إلام طماعية العاذل
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
عن القصيدة
«إلام طماعية العاذل» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في ٥٢ بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف اللام.
بحر المتقارب: فعولن فعولن فعولن فعولن · قصائد أخرى رويّها اللام
من هذه القصيدة في كتب التراث
- «يتيمة الدهر»: الباب الخامس، في ذكر أبي الطيب المتنبي وما له وما عليه، الأبيات ٨ و٩ و١٠ و١٩ وغيرها
- «يتيمة الدهر»: الباب الثاني في ذكر سيف الدولة أبي الحسن علي بن عبد الله بن حمدان وسياق قطعة من أخباره وملح من أشعاره، الأبيات ٩ و١٠ و١١ و١٢ وغيرها
- «الوساطة بين المتنبي وخصومه»: شعر المتنبي، الأبيات ١ و٢ و٤ و٥ وغيرها
- «الوساطة بين المتنبي وخصومه»: سرقات المتنبي، الأبيات ٢ و٣٨ و٣٩
- «دلائل الإعجاز»: فصل آخر في أن الفصاحة والبلاغة للمعاني، البيت ٢
- «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»: النوع الثاني: في التشبيه، البيتين ١٥ و١٦
- «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»: السلخ، البيت ١٠
- «تزيين الأسواق في أخبار العشاق»: فصل في بيان مراتبه، البيت ٢
معنى قول المتنبي
فَلُقّينَ كُلَّ رُدَينِيَّةٍ
وَمَصبوجَةٍ لَبَنَ الشائِلِ
قال الواحدي في «شرح ديوان المتنبي»: يقول لقيت خيله الرماح وخيلا سقيت لبن النوق والمصبوحة التي سقيت اللبن صبوحا والشائلة النوق التي قل لبنها وخف ومرؤ ونجع في شاربه ولا يسقى ذلك اللبن إلا كرائم خيلهم وحذف الهاء من الشائلة وهو يريدها.
شرح القصيدة بيتًا بيتًا
- ١
إِلامَ طَماعِيَةُ العاذِلِ
وَلا رَأى في الحُبِّ لِلعاقِلِ
الواحدي: يقول إلى متى يطمع العاذل في استماع كلامه والحب يقع اضطرارا لا اختيارا والعاقل لا يقع في شركة الحرب برأيه واختياره فلا معنى للوم فيه وإلى م مثل قولهم فيم ومم وعم وعلى م وحتى م والطماعية مصدر مثل الكراهية.
- ٢
يُرادُ مِنَ القَلبِ نِسيانُكُم
وَتَأبى الطِباعُ عَلى الناقِلِ
الواحدي: يقول العاذل يريد من قلبي أن ينساكم ويسلو عنكم وأنا مطبوع على حبكم فكيف انتقل عن شيء طبعت عليه والطبع لا يقبل النقل وإن نقل إلى شيء آخر لم يصبر عليه وهذا كقول العباس ابن الأحنف، لا تحسبني عنكم مقصرا، إني على حبكم مطبوع،
العكبري: الْغَرِيب الطباع والطبيعة بِمَعْنى وَاحِد وَهِي الخليقة الْمَعْنى يَقُول العاذل يُرِيد من قلبِي أَن يسلاكم وَقد جرى حبكم فِيهِ مجْرى الطبيعة وَحل فِيهِ مَحل الخليقة والطبيعة لَا تنقاد لناقلها وَلَا تتأتى لمخالفها وَهَذَا كَقَوْل الْعَبَّاس ابْن الْأَحْنَف (لَا تحْسَبِيني عَنْكُمُ مُقَصِّراً ... إنّي عَلى حُبِّكِ مَطْبُوعُ) وَأَصله من قَول حَاتِم (وَلا مَا تَرَوْنَ اليَوْمَ إلَاّ طَبائِعا ... فكيفَ بَتر كي يَا ابنَ أُمَّ الطَّبائِعا) قَالَ ابْن القطاع قد أفسد هَذَا الْبَيْت سَائِر الروَاة فَرَوَوْه وتأبى بِالتَّاءِ وَهُوَ غلط لَا يجوز قَالَ قَالَ لي شَيْخي أَخْبرنِي أَبُو عَليّ بن رشدين قَالَ لما قَرَأت هَذَا الْبَيْت قرأته بِالتَّاءِ فَقَالَ لم أقل هَكَذَا إِلَّا أَن الطَّبْع والطباع والطبيعة وَاحِد والطبع مصدر لَا يثنى وَلَا يجمع والطبيعة مُؤَنّثَة وَجَمعهَا طبائع والطباع وَاحِد مُذَكّر وَجمعه طبع ككتاب وَكتب وَلَيْسَ الطباع جمعا لطبع وَهَذَا الْبَيْت من كَلَام الْحَكِيم قَالَ الْحَكِيم نقل الطباع من رَدِيء الأطماع شَدِيد الِامْتِنَاع
- ٣
وَإِنّي لَأَعشَقُ مِن عِشقِكُم
نُحولي وَكُلَّ اِمرِئٍ ناحِلِ
الواحدي: يقول بلغ من عشقكم وحبي إياكم أني أحب نحولي فيكم لأن سببه حبكم وأحب أيضا كل ناحل في الحب.
- ٤
وَلَو زُلتُمُ ثُمَّ لَم أَبكِكُم
بَكَيتُ عَلى حُبِّيَ الزائِلِ
الواحدي: يقول لو فارقتموني ولم أبك على فراقكم سلوا عنكم بكيت على ما زال من حبي إياكم كأنه يقول أحبكم وأحب حبكم حتى لو ذهب عني الحب لبكيت على فراقه.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول أحبكم وَأحب حبكم حَتَّى لَو ذهب الْحبّ عني لبكيت على فراقكم فَلَو فارقتموني وَلم أبك على فراقكم سلوا عَنْكُم بَكَيْت على مَا فَاتَ وَزَالَ من حبي لكم استغباطا لذَلِك فِيكُم واستعذابا لما أَلْقَاهُ بكم وَقَوله وَلَو زلتم وتعقبيبه فِي آخر الْبَيْت بالزائل من أَبْوَاب البديع فِي الشّعْر يعرف بالضدين
- ٥
أَيُنكِرُ خَدّي دُموعي وَقَد
جَرَت مِنهُ في مَسلَكٍ سابِلِ
الواحدي: يقول كيف ينكر خدي ما يجري عليه من الدمع وهو مسلك له ودموعي تجري من خدي في طريق مذللٍ قد جرت يه كثيرا على الفراق الأحبة.
