من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
النوع الثاني: في التشبيه
وجدت علماء البيان قد فرقوا بين التشبيه والتمثيل، وجعلوا لهذا بابًا مفردًا، ولهذا بابًا مفردًا، وهما شيء واحد لا فرق بينهما في أصل الوضع، يقال: شبهت هذا الشيء بهذا الشيء، كما يقال: مثلته به.
وما أعلم كيف خفي ذلك على أولئك العلماء مع ظهوره ووضوحه؟
وكنت قدمت القول في باب الاستعارة على الفرق بين التشبيه وبينها، ولا حاجة إلى إعادته ههنا مرة ثانية.
والتشبيه ينقسم قسمين: مظهر ومضمرًا.
وفي المضمر إشكال في تقدير أداة التشبيه فيه في بعض المواضع.
هو ينقسم أقسامًا خمسة:
فالأول: يقع موقع المبتدأ والخبر المفردين.
والثاني: يقع موقع المبتدأ والمفرد، وخبره جملة مركبة من مضاف ومضاف إليه.
والثالث: يقع موقع المبتدأ والخبر جملتين.
والرابع: يرد على وجه الفعل والفاعل.
والخامس: يرد على وجه المثل المضروب.
وهذان القسمان الأخيران هما أشكل الأقسام في تقدير أداة التشبيه.
أما الأول: فكقولنا: "زيد أسد"، فهذا مبتدأ وخبره، وإذا قدرت أداة التشبيه فيه كان ذلك ببديهة النظر على الفور، فقيل: زيد كالأسد.
وأما القسم الثاني والثالث: فإنهما متوسطان في تقدير أداة التشبيه فيهما.
فالثاني كقول النبي ﷺ: $"الكمأة جدري الأرض"، وهذا يتنوع نوعين، فإذا كان المضاف إليه معرفة كهذا الخبر النبوي لا يحتاج في تقدير التشبيه إلى تقديم المضاف
إليه، بل إن شئنا قدمناه، وإن شئنا أخرناه، فقلنا: الكمأة للأرض كالجدري، أو الكمأة كالجدري للأرض، وإذا كان المضاف إليه نكرة، فلا بد من تقديمه عند تقدير أداة التشبيه؛ فمن ذلك قول البحتري:
غمام سماحٍ لا يغب له حيًاومسعر حربٍ لا يضيع له وتر
فإذا قدرنا أداة التشبيه ههنا قلنا: سماح كالغمام: ولا يقدر إلا هكذا، والمبتدأ في هذا البيت محذوف، وهو الإشارة إلى الممدوح، كأنه قال: هو غمام سماح.
ومن هذا النوع ما يشكل تقدير أداة التشبيه فيه، على غير العارف بهذا الفن، كقول أبي تمام:
أي مرعى عينٍ ووادي نسيبلحبته الأيام في ملحوب
ومراد أبي تمام أن يصف هذا المكان بأنه كان حسنًا، ثم زال عنه حسنه، فقال: إن العين كانت تلتذ بالنظر إليه كالتذاذ السائمة بالمرعى، فإنه كان يشبب به في الأشعار لحسنه وطيبه.
وإذا قدرنا أداة التشبيه ههنا قلنا: كأنه كان للعين مرعى، وللنسيب منزلًا ومألفًا.
وإذا جاء شيء من الأبيات الشعرية على هذا الأسلوب، أو ما يجري مجراه فإنه يحتاج إلى عارف بوضع أداة التشبيه فيه.
وأما الثالث، فكقول النبي ﷺ: "وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم"، كأنه قال: كلام الألسنة كحصائد المناجل.
وهذا القسم لا يكون المشبه به مذكورًا فيه، بل تذكر صفته، ألا ترى أن المنجل لم يذكر ههنا، وإنما ذكرت صفته، وهي الحصد، وكل ما يجيء من هذا القسم، فإنه لا يرد إلا كذلك.
وأما القسم الرابع والخامس اللذان هما أشكل الأقسام المذكورة في تقدير أداة التشبيه فيهما فإنهما، لا يتفطن لهما أنهما تشبيه.
فمما جاء من القسم الرابع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وتقدير أداة التشبيه في هذا الموضع أن يقال: هم في إيمانهم كالمتبوئ دارًا؛ أي أنهم قد اتخذوا الإيمان مسكنًا يسكنونه، يصف بذلك تمكنهم منه.
وعلى هذا ورد قول أبي تمام:
نطقت مقلة الفتى الملهوففتشكت بفيض دمعٍ ذروف
وإذا أردنا أن نقدر أداة التشبيه ههنا قلنا: دمع العين كنطق اللسان، أو قلنا: العين الباكية كأنما تنطق بما في الضمير.
وأما ما جاء من القسم الخامس، فكقول الفرزدق يهجو جريرًا:
ما ضر تغلب وائلٍ أهجوتهاأم بلت حيث تناطح البحران
فشبه هجاء جرير تغلب وائل ببوله في مجمع البحرين، فكما أن البول في مجمع البحرين لا يؤثر شيئًا، فكذلك هجاؤك هؤلاء القوم لا يؤثر شيئًا.
وهذا البيت من الأبيات الذي أقر لها الناس بالحسن.
وكذلك ورد قوله أيضًا:
قوارص تأتيني وتحتقرونهاوقد يملأ القطر الإناء فيفعم
فإنه شبه القوارص التي تأتيه محتقرة بالقطر الذي يملأ الإناء على صغر مقداره، يشير بذلك إلى أن الكثرة تجعل الصغير من الأمر كبيرًا.
وهذا الموضع يشكل على كثير من علماء البيان، ويخلطونه بالاستعارة، كقول البحتري في التعزية بولد:
تعز فإن السيف يمضي وإن وهتحمائله عنه وخلاه قائمه
وهذا ليس من التشبيه، وإنما هو استعارة؛ لأن المستعار له مطوي الذكر، وهو المعزي، كأنه قال: تعز كالسيف يمضي وإن وهت حمائله، وخلاه قائمه.
فإن قيل: إنك قدمت في باب الاستعارة بأن التشبيه المضمر الأداة يحسن تقدير أداة التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن تقدير أداة التشبيه فيها، وجعلت ذلك هو الفرق بين التشبيه المضمر الأداة بين الاستعارة، وقررت ذلك تقريرًا طويلًا عريضًا، ثم نراك قد نقضته ههنا بقولك: إن من التشبيه المضمر الأداء ما يشكل تقدير أداة التشبيه فيه، وإنه يحتاج في تقديرها إلى نظر، كهذين البيتين المذكورين للفرزدق، وما يجري مجراهما.
