١نُعِدُّ الْمَشْرَفِيَّةَ وَالْعَوَالِي
وَتَقْتُلُنَا الْمَنُونُ بِلَا قِتَالِ
الواحدي: المنون الدهر يذكر ويؤنث ويكون واحدا وجمعا يقول نعد السيوف والرماح ولا غناء لها مع الدهر لأنه يقتل من يقتله من غير قتال فإذن لا حاجة إليها
العكبري: ١ الْغَرِيب المشرفية السيوف والعوالي الرماح والمنون الدَّهْر يذكر وَيُؤَنث وَقيل الْمنون الْمَوْت فَمن أَرَادَ بِهِ الدَّهْر ذكره وَمن أَرَادَ الْمنية أنثه الْمَعْنى يَقُول نَحن نعد السيوف والرماح أَي صوارم السيوف وعوالي الرماح لمنازلة الْأَعْدَاء ومدافعة الأقران وَالْمَوْت يخترم نفوسنا دون قتال أَو نزال لَا يمكننا حذارها وَلَا يتهيأ لنا دفاعها قَالَ ابْن وَكِيع عَجزه ينظر إِلَى قَول أَبى زرْعَة (وَمَنْ لَا سِلاحَ لَهُ يُتَّقَى ... وَإنْ هًوَ قاتَلَ لَمْ يَغْلِبِ)
٢وَنَرْتَبِطُ السَّوَابِقَ مُقْرَبَاتٍ
وَمَا يُنْجِينَ مِنْ خَبَبِ اللَّيَالِي
الواحدي: المقربات الخيل المدناة من البيوت إما لفرط الحاجة إليها وإما للضن بها لا ترسل إلى الرعي يقول نرتبط الخيل ثم لا تنجينا من سعي الليالي فإنها تقتلنا وتدركنا
العكبري: الْغَرِيب السوابق جمع سَابق وسابقة والمقربات من الْخَيل هِيَ الْكِرَام الَّتِي ترْبط لكرامتها على أَصْحَابهَا أَو لفرط الْحَاجة إِلَيْهَا والخبب عَدو لَا يستفرغ الْجهد الْمَعْنى يَقُول ونرتبط الْخُيُول الْكَرِيمَة الْعتاق وَمَعَ هَذَا لَا تنجينا وَلَا تعصمنا من طلب الدَّهْر لنا وخبب لياليه فِي آثارنا قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول عبد الله بن طَاهِر (كأنَّنا فِي حُرُوبٍ مِنْ حَوَادِثِهِ ... فنَحنُ مِنْ بَينِ مَجْرُوحٍ ومطًعون)
٣وَمَنْ لَمْ يَعْشَقِ الدُّنْيَا قَدِيمًا
وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى الْوِصَالِ
الواحدي: يقول من الذي لم يعشق الدنيا فيما قدم من الزمان أي كل من الناس يهواها ولكن لا سبيل إلى دوام وصالها وهذا من باب حذف المضاف وكثير من عشاقها وأصلها وواصلته ولكنها لا تدوم على الوصال ورواه الخوارزمي إلى وصال
العكبري: الْإِعْرَاب من اسْتِفْهَام وروى وصال بالتنكير الْمَعْنى يُرِيد أَن النُّفُوس مجبولة على حب الدُّنْيَا مَعَ التيقن بِسُرْعَة زَوَالهَا والتحقق من امْتنَاع وصالها وَأَن سرورها يعقبه الْحزن وحياتها يعقبها الْمَوْت وَالْمعْنَى يُرِيد من ذَا الَّذِي لم يعشق الدُّنْيَا فِي قديم الدَّهْر فَكل أحد يهواها وَلَكِن لَا سَبِيل إِلَى وصالها أَي إِلَى دوَام وصالها وَكثير من عشاقها واصلها وواصلته وَلَكِن لَا سَبِيل إِلَى دوَام الْوِصَال وَمن روى إِلَى وصال وَهُوَ الْخَوَارِزْمِيّ أَرَادَ إِلَى مواصاة
٤نَصِيبُكَ فِي حَيَاتِكَ مِنْ حَبِيبٍ
نَصِيبُكَ فِي مَنَامِكَ مِنْ خَيَالِ
الواحدي: يقول الحبيب الذي تراه في اليقظة وتستمتع به كأنك تراه في الحلم لأن ذلك الوصال ينقطع عن قريب بالموت كما ينقطع الاستمتاع بخيال الحبيبة عند الانتباه جعل العمر كالمنام والموت كالانتباه من المنام كما قال الطائي، ثم انقضت تلك السنون وأهلها، فكأنها وكأنهم أحلام،
٥رَمَانِي الدَّهْرُ بِالْأَرْزَاءِ حَتَّى
فُؤَادِي فِي غِشَاءٍ مِنْ نِبَالِ
الواحدي: يقول كثرت مصيبات الدهر علي واصابته قلبي بسهامه حتى صار في غلاف من السهام لتواليها عليه
العكبري: الْغَرِيب الارزاء جمع رزء وهى المصيبات والغشاء مَا يعْطى الشَّيْء ويشمله الْمَعْنى يَقُول كثرت مصائب الدَّهْر عِنْدِي لتواليها عَليّ وَقد أَصَابَت قلبِي فجائعها حَتَّى صَار كَأَنَّهُ فِي غشاء من سِهَام الدَّهْر وَالْمعْنَى أَن الدَّهْر قَصده بفجائعه ورماه بمصائبه وَاعْتمد فُؤَاده بسهامه وَأثبت فِيهِ نصاله قَالَ الشريف هبة الله بن الشجري الْعلوِي فِي أَمَالِيهِ هَذَا الْبَيْت من أحسن مَا قيل وَهُوَ من نَوَادِر أَبى الطّيب وَحكمه
٦فَصِرْتُ إِذَا أَصَابَتْنِي سِهَامٌ
تَكَسَّرَتِ النِّصَالُ عَلَى النِّصَالِ
الواحدي: أي وقد صرت الآن إذا رماني الدهر بسهامه لم تصل إلى قلبي لأنها لا تجد لها موضعا للإصابة بل تتكسر نصالها على النصال التي قبلها لأنها تصك بعضها بعضا وهذا تمثيل معناه أن الأرزاء توالت علي حتى هانت عندي والشيء إذا كثر اعتاده الإنسان وقد صرح بهذا فقال
العكبري: الْغَرِيب النصال جمع نصل وَهُوَ الحديدة الَّتِي فِي السهْم الْمَعْنى يَقُول قد صرت إِذا رماني الدَّهْر بخطب من خطوبه وَصرف من صروفه لم يصل قلبِي لِأَنَّهَا لم تَجِد موضعا للإصابة وكنآ بنصال السهْم عَن اشتداد الخطوب وَأَن بَعْضهَا يكسر بَعْضًا فِي فُؤَاده لتزاحمها فِيهِ وتكاثرها عَلَيْهِ وَالْمعْنَى أَن المصائب توالت عَليّ فهانت عِنْدِي وَالْإِنْسَان إِذا كثر عَلَيْهِ الشَّيْء إعتاده وَقَالَ ابْن وَكِيع لَا يَصح معنى هَذَا الْبَيْت إِلَّا أَن يكون يرْمى من جَنْبَيْهِ فَيبلغ نصل الْجَانِب الْأَيْمن نصل الْجَانِب الْأَيْسَر وَأما أَن يكون الرَّمْي من نَاحيَة وَاحِدَة فَلَا يَصح ذَلِك وَلَو قَالَ كَمَا قَالَ عمر بن الْمُبَارك لصَحَّ (لَمْ يَنْتَظِرَنْ فَتَسْتَبِيكَ قُلُوبُ ... حَتَّى رَمَيْنَ فَرَشْقُهُنَّ مُصِيبُ) (نُجْلٌ يُتَبِّعْنَ السَّهامَ بِمِثْلِها ... فَلَهُنَّ مِن تحتِ النُّدوبِ نُدُبُ) فَهَذَا كَلَام يَصح مثله لِأَن الندوب الْقَدِيمَة يتبعن ندوبا حَدِيثَة وَمثله لأخي ذِي الرمة (وَلْم يُنْسِى أوْ فَي المَصَائِبِ بَعْدَهُ ... وَلكنَّ نَكْءَ القُرْحِ بالقُرْحِ أوْجَعُ)