العكبري: الْغَرِيب المسلك السابل الطَّرِيق الجادة الْمَعْنى يَقُول أينكر خدي مَا أسيل عَلَيْهِ من الدمع وَهُوَ يسكن من ذَلِك إِلَى حَال قد عرفهَا وَعَادَة قد ألفها وَيجْرِي مِنْهُ فِي طَرِيق مسلوك وسبيل معمور لَا يُنكر خدي دموعي
- ٦
أَأَوَّلُ دَمعٍ جَرى فَوقَهُ
وَأَوَّلُ حُزنٍ عَلى راحِلِ
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ دمعي بِأول دمع جرى على فقد الْأَحِبَّة وَلَيْسَ حزني بِأول حزن على مفارق بل هَذَا الَّذِي لَا أعرف غَيره وَلَا أود فَقده
- ٧
وَهَبتُ السُلُوَّ لِمَن لامَني
وَبِتُّ مِنَ الشَوقِ في شاغِلِ
الواحدي: يقول تركت السلو للائم وهو حظه لا حظي ولي من الشوق شغل شاغلٌ عن السلو يشغلني عنه ومن استماع اللوم.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول السلو حَظّ اللائم لَا حظي وَعِنْدِي من الشوق شغل شاغل يشغلني عَن اسْتِمَاع اللوم لِأَنِّي قد وهبت اللائم السلو الَّذِي يدعوني إِلَيْهِ والخلو الَّذِي يحضني عَلَيْهِ وَبت من الشوق فِيمَا يشغلني عَن لومه ومزهدني فِي عذله
- ٨
كَأَنَّ الجُفونَ عَلى مُقلَتي
ثِيابٌ شُقِقنَ عَلى ثاكِلِ
الواحدي: قال تباعد ما بين أجفاني للسهر فليست تلتقي لنوم فكأنها ثياب ثاكلٍ شقت كأنه يقول فقدتهم وفقدت النوم بعدهم وكان جفوني شقت على فقدهم كما شق الثاكل ثوبه وهذا كقوله، قد علم البيت منا البيت أجفانا، وأخذ أبو محمد المهلبي الوزير هذا المعنى فقال، تصارمت الأجفان لما صرمنني، فما تلتقي إلا على عبرةٍ تجري،
العكبري: الْغَرِيب الثاكل الْمَرْأَة الَّتِي تفقد وَلَدهَا يُقَال ثَكْلَى وثاكل وثكول الْمَعْنى يَقُول الجفون كَأَنَّهَا شقَّتْ على مقلتي شبه قلَّة التقاء جفونه على مقلته واشتغاله بِمَا يذريه من عبرته بِثِيَاب مشقوقة على ثاكل موجعة ووالهة مفجعة وَشبه مقلتيه فِي حزنهما بِتِلْكَ الثاكل فِي وجدهَا وتبعيد السهر لما بَين جفونها بتشقيق الثاكل الثِّيَاب حداد وَهَذَا مِمَّا شبه فِيهِ شَيْئَانِ بشيئين وَهُوَ من أرفع وُجُوه البديع وَقد أَخذه الْوَزير أَبُو مُحَمَّد المهلبي فَقَالَ (تَصَارَمَتِ الأجْفانُ لَمَّا صَرَمْنَِي ... فَمَا تَلْتَقِي إلَاّ عَلى عَبرَةٍ تَجْرِي)
- ٩
وَلَو كُنتَ في أَسرِ غَيرِ الهَوى
ضَمِنتُ ضَمانَ أَبي وائِلِ
الواحدي: يقول لو أسرني شيء غير الحب لخرجت من أسره بحيلة وضمانٍ كما ضمن أبو وائل مالا لآسره حتى انفك من الأسار ثم ذكر تلك القصة فقال:
العكبري: الْغَرِيب أَبُو وَائِل هُوَ تغلب بن دَاوُد وَهُوَ ابْن عَم سيف الدولة الْمَعْنى أَنه خرج إِلَى وصف أبي وَائِل بِأَحْسَن خُرُوج فَقَالَ لَو كنت أَسِيرًا فِي غير الْحبّ ومغلوبا فِي غير سَبِيل الْعِشْق لاحتلت بحيلة أبي وَائِل وضمنت مَالا كَمَا ضمن مَالا حَتَّى أَنْفك من الْأسر
- ١٠
فَدى نَفسَهُ بِضَمانِ النُضارِ
وَأَعطى صُدورَ القَنا الذابِلِ
الواحدي: أي ضمن لهم الذهب ثم أعطى بدل الذهب صدور الرماح وذلك أن سيف الدولة استنقذه من أيديهم بغير فداء
العكبري: الْغَرِيب النضار الذَّهَب القنا الذابل الرقَاق الْمَعْنى يَقُول ضمن لَهُم الذَّهَب ثمَّ أَعْطَاهُم الرماح يُشِير إِلَى جَيش سيف الدولة فَإِنَّهُ أَتَاهُم سرا فَقتل الْخَارِجِي واستنقذه بِغَيْر مَال
- ١١
وَمَنّاهُمُ الخَيلَ مَجنوبَةً
فَجِئنَ بِكُلِّ فَتىً باسِلِ
الواحدي: أي اعطاهم مناهم فوعدهم أن تقاد إليهم الخيل في فدائ فجاءت الخيل بالرجال الشجعان يعني أن أصحاب سيف الدولة أتوا لمحاربة الخارجي.
العكبري: الْغَرِيب الباسل الشجاع القوى وَالْخَيْل المجنوبة الَّتِي لَيْسَ عَلَيْهَا فرسَان وَإِنَّمَا تجنب للْحَاجة إِلَيْهَا فَلَا تركب إِلَّا فِي وَقت الْحَرْب لكرمها الْمَعْنى يَقُول أَعْطَاهُم مَا تمنوا وطلبوا وَوَعدهمْ أَن يَقُود لَهُم الْخَيل فِي فدائه فَجَاءَت الْخَيل بالفرسان الشجعان لمحاربة الْخَارِجِي
- ١٢
كَأَنَّ خَلاصَ أَبي وائِلٍ
مُعاوَدَةُ القَمَرِ الآفِلِ
الواحدي: يقول كنا بعد إساره في ظلمة حزنا عليه فلما تخلص وعاد إلينا كان عودة كعودة القمر بعد الأفول.
- ١٣
دَعا فَسَمِعتَ وَكَم ساكِتٍ
عَلى البُعدِ عِندَكَ كَالقائِلِ
الواحدي: يقول دعاك لاستنقاذه فأجبته ولو سكت لم تقعد عنه ولم تغفل فكم ساكت وهو بعيد عنك لست بغافل عنه حتى كأنه قائل يسألك حاجته.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِنَّه لما دعَاك إِلَى استنقاذه أَجَبْته وَلَو سكت لم تقعد عَنهُ فكم سَاكِت وَهُوَ بعيد عَنْك لست تقعد عَنهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قَائِل لَك يَسْأَلك حَاجته وَالْمعْنَى أَنه دعَاك على بعد مَحَله فأجبته على انزاح مستقره وَرب سَاكِت لبعده عَنْك كالمخاطب لَك لما يُوجِبهُ كرمك من اهتمامك بِشَأْنِهِ واعتنائك بأَمْره
- ١٤
فَلَبَّيتَهُ بِكَ في جَحفَلٍ
لَهُ ضامِنٍ وَبِهِ كافِلِ
الواحدي: يقول جعلت أجابته أن أتيته بنفسك في جيش عظيم ضمنوا له استنقاذه وكفلوا برده إلى مكانه
العكبري: الْغَرِيب الجحفل الْجَيْش وَرجل جحفل أَي عَظِيم الْقدر والجحفلة لذوات الحوافر كالشفة للْإنْسَان الْمَعْنى يَقُول فلبيته إِذْ دعَاك بِنَفسِهِ فِي جَيش عَظِيم ضمنُوا لَهُ استنقاذه وتكفلوا لَهُ برده إِلَى مَكَانَهُ ضَامِن يفك أسره كافل بتعجيل نَصره
- ١٥
خَرَجنَ مِنَ النَقعِ في عارِضٍ
وَمِن عَرَقِ الرَكضِ في وابِلِ
الواحدي: يقول هذا الجيش كانوا في سحابٍ من الغبار وفي مطر من العرق.
العكبري: الْغَرِيب النَّقْع الْغُبَار والعارض السَّحَاب والوابل الْمَطَر الْكثير الْمَعْنى يُرِيد أَن خيل سيف الدولة خرجت من الْغُبَار فِيمَا يشبه السَّحَاب وَمن الْعرق الَّذِي أوجبه الركض فِيمَا يشبه الْمَطَر الشَّديد وَهَذَا من بديع الْكَلَام
- ١٦
فَلَمّا نَشِفنَ لَقينَ السِياطَ
بِمِثلِ صَفا البَلَدِ الماحِلِ
الواحدي: لما نشفت الخيل لقيت السياط من أعجازها بمثل الصفا لا نداوة بها فإنها لم تسترح ولم تضعف لما لحقها من التعب أي لما ضربن بالسياط وقعت من مفاصلها على مثل صفا البلد الماحل والصفا الصخر والماحل الذي لا مطر فيه.