فالجواب عن ذلك أني أقول: هذا الذي ذكرته لا ينقص علي شيئًا مما قدمت القول فيه في باب الاستعارة؛ لأني قلت: إن التشبيه المضمر الأداة يحسن تقدير الأداة فيه، أي لا يتغير بتقديرها فيه عن صفته التي اتصف بها من فصاحة وبلاغة، وليس كذلك الاستعارة، فإنها إذا قدرت أداة التشبيه فيها تغيرت عن صفتها التي اتصفت بها من فصاحة وبلاغة.
وأما الذي ورد ههنا من بيتي الفرزدق، وما يجري مجراهما من التشبيه المضمر الأداة، فإن أداة التشبيه لا تقدر فيه، وهو على حالته من النظم، حتى تتبين هل تغيرت صفته التي اتصف بها من فصاحة وبلاغة أم لا؟، وإنما تتقدر أداة التشبيه فيه على وجه آخر، وهذا لا ينقض ما أشرت إليه في باب الاستعارة.
وإذا ثبتت هذه الأقسام الأربعة فأقول: إن التشبيه المضمر أبلغ من التشبيه المظهر وأوجز.
أما كونه أبلغ فلجعل المشبه مشبهًا به من غير واسطة أداة، فيكون هو إياه، فإنك إذا قلت: "زيد أسد"، كنت قد جعلته أسدًا من غير إظهار أداة التشبيه.
وأما كونه أوجز، فلحذف أداة التشبيه منه.
وعلى هذا فإن القسمين من المظهر، والمضمر كليهما في فضيلة البيان سواء، فإن الغرض المقصود من قولنا: "زيد أسد" أن يتبين حال زيد في اتصافه بشهامة النفس، وقوة
البطش، وجراءة الإقدام وغير ذلك مما يجري مجراه، إلا أنا لم نجد شيئًا ندل به عليه سوى أن جعلناه شبيهًا بالأسد، حيث كانت هذه الصفات مختصة به، فصار ما قصدناه من هذا القول أكشف، وأبين من أن لو قلنا: زيد شهم شجاع قوي البطش جريء الجنان، وأشباه ذلك، لما قد عرف وعهد من اجتماع هذه الصفات في المشبه -أعني الأسد- وأما زيد الذي هو المشبه، فليس معروفًا بها، وإن كانت موجودة فيه.
وكلا هذين القسمين أيضًا يختص بفضيلة الإيجاز، وإن كان المضمر أوجز من المظهر؛ لأن قولنا: "زيد أسد"، أو"كالأسد"، يسد مسد قولنا: زيد من حاله كيت وكيت، وهو من الشجاعة والشدة على كذا وكذا، مما يطول ذكره.
فالتشبيه إذًا يجمع صفات ثلاثة، هي: المبالغة والبيان والإيجاز، كما أريتك، إلا أنه من بين أنواع علم البيان مستوعر الذهب، وهو مقتل من مقاتل البلاغة.
وسبب ذلك أن حمل الشيء على الشيء بالمماثلة إما صورة، وإما معنى يعز صوابه وتعمر الإجادة فيه، وقلما أكثر منه أحد إلا عثر، كما فعل ابن المعتز من أدباء العراق، وابن وكيع من أدباء مصر، فإنهما أكثرا من ذلك لا سيما في وصف الرياض والأشجار، والأزهار والثمار، لا جرم أنهما أتيا بالغث البارد الذي لا يثبت على محك الصواب.
فعليك أن تتوقى ما أشرت إليه.
فائدة التشبيه:
وأما فائدة التشبيه من الكلام فهي أنك إذا مثلت الشيء بالشيء، فإنما تقصد به إثبات الخيال في النفس بصورة المشبه به أو معناه، وذلك أوكد في طرفي الترغيب فيه، أو التنفير عنه.
ألا ترى أنك إذا شبهت صورة بصورة هي أحسن منها كان ذلك مثبتًا في النفس خيالًا حسنًا يدعو إلى الترغيب فيها.
وكذلك إذا شبهتها بصورة شيء أقبح منها كان ذلك مثبتًا في النفس خيالًا قبيحًا يدعو إلى التنفير عنها، وهذا لا نزاع فيه.
ولنضرب له مثالًا يوضحه فنقول: قد ورد عن ابن الرومي في مدح العسل، وذمه بيت من الشعر، وهو:
تقول هذا مجاج النحل تمدحهوإن تعب قلت: ذاقئ الزنابير
ألا ترى كيف مدح وذم الشيء الواحد بتصريف التشبيه المجازي المضمر الأداة الذي
خيل به إلى السامع خيالًا يحسن الشيء عنده تارة، ويقبحه أخرى؟ ولولا التوصل بطريق التشبيه على هذا الوجه لما أمكنه ذلك.
وهذا المثال كاف فيما أردناه.
واعلم أن محاسن التشبيه أن يجيء مصدريًا، كقولنا: أقدم إقدام الأسد، وفاض فيض البحر، وهو ما أحسن ما استعمل في باب التشبيه، كقول أبي نواس في وصف الخمر:
ثم لما مزجوهاوثبت وثب الجراد
ثم لما شربوهاأخذت أخذ الرقاد
وقيل: إن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم.
ومن ههنا غلط بعض الكتاب من أهل مصر في ذكر حصن من حصون الجبال مشبهًا له، فقال: "هامةٌ عليها من الغمامة عمامة، وأنملة خضبها الأصيل، فكان الهلال منها قلامة".
وهذا الكاتب حفظ شيئًا، وغابت عنه أشياء!!
فإنه أخطأ في قوله: "أنملة" وأي مقدار للأنملة إلى تشبيه حصن على رأس جبل؟
وأصاب في المناسبة بين ذكر الأنملة والقلامة، وتشبيهها بالهلال.
فإن قيل:
إن هذا الكاتب تأسى فيما ذكره بكلام الله تعالى حيث قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ فمثل نوره بطاقةٍ فيها ذبالة.
وقال الله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ فمثل الهلال بأصل عذق النخلة.
فالجواب عن ذلك أني أقول:
أما تمثيل نور الله تعالى بمشكاة فيها مصباح، فإن هذا مثال ضربه للنبي ﷺ ويدل عليه أنه قال: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾.