٧وَهَانَ فَمَا أُبَالِي بِالرَّزَايَا
لِأَنِّي مَا انْتَفَعْتُ بِأَنْ أُبَالِي
الواحدي: يقول هان الدهر علي فلا احفل بمصائبه علما بأنه لا ينفع الحذر ولا المبالاة كما قال الخريمي، صبرت فكان الصبر خير مغبة، وهل جزع أجدى علي فأجزع، ويروي وها أنا ما أبالي
٨وَهَذَا أَوَّلُ النَّاعِينَ طُرًّا
لِأَوَّلِ مَيْتَةٍ فِي ذَا الْجَلَالِ
الواحدي: يقول هذا الناعي أول الناعين جميعا لأول امرأة كانت في هذا الجلال يعني لم تمت امرأة قبلها أجل منها وروى ابن جنى لأول ميتة بفتح الميم يريد ميتة فخففت قال ابن فورجة الميتة كثر استعمالها بمعنى الجيفة كقوله تعالى حُرمت عليكم الميتة ولا يخاطب أبو الطيب سيف الدولة بمثل هذا في أمه والرواية بكسر الميم يعني الحال التي ماتت عليها وهذا الذي ذكره ابن فورجة غير ظاهر لأنه أراد أول الأموات ولم يرد أول الأحوال
العكبري: الْإِعْرَاب نصب طرا على الْحَال وَيجوز على الْمصدر وَقيل لبَعض الفصحاء كَيفَ أَصبَحت فَقَالَ أَحْمد الله إِلَيْك وَإِلَى طرة خلقه وروى ابْن جنى ميتَة بِفَتْح الْمِيم أَرَادَ ميتَة فَخفف وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿الأَرْض الْميتَة﴾ وَقد شددها نَافِع وخففها الْبَاقُونَ وَقد شدد الْبَاب كُله نَافِع وَحَمْزَة وَعلي وَحَفْص إِلَّا أَن نَافِعًا انْفَرد بِثَلَاثَة مَوَاضِع قَوْله ﴿أومن كَانَ مَيتا فأحييناه﴾ فِي الْأَنْعَام ﴿وَالْأَرْض الْميتَة﴾ فِي يس وفى الحجرات ﴿يَأْكُل لحم أَخِيه مَيتا﴾ فَشدد الثَّلَاثَة الْغَرِيب الناعون جمع ناع وَأَصله رفع الصَّوْت وإظهاره بالمصيبة يُقَال نعاه نعيا ونعيانا بِالضَّمِّ والنعي على فعيل الناعي الَّذِي يَأْتِي بِخَبَر الْمَوْت قَالَ الْأَصْمَعِي وَأَصله أَن الْعَرَب كَانَت إِذا مَاتَ مِنْهَا ميت لَهُ شرف ركب فَارس فرسا وَجعل يسير فِي النَّاس وَيَقُول نعاء فلَانا أَي انعه وَأظْهر خبر وَفَاته وهى مَبْنِيَّة على الْكسر مثل دراك بِمَعْنى أدْرك ونزال بِمَعْنى انْزِلْ وفى الحَدِيث يَا نعاء وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ (نعاءِ جُذَاما غيرَ مَوْتٍ وَلا قَتْلِ ... وَلَكِنْ فِرَاقا للدعائمِ والأصْلِ) الْمَعْنى يَقُول هَذَا الناعي أول من نعى امْرَأَة ميتَة فِي شرفها ومفقودة فِي مثل منزلهَا يُرِيد لم يمت قبلهَا أجل مِنْهَا قَالَ ابْن فورجة الرِّوَايَة الصَّحِيحَة ميتَة بِكَسْر الْمِيم لِأَن الْميتَة بِفَتْح الْمِيم كثر اسْتِعْمَالهَا فِي الجيفة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ وَلَا يُخَاطب أَبُو الطّيب سيف الدولة بِمثل هَذَا فِي أمه وَإِنَّمَا يُرِيد الْحَالة الَّتِي مَاتَت عَلَيْهَا وَقَالَ الواحدي لَا وَجه لما قَالَ لِأَن أَبَا الطّيب أَرَادَ أول الْأَمْوَات وَلم يرد أول الْأَحْوَال
٩كَأَنَّ الْمَوْتَ لَمْ يَفْجَعْ بِنَفْسٍ
وَلَمْ يَخْطُرْ لِمَخْلُوقٍ بِبَالِ
الواحدي: يستعظم موت هذه المرأة حتى كأن الناس لم يروا موتا ولم يخطر على قلب أحد وموت الكبراء يعظم عند الناس مع فشوّ الموت وعمومه
العكبري: الْغَرِيب خطر الشَّيْء ببالي يخْطر بِالضَّمِّ وخطر الرجل يخْطر بِالْكَسْرِ وَمَا أحسن قَول الحريري (فَكَمْ أَخْطِرُ فِي بالِ ... وَلا أخْطُرُ فِي بالِ) والبال الذِّهْن وَقيل الْقلب الْمَعْنى يَقُول لقد عظمت مصيبتها وَإِنَّهَا أنست المصائب وَبعثت من الْحزن مَا أفقد جميل الصَّبْر وَأوجب شَدِيد الْجزع حَتَّى كَأَن الْمَوْت قبلهَا لم يفجع بِنَفس وَلَا خطر ببال قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول البحتري (وَلْم أرَ مِثلَ المَوْتِ حَقَّا كأنَّهُ ... إذَا مَا تَخطتْهُ الأمانِيُّ باطِلُ) وَمن قَول مُحَمَّد بن وهيب (نُرَاعُ لذِكْرِ المَوْتِ ساعَةَ ذِكْرِهِ ... وَنَعْتَرِضُ الدُّنْيا فَنَلْهُو وَنلْعَبُ) (يَقِينٌ كَأنَّ الشِّكَّ أغْلَبُ أمْرِهِ ... عَليْهِ وَعِرْفانٌ إِلَى الجّهْلِ يُنْسَبُ) وَالْمعْنَى بَينهمَا بعيد وَأما بَيت مُحَمَّد بن وهيب الأول فَهُوَ من قَول زين العابدين على ابْن الْحُسَيْن (نُراعُ إذَا الجَنائِزُ وَاجَهَتْنا ... وَنَلْهُو حِينَ تَغْدُو رَائحاتِ) (كَرَوْعَةِ ثَلَّةٍ لُمغارِ ذِئْبٍ ... فَلْمَّا غابَ عادَتْ رَاتِعاتِ)
١٠صَلَاةُ اللَّهِ خَالِقِنَا حَنُوطٌ
عَلَى الْوَجْهِ الْمُكَفَّنِ بِالْجَمَالِ
الواحدي: صلوة الله مغفرته ورحمته يدعو لها بأن تكون رحمة الله لها بمنزلة الحنوط للميت وجعل وجهها مكفنا بالجمال كأن الجمال كفن لوجهها وكأنه رحم الله وجهها الجميل
العكبري: الْغَرِيب الحنوط طيب يسْتَعْمل فِي غسل الْمَيِّت وَالصَّلَاة الترحم وَالدُّعَاء الْمَعْنى يَقُول رَحْمَة الله ومغفرته ورضوانه على الْوَجْه الْجَمِيل وَجعل الْجمال كفنا لوجهها فَكَأَنَّهُ يَقُول رحم الله وَجههَا الْجَمِيل وَقَالَ ابْن الإفليلي رَحْمَة الله ورضوانه حنوط هَذِه الْمَرْأَة الَّتِي غيبها الْجمال كَمَا غيبها الْكَفَن وسترها كَمَا سترهَا الْقَبْر فَكَانَت مستورة عَن أعين النَّاس وَقَالَ ابْن وَكِيع وَصفه أم الْملك بِالْوَجْهِ الْجَمِيل غير مُخْتَار وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول النميري (تَحِياتٌ وَمَغُفِرَةٌ وَرَوْحٌ ... عَلى تِلْكَ المَحِلَّةِ والحْلُولِ)