العكبري: الْغَرِيب الصَّفَا الصخر والسياط جمع سَوط والماحل الَّذِي لم يمطر الْمَعْنى يَقُول لما نشفت الْخَيل من الْعرق لقِيت السِّيَاط من جلودها بِمثل الْحجر الأملس الَّذِي يكون فِي الْبَلَد الممحل وَهُوَ أبلغ فِي يبسه وَهَذَا من بديع الْكَلَام يُسمى التتميم
- ١٧
شَفَنَّ لِخَمسٍ إِلى مَن طَلَبنَ
قُبَيلَ الشُفونِ إِلى نازِلِ
الواحدي: شفن بخمسٍ إلى من طلب ... ن قبل الشفون إلى نازلٍ الشفون النظر في اعتراض يقول نظرن إلى أبي وائل قبل النظر إلى نازل عن ظهورهن يريد أنهم لم ينزلوا عن ظهورها خمس ليال حتى بلغوا أبا وائل في ركضة واحدة.
العكبري: الْغَرِيب الشفون النّظر شفنته اشفته شفونا إِذا نظرت إِلَيْهِ بمؤخر عَيْنك فَأَنا شافن وشفون قَالَ الْقطَامِي (يُسارِقْنَ الكَلامَ إلَّى لَمَّا ... حَسِسْنَ حِذَارَ مُرْتَقِب شَفُون) ِ الْمَعْنى يُرِيد أَنهم لم ينزلُوا عَن ظُهُورهَا خمس لَيَال حَتَّى بلغُوا أَبَا وَائِل يَقُول نظرت الْخَيل إِلَى أبي وَائِل الْمَطْلُوب قبل النّظر إِلَى نَازل عَن ظُهُورهَا هَذَا قَول أبي الْفَتْح قَالَ سَأَلته عَن مَعْنَاهُ فَقَالَ لي هَذَا وَالْمعْنَى أَن فرسَان هَذِه الجيل لم يفتروا فِي الركض حَتَّى أوقعوا بالقوم الَّذين أَسرُّوا أَبَا وَائِل
- ١٨
فَدانَت مَرافِقُهُنَّ الثَرى
عَلى ثِقَةٍ بِالدَمِ الغاسِلِ
الواحدي: دانت فاعلت من الدنو يقول ساخت قوائمها في التراب إلى مرافقها ثقةً بأن الدم الذي يجريه ركابها سيغسلها ويزيل عنها ذلك التراب.
العكبري: الْغَرِيب الْبري التُّرَاب قَالَ مدرك بن حُصَيْن (بفِيكَ مِنْ سارٍ إِلَى القَوْمِ البَرَي ... ) والبرية مِنْهُ لأَنهم من التُّرَاب فَهُوَ على هَذَا غير مَهْمُوز تَقول براه الله يبروه بروا أَي خلقه وَقيل الْبَريَّة الْخلق وَأَصله الْهَمْز وَالْجمع البرايا والبريات وَقَرَأَ البريئة بِالْهَمْزَةِ نَافِع وَابْن ذكْوَان الْمَعْنى يَقُول دَانَتْ فاعلت من الدنو أَي أَن قَوَائِمهَا ساخت فِي التُّرَاب إِلَى مرافقها ثِقَة بَان الدَّم الَّذِي يجريه ركابهَا سيغسلها ويزيل عَنْهَا التُّرَاب وَقَالَ الْخَطِيب مددن أَيْدِيهنَّ فِي الجري حَتَّى دَانَتْ التُّرَاب وأذعن أَن الدَّم سيغسله عَنْهُن
- ١٩
وَما بَينَ كاذَتَي المُستَغيرِ
كَما بَينَ كاذَتي البائِلِ
الواحدي: الكذاة لحم الفخذ والمستغير الذي يطلب الغارة يعني الذي كان يطلب الغارة على هؤلاء الخوارج يشتد عدوه فيتفحج لشدة عدوه كما يتفحج البائل لئلا يصيبه البول ويجوز أنه يريد أنه يعرق في عدوه حتى يسيل العرق بين رجليه كالبول وذكر في معنى البيت أنه أراد أن المنهزم يبول فرقا وهذا لا يصح لأن المستغير لا يكون منهزما.
العكبري: الْغَرِيب الكاذة لحم مُؤخر الْفَخْذ والبائل الَّذِي يتفحج ليبول والمستغير الَّذِي يطْلب الْغَارة الْمَعْنى يَقُول إِن هَذِه الْخَيل لشدَّة الْعَدو تتفحج لكرمها ونشاطها فَلم تَحْتك كاذتاها وَلَا تدانت عراقيبها وَهَذَا يحدث على الْخَيل الْكِرَام عِنْد الركض الشَّديد بل كَانَ مَا بَين كاذتي المغير مِنْهَا كَالَّذي يكون بَين كاذتي البائل لم تستحل عَن خلقهَا وَلَا اضْطَرَبَتْ فِي شئ من أمرهَا قَالَ الواحدي يُرِيد أَنه يعرق فِي عدوه حَتَّى يسيل الْعرق بَين رجلَيْهِ قَالَ وَذكر فِي معنى هَذَا الْبَيْت أَن المنهزم يَبُول فرقا وَهَذَا لَا يَصح لِأَن المستغير لَا يكون مُنْهَزِمًا
- ٢٠
فَلُقّينَ كُلَّ رُدَينِيَّةٍ
وَمَصبوجَةٍ لَبَنَ الشائِلِ
الواحدي: يقول لقيت خيله الرماح وخيلا سقيت لبن النوق والمصبوحة التي سقيت اللبن صبوحا والشائلة النوق التي قل لبنها وخف ومرؤ ونجع في شاربه ولا يسقى ذلك اللبن إلا كرائم خيلهم وحذف الهاء من الشائلة وهو يريدها.
العكبري: الْغَرِيب الردينية الرماح نسبت إِلَى ردينة امْرَأَة كَانَت تقوم الرماح والمصبوحة الْفرس الَّتِي تسقى اللَّبن صباحا لكرامتها على أَهلهَا والشائل النَّاقة الَّتِي ابْتَدَأَ حملهَا فخف لَبنهَا قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن هَذَا فَقلت لَهُ الشائل لَا لبن لَهَا وَإِنَّمَا الَّتِي لَهَا بَقِيَّة من لبن يُقَال لَهَا الشائله بِالْهَاءِ فَقَالَ أردْت الْهَاء وحذفتها كَقَوْل كثير بن عبد الرَّحْمَن (لَعَمْرِي لَئِنْ أُمُّ الْحَكيمِ تَرحَّلَتْ ... وأخْلَتْ لِخَيْماتِ العُذَيْبِ ظِلالها) أَرَادَ العذيبة فَحذف الْهَاء وكقول أبي طَالب (وَحَيْثُ يُنِيخُ الأشْعَرُونَ كأنَّهُمْ ... لِمُفْضَي سُيولٍ مِنْ إسافٍ وَنائلِ) أَرَادَ نائلة وهما صمان فَحذف الْهَاء الْمَعْنى يَقُول إِن خيل سيف الدولة بعد جهدها فِي الطّلب وعرقها فِي الركض لقِيت مَعَ الْخَارِجِي أَشد مَا يلقاه الْأَعْرَاب الَّذين يطعنون بِالرِّمَاحِ وتعدو بهم كرائم الْخَيل الَّتِي تسقى اللَّبن عِنْد قلته وَالْحَاجة إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَن النوق إِذا شالت قل لَبنهَا واحتيج إِلَيْهِ فَهُوَ يؤثرون بِهِ الْخَيل لكرمها وَقَالَ ابْن القطاع حذف الْهَاء لإِقَامَة الْوَزْن والشائلة الَّتِي مر عَلَيْهَا من وَقت نتاجها سَبْعَة أشهر فخف لَبنهَا وَجَمعهَا شول والشائل بِلَا هَاء الَّتِي تشول بذنبها وَلَا لبن لَهَا وَجَمعهَا شول
- ٢١
وَجَيشَ إِمامٍ عَلى ناقَةٍ
صَحيحِ الإِمامَةِ في الباطِلِ
الواحدي: يعني بالإمام الخارجي قال ابن جنى يقول قد صح أن امامته باطلة لا شك فيه وقال غيره معناه امامته صحيحة في الباطل يعني أن أصحابه سلموا له الإمامة فهو إمام المبطلين وهذا هو القول لا ما قاله ابن جنى.