وإذا نظرت إلى هذا الموضع وجدته تشبيهًا لطيفًا عجيبًا، وذاك أن قلب النبي ﷺ، وما ألقي فيه من النور، وما هو عليه من الصفة الشفافة، كالزجاجة التي كأنها كوكب لصفائها وإضاءتها.
وأما الشجرة المباركة التي لا شرقية ولا غربية، فإنها عبارة عن ذات النبي ﷺ؛ لأنه من أرض الحجاز التي لا تميل إلى الشرق، ولا إلى الغرب.
وأما زيت هذه الزجاجة، فإنه مضيء من غير أن تمسه نار، والمراد أن فطرته فطرةٌ صافية من الأكدار، منيرة من قبل مصافحة الأنوار.
فهذا هو المراد بالتشبيه الذي ورد في هذه الآية.
وأما الآية الأخرى، فإنه شبه الهلال فيها بالعرجون القديم، وذلك في هيئة نحوله واستدارته، لا في مقداره، فإن مقدار الهلال عظيم، ولا نسبة للعرجون إليه، لكنه في مرأى النظر كالعرجون هيئةً، لا مقدارًا.
وأما هذا الكاتب، فإن تشبيهه ليس على هذا النسق؛ لأنه شبه صورة الحصن بأنملة في المقدار، لا في هيئة والشكل.
وهذا غير حسن ولا مناسب، وإنما ألقاه فيه أنه قصد الهلال، والقلامة مع ذكر الأنملة، فأخطأ من جهة، وأصاب من جهة، لكن خطؤه غطى على صوابه.
والقول السديد في بلاغة التشبيه هو ما أذكره، وهو: أن إطلاق من أطلق قوله في أن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الأصغر بالأكبر غير سديد، فإن هذا قول غير حاصرٍ للغرض المقصود؛ لأن التشبيه يأتي تارة في معرض المدح، وتارة في معرض الذم، وتارة في غير معرض مدح ولا ذم، وإنما يأتي قصدًا للإبانة والإيضاح، ولا يكون تشبيه أصغر بأكبر، كما ذهب إليه من ذهب.
بل القول الجامع في ذلك أن يقال: إن التشبيه لا يعمد إليه إلا لضرب من المبالغة: فإما أن يكون مدحًا أو ذمًا، أو بيانًا أو إيضاحًا، ولا يخرج عن هذه المعاني الثلاثة.
وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد فيه من تقدير لفظة "أفعل"، فإن لم تقدر لفظة "أفعل"، فليس بتشبيه بليغ، ألا ترى أنا نقول في التشبيه المضمر الأداة: "زيد أسد"، فقد شبهنا زيدًا بأسد الذي هو أشجع منه، فإن لم يكن المشبه به في هذا المقام أشجع من "زيد" الذي هو المشبه، وإلا كان التشبيه ناقصًا، إذ لا مبالغة فيه.
وأما التشبيه المظهر الأداة فكقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾، وهذا تشبيه كبير بما هو أكبر منه؛ لأن خلق السفن البحرية كبير، وخلق الجبال أكبر منه.
وكذلك إذا شبه شيء حسن بشيء حسن، فإنه إذا لم يشبه بما هو أحسن منه، فليس بوارد على طريق البلاغة.
وإن شبه قبيح بقبيح، وهكذا ينبغي أن يكون المشبه به أقبح.
وإن قصد البيان والإيضاح، فينبغي أن يكون المشبه به أبين وأوضح.
فتقدير لفظة "أفعل" لا بد منه فيما يقصد به بلاغة التشبيه؛ وإلا كان التشبيه ناقصًا، فاعلم ذلك وقس عليه.
أقسام التشبيه:
واعلم أنه لا يخلو تشبيه الشيئين: أحدهما بالآخر من أربعة أقسام:
إما تشبيه معنى بمعنى، كالذي تقدم ذكره من قولنا: "زيد كالأسد".
وإما تشبيه صورة بصورة، كقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ، كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾.
وإما تشبيه معنى بصورة، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾، وهذا القسم أبلغ الأقسام الأربعة لتمثيله المعاني الموهومة بالصور المشاهدة.
وإما تشبيه صورة بمعنى، كقول أبي تمام:
وفتكت بالمال الجزيل وبالعدافتك الصبابة بالمحب المغرم
فشبه فتكه بالمال وبالعدا -وذلك صورة مرئية- بفتك الصبابة، وهو فتك
معنوي، وهذا القسم ألطف الأقسام الأربعة؛ لأنه نقل صورة إلى غير صورة.
وكل واحد من هذه الأقسام الأربعة المشار إليها لا يخلو التشبيه فيه من أربعة أقسام أيضًا:
إما تشبيه مفرد بمفرد.
وإما تشبيه مركب بمركب.
وإما تشبيه مفرد بمركب.
وإما تشبيه مركب بمفرد.
والمراد بقولنا مفرد ومركب: أن المفرد يكون تشبيه شيء واحد بشيء واحد، والمركب تشبيه شيئين اثنين بشيئين اثنين.
وكذلك المفرد بالمركب، والمركب بالمفرد، فإن أحدهما يكون تشبيه شيء واحد بشيئين، والآخر: يكون تشبيه شيئين بشيء واحد، والآخر يكون تشبيه شيئين بشيء واحد.
ولست أعني بقولي: "تشبيه شيئين بشيئين" أن لا يكون إلا كذلك، بل أردت تشبيه شيئين بشيئين فما فوقهما، كقول بعضهم في الخمر.
وكأنها وكأن حامل كأسهاإذ قام يجلوها على الندماء
شمس الضحى رقصت وجههابدر الدجى بكواكب الجوزاء
فشبه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء، فإنه شبه الساقي بالبدر، وشبه الخمر بالشمس، وشبه الحبب الذي فوقها بالكواكب.
وإذا بينت أن التشبيه ينقسم إلى تلك الأقسام الأربعة، فإني أقول: إن التشبيه المضمر الأداة قد قدمت القول في أنه ينقسم إلى خمسة أقسام.
فالقسم الأول: لا يرد إلا في تشبيه مفرد.
بمفرد، والقسم الثاني لا يرد إلا في تشبيه مفرد بمركب.
والقسم الثالث: لا يرد إلا في تشبيه مركب بمركب.
والقسم الرابع والخامس: لا يردان إلا في تشبيه مركب بمركب.