١١عَلَى الْمَدْفُونِ قَبْلَ التُّرْبِ صَوْنًا
وَقَبْلَ اللَّحْدِ فِي كَرَمِ الْخِلَالِ
الواحدي: أي على الشخص الذي كان مدفونا لصيانته قبل أن دفن في التراب وقبل أن غيب في اللحد كان مدفونا في كرم الخلال وهي الخصال الكريمة يريد أنها كانت مستورة قبل أن سترت بالتراب وكان كرم خلالها يعفها ويمنعها مما يقبح ذكره قبل أن حملت إلى اللحد
العكبري: الْغَرِيب اللَّحْد مَا كَانَ فِي جنب الْقَبْر والشق فِي وَسطه وَمِنْه قَوْله اللَّحْد لنا والشق لغيرنا يُقَال اللَّحْد واللحد بِضَم اللَّام وَفتحهَا ولحدت الْقَبْر لحدا وألحدت لَهُ فَهُوَ ملحد وَأَصله الْعُدُول عَن الشَّيْء ولحد وألحد فِي دين الله حاد عَنهُ وَقَرَأَ حَمْزَة فِي الْأَعْرَاف والنحل والسجدة ﴿يلحدون﴾ بِفَتْح الْيَاء من لحد وَوَافَقَهُ عَليّ فِي النَّحْل وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يلحدون﴾ من ألحد والصون السّتْر والخلال الْخِصَال وأحدها خلة وَالْمعْنَى يَقُول صَلَاة الله على المدفون قبل مَوته بالصون وَقبل أَن يدْفن فِي التُّرَاب بالعفة والستر وَكَانَ مَدْفُونا فِي كرم خصاله الجميلة وَالْمعْنَى أَنَّهَا كَانَت مستورة قبل أَن يَسْتُرهَا التُّرَاب وَكَانَ كرم خصالها يمْنَعهَا مِمَّا يقبح ذكره قبل أَن تحمل إِلَى اللَّحْد فَكَانَت دفينة فِي ستر الصيانة قبل ستر التُّرَاب
١٢فَإِنَّ لَهُ بِبَطْنِ الْأَرْضِ شَخْصًا
جَدِيدًا ذِكْرُنَاهُ وَهُوَ بَالِي
الواحدي: بطن الأرض داخلها يقول شخصه في القبر بال وذكرنا له جديد يريد أنه يبلى في الأرض ولا يبلى ذكره
العكبري: الْإِعْرَاب ذَكرْنَاهُ مَرْفُوع بجديد رفع السَّبَب وَوضع الضَّمِير الْمُتَّصِل مَوضِع الضَّمِير الْمُنْفَصِل جَائِز فِي الِاخْتِيَار وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿أنلز مكموها﴾ وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ (فقدْ جَعَلَتْ نَفْسِي تَطيبُ لضَغْمَةٍ ... لضَغْمِهِماها يَقْرَعُ العَظْمَ نابها) الْمَعْنى يَقُول إِن شخصها فِي الأَرْض بَال وَذكرنَا إِيَّاه جَدِيد غير بَال وَالْمعْنَى أَنه يبْلى فِي الْقَبْر وَذكره جَدِيد بَاقٍ على الْأَيَّام وَمثله للمغريمى (وَإنْ تَكُ للْبِلَى أمْسَيْتَ رَهْنا ... فَقَدْ أبْقَيْتَ مْجداً غَيرَ بالى)
١٣أَطَابَ النَّفْسَ أَنَّكِ مِتِّ مَوْتًا
تَمَنَّتْهُ الْبَوَاقِي وَالْخَوَالِي
الواحدي: أي مت في العز والعفاف فموتك كان موتا يتمنى مثله من بقي من النساء ومن مضت منهن كانت تتمنى مثله فهذا يسلينا عنك لأنك فزت بخير الدنيا والآخرة
١٤وَزُلْتِ وَلَمْ تَرَيْ يَوْمًا كَرِيهًا
يُسَرُّ الرُّوحُ فِيهِ بِالزَّوَالِ
الواحدي: أي فارقتنا من غير لقاء كراهة تحبب الموت إليك وتنغص عيشك حتى تسر الروح بفراق البدن في مثل تلك الكراهة
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِنَّك مت وَلم ترى يَوْمًا تكرهينه فِي حياتك وعوفيت من خطوب الدَّهْر فَلم تلقى مَا ينغص عيشك حَتَّى تفرح الرّوح بِفِرَاق الْبدن فِي مثل تِلْكَ الْكَرَاهَة وَقد نقل من قَول مَحْمُود بن الْحسن (وَهَوَّنَ مِنْ وَجْدِي وَلَيْسَ بِهَيَّنٍ ... سَلامَتُها بالمَوْتِ مِن جَرْعَةِ الشُّكُل)
١٥رِوَاقُ الْعِزِّ حَوْلَكِ مُسْبَطِرٌّ
وَمُلْكُ عَلِيٍّ ابْنِكِ فِي كَمَالِ
الواحدي: يقول كنت في عز طويل وكمال ملك من ملك ابنك قال الصاحب ذكره الاسبطرار في مرثية النساء من الخذلان المبين قال ابن فورجة ولا خذلان فيما صح واستعمل كثيرا يريد أن الاسبطرار بمعنى الامتداد يستعمل كثيرا قال عمر ابن معدي كرب، جداول زرع خليت واسبطرت، سمعت أبا الفضل العروضي يقول سمعت أبا بكر الشعراني خادم المتنبي ورد علينا فقرأنا عليه شعره فانكر هذه اللفظة وقال قرأنا على أبي الطيب، رواق العز فوقك مستظل، قال العروضي وإنما غيره عليه الصاحب ثم عابه به وعلى هذا فقد سقط ثقل اللفظ وكراهة المعنى
العكبري: الْغَرِيب المسبطر الممتد وَيجمع رواق على أروقة الْمَعْنى يَقُول مت ورواق الْعِزّ ممتد عَلَيْك وعَلى ابْنك كَامِل الْملك وَالْمعْنَى أَنَّك لما مت كنت فِي عز مَمْدُود وسلطان كَامِل قَالَ الصاحب ذكره الاسبطرار فِي مرثية النِّسَاء من الخذلان الْبَين قَالَ ابْن فورجة وَلَا خذلان فِيمَا صَحَّ وَاسْتعْمل كثيرا وَمثله قَول عَمْرو بن معدي كرب (جَدَاوِلُ زَرْعٍ خُلِّيَتْ وَاسْبَطَرَّتْ ... ) وَقَالَ أَبُو الْفضل الْعَرُوضِي سَمِعت أَبَا بكر الشعراني خَادِم المتنبي يَقُول قدم علينا المتنبي وقرأنا عَلَيْهِ شعره فَأنْكر هَذِه اللَّفْظَة وَقَالَ مستظل قَالَ الْعَرُوضِي وَإِنَّمَا غَيره الصاحب وعابه عَلَيْهِ
١٦سَقَى مَثْوَاكِ غَادٍ فِي الْغَوَادِي
نَظِيرَ نَوَالِ كَفِّكِ فِي النَّوَالِ
الواحدي: مثواها حفرتها التي أقامت بها والغادي السحاب يغدو بالمطر سأل لها سقيا يشبه عطاءها من سحابٍ يشبه كفها.