العكبري: الْغَرِيب الإِمَام هُوَ الْخَارِجِي الْمَعْنى يَقُول وَلَقِيت هَذِه الْخَيل جَيش إِمَام إِمَامَته بَاطِلَة قَالَ أَبُو الْفَتْح قد صَحَّ أَن إِمَامَته بَاطِلَة لَا شكّ فِيهَا قَالَ الواحدي بل مَعْنَاهُ أَن إِمَامَته صَحِيحَة فِي الْبَاطِل يُرِيد أَن أَصْحَابه سلمُوا لَهُ الْإِمَامَة فَهُوَ إِمَام المبطلين ورد على أبي الْفَتْح قَوْله قَالَ الْخَطِيب يَقُول إِنَّه ركب جملا وَأَشَارَ إِلَى أَصْحَابه يحثهم على الْقِتَال وَأعْرض عَن ركُوب الْخَيل لتيقنه أَن أَصْحَابهَا يهْلكُونَ دونه وَأَن الْغَلَبَة لَهُ
- ٢٢
فَأَقبَلنَ يَنحَزنَ قُدّامَهُ
نَوافِرَ كَالنَحلِ وَالعاسِلِ
الواحدي: الانحياز كالانهزام وهو الانضمام إلى جانبٍ يقول أقبلت خيل الخارجي تنفر وتهرب من جيش سيف الدولة نفور النحل عن العاسلِ
العكبري: الْغَرِيب ينحزن ينفعلن من الانحياز يَنْضَم بَعْضهَا إِلَى بعض والعاسل الَّذِي يجمع الْعَسَل من بيُوت النَّحْل الْمَعْنى يَقُول أَقبلت خبل الْخَارِجِي تنفر وتهرب من جَيش سيف الدولة نفور النَّحْل عَن العاسل
- ٢٣
فَلَمّا بَدَوتَ لِأَصحابِهِ
رَأَت أُسدُها آكِلَ الآكِلِ
الواحدي: أي لما رآك أصحابه رأى شجعانهم منك ما يأكلهم وينفيهم يعني كنت أشجع منهم وإن كانوا شجعانا.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لما ظَهرت لأَصْحَاب الْخَارِجِي رَأَتْ أسدها جمع أَسد وهم شجعانها وَيجوز أَن تكون الْهَاء فِي أسدها للأصحاب وَيجوز أَن تكون للخيل وَالْمعْنَى رَأَتْ أَسد أَصْحَابه أسدا تأكلها وتفنيها كَمَا كَانَت هِيَ تَأْكُل غَيرهَا وَالْمعْنَى كنت أَشْجَع مِنْهُم
- ٢٤
بِضَربٍ يَعُمُّهُمُ جائِرٍ
لَهُ فيهِمِ قِسمَةُ العادِلِ
الواحدي: أي كنت تأكلهم وتفنيهم بضربٍ يأتي عليهم جميعا قال ابن جنى أي هذا الضرب وإن كان لإفراطه جورا فهو في الحقيقة عدل لأن قتل مثلهم عدل وقربةٌ من الله عز وجل وقال أبو الفضل العروضي عندي أنه يقول إن جار في الضرب وقد عم بالقتل ولم يحاب فعدله إنه لم ينفلت منه أحد إلا أصابه من ذلك الرب قلت واظهر من هذين أنه يقال هذا الضرب وإن أفرط فيه حتى تصور جائرا فله فيهم قسمة العادل في القسم لأنه قطع ما أصاب فجعله نصفين فصار الضرب كأنه يقسم بالسوية والإنصاف.
العكبري: الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا الضَّرْب وَإِن كَانَ لإفراطه جورا فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة عدل لِأَن قل مثلهم عدل وقربة إِلَى الله تَعَالَى وَفِي مَعْنَاهُ لحبيب (أنْ لَسْتَ نِعْمَ الجارُ للسُّنَنِ الأُلَي ... إلَاّ إذَا مَا كُنْتَ بِئْسَ الجارُ) يُرِيد للْكفَّار وَقَالَ الْعَرُوضِي الْمَعْنى إِن جَار فِي الضَّرْب فقد عَم بِالْقَتْلِ فعدله أَنه لم ينفلت مِنْهُ أحد إِلَّا أَصَابَهُ من ذَلِك الضَّرْب وَإِن أفرط فِيهِ حَتَّى يصور جائرا فَلهُ فيهم قسْمَة الْعَادِل فِي الْقسم لِأَنَّهُ قطع مَا أصَاب فَجعله نِصْفَيْنِ فَصَارَ الضَّرْب كَأَنَّهُ يقسم بِالسَّوِيَّةِ والإنصاف وَالْمعْنَى انك بدوت لَهُم بِضَرْب عَم جَمَاعَتهمْ وَشَمل جُمْلَتهمْ أبلغ فيهم إبلاغ الجائر وأفرط إفراط المسرف وَسوى بَينهم تسويه الْعَادِل وَقد طابق بَين الْعدْل والجور
- ٢٥
وَطَعنٍ يُجَمِّعُ شُذّانَهُم
كَما اِجتَمَعَت دِرَّةُ الحافِلِ
الواحدي: الشذان المتفرقون يقول هذا الضرب لا يتخلص منه شاذ ولا نافر بل يجتمعون فيه اجتماع اللبن في الضرع والحافل الذي حفل ضرعها أي امتلأ لبنا
- ٢٦
إِذا ما نَظَرتَ إِلى فارِسٍ
تَحَيَّرَ عَن مَذهَبِ الراجِلِ
الواحدي: يقول إذا نظرت إلى فارس من الأعداء لم يقدر أن يهرب عنك بل يضعف خوفا منك وهيبةً حتى لا يقدر أن يذهب ذهاب الراجل يشير إلى تأثير نظره
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِذا نظرت إِلَى فَارس من الْأَعْدَاء لم يقدر أَن يذهب عَنْك بل يضعف خوفًا مِنْك وهيبة وَلَا يقدر أَن يذهب ذهَاب الراجل وَقَالَ الْخَطِيب إِذا نظرت إِلَى الْفَارِس وَهُوَ أقدر على الْفِرَار من الراجل تحير فَلم يقدر أَن يذهب ذهَاب الْوَاحِد من الرجالة
- ٢٧
فَظَلَّ يُخَضِّبُ مِنهَ اللُحى
فَتىً لا يُعيدُ عَلى الناصِلِ
الواحدي: أي فظل سيف الدولة يخضب من الأعداء لحاهم بدمائهم غير أنه لا يعيد الخضاب على من نصل خضابه فذهب.
العكبري: الْغَرِيب اللحى جمع لحية والناصل الَّذِي قد ذهب خضابه وَهُوَ فَاعل بِمَعْنى مفعول كَقَوْلِهِم نَاقَة ضَارب للَّتِي ضربهَا الْفَحْل وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿عيشة راضية﴾ أَي مرضية الْمَعْنى يُرِيد أَن سيف الدولة خضب لحاهم بدمائهم غير أَنه لَا يُعِيد الخضاب على من نصل خضابه وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الناصل الْمَضْرُوب بالنصل يُرِيد إِذا ضرب إنْسَانا بِسَيْفِهِ لم يبْق فِيهِ مَا يحْتَاج إِلَى إِعَادَة الضَّرْبَة أَي أَن هَذَا الْفَتى لَا يقْصد بخضابه التزيين وَإِنَّمَا يقْصد بِهِ الإهلاك فَلَيْسَ يحفل إِذا أهلك النَّفس بِمَا أَخطَأ فِي خضابه من الشّعْر وَهُوَ من قَول طرفَة (حُسامٌ إذَا مَا قُمْتُ مُنْتَضِيا لَهُ ... كَفى العَوْدَ منهُ البَدءُ ليسَ بِمِعْضَدِ)
- ٢٨
وَلا يَستَغيثُ إِلى ناصِرٍ
وَلا يَتَضَعضَعُ مِن خاذِلِ
الواحدي: أي يستغني بقوته عن من ينصره فلا يستنصره مستغيثا إليه ولا يجزع من خذلانِ من يخذله ولا يستكين لأحد وإن خذله أصحابه.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول هُوَ مستغن بقوته عَمَّن ينصره فَلَا يستغيث إِلَى نَاصِر وَلَا يستكين من خذل خاذل لِأَنَّهُ وَحده يُغني عَن جَيش بشجاعته
- ٢٩
وَلا يَزَعُ الطَرفَ عَن مُقدَمٍ
وَلا يَرجِعُ الطَرفَ عَن هائِلِ
الواحدي: أي لا يكبح فرسه عن اقدامه أو عن مقدم عليه أي لا يخاف شيئا ولا أحدا فيرتد ويرجع ولا يهوله شيء فيرد طرفه عنه.