ألا ترى أنا إذا قلنا في القسم الأول: "زيد أسد"، كان ذلك تشبيه مفرد بمفرد.
وإذا قلنا في القسم الثاني: ما مثلناه به من الخبر النبوي، وهو "الكمأة جدري الأرض"، كان ذلك تشبيه مفرد بمركب، وكذلك بيت البحتري، وبيت أبي تمام المشار إليهما فيما تقدم.
وإذا قلنا في القسم الثالث: ما أشرنا إليه من الخبر النبوي أيضًا الذي هو: $"وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم"، كان ذلك تشبيه مركب بمركب.
وإذا قلنا في القسم الرابع والخامس: ما مثلنا به من بيتي الفرزدق والبحتري كان ذلك تشبيه مركب بمركب.
وإذا كان الأمر كذلك، وجاءك شيء من التشبيه المضمر الأداة، وهو من القسم الأول، فاعلم أنه تشبيه مفرد، وإذا جاءك شيء من القسم الثاني، فاعلم أنه تشبيه مفرد بمركب، وإذا جاءك شيء من القسم الثالث، فاعلم أنه تشبيه مركب بمركب، وكذلك إذا جاءك شيء من القسم الرابع، والقسم الخامس، فإنهما من باب تشبيه المركب بالمركب.
ولنرجع إلى ذكر ما أشرنا إليه أولًا في تقسيم التشبيه إلى الأربعة أقسام الأخرى التي هي: تشبيه مفرد بمفرد، وتشبيه مركب بمركب، وتشبيه مفرد بمركب، وتشبيه مركب بمفرد.
فالقسم الأول منها: كقوله تعالى في المضمر الأداة: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾، فشبه الليل باللباس، وذاك أنه يستر الناس بعضهم عن بعض لمن أراد هربًا من عدو، أو ثباتًا لعدو أو إخفاء ما لا يحب الاطلاع عليه من أمره.
وهذا من التشبيهات التي لم يأت بها إلا القرآن الكريم، فإن تشبيه الليل باللباس مما اختص به دون غيره من الكلام المنثور والمنظوم.
وكذلك قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، فشبه المرأة باللباس للرجل، وشبه الرجل باللباس للمرأة.
ومن محاسن التشبيهات قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾، وهذا يكاد ينقله تناسبه عن درجة المجاز إلى الحقيقة، والحرث: هو الأرض التي تحرث للزرع، وكذلك الرحم يزدرع فيه الولد ازدراعًا كما يزدرع البذر في الأرض.
ومن هذا الأسلوب قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾، فشبه تبرأ
الليل من النهار بانسلاخ الجلد المسلوخ، وذاك أنه لما كانت هوادي الصبح عند طلوعه ملتحمةً بأعجاز الليل أجرى عليهما اسم السلخ، وكان ذلك أولى من أن لو قيل: "يخرج"؛ لأن السلخ أدل على الالتحام من الإخراج، وهذا تشبيه في غاية المناسبة.
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، فشبه انتشار الشيب باشتعال النار، ولما كان الشيب يأخذ في الرأس، ويسعى فيه شيئًا فشيئًا، حتى يحيله إلى غير لونه الأول بمنزلة النار التي تشتعل في الجسم، وتسري فيه، حتى تحيله إلى غير حاله الأولى.
وأحسن من هذا أن يقال: إنه شبه انتشار الشيب باشتعال النار: في سرعة التهابه، وتعذر تلافيه، وفي عظم الألم في القلب به، وأنه لم يبق بعده إلا الخمود.
فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبه والمشبه به، وذلك في الغاية القصوى من التناسب والتلاؤم.
وقد ورد من الأمثال "الليل جنة الهارب"، وهذا تشبيه حسن.
وكل ذلك من التشبيه المضمر الأداة.
ومما ورد منه شعرًا قول أبي الطيب المتنبي:
وإذا اهتز للندى كان بحرًاوإذا اهتز للوغى كان نصلًا
وإذا الأرض أظلمت كان شمسًاوإذا الأرض أمحلت كان وبلا
فحرف التشبيه ههنا مضمر، وتقديره: كان كأنه بحر، وكان كأنه نصل،
وكذلك يقال في البيت الثاني: كان كأنه شمس، وكان كأنه وبل، وهذا تشبيه صورة بصورة، وهو حسن في معناه.
وكذلك ورد قول أبي نواس، وهو في تشبيه الحبب:
فإذا ما اعترضته العين من حيث استداراخلته في جنبات الكأس واواتٍ صغارا
وهذا تشبيه صورة بصورة أيضًا، وقد أبرز هذا المعنى في لباس آخر، فقال:
وإذا علاها الماء ألبسهاحببًا شبيه جلاجل الحجل
حتى إذا سكنت جوامحهاكتبت بمثل أكارع النمل
ومن هذا قول البحتري:
تبسمٌ وقطوبٌ في ندىً ووغىًكالرعد والبرق تحت العارض البرد
وهذا من أحسن التشبيه وأقربه، إلا أن فيه إخلالًا من جهة الصنعة، وهي ترتيب التفسير، فإن الأولى أن كان قدم تفسير التبسم على تفسير القطوب: بأن كان قال: "كالبرق والرعد".
فانظر أيهما المنتمي إلى الفن كيف ذهب على البحتري مثل هذا
الموضوع على قربه، مع تقدمه في صناعة الشعر؟، وليس في ذلك كبير أمر، سوى أن كان قدم ما أخر لا غير.
وإنما يعذر الشاعر في مثل هذا المقام إذا حكم عليه الوزن والقافية، واضطر إلى ترك ما يجب عليه، وأما إذا كانت الحال التي ذكرها البحتري، فحينئذ لا عذر له.
وسيأتي باب مفرد في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وهو باب "ترتيب التفسير".
وكذلك ورد قول البحتري:
في معركٍ ضنكٍ تخال به القنابين الضلوع إذا انحنين ضلوعا
ومن تشبيه المفرد بالمفرد قول أبي الطيب المتنبي:
خرجن من النقع في عارضومن عرق الركض في وابل
فلما نشفن لقين السياطبمثل صفا البلد الماحل
وقد حوى هذان البيتان قرب التشبيه مع براعة النظم، وجزالة اللفظ.