العكبري: الْغَرِيب مثواك يُرِيد حفرتك والغوادي جمع غادية وَهِي السحابة تنشأ صباحا والغادي السَّحَاب يَغْدُو بمطره والنوال الْعَطاء الْمَعْنى يَدْعُو لَهَا بسقيا تشبه عطاءها من سَحَاب يشبه نوالها وَالْمعْنَى أَن عطاءها كثير فَهُوَ غَايَة مَا يبلغهُ المتمني
١٧لِسَاحِيهِ عَلَى الْأَجْدَاثِ حَفْشٌ
كَأَيْدِي الْخَيْلِ أَبْصَرَتِ الْمَخَالِي
الواحدي: الساحي القاشر يقشر الأرض بشدة انصبابه والأجداث القبور قال أبو زيد يقال حفشت السماء تحفش حفشا إذا جادت بالمطر وقال ابن الأعرابي حفشت الأودية إذا سالت كلها وقد بالغ في وصف المطر حيث جعله في الحاحه على الأرض بالقشر كأيدي الخيل إذ رأت مخالي الشعير فإنها تنشط وتحفر الأرض بقوائمها وليس هذا من مختار الكلام ولا من المستحسن أني سأل السقيا لقبر بمطرٍ يحفره حفر أيدي الخيل قال ابن جنى الغرض في الدعاء للقبور بالغيث الانبات وما يدعو الناس إلى الحلول والإقامة به وهو مذهب العرب ألا ترى إلى قول النابغة، ولا زال قبر بين بصرى وجاسمٍ، عليه من الوسمي سح ووابل، فينبت حوذابا وعوفا منورا، سأتبعه من خير ما قال قائل، وكلما اشتد المطر كان أجم لنباته ومراع له.
العكبري: الْغَرِيب الساحي القاشر وَمِنْه سميت المسحاة والحفش شدَّة الوقع وحفشت السَّمَاء حفشا إِذا جَاءَت بالمطر وحفشت الأودية سَالَتْ والأجداث الْقُبُور وأحدها جدث والمخالي جمع مخلاة وَهُوَ وعَاء يَجْعَل فِيهِ التِّبْن وَالشعِير للدابة الْمَعْنى يَدْعُو لقبرها بالسقيا ويصف السَّحَاب بِشدَّة الْمَطَر وَقع على الأَرْض كوقع أَيدي الْخَيل إِذا أَبْصرت العليق فِي المخالي فَإِنَّهَا تحفر بقوائمها لشدَّة مَا تدق الأَرْض حرصا على الْأكل قَالَ أَبُو الْفَتْح الْغَرَض من الد للقبور بالغيث الإنبات وَمَا يَدْعُو النَّاس إِلَى الْحُلُول وَالْإِقَامَة وَهَذَا مَذْهَب الْعَرَب أَلا ترى إِلَى قَول النَّابِغَة (وَلا زَالَ قَبرٌ بَينَ بُصْرَى وَجاسمٍ ... عَلَيْه مِنَ الوَسْمِيّ سَحّ وَوَابِلُ) (فَيُنْبِتُ حَوْذانا وَعَوْفا مُنَوِّراً ... سأُتْبِعُهُ مِنْ خَير مَا قالَ قائِلُ) وَكلما اشْتَدَّ الْمَطَر كَانَ أجم لنباته وأمرع وَقد عَابَ عَلَيْهِ قوم قَوْله كأيدي الْخَيل أَبْصرت المخالي وَقَالُوا هُوَ من الْكَلَام الْبَارِد ودعاؤه بالسقيا قد أكثرت الشُّعَرَاء فِيهِ قَالَ ابْن المعتز (يَا غَيْثُ سَقِّ مُحَمَداً ... جُوداً عًلًيْهِ كمَا فَعَل) وَقَالَ الحصني (سَقَى جَدَثا بعَرْصَةِسُرّ مَرّا ... سَحابٌ ماؤُهُ سَحَ سَكوبُ) (رَضِينا أنْ يَصُوبَ لَهُ سُحَابٌ ... كَمَا كانَتْ أنامِلُهُ تَصُوبُ) وَقَالَ الآخر (سَقَى جَدَثا ثَوَيْتَ بِهِ مُلِثّ ... كَبَعْضِ نَدَاك مُنْسَرَحٌ هَطولُ)
١٨أُسَائِلُ عَنْكِ بَعْدَكِ كُلَّ مَجْدٍ
وَمَا عَهْدِي بِمَجْدٍ عَنْكِ خَالِي
الواحدي: يقول لم أر مجدا خاليا منك أيام حياتك فأنا بعد وفاتك أسأل عنك كل مجد لأنك كنت صاحبته الملازمة له فأنا أطلبك منه كما يطلب الإنسان ممن طالت صحبته معه.