العكبري: الْغَرِيب الوزع الْكَفّ والطرف الْفرس الْكَرِيم والهائل الْأَمر الْعَظِيم الْمَعْنى يَقُول لَا يكف فرسه عَن مقدم أَو إقدام يَعْنِي أَنه لَا يخَاف شَيْئا لجراءته وإقدامه وَلَا يهوله شئ فَيرد طرفه عَنهُ وَقد جانس بَين الطّرف والطرف
- ٣٠
إِذا طَلَبَ التَبلَ لَم يَشأَهُ
وَإِن كانَ ديناً عَلى ماطِلِ
الواحدي: أي إذا طلب ترةً لم تفته وإن مطل به من يطلب عنده تلك الترة يعني يدرك ثاره وأن طال العهد.
العكبري: الْغَرِيب التبل الثأر والترة وَلم يشأه لم يفته والماطل الَّذِي يمطل بِالدّينِ وَلم يسهل عَلَيْهِ أَن يُؤَدِّيه الْمَعْنى يَقُول إِذا طلب ثأرا لم يفته وَإِن كَانَ مُمْتَنعا أمره متعذرا مَوْضِعه وَقَوله وَإِن كَانَ دينا ضربه مثلا وَالْمعْنَى أَنه يدْرك الثأر وَإِن بعد الْعَهْد
- ٣١
خُذوا ما أَتاكُم بِهِ وَاِعذِروا
فَإِنَّ الغَنيمَةَ في العاجِلِ
الواحدي: يستهزيء بهم يقول اعذروه فيما أتاكم به من ضمان أبي وائل وخذوه فإن الغنم فيما عجل لكم وما تاجل وتأخر لعله لا يصل إليكم.
العكبري: الْغَرِيب أَتَاكُم بِمَعْنى جَاءَكُم وَهُوَ مَقْصُور والممدود بِمَعْنى أَعْطَاكُم وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَلَا تفرحوا بِمَا أَتَاكُم بِالْقصرِ لِأَنَّهُ أَرَادَ جَاءَكُم الْمَعْنى أَنه يُرِيد الِاسْتِهْزَاء بهم والتوبيخ لَهُم وَالْمعْنَى خُذُوا مَا جَاءَكُم بِهِ من ضَمَان أبي وَائِل فالغنيمة فِيمَا عجل لكم وَمَا تَأَخّر لَعَلَّه لَا يصل إِلَيْكُم وَالْمعْنَى يُرِيد مَا جَاءَكُم بِهِ من هَذِه الْوَقْعَة
- ٣٢
وَإِن كانَ أَعجَبَكُم عامُكُم
فَعودوا إِلى حِمصَ مِن قابِلِ
العكبري: الْغَرِيب حمص بَلْدَة صَغِيرَة بِالشَّام على ثَلَاث مراحل من دمشق الْمَعْنى يَقُول إِن كُنْتُم قد استقللتم مَا جَاءَكُم بِهِ فِي هَذَا الْعَام من الْقَتْل والأسر والسبي فعودوا إِلَى حمص من الْعَام الْقَابِل فَإِنَّهُ يعود لكم بِمثل هَذِه الْوَقْعَة
- ٣٣
فَإِنَّ الحُسامَ الخَضيبَ الَّذي
قُتِلتُم بِهِ في يَدِ القاتِلِ
الواحدي: أي فإن السيف الذي خضب بدمائكم في يد من قتلكم به
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِن أعجبكم مَا فعل بكم فعودوا فَإِن الحسام الَّذِي خصبه من دمائكم فِي يَد من قتلكم وَهُوَ فِي يَد من قتل جماعتكم وأذل عزكم وأذهب نخوتكم
- ٣٤
يَجودُ بِمِثلِ الَّذي رُمتُمُ
فَلَم تُدرِكوهُ عَلى السائِلِ
الواحدي: أي هو يجود على سائله بمثل الذي طلبتموه من الملك والولاية فلم تدركوه لأنكم طلبتموه لا من طريق السؤال.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول هُوَ جواد يجود على السَّائِل بِمثل ضَمَان أبي وَائِل الَّذِي لم تدركوه وَالْمعْنَى أَنه يجود على سائله بِمثل الَّذِي رمتموه من الضَّمَان فأعجزكم ويسمح لقاصده بِمثل الَّذِي حاولتموه فأهلككم وَلَو سألتموه لعمكم فَضله وَلَو قصدتموه لشملكم عَفوه
- ٣٥
أَمامَ الكَتيبَةِ تُزهى بِهِ
مَكانَ السِنانِ مِنَ العامِلِ
الواحدي: يقول هو من جيشه يفتخرون به بمكان السنان من عامل الرمح يعني أنه يتقدمهم كما يتقدم السنان الرمح.
العكبري: الْغَرِيب الكتيبة الْجَمَاعَة من الْخَيل وَالْعَامِل صدر الرمْح والزهو الْكبر وَالْفَخْر الْمَعْنى يَقُول هُوَ قُدَّام جَيْشه الَّذِي يفتخرون بِهِ بمَكَان السنان من الرمْح يُرِيد انه يتقدمهم كَمَا يتَقَدَّم السنان الرمْح وَالْإِمَام هُوَ قُدَّام الشَّيْء والوراء من الأضداد يكون بِمَعْنى خلف وَبِمَعْنى قُدَّام قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ملك﴾ يَعْنِي قدامهم
- ٣٦
وَإِنّي لَأَعجَبُ مِن آمِلٍ
قِتالاً بِكُم عَلى بازِلِ
الواحدي: كان الخارجي قد ركب ناقةً وهو يشير بكمه يحث اصحابه على القتال فقال أني لأعجب ممن يرجو قتالا بكم على ناقة يعني أن القتال لا يتأتى بتحريك الكم وركوب الناقة.
- ٣٧
أَقالَ لَهُ اللَهُ لا تَلقَهُم
بِماضٍ عَلى فَرَسٍ حائِلِ
الواحدي: يقول هل أوحى الله عز وجل إليه إن لا تلق جيش سيف الدولة بالسيف على الفرس وإنما قال هذا لأن الخارجي كان يدعي النبوة يقول لا آتي إلا ما أمرني الله به يقول فهل أمره الله تعالى بهذا.
