِ وَيُقَالُ: سَقَي … (لسان العرب)
- الضراغم: ضرغم: الضَّرْغَمُ والضِّرْغامُ والضِّرْغامةُ: الأَسد. وَرَجُلٌ ضِرْغامةٌ: شُجاعٌ، فَإِمَّا أَن يَكُونَ شُبِّه بالأَسد، وإِما أَن يَكُونَ ذَلِكَ أَصلًا فِيهِ؛ وأَنشد سِيبَوَيْهِ: فَتى الناسِ لَا يَخْفى عَلَيْهِمْ مكانهُ، … (لسان العرب)