العكبري: الْإِعْرَاب الْوَجْه أَن يَقُول خَالِيا بنصبه على الْحَال كَمَا تَقول عهدي بك شجاعا وشربي السويق ملتوتا وَلكنه أسْكنهُ على قَول من قَالَ رَأَيْت قَاضِي الْمَعْنى يَقُول لم أر مجدا خَالِيا مِنْك أَيَّام حياتك فَأَنا بعد موتك أسائل عَنْك كل مجد وَجعل الْمجد كَأَنَّهُ ربعهَا يسْأَله عَنْهَا يَقُول أَنا أطلب أخبارك من كل مجد لِأَنَّك كنت مُلَازمَة لَهُ وَقَالَ قوم فِي إِعْرَاب قَوْله خَال هُوَ نعت لمجد فَيكون الْمَعْنى لَيْسَ عهد بمجد خَال مِنْك وعَلى هَذَا لَيْسَ فِيهِ ضَرُورَة
١٩يَمُرُّ بِقَبْرِكِ الْعَافِي فَيَبْكِي
وَيَشْغَلُهُ الْبُكَاءُ عَنِ السُّؤَالِ
الواحدي: يقول إذا مر بقبرك السائل بكى وشغله البكاء عن المسألة وهذا منقول من قول البحتري، فلم يدر رسم الدار كيف يجيبنا، ولا نحن من فرط البكا كيف نسأل،
العكبري: الْغَرِيب الْعَافِي السَّائِل والبكا يمد وَيقصر الْمَعْنى يَقُول إِذا مر السَّائِل بِقَبْر هَذِه الْميتَة يذكر مَا كَانَ يَشْمَلهُ مِنْهَا أذهله الْبكاء والحزن عَن الطّلب وشغله الْبكاء عَن السُّؤَال وَقد نَقله من قَول البحتري (فلمْ يَدْرِ رَسْمُ الدَّار كَيْفَ يُجيبُنا ... وَلا نحنُ مِن فَرْطِ البُكا كيفَ نَسألُ)
٢٠وَمَا أَهْدَاكِ لِلْجَدْوَى عَلَيْهِ
لَوْ أَنَّكِ تَقْدِرِينَ عَلَى فَعَالِ
الواحدي: يعني أن الموت حال بينها وبين العطاء ولولا ذلك لكانت تعطى وإن لم يسأل العافي
٢١بِعَيْشِكِ هَلْ سَلَوْتِ فَإِنَّ قَلْبِي
وَإِنْ جَانَبْتُ أَرْضَكِ غَيْرُ سَالي
الواحدي: يقسم عليها بحياتها فيقول لها هل سلوت عن حب النوال فإن قلبي وإن بعدت عنك غير سالٍ من نواك.
العكبري: الْمَعْنى قَالَ الواحدي يقسم عَلَيْهَا بحياتها وَيَقُول هَل سلوت عَن النوال وحبه فَإِن قلبِي وَإِن بَعدت عَن أَرْضك غير سَالَ عَن نوالك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وَجَمَاعَة هَذَا مِمَّا وَضعه فِي غير مَوْضِعه وَلَا يجوز أَن يرثى بِمثل هَذَا وَالْمعْنَى هَل سلوت عَن الْحَيَاة فَإِنِّي غير سَالَ عَن الْحزن عَلَيْك أذكرك وَإِن كنت بعيد عَن أَرْضك وأندبك وَإِن كنت منزحا عَن موضعك
٢٢نَزَلْتِ عَلَى الْكَرَاهَةِ فِي مَكَانٍ
بَعُدْتِ عَنِ النُّعَامَى وَالشَّمَالِ
الواحدي: النعامي أسم للجنوب سميت بذلك للينها ونعمتها في الهبوب يقول نزلت على كراهتنا لنزولك في مكان لا يصيبك فيه نسيم الرياح.
العكبري: الْغَرِيب النعامي الْجنُوب وَهِي الرّيح الْقبلية وَالشمَال الرّيح الَّتِي تهب من نَاحيَة القطب الْمَعْنى يَقُول نزلت على كراهتنا بنزولك فِي مَكَان لَا يصيبك فِيهِ طيب الرِّيَاح بَعدت فِيهِ أَو بِهِ فَحذف للْعلم بِهِ كَقَوْلِه تعلى ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزي نفس عَن نفس﴾ أَي فِيهِ
٢٣تُحَجَّبُ عَنْكِ رَائِحَةُ الْخُزَامَى
وَتُمْنَعُ مِنْكِ أَنْدَاءُ الطِّلَالِ
الواحدي: الخزامى نبت طيب والطلال جمع الطل وهو المطر يقول روائح الأزهار محجوبة عنك لا تصيبك وكذلك ندى الأمطار لأن المقبور ممنوع من هذه الأشياء التي ذكرها
العكبري: الْغَرِيب الخزامي نبت طيب الرّيح والطلال جمع طل وَهُوَ الْمَطَر الصغار والأنداء جمع ندى الْمَعْنى يَقُول قد حجب عَنْك طيب الرّيح والرائحة وندى الأمطار لِأَن المقبور لَا يصل الَّذِي ذكر إِلَيْهِ فَذكر أَن الرِّيَاح مَعَ شدَّة هبوبها قصرت أَن تدركك مَعَ سرعَة مسيرها فَدلَّ على أَنَّهَا فِي بطن الأَرْض وَأَشَارَ بِأَحْسَن إِشَارَة إِلَى اللَّحْد ثمَّ أكد ذَلِك بِأَن قَالَ تحجب عَنْك ريح الرياض العبقة وَيمْنَع مِنْك أنداء طلالها الْمُوَافقَة وَأَشَارَ بالخزامي والأنداء إِلَى الرياض
٢٤بِدَارٍ كُلُّ سَاكِنِهَا غَرِيبٌ
طَوِيلُ الْهَجْرِ مُنْبَتُّ الْحِبَالِ
الواحدي: يعني بالدار القبر والمقبرة ومن سكنها فقد بعد عن أهله وعشيرته وطال هجره أياهم وانقطع وصاله عنهم.
٢٥حَصَانٌ مِثْلُ مَاءِ الْمُزْنِ فِيهِ
كَتُومُ السِّرِّ صَادِقَةُ الْمَقَالِ
الواحدي: يقول في ذلك المكان امرأة عفيفة مثل ماء المزن في النقاء والطهارة كاتمة السر صادقة في القول.
العكبري: الْإِعْرَاب حصان خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف الْغَرِيب الحصان العفيفة المالكة لنَفسهَا الْمَعْنى يَقُول هِيَ امْرَأَة عفيفة مثل مَاء المزن فِي النَّقَاء وَالطَّهَارَة كاتمة السِّرّ صَادِقَة فِي القَوْل
٢٦يُعَلِّلُهَا نِطَاسِيُّ الشَّكَايَا
وَوَاحِدُهَا نِطَاسِيُّ الْمَعَالِي
الواحدي: النطاسي الطبيب الحاذق في الأمور ويريد بواحدها ابنها الذي هو واحد الناس يقول يمرضها ويزيل علتها طبيب الأمراض يعني قبل موتها وابنها طبيب المعالي أي العالم بأدواء المعالي فيزيلها عنها حتى تصح معاليه فلا يكون فيها نقصان ولا عيب.