العكبري: الْغَرِيب الْفرس الْحَائِل الَّذِي لم تحمل وَالْجمع حول وَإِذا حَالَتْ الْفرس أَو النَّاقة فَهُوَ أَشد لَهَا والماضي السَّيْف الْمَعْنى يَقُول هَل أوحى الله إِلَيْهِ أَلا تلق جَيش سيف الدولة بِسيف على فرس قوي يُرِيد الله أمره أَلا يَأْخُذ للحرب آلتها ويتأهب فِيهَا بأهبتها وَأَن لَا يلقى الْحَرْب بِسيف مَاض على فرس كريم حَائِل قيل إِن الْخَارِجِي كَانَ يَقُول لَا آتى إِلَّا بِمَا يَأْمُرنِي الله بِهِ فَكَانَ يَدعِي النُّبُوَّة
- ٣٨
إِذا ما ضَرَبتَ بِهِ هامَةً
بَراها وَغَنّاكَ في الكاهِلِ
الواحدي: هذا من صفة قوله بماض يقول هل قال الله له لا تلقهم بسيف إذا ضربت به رأسا قطعة وصل إلى عظم الكاهل حتى يسمع صوته من قطعه وجعل ذلك الصوت كالغناء منه كما قال أبو نواس، إذا قام غنته على الساقِ حليةٌ، لها خطوةٌ وسط الغناء قصيرُ، يعني بالحلية القيد فنقل وصف القيد إلى السيف وقد نظر أيضا إلى قول مزرد، من الملس عنديٌّ متى يعلُ حدهُ، ذرى البيض لم تسلم عليه الكواهلُ،
العكبري: الْغَرِيب غناك أَي سَمِعت صَوت رنته والكاهل أَعلَى مُجْتَمع الْكَتِفَيْنِ الْإِعْرَاب إِذا مَا ضربت صفة لقَوْله بماض الْمَعْنى يَقُول هَذَا السَّيْف إِذا ضربت بِهِ رَأس أحد بَرى رَأسه وَوصل إِلَى عظم الْكَاهِل فَجعل ذَلِك الصَّوْت كالغناء وَهُوَ من قَول النمر بن تولب (تَظَلُّ تَحْفِرُ عَنْهُ إنْ ضَرَبْتَ بِه ... بُعْدَ الذّرَاعَينِ والسَّاقَينِ وَالْهَادِي) وَمثله لأبي نواس (إذّا قامَ غَنَّتْهُ عَلى السَّاقِ حِلْيَةٌ ... لَهَا خَطْوُهُ وَسْطَ الفِناءِ قَصِيرُ) وَقد نظر إِلَى قَول مزرد (مِنَ المُلْسِ هِنْديّ مَتى يَعْلُ حَدُّهُ ... ذُرَا البَيْضِ لمْ تَسْلَمْ عليهِ الكوَاهلُ)
- ٣٩
وَلَيسَ بِأَوَّلِ ذي هِمَّةٍ
دَعَتهُ لِما لَيسَ بِالنائِلِ
الواحدي: يقول ليس الخارجي بأول من دعته همته إلى ما لا يناله يريد أنه طمع في الإمارة والولاية
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ الْخَارِجِي بِأول من دَعَتْهُ همته إِلَى مَالا يَنَالهُ يُرِيد أَنه طمع فِي الْإِمَارَة وَالْولَايَة وَالْمعْنَى لَيْسَ هُوَ بِأول من هم بِمَا يمْتَنع عَلَيْهِ ورام مَا لَا يجد سَبِيلا إِلَيْهِ
- ٤٠
يُشَمِّرُ لِلُّجِّ عَن ساقِهِ
وَيَغمُرُهُ المَوجُ في الساحِلِ
الواحدي: قال ابن جنى في قوله يشمر للج عن ساقه يريد تمويهه على الأعراب واستغواءه إياهم وأدعاءه فيهم النبوة قال ويعني بالموج عكسر سيف الدولة قال ابن فورجة أي تمويه في أن يشمر هذا الرجل عن ساقه لخوض اللجة والذي أراد المتنبي أنه يدبر في ملاقاة معظم العسكر والتوغل فيه حتى يصل إلى سيف الدولة ويأخذ الأهبة لذلك فهو كالمشمر عن ساقه لخوض ماء وقد غمره الموج في ساحله أي قد غرق في اطراف عسكره وغلب باوائله فذهب تدبيره باطلا وهذا كقوله، لولا الجهالة ما دلفت إلى، قومٍ غرقت وإنما تفلوا، هذا كلامه ولقول ابن جنى وجه حسن لم يقف عليه ابن فورجة يقول أن الخارجي كان قد طمع في بيضة الإسلام حيث ادعى النبوة فجعل اللج مثل لها وجعل سيف الدولة وهو قطعة من عساكرها وواحد من أمرائها كالساحل وقد غرق هو في الساحل فكيف كان يصل إلى اللجة.
العكبري: الْغَرِيب اللج العميق من الْبَحْر والموج جمع موجة والساحل جَانب الْبَحْر الْمَعْنى يَقُول إِن هَذَا الْخَارِجِي فِيمَا يتعاطاه من مقاومة جَيش سيف الدولة وعجزه عَن أقلهَا وَمَا رامه من التَّعَرُّض لشدَّة عَزَائِمه وهلاكه بأيسرها كمن يُرِيد أَن يَخُوض لجة الْبَحْر ويضعف عَن الْوُقُوف فِي شطه وَيُرِيد اقتحام معظمه والموج يغمره فِي ساحله وَالْمعْنَى أَنه يتَعَرَّض للصعب الْكَبِير وَهُوَ يعجز عَن السهل الحقير قَالَ أَبُو الْفَتْح يشمر للج يُرِيد تمويهه على الْأَعْرَاب واستغواءه إيَّاهُم وادعاءه فيهم النُّبُوَّة قَالَ وَيَعْنِي بالموج عَسْكَر سيف الدولة قَالَ ابْن فورجة أَي تمويه فِي أَن يشمر هَذَا الرجل عَن سَاقه لخوض اللجة وَالَّذِي أَرَادَ أَبُو الطّيب أَنه يدبر فِي ملاقاة مُعظم الْعَسْكَر والتوغل فِيهِ حَتَّى يصل إِلَى سيف الدولة وَيَأْخُذ الأهبة لذَلِك فَهُوَ كالمشمر عَن سَاقه لخوض مَاء وَقد غمره الموج فِي ساحله يُرِيد أَنه قد غرق فِي أَطْرَاف عسكره وَغلب بأوائله فَذهب تَدْبيره بَاطِلا قَالَ الواحدي وَلقَوْل ابْن جنى وَجه حسن لم يقف عَلَيْهِ ابْن فورجة يَقُول إِن الْخَارِجِي كَانَ قد طمع فِي بَيْضَة الْإِسْلَام حَيْثُ ادّعى النُّبُوَّة فَجعل اللج لَهَا مثلا وَجعل سيف الدولة وَهُوَ قِطْعَة من عساكرنا وَوَاحِد من أمرائنا كالساحل وَقد غرق وَهُوَ فِي السَّاحِل فَكيف يصل إِلَى اللجة
- ٤١
أَما لِلخِلافَةِ مِن مُشفِقٍ
عَلى سَيفِ دَولَتِها الفاصِلِ
الواحدي: يقول أما أحد يشفق على سيف الدولة الخلافة ويبقى عليه ويمنعه من كثرة الحروب والقتال شفقة عليه من أن تصيبه آفة فتبقى الخلافة ولا سيف لها والفاصل هو القاطع وهو من نعت سيف دولتها ثم ذكر ما يوجب الإشفاق عليه وهو قوله:
العكبري: الْغَرِيب الْفَاصِل الْقَاطِع ويروي الْفَاضِل بالضاد وَالْفَاء وَهُوَ من صفة سيف الدولة الْمَعْنى يَقُول أما للخلافة من يشفق على سيفها أَو يمنعهُ من الحروب فِي الْقِتَال شَفَقَة عَلَيْهِ من أَن تصيبه آفَة فَتبقى الْخلَافَة وَلَا سيف لَهَا وَهَذَا سيفها الَّذِي بَان فَضله وارتضى سَعْيه
- ٤٢
يَقُدُّ عِداها بِلا ضارِبٍ
وَيَسري إِلَيهِم بِلا حامِلِ
الواحدي: يقول هو سيف يقطع الأعداء من غير أن يضرب به ويسري إليهم غير محمولٍ
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ هُوَ سَيْفا فِي الْحَقِيقَة فَيحْتَاج إِلَى ضَارب وحامل وَإِنَّمَا هُوَ سيف الدولة المحامي عَنْهَا فَهُوَ يقطع الْأَعْدَاء من غير أَن يضْرب بِهِ ويسري إلَيْهِنَّ بِلَا حَامِل الْمَعْنى إِذا افْتقر السَّيْف إِلَى من يضْرب بِهِ كَانَ مُنْفَردا بِفِعْلِهِ وَإِذا التجأ إِلَى من يحملهُ كَانَ مكتفيا بِنَفسِهِ
- ٤٣