وأما القسم الثاني: وهو تشبيه المركب بالمركب، فمما جاء منه مضمر الأداة ما يروى عن النبي ﷺ في حديث يرويه معاذ بن جبل ﵁ وهو حديث طويل: "يشتمل على فضائل أعمال متعددة، ولا حاجة إلى إيراده ههنا على
نصه، بل نذكر الغرض منه، وهو أنه قال له رسول الله: "أمسك عليك هذا"، وأشار إلى لسانه، فقال معاذ: أو نحن مؤاخذون بما نتكلم به? فقال: "ثكلتك أمك يا معاذ!، وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم".
فقوله: "حصائد ألسنتهم" من تشبيه المركب بالمركب، فإنه شبه الأسنة وما تمضي فيه من الأحاديث التي يؤاخذ بها بالمناجل التي تحصد النبات من الأرض.
ومما ورد منه شعرًا قول أبي تمام:
معشر أصبحوا حصون المعاليودروع الأحساب والأعراض
فقوله: "حصون المعالي" من التشبيه المركب، وذاك أنه شبههم في منعهم المعالي أن ينالها أحد سواهم بالحصون في منعها من بها وحمايته، وكذلك قوله: "دروع الأحساب".
وأما المظهر الأداة فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾.
فشبهت حال الدنيا في سرعة زوالها، وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأرض في جفافه، وذهابه حطامًا بعدما التف وتكاثف، وزين الأرض.
وذاك تشبيه صورة بصورة، وهو من أبدع ما يجيء في بابه.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى في وصف حال المنافقين: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
تقديره أن مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة بمفازة، فاستضاء بها ما حوله، فاتقى ما يخاف وأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فبقي مظلمًا خائفًا، وكذلك المنافق إذا أظهر كلمة الإيمان استنار بها، واعتز بعزها، وأمن على نفسه وماله وولده، فإذا مات عاد إلى الخوف، وبقي في العذاب والنقمة.
ومما ورد في الأخبار النبوية قول النبي ﷺ: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب، ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها، وطعمها مر".
وهذا من باب تشبيه المركب بالمركب، ألا ترى أن النبي ﷺ شبه المؤمن القارئ، وهو متصف بصفتين هما الإيمان، والقراءة بالأترجة، وهي ذات وصفين، هما الطعم والريح، وكذلك يجري الحكم في المؤمن غير القارئ، وفي المنافق القارئ، وفي المنافق غير القارئ.
وقد جاءني شيء من ذلك أوردته في فصل من كتاب أصف فيه البر والمسير، فقلت: "لم أزل أصل الذميل بالذميل، وألف الضحى بالأصيل، والأرض كالبحر في سعة صدره، والمطايا كالجواري راكدة على ظهره، فمكان الركب منها كمكانهم من الأكوار، ومسيرهم فيها على كرة لا تستقر بها حركة الأدوار".
وأما ما ورد من ذلك شعرًا فكقول البحتري:
خلقٌ منهم تردد فيهموليته عصابة عن عصابه
كالحسام الجراز يبقى على الدهر ويفنى في كل حينٍ قرابه
وكذلك ورد قول ابن الرومي:
أدرك ثقاتك إنهم وقعوافي نرجس معه ابنة العنب
فهم بحالٍ لو بصرت بهاسبحت من عجبٍ ومن عجب
ريحانهم ذهبٌ على دررٍوشرابهم دررٌ على ذهب
وهذا تشبيه صنيع، إلا أن تشبيه البحتري أصنع، وذلك أن هذا التشبيه صدر عن صورة مشاهدة، وذاك إنما استنبطه استنباطًا من خاطره.
وإذا شئت أن تفرق بين صناعة التشبيه، فانظر إلى ما أشرت إليه ههنا: فإن كان أحد التشبيهين عن صورة مشاهدة، والآخر عن صورة غير مشاهدة، فاعلم أن الذي هو عن صورة غير مشاهدة أصنع.
ولعمري إن التشبيهين كليهما لا بد فيهما من صورة تحكي، لكن أحدهما: شوهدت الصورة فيه فحكيت، والآخر استنبطت له صورة لم تشاهد في تلك الحال، وإنما الفكر استنبطها.
ألا ترى أن ابن الرومي نظر إلى النرجس وإلى الخمر فشبه، وأما البحتري فإنه مدح قومًا بأن خلق السماح باقٍ فيهم ينتقل عن الأول إلى الآخر، ثم استنبط لذلك تشبيهًا، فأداه فكره إلى السيف وقربه التي تفنى في كل حين، وهو باق لا يفنى بفنائها، ومن أجل ذلك كان البحتري أصنع.
وسأورد ههنا من كلامي نبذة يسيرة.
فمن ذلك ما كتبته من جملة كتاب إلى ديوان الخلافة أذكر فيه نزول العدو الكافر على ثغر عكا في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، فقلت:
"وأحاط بها العدو إحاطة الشفاه بالثغور، ونزل عليها نزول الظلماء على النور".
وهذا من التشبيهات المناسبة.
ثم لما جئت إلى ذكر قتال المسلمين إياه، وإزالته عن جانب الثغر قلت:
"وقد اصطدم من الإسلام والكفر ابنا شمام، والتقى من عجاجتهما ظلام، وعند ذلك أخذ العدو في التحيز إلى جانب، وكان كحاجب على عين، فصار كعين في حاجب، وإذا تزعزع البناء فقد هوى، وإذا قبض من طرق البساط، فقد انطوى"، وهذا التشبيه في مناسبته كالأول، بل أحسن.
ومن ذلك ما ذكرنه في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت:
"وما شبهت كتابه في وروده وانقباضه، إلا بنظر الحبيب في إقباله، وإعراضه وكلا الأمرين كالسهم في ألم وقعه وألم نزعه، والمشوق من استوت صبابته في حالتي وصله وقطعه، وما أزال على وجل من إرسال كتبه وإجمامها، واشتباه لممها بإلمامها".
ومما جاء من هذا القسم في الشعر قول بكر بن النطاح:
تراهم ينظرون إلى المعاليكما نظرت إلى الشيب الملاح
يحدون العيون إلي شذرًاكأني في عيونهم السماح
وهذا بديع في حسنه، بليغ في تشبيهه.
وعلى هذا النهج ورد قول أبي تمام:
خلط الشجاعة بالحياء فأصبحاكالحسن شيب لمغرمٍ بدلال
وهذا من غريب ما يأتي في هذا الباب، وقد تغالت شيعة أبي تمام في وصف هذا البيت، وهو لعمري كذلك.