العكبري: الْغَرِيب النطاسي الحاذق فِي الْأُمُور والشكايا وأحدها شكوى الْمَعْنى يُرِيد بواحدها ابْنهَا الَّذِي هُوَ وَاحِد النَّاس وفردهم يمرضها ويزيل علتها طَبِيب الامراض يَعْنِي فِي مَرضهَا وَابْنهَا طَبِيب الْمَعَالِي يُرِيد انه الْعَالم بأدواء الْمَعَالِي فيزيلها عَنْهَا حَتَّى تصح معاليه فَلَا يكون فِيهَا نقص وَالْمعْنَى يُرِيد أَن هَذِه لشرفها فِي قَومهَا قد ولدت طَبِيب الْمَعَالِي وَوَاحِد الْفَضَائِل
٢٧إِذَا وَصَفُوا لَهُ دَاءً بِثَغْرٍ
سَقَاهُ أَسِنَّةَ الْأَسَلِ الطِّوَالِ
الواحدي: جعل انتقاض الثغر عليه بمنزلة الداء ولما استعار لذلك اسم الداء استعار لنفي ذلك الداء عنه بالرماح السقي لتجانس الكلام يقول إذا ذكروا له انتقاض ثغر من ثغور المسلمين لغلبة الكفار نفاهم عنه برماحه الطويلة وهذا مأخوذ من قول ليلى الأخيلية، إذا هبط الحجاج أرضاً مريضةً، تتبع أقصى دائها فشفاها، شفاها من الداء العضال الذي بها، غلام إذا هز القناة سقاها، وقد قال أبو تمام، وقد نكس الثغر فأبعث له، صدور القنا في ابتغاء الشفاء،
العكبري: الْغَرِيب الثغر ثغر الْعَدو وَهُوَ الْموضع الَّذِي بِقرب الْعَدو والأسل الرماح الْمَعْنى يَقُول إِذا ذكرُوا لَهُ عِلّة بثغر شفت من دائها أسنته وَأمنت مخافتها سيوفه وَلَكِن الْمَوْت لَا يدْفع بِقَدرِهِ وَلَا يعتصم مِنْهُ بِمَنْعه وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الاخيلية (إذَا هَبَطَ الحْجَّاج أرْضّا مَرِيضَةً ... تَتَبَّعَ أقْصَى دائها فَشَفاها) (شَفاها مِنَ الدَّاءِ العُضَالِ الَّذي بهَا ... عُلامٌ إذَا هَزَّ القَناةَ شَقاها) وَقَالَ أَبُو تَمام (وَقَدْ نُكِسَ الثَّغْرُ فابْعَثْ لَهُ ... صُدورً القَنا فِي ابْتِغاءِ الدَّوَاءِ)
٢٨وَلَيْسَتْ كَالْإِنَاثِ وَلَا اللَّوَاتِي
تُعَدُّ لَهَا الْقُبُورُ مِنَ الْحِجَالِ
الواحدي: يقول لم تكن هذه المرأة يعد لها القبر سترا عنها أي كانت متسترة قبل أن سترت بالقبر
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِنَّهَا كَانَت مستورة قبل ستر الْقَبْر وَلَيْسَت من اللواتي يعد لَهَا الْقَبْر سترا فَإِنَّهَا كَانَت محجوبة والحجال هُوَ مَا يستر النِّسَاء وَهُوَ الخدر وَهُوَ جمع حجلة وَهُوَ بَيت صَغِير فِي جَوف الْبَيْت
٢٩وَلَا مَنْ فِي جَنَازَتِهَا تِجَارٌ
يَكُونُ وَدَاعُهَا نَفْضَ النِّعَالِ
الواحدي: أي ولم تكن من نساء السوقة يتبع جنازتها تجار وباعةٌ ينفضون النعال من التراب إذا انصرفوا عن القبر أي كانت ملكة
٣٠مَشَى الْأُمَرَاءُ حَوْلَيْهَا حُفَاةً
كَأَنَّ الْمَرْوَ مِنْ زِفِّ الرِّئَالِ
الواحدي: الزف ريش النعام والرئال جمع رأل وهو ولد النعام يقول شيعها الأمراء فمشوا حواليها حافين يطؤون الحجارة كأنهم يستلينونها
العكبري: الْغَرِيب قَوْله حوليها يَعْنِي حولهَا تَقول حولك وحوليك وحواليك وحوالك بِمَعْنى وَاحِد والمرو حِجَارَة بيض براقة يكون فِيهَا النَّار والزف صغَار الريش والرئال جمع رأل وَهُوَ ولد النعام الْمَعْنى يَقُول لشرفها وَشرف وَلَدهَا مَشى الْأُمَرَاء حول جنازتها حُفَاة يطئون الْحِجَارَة فَكَأَنَّهَا عِنْدهم لشدَّة الْحزن ريش النعام فَلم يحسوا بخشونة الأَرْض تَحت أَقْدَامهم لما فِي نُفُوسهم من الْحزن قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول ابْن الرُّومِي (لَوْ أفْرَشُوها الجَنْدَلَ المُضَرَّسا ... تحْتَ الجُنُوب حسِبْتَهُ السُّنْدُسا)
٣١وَأَبْرَزَتِ الْخُدُورُ مُخَبَّآتٍ
يَضَعْنَ النِّقْسَ أَمْكِنَةَ الْغَوَالِي
الواحدي: يقول خرجت لموتها جوارٍ كن مخبآتٍ في الخدور يسودن وجوههن بالنقس مكان الغالية أي كن يستعملن الغالية والطيب فصرن يسودن وجوههن حزنا للمصيبة بموتها.
العكبري: النقس المداد وَهُوَ السوَاد والغوالي جمع غَالِيَة وَهُوَ نوع من الطّيب وأصل النقس المداد قَالَ بعض الْعَرَب فِي وصف كَاتب (قِرْطاسُهُ مِنَ البَياضِ شَمْسُ ... وَنِقْسُهُ لَيْلٌ عَلَيْهِ يَرْسو) الْمَعْنى يَقُول جواري هَذِه المفقودة خرجن من الْخُدُور وَكن مخبآت لَا تراهن الشَّمْس فأبرزت لأجل مَوتهَا وجعلن السوَاد على وجوههن مَكَان الطّيب وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن المعتز (قَدْ كانَتِ الأبْكارُ بِيضاً فاغْتَدَتُ ... سُوداً لِفَقْدِكَ أوْجُهُ الأبْكارِ) (وَهَتَكْنَ أسْتارَ الحْيَاءِ وَطالَمَا ... سُترَتْ مَحَاسِنُهُنَّ بالأسْتار) (وَظَهَرْنَ لِلأَبْصَارِ بَعْدَ تَسَتُّرِ ... بالحُجْبِ دُونَ لَوَاحِظِ الأبْصَارِ) وَقد أحسن الْقَائِل الْمَعْنى (قدْ كُنَّ يَخْبَأْنَ الوُجُوهُ تَسَتُّراً ... فلَان حِينَ بَدَوْنَ لنُّظَّارِ)
٣٢أَتَتْهُنَّ الْمُصِيبَةُ غَافِلَاتٍ
فَدَمْعُ الْحُزْنِ فِي دَمْعِ الدَّلَالِ
الواحدي: يقول فجعن بفقدها وهن غافلات بينا هن يبكين دلالا إذ بكين حزنا فاختلط الدمعان
العكبري: الْمَعْنى يَقُول أتهن الْمُصِيبَة على غَفلَة فبيناهن يبْكين دلالا بكين حزنا فاختلط الدمعان فهن يبدين الدَّلال مَعَ الْحزن والذلة مَعَ الْحسن وَهَذَا من أبدع الْمعَانِي وَلَو لم يكن لَهُ فِي ديوانه إِلَّا هَذَا لكفاه
٣٣وَلَوْ كَانَ النِّسَاءُ كَمَنْ فَقَدْنَا
لَفُضِّلَتِ النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ
الواحدي: يقول لو كانت نساء العالم في الكمال كهذه لفضلن على الرجال يعني أن هذه كانت افضل من الرجال فلو اشبهها غيرها من النساء لكانت مثلها في الفضل.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَو أَن نسَاء الْعَالم كهذه المفقودة فِي الْكَمَال والعفاف لفضلن على الرِّجَال قَالَ ابْن وَكِيع ينظر إِلَى قَول عَليّ بن الجهم (إذَا مَا عُدَّ مِثْلُكُمُ رِجالاً ... فَمَا فَضْلُ الرِّجال عَلى النِّساءِ)
٣٤وَمَا التَّأْنِيثُ لِاسْمِ الشَّمْسِ عَيْبٌ
وَلَا التَّذْكِيرُ فَخْرٌ لِلْهِلَالِ
الواحدي: يقول لم تزر بها الأنوثة كما لا يزري بالشمس تأنيث اسمها والذكورة لا تعد فضيلةً في كل أحد كما لا يحصل للقمر فخر بتذكير اسمه.
العكبري: الْإِعْرَاب من روى عيب وفخر بِالرَّفْع جعل مَا تميمية وَمن نصبهما جعلهَا حجازية وَهِي بِمَعْنى لَيْسَ وَجَاء الْقُرْآن بالحجازية فِي قَوْله ﴿مَا هَذَا بشرا﴾ وَفِي قَوْله ﴿مَا هن أمهاتهم﴾ فِي قِرَاءَة الْجَمَاعَة وَقَرَأَ الْأَعْمَش عَن عَاصِم بِالرَّفْع الْمَعْنى يَقُول رب تَأْنِيث يقصر التَّذْكِير عَنهُ وَلَا يبلغ مبلغه وَلَا ينَال مَوْضِعه ثمَّ بَين ذَلِك بِأَن الشَّمْس مُؤَنّثَة وَالْفضل لَهَا وَالْقَمَر مُذَكّر وَلَيْسَ يعدل بهَا احْتج لتفضيل الْمَرْأَة على الرجل بِحجَّة لم يسْبق إِلَيْهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ أَن الشَّمْس مُؤَنّثَة وَهِي النُّور الَّذِي يزْعم بعض النَّاس أَنَّهَا تنير فِي السَّمَاء كَمَا تنير فِي الأَرْض وَوصف الْهلَال بالتذكير وَهُوَ كثير التنقل ويصيبه المحاق فَجعل ذَلِك كالنقص فِيهِ وَمثله للْآخر (والشَّمْسُ لَيْسَ بضَائِرٍ تَأْنِيثُها ... وَتَزيدُ بالنُّور المُنِير عَلى القَمَرْ)
٣٥وَأَفْجَعُ مَنْ فَقَدْنَا مَنْ وَجَدْنَا
قُبَيْلَ الْفَقْدِ مَفْقُودَ الْمِثَالِ
الواحدي: أي أفجع المفقودين من كان مفقود المثل في حال الحياة فإن من وجد له نظير يتسلى عنه بوجود نظيره وبمن يتسلى عمن لا نظير له.
٣٦يُدَفِّنُ بَعْضُنَا بَعْضًا وَتَمْشِي
أَوَاخِرُنَا عَلَى هَامِ الْأَوَالِي
الواحدي: يريد الأوائل فقلب وهو كثير في كلامهم أنشد سيبويه، تكاد أواليها تفرى جلودها، ويكتحل التالي بمورٍ وحاصب، يقول ندفن امواتنا ونمشي على رؤسهم بعد الموت يعني لا ننفك من فقد وفن ثم لا نعتبر بمن ندفن بل نمشي عليهم غير معتبرين بهم.
٣٧وَكَمْ عَيْنٍ مُقَبَّلَةِ النَّوَاحِي
كَحِيلٌ بِالْجَنَادِلِ وَالرِّمَالِ
الواحدي: يقول كم عين كانت تقبل نواحيها إعزازا وإكراما صارت تحت الأرض مكحولةً بالرمل والحجارة
العكبري: الْغَرِيب الجنادل جمع جندلة وَهِي الْحِجَارَة والرمال جمع رمل الْمَعْنى يَقُول كم عين كَانَت لعزتها وشرفها تقبل نَوَاحِيهَا فَصَارَت تَحت الأَرْض مكحولة بِالْحِجَارَةِ والرمل
٣٨وَمُغْضٍ كَانَ لَا يُغْضِي لِخَطْبٍ
وَبَالٍ كَانَ يَفْكُرُ فِي الْهُزَالِ
الواحدي: أي وكم من إنسانٍ اغضى للموت كان لا يغضى لنزول خطبٍ به وكم من بال لو رأى في نفسه هزالا كان يشتغل قلبه به ويتفكر فيه وهذا من قول البحتري في مرثية غلام له، وأصفح للبلى عن ضوء وجهٍ، غنيت يروعني فيه الشحوبُ،
٣٩أَسَيْفَ الدَّوْلَةِ اسْتَنْجِدْ بِصَبْرٍ
وَكَيْفَ بِمِثْلِ صَبْرِكَ لِلْجِبَالِ
الواحدي: يقول استعن فيما فجعت به بصبرٍ لا يوجد مثل ذلك الصبر في الجبال في ركانتها.
العكبري: الْغَرِيب استنجد من النجدة وَهِي الْإِعَانَة أَي اسْتَعِنْ الْمَعْنى يَقُول يَا سيف الدولة اسْتَعِنْ بِالصبرِ فَأَنت أَهله وَأثبت من الْجبَال فَلَا يُوجد مثلك فِي رزانتك وركانتك للجبال
٤٠فَأَنْتَ تُعَلِّمُ النَّاسَ التَّعَزِّي
وَخَوْضَ الْمَوْتِ فِي الْحَرْبِ السِّجَالِ
الواحدي: الحرب السجال أن تكون مرةً على هؤلاء ومرة على هؤلاء يقول لا تحتاج إلى أن تصبر فإنك تعلم الناس التصبر وخوض المهالك في الحرب يريد قد مرت عليك من شدائد الدهر ما مرنتك وعودتك الصبر.
العكبري: الْغَرِيب السجال الْحَرْب الَّتِي يتداول فِيهَا الْغَلَبَة وَذَلِكَ أدعى إِلَى شدتها وَهِي أَن تكون مرّة على هَؤُلَاءِ وَمرَّة على هَؤُلَاءِ وَمِنْه قَول أبي سُفْيَان لهرقل حِين سَأَلَهُ عَن رَسُول الله ﷺ كَيفَ انتم فِي حربه فَقَالَ الْحَرْب بَيْننَا سِجَال الْمَعْنى يَقُول أَنْت أهل العزاء لِأَن العزاء مِنْك يتَعَلَّم والجدير بِالصبرِ لِأَن الصَّبْر إِلَيْك ينْسب وَبِك يَقْتَدِي فِي الْإِقْدَام على الْمَوْت والنفاذ فِي غَمَرَات الْمَوْت والاستقلال بشدائدها وَمثله لديك الْجِنّ (نَحْنُ نُعَزّيكَ وَمِنْكَ الهُدَى ... مُسْتَخْرَجٌ والنُّورُ مُسْتَقْبَلُ)
٤١وَحَالَاتُ الزَّمَانِ عَلَيْكَ شَتَّى
وَحَالُكَ وَاحِدٌ فِي كُلِّ حَالِ
الواحدي: يقول يتلون الزمان وتختلف حالاته عليك ولا يتحول حالك من الصبر والكرم والحلم والرزانة يعني لا يختلف حالك وإن اختلفت أحوال الزمان كما قال، لا أمسك المال إلا ريث أتلفه، ولا يغيرني حال إلى حالِ،
العكبري: يَقُول تتلون حالات الزَّمَان عَلَيْك فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء والشدة والرخاء وحالك وَاحِدَة لَا تخْتَلف فِي كرم نَفسك ونفاذ عزمك وَمَا يتكفل الله بِهِ من جميل الْعَاقِبَة لَك وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر (لَا أُمْسِكُ المَالَ إلَاّ رَيْثَ أُتْلِفُهُ ... وَلا يُغَيّرِني حالٌ إِلَى حَال)
٤٢فَلَا غِيضَتْ بِحَارُكَ يَا جَمُومًا
عَلَى عَلَلِ الْغَرَائِبِ وَالدِّخَالِ
الواحدي: يقول على طريق الدعاء لا نقصت بحارك يا بحرا كثير الماء وإن وردت عليه الإبل الغريبة وعلت منه والدخال أن يدخل بغيرٌ قد شرب بين بعيرين لم يشربا ليزداد شربا وهذا مثل يريد لا ينقص عطاؤك وإن كثر العفاة والسائلون كما لا ينقص الحبر الكثير الماء وإن كثر وراده والجموم الذي يزداد ماءه وقتا بعد وقتٍ وروى الأستاذ أبو بكر علي علل الفرائت والدجال قال الفرائت جمع فرات يريد أنهار الفرات المنشعبة منه والدجال جمع دجلة ويريد بعللهما ما يصيبهما من النقصان وهذا تصحيف والرواية الصحيحة ما قدمنا ذكرها.
العكبري: الْغَرِيب غيضت نقصت وَمِنْه وغيض المَاء تَقول غاض المَاء وغضته والجموم الْكثير تَقول بِئْر جموم إِذا كَانَ كثير المَاء وَفرس جموم كثير الجري والعلل هُوَ الشّرْب الثَّانِي بعد النهل والدخال أَن يدْخل بعير قد شرب بَين بَعِيرَيْنِ لم يشربا لِيَزْدَادَ شربا والغرائب جمع غَرِيبَة وَهِي الَّتِي ترد على الْحَوْض وَلَيْسَت لأهل الْحَوْض الْمَعْنى ضرب هَذَا مثلا وَهُوَ دُعَاء لَهُ بدوام عطائه يُرِيد لَا أعدم الله العفاة جزيل عطائك وتتابع إحسانك لِأَنَّك بَحر يتدفق مَعَ كَثْرَة الواردين لَهُ وَيزِيد مَعَ ترادف الشارعين فِيهِ وينال مِنْهُ الْغَرِيب القاصد كَمَا ينَال الْقَرِيب القاطن قَالَ الواحدي روى الْأُسْتَاذ أَبُو بكر الفرائت والدجال وَقَالَ هُوَ جمع فرات يُرِيد أَنهَار الْفُرَات المتشعبة مِنْهُ والدجال جمع دجلة وَيُرِيد بعللها مَا يُصِيبهَا من النُّقْصَان وَهَذَا تَصْحِيف وَالصَّحِيح الرِّوَايَة الأولى
٤٣رَأَيْتُكَ فِي الَّذِينَ أَرَى مُلُوكًا
كَأَنَّكَ مُسْتَقِيمٌ فِي مُحَالِ
الواحدي: يقول أنت بين الملوك كالمستقيم في المحال أي تفضلهم فضل المستقيم على المعوجَ
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِن فضلت النَّاس وَأَنت من جُمْلَتهمْ فقد يفضل بعض الشَّيْء الْكل جملَة كالمسك وَهُوَ بعض دم الغزال يفضله فضلا كثيرا وَالْمعْنَى إِن فاق الْأَنَام وَهُوَ مُهِمّ وفضلهم مَعَ مشاركته فِي الْجِنْس لَهُم فآلك من دم الغزلان فِي أَصله وَسَائِر دم الْحَيَوَان يقصر عَنهُ وَرب وَاحِد قد بذ أمة وَبَعض قد فَاتَ جملَة قَالَ الواحدي قَالَ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد الشَّاعِر كَانَ سيف الدولة يسر بِمن يحفظ شعر أبي الطّيب فَأَنْشَدته يَوْمًا (رأيْتُكَ فِي الذَِّينَ أرَى مُلُوكا ... ) فَقلت وَكَانَ أَبُو الطّيب حَاضرا هَذَا الْبَيْت وَالَّذِي يتلوه لم يسْبق إِلَيْهِ فَقَالَ سيف الدولة كَذَا حَدثنِي الثِّقَة أَن أَبَا الْفضل مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَالَ كَمَا قلت فأعجب المتنبي واهتز فَأَرَدْت أَن أحركه فَقلت إِلَّا أَن فِيهِ عَيْبا فِي الصَّنْعَة فَالْتَفت المتنبي الْتِفَات حنق وَقَالَ مَا هُوَ قلت قَوْلك مُسْتَقِيم فِي محَال والمحال لَيْسَ من ضد الاسْتقَامَة بل ضدها الاعوجاج فَقَالَ الْأَمِير هَب القصيدة جيمية فَكيف تعْمل فِي تَغْيِير قافية الْبَيْت الثَّانِي فَقلت عجلا كرد الطّرف (فإنَّ البَيْضَ بَعْضُ دَمِ الدَّجاجِ ... ) فَضَحِك ثمَّ ضرب بِيَدِهِ الأَرْض وَقَالَ حسن مَعَ هَذِه السرعة إِلَّا أَنه يصلح أَن يُبَاع فِي سوق الطير لَا مِمَّا يمدح بِهِ أمثالنا يَا أَبَا الْحسن
٤٤فَإِنْ تَفُقِ الْأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ
فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ
الواحدي: يقول إن فضلت الناس وأنت من جملتهم فقد يفضل بعض الشيء جملته كالمسك وهو بعض دم الغزال وقد فضله فضلا كثيرا قال أبو الحسن محمد ابن أحمد المعروف المغربي كان سيف الدولة يسر بمن يحفظ شعر المتنبي وانشدته يوما، رأيتك في الذين أرى ملوكا، وكان أبو الطيب حاضرا فقلت هذا البيت والذي يتلوه لم يسبق إليه فقال سيف الدولة كذا حدثني ثقةٌ أن أبا الفضل محمد ابن الحسين قال كما قلت فأعجب المتنبي واهتز فاردت أن أحركه فقلت إلا أن ي أحدهما عيبا في الصنعة فالتفت المتنبي التفات حنق فقال ما هو فقلت قولك مستقيم في محالٍ والمحال ليس ضدا للاستقامة وإنما ضدها الأعوجاج فقال الأمير هب القصيدة جيميةً فكيف تعمل في تغيير قافية البيت الثاني فقلت عجلا كرده الطرف، فإن تفقِ الأنام وأنت منهم، فإن البيض بعض دم الدجاج، فضحك وضرب بيده وقال حسن مع هذه السرعة إلا أنه يصلح أن يباع في سوق الطير لا أنه مما لا يمدح به امثالنا يا أبا الحسن. وقال يمدحه ويذكر استنقاذه أبا وائل تغلب بن داود لما اسره الخارجي في كلب وقتل الخارجي في شعبان سنة سبع وثلثين وثلثمائة.
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.