تَرَكتَ جَماجِمُهُم في النَقا
وَما يَتَخَلَّصنَ لِلناخِلِ
الواحدي: يقول دست رؤسهم بحوافر الخيل حتى لو نخل الرمل الذي قتلتهم به لم يحصل من رؤسهم شيء
العكبري: الْغَرِيب النقا الْكَثِيب من الرمل والجماجم جمع جمجمة والناخل فَاعل من نخل ينخل الْمَعْنى يَقُول تركت جماجم أَصْحَاب الْخَارِجِي وَقد فَارَقت أجسامها فِي الرمل لما أوقعت بهَا من الضَّرْب حَتَّى اخْتلطت بالرمل فَلم يتَخَلَّص لناخلها وَالْمعْنَى دست رُءُوسهم بحوافر الْخَيل حَتَّى لَو نخل الرمل الَّذِي قَتلتهمْ بِهِ لم يحصل من رُءُوسهم شَيْء
- ٤٤
فَأَنبَتَّ مِنهُم رَبيعَ السِباعِ
فَأَثنَت بِإِحسانِكَ الشامِلِ
الواحدي: يقول تركتهم جزرا للسباع فأخصبت بكثرة القتلى فكأنك أنبت لها ربيعا بما وسعت عليها من لحومهم فاثنت السباع عليك بما شملتها من احسانك والمعنى أنها لو قدرت لأثنت.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَو قدرت السبَاع على النُّطْق لأثنت بِمَا شملها من إحسانك بِكَثْرَة الْقَتْلَى فكأنك بِمَا أوليتها من لُحُوم الْقَتْلَى أنبت لَهَا ربيعا وَهَذَا ترشيح للاستعارة بِأَن السبَاع لَا تَأْكُل الْحَشِيش وَلما اسْتعَار الرّبيع اسْتعَار النبت لَهُ وَالْمعْنَى أنبت من أَجْسَادهم ربيع السبَاع فأخصبت فِي لحومها إخصاب السَّائِمَة فِي ربيعها فأثنت بِمَا عَمها من فضلك وشملها من إحسانك وَهَذَا الْبَيْت من أحسن الْكَلَام وَهُوَ مَبْنِيّ على الِاسْتِعَارَة وَمثله قَوْله (وكانَ بِها مِثْلُ الجُنُونِ فأصْبَحَتْ ... وَمِنْ جُثَثِ القَتْلَى عَليها تَمائِمُ)
- ٤٥
وَعُدتَ إِلى حَلَبٍ ظافِراً
كَعَودِ الحُلِيِّ إِلى العاطِلِ
الواحدي: أي انصرفت إلى دار ملكك مع الظفر بأعدائك كما يعود الحليُّ إلى من لا حليَّ لها يعني أن زينة حلبٍ بك.
العكبري: الْغَرِيب حلب مَدِينَة بِالشَّام مَعْرُوفَة كَانَت من ولَايَة سيف الدولة والحلى فِيهِ ثَلَاث لُغَات بِضَم الْحَاء وَكسر اللَّام وَتَشْديد الْبَاء وَبهَا قَرَأَ أَكثر السَّبْعَة وبكسر الْحَاء وَاللَّام وَالتَّشْدِيد وَبهَا قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وبفتح الْحَاء وَسُكُون اللَّام وَبهَا قَرَأَ يَعْقُوب وَالْحسن والعاطل الَّذِي لَا حلى عَلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول عدت إِلَى حلب مستقرك ظافرا فحليت بعد العطل بعودتك وأنست بعد الوحشة بأوبتك وَالْمعْنَى أَن زِينَة حلب بك
- ٤٦
وَمِثلُ الَّذي دُستَهُ حافِياً
يُؤَثِّرُ في قَدَمِ الناعِلِ
الواحدي: يقول ما فعلته وأنت غير متأهب له يعجز عنه المتأهب فجعل الحافي مثلا لمن لم يتأهب والناعل مثلا للمتأهب.
العكبري: الْغَرِيب الناعل ذُو النَّعْلَيْنِ كَمَا أَن الدراع ذُو الدرْع وَفِي الْمثل أطرى فَإنَّك ناعلة أَي خذي أطرار الطَّرِيق وخشونته فَإنَّك ذَات نَعْلَيْنِ الْمَعْنى يَقُول مَا فعلته وَأَنت غير متأهب لَهُ يعجز عَنهُ متأهب وَالْمعْنَى أَن هَذَا الْأَمر الْعَظِيم الَّذِي أَدْرَكته غير حافل بِهِ يعجز عَنهُ غَيْرك إِذا اجْتهد فِيهِ غَايَة الِاجْتِهَاد وكي بالحافي عَن المسترسل وبالناعل عَن الْمُجْتَهد المتأهب للأمور
- ٤٧
وَكَم لَكَ مِن خَبَرٍ شائِعٍ
لَهُ شِيَةَ الأَبلَقِ الجائِلِ
الواحدي: يقول كم خبر لك من فتوحك شائع في الناس مشتهرا اشتهارً الأبلق الذي يجول في الخيل فلا يخفى مكانه لشهرته.
العكبري: الْغَرِيب الشية الْعَلامَة تكون من غير اللَّوْن وَهُوَ خلط لون بلون والأبلق من كل لون الَّذِي فِيهِ سَواد وَبَيَاض والجائل الَّذِي يجول بَين الصفين الْمَعْنى يَقُول كم لَك من خبر شَائِع فِي النَّاس بفتوحك وظفرك فَهُوَ مشهر إشهار الأبلق الَّذِي يجول فِي الْخَيل فَلَا يخفي مَكَانَهُ وَالْمعْنَى كم لَك من خبر شَائِع ذكره وَمن فعل جليل قدره وَقد شهره كرمك كَمَا شهر الأبلق الجائل شيته وَتبين علامته وَضرب هَذَا مثلا
- ٤٨
وَيَومٍ شَرابُ بَنيهِ الرَدى
بَغيضُ الحُضورِ إِلى الواغِلِ
الواحدي: أي وكم يوم لك اجتمع الناس فيه على القتال ودارت بينهم كأس المنية والواغل الذي يدخل على الشرب من غير أن دعي يبغض حضور ذلك الشراب
العكبري: الْغَرِيب الردي الْمَوْت والواغل الدَّاخِل على الْقَوْم فِي شرابهم من غير أَن يدعى والوارش الَّذِي يدْخل على الْقَوْم فِي طعامهم قَالَ امْرُؤ الْقَيْس (فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيرَ مُسْتَحْقِبٍ ... إثْما مِنَ اللهِ وَلا وَاغِلِ) وَقَالَ أَبُو عَمْرو الوغل الشَّرَاب الَّذِي يشربه الواغل وَأنْشد قَول عَمْرو بن قميئة (إنْ أكُ مِسْكِيراً فَلا أشْرَبُ الْوَغْلَ ... وَلا يَسْلَمُ مِنِّي البَعيِرْ) الْمَعْنى يَقُول وَكم لَك من يَوْم أَقمت فِيهِ سوق الْحَرْب وتنازع بنوه شراب الردى وتعاطوا كؤوس الْمَوْت فأبغض حُضُوره الواغل فِيهِ وَتكره شدته الصالي بِهِ وَهَذَا من بَاب الِاسْتِعَارَة
- ٤٩
تَفُكُّ العُناةَ وَتُغني العُفاةَ
وَتَغفِرُ لِلمُذنِبِ الجاهِلِ
الواحدي: يقول عملك هذه الأشياء من فك الأساري من اسارهم واغناء السائلين والعفو عن المذنبين
العكبري: الْغَرِيب العناة جمع عان وهم الأسرى والعفاة جمع عاف وهم السؤل والعناة يُرِيد بهم الأسرى وَمِنْه الحَدِيث اسْتَوْصُوا بِالنسَاء خيرا فَإِنَّهُنَّ عوان عنْدكُمْ لِأَن الْمَرْأَة أسيرة فِي يَد الرجل وَيُقَال للخمر عانية لِأَنَّهَا كالأسير فِي المدن إِذا خففت الْيَاء فَإِذا شددتها نسبتها إِلَى عانة بَلْدَة على الْفُرَات بِالْقربِ من رحبة مَالك بن طوق الْمَعْنى أَنْت عادتك هَذِه الْأَشْيَاء تفك الأسرى من أسرهم وتغنى السَّائِلين عَن مَسْأَلَة غَيْرك وَتَعْفُو عَن كل مذنب وَالْمعْنَى بفك الأسرى ببأسك وتغنى السُّؤَال بكرمك وَتغْفر للجاهلين بِحِلْمِك
- ٥٠
فَهَنَّأَكَ النَصرَ مُعطيكَهُ
وَأَرضاهُ سَعيُكَ في الآجِلِ
الواحدي: يقول على طريق الدعاء الله الذي أعطاك النصر على الأعداء جعله هنئا لك ورضي عنك في الآخرة بسعيك.
العكبري: الْإِعْرَاب معطيكه الْكَاف وَالْهَاء فِي مَوضِع خفض بِالْإِضَافَة وهما مفعولان فِي الْمَعْنى وَتَقْدِيره معطيك إِيَّاه الْغَرِيب الْأَجَل وَقت لَهُ أجل مَحْدُود وَالْأَجَل فِي غير هَذَا من قَوْلهم أجل الشَّرّ إِذا جَرّه وجناه قَالَ خَوات بن جُبَير (وأهْلِ خِباءٍ صَالحٍ كنْتُ بَينهمْ ... قَدِ احْتَرَبُوا فِي عاجِلٍ أَنا آجِلُهْ) يُرِيد جَانِبه وَبعده قَالَ (فأقْبَلْتُ فِي الساعيِينَ أسألُ عَنْهُمُ ... سُؤَالكَ بالشَّيءِ الَّذِي أنتَ جاهِلُه) وَمَعْنَاهُ أَنه مر بصبية يتضاربون فاستعانه بَعضهم على بعض فَضرب صَبيا مِنْهُم فَمَاتَ ثمَّ جَاءَ إِلَى أهل الْمَقْتُول يسألهم عَن الْخَبَر كَأَنَّهُ جَاهِل بِهِ الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بِأَن يهنئه الله بالنصر الَّذِي أعطَاهُ وَأَن يرضى سَعْيه فِي الْآخِرَة فعمه فِي هَذَا الدُّعَاء بِخَير الدَّاريْنِ وَهَذَا من أحسن الدُّعَاء وَالْمعْنَى فهناك الله مَا منحك من نَصره وزادك فِيمَا آتاك من فَضله وَوصل مَا وهب لَك من ذَلِك فِي العاجل بِمَا يرضيه من سعيك فِي الْأَجَل
- ٥١
فَذي الدارُ أَخوَنُ مِن مومِسٍ
وَأَخدَعُ مِن كَفَّةِ الحابِلِ
الواحدي: أي فهذه الدنيا خوانة لأصحابه كالفاجرة تكون كل يوم عند آخر وهي أخدع من حبالة الصياد
العكبري: الْغَرِيب المومس والمومسة الْمَرْأَة الْفَاجِرَة والحابل الصَّائِد ذُو الحبالة وَهِي الشّرك والكفة بِالْكَسْرِ كل مستدير وبالضم كل مستطيل وبالفتح الْمرة الْوَاحِدَة من كففته وَقَوْلهمْ لَقيته كفة كفة بِفَتْح الْكَاف أَي استقبلته مُوَاجهَة وهما اسمان جعلا وَاحِدًا وتبينا على الْفَتْح مثل خَمْسَة عشر قَالَ الْأَزْهَرِي وَيُقَال فِي كفة الْمِيزَان بِالْفَتْح وجمعهما كفف الْمَعْنى يَقُول هَذِه الدُّنْيَا وَهِي الْمشَار إِلَيْهَا بِالدَّار فاجرة خوانة لأصحابها هِيَ كل يَوْم عِنْد وَاحِد وَهِي أخدع من حبالة الصَّائِد وَالْمعْنَى أَنَّهَا أَهْون من الْفَاجِرَة الَّتِي تخلف من وثق بهَا وأخدع من الحبالة الَّتِي تصرع من اطْمَأَن إِلَيْهَا
- ٥٢
تَفانى الرِجالُ عَلى حُبِّها
وَما يَحصُلونَ عَلى طائِلِ
الواحدي: يقول فنى الناس على حب الدنيا ولم يحصلوا منها على شيء والطائل كل شيء يرغب فيه وهو كل شيء ذو طول أي ذو فضل. وقال عند مسيره إلى أخيه ناصر الدولة لما قصده معز الدولة سنة سبع وثلاثمائة
العكبري: الْغَرِيب الطائل مَا كَانَ لَهُ قدر وَهُوَ اسْم فَاعل من طَال الشَّيْء إِذا علاهُ وَمِنْه الطول بِفَتْح الطَّاء الْمَعْنى يَقُول الرِّجَال قد تفانوا على حبها وَلم يحصلوا من أمرهَا على طائل لِأَنَّهَا تَأْخُذ مَا تعطيه وتهدم مَا تبينه وتمر بعد حلاوتها وتعوج بعد استقامتها فَمن عرفهَا رفضها وَمن قدرهَا هجرها قَالَ ابْن الشجري الشريف هبة الله الْحسنى مَا عمل فِي ذمّ الدُّنْيَا مثل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَصدق فِي قَوْله وَبَلغنِي أَن رَسُول الإفرنج دخل على الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فَذكر هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فَقَالَ وَحقّ ديني مَا فِي الْإِنْجِيل موعظة أبلغ من هَذِه الموعظة وَمعنى بَيت من أبي الطّيب أَنهم يستعذبون ويستلذون الطعْن استلذاذ الْقبل وَكَانَ الْوَجْه أَن يَقُول عِنْد محبيه لِأَن الطعْن مصدر طعن إِلَّا أَنه جعله جمع طعنة وَكَانَ سَبَب قَول أبي الطّيب هَذِه القصيدة أَن أَحْمد هَذَا قصد الْموصل لقِتَال الْحسن ابْن عبد الله بن حمدَان أخي سيف الدولة فَسَار أَخُوهُ إِلَيْهِ إِلَى الْموصل لنصره فَلَمَّا أحس الديلمى بإقبال سيف الدولة صَالح أَخَاهُ الْحسن على أَن يبْعَث إِلَى السُّلْطَان من خراج الْموصل مَا جرت بِهِ عَادَته فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك ورحل عَن الْموصل من غير قتال وَرجع إِلَى بَغْدَاد فَقَالَ أَبُو الطّيب هَذِه القصيدة وأنشدها فِي ذِي الْقعدَة من سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مئة
هذه القصيدة بشرح الواحدي، والعكبري
أبيات مشهورة منها(٦)
- تَفانى الرِجالُ عَلى حُبِّها ... وَما يَحصُلونَ عَلى طائِلِ
- يُرادُ مِنَ القَلبِ نِسيانُكُم ... وَتَأبى الطِباعُ عَلى الناقِلِ
- إِلامَ طَماعِيَةُ العاذِلِ ... وَلا رَأى في الحُبِّ لِلعاقِلِ
- كَأَنَّ الجُفونَ عَلى مُقلَتي ... ثِيابٌ شُقِقنَ عَلى ثاكِلِ
- وَما بَينَ كاذَتَي المُستَغيرِ ... كَما بَينَ كاذَتي البائِلِ
- فَدى نَفسَهُ بِضَمانِ النُضارِ ... وَأَعطى صُدورَ القَنا الذابِلِ
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.