ومن هذا القسم أيضًا قوله:
كم نعمةٍ لله كانت عندهفكأنها في غربةٍ وإسار
كسيت سبائب لؤمه فتضاءلتكتضاؤل الحسناء في الأطمار
وكذلك قوله:
صدفت عنه ولم تصدف مواهبهعني، وعاوده ظني فلم يخب
كالغيث إن جئته وافاك ريقهوإن ترحلت عنه لج في الطلب
وعلى هذا الأسلوب، ورد قول علي بن جبلة:
إذا ما تردى لأمة الحرب أرعدتحشا الأرض واستدمى الرماح الشوارع
وأسفر تحت النقع حتى كأنهصباحٌ مشى في ظلمة الليل طالع
وقد أحسن علي بن جبلة في تشبيهه هذا كل الإحسان، وكمثله في الحسن قوله أيضًا في تشبيهه الحبب فوق الخمر:
ترى فوقها نمشًا للمزاجتباذير لا يتصلن اتصالا
كوجه العروس إذا خططتعلى كل ناحيةٍ منه حالا
ومن هذا القسم قول مسلم بن الوليد:
تلقى المنية في أمثال عدتهاكالسيل يقذف جلمودًا بجلمود
وعلى هذا الأسلوب ورد قول العباس بن الأحنف:
لا جزى الله دمع عيني خيرًاوجزى الله كل خيرٍ لساني
نم دمعي فليس يكتم شيئًاووجدت اللسان ذا كتمان
كنت مثل الكتاب أخفاه طيٌفاستدلوا عليه بالعنوان
وهذا من اللطيف البديع.
ويروى أن أبا نواس لما دخل مصر مادحًا للخصيب جلس يومًا في رهط من الأدباء، وتذكروا منازة بغداد، فأنشد مرتجلًا:
ذكر الكرخ نازح الأوطانفصبا صبوةً ولات أوان
ثم أتم ذلك قصيدًا مدح به الخصيب، فلما عاد إلى بغداد دخل عليه العباس بن الأحنف، وقال: أنشدني شيئًا من شعرك بمصر فأنشده:
ذكر الكرخ نازح الأوطان
فلما استتم الأبيات قال له: لقد ظلمك من ناواك، وتخلف عنك من جاراك، وحرامٌ على أحدٍ يتفوه بقول الشعر بعدك!
فقال أبو نواس: وأنت أيضًا يا أبا الفضل تقول هذا? ألست القائل:
لا جزى الله دمع عيني خيرًا
وأنشد الأبيات، ثم قال: ومن الذي يحسن أن يقول مثل هذا?
ومن تشبيه المركب بالمركب قول البحتري:
جدةٌ يذود البخل عن أطرافهاكالبحر يمنع ملحه عن مائه
وهذا من محاسن التشبيهات.
وكذلك ورد قوله:
وتراه في ظلم الوغى فتخالهقمرًا يكر على الرجال بكوكب
وفي هذا البيت ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء، فإنه شبه العجاج بالظلمة، والممدوح بالقمر، والسنان بالكوكب، وهذا من الحسن النادر.
وكذلك ورد قوله:
يمشون في زغفٍ كأن متونهافي كل معركةٍ متون نهاء
بيضٌ تسيل على الكماة نصولهاسيل السراب بقفرةٍ بيداء
فإذا الأسنة خالطتها خلتهافيها خيال كواكبٍ في ماءٍ
فالبيتان الأخيران هما اللذان تضمنا تشبيه المركب بالمركب، وإنما جئنا بالبيت الأول سياقة إلى معناهما، وهو من التشبيه الذي أحسن فيه البحتري وأغرب.
ومن هذا الباب ما ورد لبعض الشعراء في وصف الخمر، فقال:
كانت سراج أناسٍ يهتدون بهافي سالف الدهر قبل النار والنور
تهتز في الكأس من ضعفٍ ومن هرمٍكأنها قبسٌ في كف مقرور
وقد يندر للناظم، أو الناثر شيء من كلامه يبلغ الغاية التي لا أمد فوقها، وهذان البيتان من هذا القبيل.
ومن أغرب ما سمعته في هذا الباب قول الحسين بن مطير يرثي معن بن زائدة:
فتىً عيش في معروفه بعد موتهكما كان بعد السيل مجراه مرتعا
القسم الثالث: في تشبيه المفرد بالمركب:
فمما ورد منه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾.
وكذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن استنجادًا، فقلت:
"وهو إذا استصرخ أصرخ بعزم كالشهاب في رجمه، وهم كالقوس الممتلئ بنزع سهمه، ويرى أن صريخه لم يخب، وأنه إذا لم يجبه بالسيف فكأنه لم يجب، فهو مغري جواده وحسامه، ومسمع العدو صرير رمحه قبل قعقعة لجامه".
وكذلك أيضًا ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان أذم الفراق، فقلت:
"والفراق شيء لا كالأشياء، وصاحبه ميت لا كالأموات، وحيٌ لا كالأحياء، وما أراه إلا كنار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، وما يجعل صاحبها في ضحضاحٍ منها إلا تواتر الكتاب التي تقيه بعض الوقاء، وتقوم له -وإن لم يسق- مقام الإسقاء".
وأما ما ورد منه في الشعر، فكقول أبي نواس:
إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشفتله عن عدو في ثياب صديق
وكذلك قول أبي تمام يصف قصيدًا له:
خذها مثقفة القوافي ربهالسوابغ النعماء غير كنود
كالدر والمرجان ألف نظمهبالشذر في عنق الفتاة الرود
وكذلك ورد قول البحتري، وهو من جملة قصيدته المشهورة التي وصف فيها الفرس والسيف، وأولها:
أهلًا بذلكم الخيال المقبل
فقال فيها من أبيات تضمنت وصف السيف بيتًا أجاد في تشبيهه:
وكأنما سود النمال وحمرهادبت بأيدٍ في قواه وأرجل
فشبه فرند السيف بدبيب النمل سودها وحمرها، وذلك من التشبيه الحسن.
وأما ما ورد منه مضمر الأداة، فكقول النبي ﷺ وقد سئل عن العزل، فقال: "هو الوأد الخفي"، وهذا تشبيه بليغ، "والوأد" هو ما كانت العرب تفعله في دفن البنات أحياء، فجعل العزل في الجماع كالوأد، إلا أنه خفي، وذاك أنهم كانوا يفعلون بالبنات ذلك هربًا منهن، وهكذا من يعزل في الجماع، فإنما يفعل ذلك هربًا من الولد.
وكذلك قال النبي ﷺ: "هو الوأدة الصغرى"، وهذا من الحسن إلى غاية تغص لها العيون طرفها، ولا ينتهي الوصف إليها فيكون ترك وصفها كوصفها.
ومما جاءني من ذلك فصل من جملة كتاب ضمنته وصف القلم، فقلت:
"جذع أنفه فصار في الكيد قصيرًا، وأرهف صدره فصار في المضاء عضبًا شهيرًا، وقمص لباس السواد، وهو شعار الخطباء، فنطق بفصل الخطاب، ونكس رأسه وهي صورة الإذلال، فاختال في مشيه من الإعجاب، وأوحى إليه بنجوى الخواطر، وهو الأصم، فأفضى بما سمعه إلى الكتاب".
وهذه الأوصاف غريبة جدًا ومن أغربها ذكر "قصير" عند جذع الأنف.
وأما القسم الرابع، وهو تشبيه المركب بالمفرد:
فإنه قليل الاستعمال بالنسبة إلى الأقسام الثلاثة، وليس ذلك إلا لعدم النظير بين المشبه والمشبه به.
وعلى كثرة ما حفظته من اِلأشعار لم أجد ما أمثل به هذا القسم إلا مثالًا واحدًا، وهو قول أبي تمام في وصف الربيع:
يا صاحبي تقصيا نظريكماتريا وجوه الأرض كيف تصور
تريا نهارًا مشمسًا قد شابهزهر الربا فكأنما هو مقمر
فشبه النهار المشمس مع الزهر الأبيض بضوء القمر، وهو تشبيه حسن واقع في موقعه مع ما فيه من لطف الصنعة.
ولربما اعترض في هذا الموضع معترض، وقال: إنك أوردت هذا القسم من التشبيه، وذكرت أنه قليل، وليس كذلك فإن تشبيه شيئين بشيء واحد كثير، كقول أبي الطيب المتنبي:
تشرق أعراضهم وأوجههمكأنها في نفوسهم شيم
فشبه إشراق الأعراض، والوجوه بإشراق الشيم.
الجواب عن ذلك أني أقول: هذا البيت المعترض به على ما ذكرته ليس كالذي ذكرته، فإن أردت أن يشبه شيئان هما كشيء واحد في الاشتراك بشيء واحد.
ألا ترى أن نور الشمس مع بياض الزهر -وهما شيئان مشتركان- قد شبها بضوء القمر، وأما هذا البيت الذي لأبي الطيب المتنبي، فإنه تشبيه شيئين كل واحد منهما مفرد برأسه بشيء واحد؛ لأنه شبه إشراق الأعراض، وإشراق الوجوه بإشراق الشيم، وهذا غير ما أردته أنا.
لكن ينبغي أن تعلم أن تشبيه المركب بالمفرد ينقسم قسمين:
أحدهما: تشبيه شيئين مشتركين بشيء واحد كالذي أوردته لأبي تمام، وهو قليل الاستعمال.
والآخر: تشبيه شيئين منفردين بشيء واحد، كالذي ذكرته أنت لأبي الطيب المتنبي، وهو كثير الاستعمال.
من معيب التشبيه:
وإذ ذكرنا أقسام التشبيه، وبينا المحمود منها الذي ينبغي اقتفاء أثره، واتباع مذهبه، فلنتبعه بضده، مما ينبغي اجتنابه، والإضراب عنه.
على أنه قدمنا القول بأن حد التشبيه هو: "أن يثبت للمشبه حكم من أحكام المشبه به"، فإذا لم يكن بهذه الصفة، أو كان بين المشبه والمشبه به بعد، فذلك الذي يطرح ولا يستعمل، والذي يرد منه مضمر الأداة لا يكون إلا في القسم الواحد من أقسام المجازي، وهو التوسع وقد قدمت القول في ذلك في أول باب "الاستعارة"، وضربت له أمثلة منها قول أبي نواس".
ما لرجل المال أمستتشتكي منك الكلالا
فجعل للمال رجلًا، وذلك تشبيه بعيد، ولا حاجة إلى عادة ذلك الكلام ههنا بجملته؛ لكن قد أشرت إليه إشارة خفيفة.
ومن أقبح ما سمعته من ذلك قول أبي تمام:
وتقاسم الناس السخاء مجزأوذهبت أنت برأسه وسنامه
وتركت للناس الإهاب وما بقيمن فرثه وعروقه وعظامه
والقبح الفاحش في البيت الثاني.
وكل هذا التعسف في التشبيه البعيد دندنة حول معنى ليس بطائل؛ فإن غرضه أن يقول: ذهب بالأعلى وترك للناس الأدنى، أو ذهبت بالجيد، وتركت للناس الرديء.
وقد عيب عليه قوله:
لا تسقني ماء الملام فإننيصبٌ قد استعذبت ماء بكائي
وقيل: إنه جعل للملام ماء، وذلك تشبيه بعيد، وما بهذا التشبيه عندي من بأس، بل هو من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم، وهو قريب من وجه، بعيد من وجه.
أما مناسب قربه فهو أن الملام هو القول الذي يعنف به الملوم لأمر جناه، وذاك مختصٌ بالسمع، فنقله أبو تمام إلى السقيا التي هي مختصة بالحلق، كأنه قال: لا تذقني الملام، ولو تهيأ له ذلك مع وزن الشعر لكان تشبيهًا حسنًا، لكنه جاء بذكر الماء، فحط من درجته شيئًا، ولما كان السمع يتجرع الملام أولًا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به، وهو تشبيه معنى بصورة.
وأما سبب بعد هذا التشبيه فهو أن الماء مستلذ، والملام مستكره، فحصل بينهما مخالفة من هذا الوجه.
فهذا التشبيه إن بعد من وجه فقد قرب من وجه فيغفر هذا لهذا، ولذلك جعلته من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم.
وقد روي -وهو رواية ضعيفة- أن بعض أهل المجانة أرسل إلى أبي تمام قارورةً؛
وقال: ابعث في هذه شيئًا من ماء الملام، فأرسل إليه أبو تمام، وقال: إذا بعثت إلي ريشة من "جناح الذل" بعثت إليك شيئًا من ماء الملام!
وما كان أبو تمام ليذهب عليه الفرق بين هذين التشبيهين، فإنه ليس جعل الجناح للذل كجعل الماء للملام، فإن الجناح للذل مناسب، وذاك أن الطائر إذا وهن أو تعب بسط جناحه، وخفضه وألقى نفسه على الأرض، وللإنسان أيضًا جناح، فإن يديه جناحاه وإذا خضع، واستكان طأطأ من رأسه، وخفض من يديه، فحسن عند ذلك جعل الجناح للذل، وصار تشبيهًا مناسبًا، وأما الماء للملام، فليس كذلك في مناسبة التشبيه.
وأما التشبيه المضمر الأداة من هذا الباب، فقد أوردت له أمثلة يستدل بها على أشباهه وأمثاله، فإن لذكر المثال فائدة لا تكون الحد وحده.
فمن ذلك قول بعضهم:
ملا حاجبيك الشيب حتى كأنهظباءٌ جرت منها سنيحٌ وبارح
وكذلك قول الآخر يصف السهام:
كساها رطيب الريش فاعتدلت لهقداحٌ كأعناق الظباء الفوارق
فإنه شبه السهام بأعناق الظباء، وذلك من أبعد التشبيهات.
وعلى نحو منه قول الفرزدق:
يمشون في حلق الحديد كما مشتجرب الجمال بها الكحيل المشعل
فشبه الرجال في دروع الزرد بالجمال الجرب، وهذا من التشبيه البعيد؛ لأنه إن أراد السواد، فلا مقاربة بينهما في اللون؛ لأن لون الحديد أبيض، ومن أجل ذلك سميت السيوف بالبيض، ومع كون هذا التشبيه بعيدًا، فإنه تشبيه سخيف.
ومن التشبيهات الباردة قول أبي الطيب المتنبي:
وجرى على الورق النجيع القانيفكأنه النارنج في الأغصان
وهذا تشبيه ينكره أهل التجسيم، وإذا قسمت التشبيهات بين البعد، والبرد حاز طرفي ذلك التقسيم.
وأبشع من هذا قول أبي نواس في الخمر:
كأن بواسار رواكد حولهاوزرق سنانيرٍ تدير عيونها
والعجب أنه يقول مثل هذا الغث الذي لا ملاءمة بينه، وبين ما شبه به، ويقرنه بالبديع الذي أحسن فيه وأبدع، وهو:
كأنا حلولٌ بين أكناف روضةٍإذا ما سلبناها مع الليل طينها
فانظر كيف قرن بين ورده وسعدانه، لا بل بين بعرة ومرجانة.
وقد أكثر في تشبيه الخمر، فأحسن في موضع وأساء في موضع، ومن إساءته قوله أيضًا في أبيات لامية:
وإذا ما الماء واقعهاأظهرت شكلًا من الغزل
لؤلؤات ينحدرن بهاكانحدار الذر من جبل
فشبه الحبب في انحداره بنمل صغار ينحدر من جبل، وهذا من البعد على غاية لا يحتاج إلى بيان وإيضاح.
واعلم أن من التشبيه ضربًا يسمى "الطرد والعكس"، وهو أن يجعل المشبه به مشبهًا والمشبه مشبهًا به، وبعضهم يسميه "غلبة الفروع على الأصول"، ولا تجد شيئًا من ذلك إلا والغرض به المبالغة، فمما جاء من ذلك قول ذي الرمة:
ورملٍ كأرداف العذارى قطعتهإذا ألبسته المظلمات الحنادس
ألا ترى إلى ذي الرمة كيف جعل الأصل فرعًا، والفرع أصلًا? وذاك أن العادة والعرف في هذا أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء، وهو مطرد في بابه، فعكس
ذو الرمة القصة في ذلك، فشبه كثبان الأنقاء بأعجاز النساء، وإنما فعل ذلك مبالغة: أي قد ثبت هذا الموضع وهذا المعنى لأعجاز النساء، وصار كأنه الأصل، حتى شبهت به كثبان الأنقاء، وعلى نحو من هذا جاء قول البحتري:
في طلعة البدر شيء من محاسنهاوللقضيب نصيب من تثنيها
وكذلك ورد قول عبد الله بن المعتز في قصيدته المشهورة التي أولها:
سقى المطيرة ذات الطل والشجر
فقال في تشبيه الهلال:
ولاح ضوء قمير كاد يفضحنامثل القلامة قد قدت من الظفر
ولما شاع ذلك في كلام العرب، واتسع صار كأنه هو الأصل، وهو موضع من علم البيان حسن الموقع، لطيف المأخذ.
وهذا قد ذكره أبو الفتح بن جني في كتاب الخصائص، وأورده هكذا مهملًا.
ولما نظرت أنا في ذلك، وأنعمت نظري فيه، تبين لي ما أذكره، وهو: أنه قد تقرر في أصل الفائدة المستنتجة من التشبيه أن يشبه الشيء بما يطلق عليه لفظة "أفعل": أي يشبه بما هو أبين وأوضح، أو بما هو أحسن منه أو أقبح، وكذلك يشبه الأقل بالأكثر، والأدنى بالأعلى.
وهذا الموضع لا ينقض هذه القاعدة؛ لأن الذي قدمناه ذكره مطرد في بابه، وعليه مدار الاستعمال، وهذا غير مطرد، وإنما يحسن في عكس المعنى المتعارف، وذاك أن تجعل المشبه به مشبهًا، والمشبه مشبهًا به، ولا يحسن في غير ذلك مما ليس بمتعارف.
ألا ترى أن من العادة، والعرف أن تشبه الأعجاز بالكثبان، فلما عكس ذو الرمة هذه القضية في شعره جاء حسنًا لائقًا? وكذلك جاء فعل البحتري، فإن من العادة والعرف أن يشبه الوجه الحسن بالبدر، والقد الحسن بالقضيب، فلما عكس البحتري القضية في ذلك جاء أيضًا حسنًا لائقًا؟
ولو شبه ذو الرمة الكثبان بما هو أصغر منها غير الأعجاز لما حسن ذلك.
وهكذا لو شبه البحتري طلعة البدر بغير طلعة الحسناء، والقضيب بغير قدها لما حسن ذلك أيضًا.
وهكذا القول في تشبيه عبد الله بن المعتز صورة الهلال بالقلامة؛ لأن من العادة أن تشبه القلامة بالهلال، فلما صار ذلك مشهورًا متعارفًا حسن عكس القضية فيه.
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع