١أَعلى المَمالِكِ ما يُبنى عَلى الأَسَلِ
وَالطَعنُ عِندَ مُحِبِّيهِنَّ كَالقُبَلِ
الواحدي: يقول أعلى مملكة ما وصل إليه اقتسارا وغلابا لا ما جاء عفوا والأسل الرماح يقول المملكة إذا بنيت على الرماح بأن أخذت بها وحفظت بها فهي أعلاها ومن أحب الممالك كان الطعن عنده كالقبل يعني يستلذ الطعن استلذاذ القبل.
٢وَما تَقِرُّ سُيوفٌ في مَمالِكِها
حَتّى تُقَلقَلُ دَهراً قَبلُ في القَلَلِ
الواحدي: أي السيوف لا تقر في الممالك حتى تتحرك زمانا في رؤوس الأعداء يعني ما لم تقطع رؤوس المعادين لك لم تثبت لك المملكة.
العكبري: الْإِعْرَاب نصب دهرا على الظّرْف وَرفع قبل لِأَنَّهُ مَبْنِيّ لما قطع عَن الْإِضَافَة بناه على الضَّم الْغَرِيب التقلقل ضد السّكُون وَهُوَ الْحَرَكَة العنيفة والقلل جمع قلَّة وَهِي أَعلَى الرَّأْس مَأْخُوذ من قلَّة الْجَبَل الْمَعْنى يَقُول السيوف لَا تقر فِي الممالك حَتَّى تتحرك زَمَانا فِي رُءُوس الْأَعْدَاء وَالْمعْنَى إِنَّمَا تسكن سيوف فِي دولتها وتسكن فِي مملكتها حَتَّى تكون حركتها فِي ضرب رُءُوس المحالفين وتشتهر آثارها فِي قمع المعترضين فَحِينَئِذٍ تنوب رهبتها عَن استلالها وتغنى هيبتها عَن اسْتِعْمَالهَا وَأَشَارَ بذلك إِلَى انصراف الديلمي عَن الْموصل بِغَيْر حَرْب هَيْبَة لسيف الدولة وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب (سأْجْهِد عَزْمي والمَطايا فإنَّنِي ... أرَى العَفْوَ لَا يُمْتاحُ إِلَّا من الجَهْدِ)
٣مِثلُ الأَميرِ بَغى أَمراً فَقَرَّ بِهِ
طولُ الرِماحِ وَأَيدي الخَيلِ وَالإِبِلِ
الواحدي: يقول مثلك يطلب أمرا فتقربه الرماح وأيدي الخيل والمطايا يريد أنه لا يتعذر عليه أمرٌ طلبه لأنه يتمكن منه بما له من العدة والاعتزام وهو قوله:
العكبري: الْمَعْنى يَقُول مثل سيف الدولة إِذا طلب أمرا تقربه الرماح والمطايا وَالْمعْنَى يَقُول إِن الْأَمِير لما قصد الْموصل لدفع الديلمي عَنهُ قرب ذَلِك لَهُ طول رماحه فِي وقيعته وإسراع خيله وَإِبِله إِلَى عَادَته وتلخيصه إِذا أَرَادَ أمرا لم يعسر عَلَيْهِ
٤وَعَزمَةٌ بَعَثَتها هِمَّةٌ زُحَلٌ
مِن تَحتِها بِمَكانِ التُربِ مِن زُحَلِ
العكبري: الْغَرِيب زحل من الْكَوَاكِب السَّبْعَة وَيُقَال هُوَ فِي السَّمَاء السَّابِعَة الْمَعْنى يَقُول وقربها عَزمَة نَافِذَة بعثها مِنْهُ همة عالية يتواضع زحل عَنْهَا كتواضع الأَرْض عَن علو زحل
٥عَلى الفُراتِ أَعاصيرٌ وَفي حَلَبٍ
تَوَحُّشٌ لِمُلَقّي النَصرِ مُقتَبَلِ
الواحدي: يقول على الفرات رياح فيها غبار لمكان جيش أخيك ناصر الدولة وفي حلب وحشة لأنك بعدت عنها ويريد بملقى النصر سيف الدولة لأنه يلقى النصر حيث ما قصد أي يستقبل به واللام فيه لام الأجل يعن لأجله توحش حلبٌ أي لأجل خروجه والمقتبل الحسن الذي تقبله العيون.
العكبري: الْإِعْرَاب لملقى اللَّام لَام الْأَجَل أَي لأجل خُرُوجه عَن حلب الْغَرِيب الأعاصير جمع إعصار وَهِي الرّيح تلتف بالغبار وَتَعْلُو مستطيله وَفِي الْمثل (إنْ كُنْتَ رِيحا فَقَدْ لاقَيْتَ إعْصَاراً ... ) والمقتبل الَّذِي تناهى شبابه وَلَيْسَ عَلَيْهِ للكبر أثر وَقَالَ الواحدي المقتبل الَّذِي تقبله الْعُيُون وحلب مَدِينَة مَعْرُوفَة والفرات نهر كَبِير مَعْرُوف الْمَعْنى يَقُول إِن على الْفُرَات غبرات تثيرها كتائب سيف الدولة وَفِي حلب دَار مُسْتَقِرَّة وَحْشَة لملك قد عوده الله الظفر على أعدائه ولقاه النَّصْر فِي مقاصده مقتبلا فِي شبيبته متناهيا فِي قوته وَقَالَ الواحدي على الْفُرَات ريَاح فِيهَا غُبَار لمَكَان جَيش أَخِيك نَاصِر الدولة وَفِي حلب وَحْشَة لِأَنَّك بَعدت عَنْهَا وَيُرِيد بملقى النَّصْر سيف الدولة لِأَنَّهُ يلقى النَّصْر من حَيْثُ قصد
٦تَتلو أَسِنَّتُهُ الكُتبَ الَّتي نَفَذَت
وَيَجعَلُ الخَيلَ أَبدالاً مِنَ الرُسُلِ
الواحدي: يقول اسنته تتبع كتبه إلى أعدائه أي أنه ينذرهم أولا وأن لم يطيعوه قصدهم بجيشه ويجعل الخيل بدلا من الرسول أي لا يستجلب طاعتهم إلا بالإكراه يعني أن كتبه ليست لاستصلاحٍ ولا لاستعتاب وإنما هي أنه متوجه وذلك أنه لا يحب الظفر مواراةً واغتيالا.
٧يَلقى المُلوكَ فَلا يَلقى سِوى جَزَرٍ
وَما أَعَدّوا فَلا يَلقي سِوى نَفَلِ
الواحدي: يقول الملوك كلهم جزر سيوفه وأموالهم نفل وغنيمة لخيله والجزر الشاة التي أعدت للذبح
العكبري: الْغَرِيب الجزر الشَّاة الَّتِي أعدت للذبح وأجزرت الْقَوْم إِذا أعطيهم شَاة يذبحونا نعجة أَو كَبْشًا أَو عَنْزًا وَلَا يكون إِلَّا من الْغنم وَلَا يُقَال أجزرتهم نَاقَة لِأَنَّهَا قد تصلح لغير الذّبْح وجزر السبَاع اللَّحْم الَّذِي تَأْكُله وَيُقَال تركوهم جزرا بِالتَّحْرِيكِ إِذا قتلوهم الْمَعْنى يُرِيد أَنه يلقى الْمُلُوك إِذا خالفته فَلَا يلقى إِلَّا جزر سيوفه وَمَا أعدوه من سِلَاحهمْ وآلاتهم فَلَا يلقى إِلَّا غَنَائِم جيوشه لما عوده الله من الظفر والظهور عَلَيْهِم وإيقاعه بهم
٨صانَ الخَليفَةُ بِالأَبطالِ مُهجَتَهُ
صِيانَةَ الذَكَرِ الهِندِيَّ بِالخَلَلِ
الواحدي: يقول أكرمه الخليفة فصانه بما جعل له من الأبطال والرجال كما يصان السيف الهندي بالخلل وهي أغشية الأغماد.
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي مهجته لسيف الدولة لِأَن الضَّمِير إِذا عَاد على الْخَلِيفَة كَانَ إزراء بالممدوح لِأَنَّهُ من جملَته الْغَرِيب الْهِنْدِيّ السَّيْف الْكَرِيم مَنْسُوب إِلَى الْحَدِيد الْهِنْدِيّ والخلل أغشية الإعماد وَاحِدهَا خلة وَهِي جُلُود أغشية الإعماد الْمَعْنى يَقُول لما علم الْخَلِيفَة أَن سَيْفه الَّذِي يَسْطُو بِهِ صانه وَحفظه بالأبطال الَّذين أثبتهم فِي رسمه والحماة الَّذين اخْتَارَهُمْ لحفظه كَمَا يصان السَّيْف الْكَرِيم بالأغماد الَّتِي يَتَخَلَّل فِيهَا والجفون الَّتِي يحفظ بهَا وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْخَلِيفَة شرفه بتلقيبه بِسيف الدولة
٩الفاعِلُ الفِعلَ لَم يُفعَل لِشِدَّتِهِ
وَالقائِلُ القَولَ لَم يُترَك وَلَم يُقَلِ
الواحدي: قال ابن جنى أي كل أحد يطلب معاليك إلا أنه لا يدركها هذا كلامه وليس من معنى البيت في شيء ولكنه يقول هو يفعل ما لم يفعله أحد لصعوبته على من طلبه فهو أتى به بكرا ويكون أبا عذرة ذلك الفعل وهذا معنى قول ابن فورجة أراد أنك تفعل افعالا مبتكرةً تجتنب لشدتها وتقول أقوالا لم تعرف فلم تقل فإذا كانت لم تعرف لم تترك لأنه إنما يترك ما يعرف موضعه أو ما يملك هذا كلامه ولم يصب في تفسير المصارع الثاني وليس المعنى ما ذكره والمعنى أنه يقول ما لم يقله أحد في بلاغته وجزالته ولم يترك أيضا لأن كل بليغ يريد أن يأتي بمثله فهو يقصده ويتكلفه ولا يقدر عليه.
العكبري: الْإِعْرَاب من روى الْفِعْل بِالنّصب أَرَادَ يفعل الْفِعْل وَيَقُول القَوْل لِأَن أسم الْفَاعِل يعْمل عمل الْفِعْل وَمن روى بِالْجَرِّ جعله مُضَافا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿والمقيمي الصَّلَاة﴾ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يفعل الْأَفْعَال بديعة غَرِيبَة مَا عرفهَا قبله أحد فيفعلها وبتركها على علم وَيَقُول من القَوْل مَا لم يُعلمهُ غَيره وَقَالَ الْخَطِيب أَفعَال سيف الدولة يَتْرُكهَا النَّاس لصعوبتها عَلَيْهِم وينطق بالحكمة الَّتِي لَا يصل إِلَيْهَا سواهُ وَقَوله ﴿لم يتْرك﴾ أَي لم يتْرك الْقَائِلُونَ طلبه وَلما لم يصلوا إِلَيْهِ كَانَ كَأَنَّهُ لم يقل وَقَالَ ابْن الأفليلي يفعل الْفِعْل الَّذِي قصر عَنهُ الفاعلون لِشِدَّتِهِ وَعظم شَأْنه فِي حَقِيقَته وَيَقُول القَوْل الَّذِي عجز عَنهُ الْقَائِلُونَ قبله فَلم يقدروا على مثله وَلَا قصدُوا إِلَى تَركه وَقَالَ الواحدي قَالَ أَبُو الْفَتْح كل أحد يطْلب معاليك إِلَّا أَنه لَا يُدْرِكهَا وَلَيْسَ هَذَا من معنى الْبَيْت فِي شَيْء وَلَكِن الْمَعْنى هُوَ يفعل مَا لم يَفْعَله أحد لصعوبته على من طلبه فَهُوَ أَتَى بِهِ بكرا وَيكون أَبَا عذرة ذَلِك الْفِعْل وَكَذَا قَالَ ابْن فورجة يفعل أفعالا مبتكرة تجتنب لشدتها وَيَقُول أقوالا لم تعرف فَلم تقل وَإِذا كَانَت لم تعرف لم تتْرك لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتْرك مَا يعرف مَوْضِعه قَالَ وَلم يصب فِي تَفْسِير المصراع الثَّانِي حر وَالْمعْنَى أَنه يَقُول مَا لم يقلهُ أحد فِي بلاغته وجزالته وَلم يتْرك أَيْضا لِأَن كل بليغ يُرِيد أَن يَأْتِي بِمثلِهِ وَقَالَ ابْن القطاع يُرِيد أَنهم طلبُوا أَفعاله فَلم يدركوها وطلبوا أَقْوَاله فَلم يقدروا عَلَيْهَا فكأنهم لم يَفْعَلُوا وَلم يَقُولُوا حِين قصروا عَنْهَا وَالْمعْنَى أَنه يفعل الْفِعْل الَّذِي قصر عَنهُ الفاعلون وَيَقُول القَوْل الَّذِي قصر عَنهُ الْقَائِلُونَ قَالَ فَمن لم يفهم مَعْنَاهُ قَالَ قد نَاقض بقوله لم يتْرك وَلم يقل وَلَيْسَ كَذَلِك
١٠وَالباعِثُ الجَيشَ قَد غالَت عَجاجَتُهُ
ضَوءَ النَهارِ فَصارَ الظُهرُ كَالطَفَلِ
الواحدي: أي يبعث إلى أعدائه الجيش الذي يهلك غباره ضوء النهار ويغلبه حتى يصير الظهر كوقت الطفل لاستتار عين الشمس بغبار جيشه.
العكبري: الْغَرِيب غاله يغوله إِذا انتقصه وَأَصله الإهلاك وَمِنْه الغول والطفل وَقت غرُوب الشَّمْس وَالظّهْر وَقت الظهيرة وَهُوَ عِنْد قيام الشَّمْس للزوال الْمَعْنى هُوَ الَّذِي يبْعَث الْجَيْش الشَّديد بأسه الْكثير عدده الَّذِي تذْهب عجاجته بضوء الشَّمْس وتطمس إشراقها حَتَّى تصير فِي وَقت الظهيرة على مثل حَالهَا عِنْد الْغُرُوب وَهَذَا إِشَارَة إِلَى كَثْرَة جَيْشه
١١الجَوُّ أَضيَقُ ما لاقاهُ ساطِعُها
وَمُقلَةُ الشَمسِ فيهِ أَحيَرُ المُقَلِ
الواحدي: يقولا لجو على سعة أرجائه أضيق شيء لقيه ساطع هذه العجاجة وعين الشمس على شدة لمعانها احير المقل في هذه العجاجة وهذا على سبيل المبالغة.
العكبري: الْغَرِيب الجو الفضاء والمقل جمع مقلة الْمَعْنى يَقُول مَا بعد من الْهَوَاء أضيق بساطع هَذَا الْغُبَار مِمَّا قرب لِأَنَّهُ فِيهِ تَجْتَمِع جملَته وتتراقى كثرته وَمَا قرب فَإِنَّمَا يردهُ الشَّيْء بعد الشَّيْء فينجلي مِنْهُ وَلَا يجْتَمع وَعين الشَّمْس أحير الْعُيُون بقربها من مستقره ودنوها من مجتمعه وَالْمعْنَى الجو على سَعَة أرجائه أضيق شَيْء لقِيه سَاطِع هَذِه الْعَجَاجَة
١٢يَنالُ أَبعَدَ مِنها وَهيَ ناظِرَةٌ
فَما تُقابِلُهُ إِلّا عَلى وَجَلِ
الواحدي: يقول ينال سيف الدولة أبعد من الشمس وهي ترى ذلك فما تقابله إلا على خوف من أن ينالها لو قصدها لأنها ترى أنه مظفر يدرك ما يقصده.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِن سيف الدولة ينَال أبعد من الشَّمْس وَهِي ترى ذَلِك فَمَا تقابله إِلَّا على خوف من أَن ينالها لَو قَصدهَا لِأَنَّهُ يرى أَنه مَنْصُور مظفر يدْرك مَا يَقْصِدهُ وَقَالَ ابْن الإفليلي يُرِيد أَن هَذَا العجاج بتتابعه واتصاله وترادفه يَعْلُو على الشَّمْس مَعَ ارْتِفَاع موضعهَا وَهِي ناظرة إِلَيْهِ غير مُسَاوِيَة فِي الْعُلُوّ لَهُ فنقابله وَجلة من ذَهَابه بنورها وتلاحظه مشفقة من استيلائه على ضوئها وَهَذَا كُله يُشِير إِلَى عظم الْجَيْش وكثرته
١٣قَد عَرَّضَ السَيفَ دونَ النازِلاتِ بِهِ
وَظاهَرَ الحَزمَ بَينَ النَفسِ وَالغِيَلِ
الواحدي: أي قد جعل السيف عارضا بينه وبين نوائب الدهر يدفعها عن نفسه وجعل حزمه كالدرع بينه وبين الغوائل أي تحصن بحزمه كما يتحصن بالدرع يقال ظاهر بين ثوبين إذا لبس أحدهما فوق الآخر أي جعل حزمه كالدرع الواقية له يريد أنه لبس الحزم فوق الدرع فجعله بين النفس والغيل وهي جمع غيلة اسم من الاغتيال يقال قتل فلان غيلةً أي اغتيالا.
العكبري: الْغَرِيب ظَاهر الحزم جعل بعضه فَوق بعض كَمَا يظاهر الرجل بَين درعين وَأَصله المعاونة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن تظاهرا عَلَيْهِ﴾ والغيل جمع غيلَة وَهِي قتل الخديعة وَمِنْه قبل فلَان فلَانا غيلَة أَي اغتيالا وأصل الغيل الْهَلَاك الْمَعْنى يَقُول قد عرض السَّيْف دون مَا ينزل بِهِ وجرده فِيمَا يحدث عَلَيْهِ واستعان بالحزم فِي دفع الْهَلَاك عَن نَفسه وأقامه حاجزا بَينهمَا وَالْمعْنَى أَنه تحصن بحزمه كَمَا يتحصن بالدرع وَجعل حزمه كالدرع الواقية لَهُ وَقد لبس الحزم فَوق الدرْع فَجعله بَين النَّفس والهلاك
١٤وَوَكَّلَ الظَنَّ بِالأَسرارِ فَاِنكَشَفَت
لَهُ ضَمائِرُ أَهلِ السَهلِ وَالجَبَلِ
الواحدي: أي اطلع بظنه على السرار حتى ظهرت له ضمائر الناس كلهم يعني أنه يصيب بظنه.
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَنه وكل صَادِق ظَنّه بِمَا يطويه النَّاس من أهل السهل والجبل دونه فَعلم مَا أسروه وانكشف لَهُ مَا أضمروه وَكَذَلِكَ الألمعي وَهُوَ الحاذق بالأمور يُصِيب بظنه حَتَّى كَأَنَّهُ مبصر لما غَابَ عَنهُ وَيعلم بتقديره حَتَّى كَأَنَّهُ شَاهد لما بعد مِنْهُ
١٥هُوَ الشُجاعُ يَعُدُّ البُخلَ مِن جُبُنٍ
وَهوَ الجَوادُ يَعُدُّ الجُبنَ مِن بَخَلِ
الواحدي: قال ابن جنى أي يتجنب البخل كما يتجنب الشجاع الجبن ويتجنب الجبن كما يتجنب الكريم البخل أي قد جمع الشجاعة والكرم قال العروضي فيما أملاه عليّ ليس كما ذهب إليه ولكنه يقول الشجاع يعدّ البخل جبنا لأن البخل معناه خوف الفقر والخوف جبنٌ وحقيقته البخل يقول الشجاع يعد البخل فإذا هو شجاع غير بخيل وجوادٌ غير جبان وهذا مأخوذ من قول أبي تمام، وإذا رأيت أبا يزيدٍ في وغى، وندًى ومبدىً غارةً ومعيداً، يقري مرجيه حشاشة مالهِ، وشبا الأسنة ثغرةٌ ووريدا، أيقنت أن من السماحِ شجاعةً، تدمى وإن من الشجاعة جودا، وقد بين مسلم أن الشجاعة جودٌ بالنفس في قوله، يجود بالنفس إن ضن الجواد بها، والجود بالنفس أقصى غاية الجود،
العكبري: الْإِعْرَاب الْبُخْل وَالْبخل لُغَتَانِ فصيحتان قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِفَتْح الْبَاء وَالْخَاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَم الْبَاء وَسُكُون الْخَاء الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يتَجَنَّب الْبُخْل كَمَا يتَجَنَّب الشجاع الْجُبْن ويتجنب الْجُبْن كَمَا يتَجَنَّب الْكَرِيم الْبُخْل قد جمع الشجَاعَة وَالْكَرم وَقَالَ أَبُو الْفضل لَيْسَ كَمَا ذهب إِلَيْهِ وَلكنه يَقُول الشجاع يعد الْبُخْل جبنا لِأَن الْبُخْل مَعْنَاهُ خوف الْفقر وَالْخَوْف جبن والشجاع لَا بجبن والجواد يعد الْجُبْن بخلا لِأَن معنى الْجُبْن وَحَقِيقَته الْبُخْل بِالروحِ والجواد لَا يبخل فَإِذا هُوَ شُجَاع غير بخيل وجواد غير جبان قَالَ وَقد أَخذه من قَول أبي تَمام (فإذَا رأيْتَ أَبَا يَزيدٍ فِي نَدّى ... وَوَغّى وَمُبْديَ غارَةٍ وَمُعيداً) (يَقْرِى مُرَجِّيَه حُشاشَةَ مالِهِ ... وَشَبا الأسِنَّةِ ثَغْرَةً وَوَرِيداً) (أيْقَنْتَ أنَّ مِنَ السَّماحِ شَجاعَةً ... تُدمي وأنَّ مِنَ الشَّجاعَةِ جوداً) وَهَذَا الَّذِي ذكره أَبُو الْفضل من قَول حبيب فَلَقَد بَين حبيب وَفسّر وأجمل أَبُو الطّيب وَاخْتصرَ وَقَالَ ابْن الأفليلي يُرِيد أَنه الشجاع المتناهي الشجَاعَة فالبخل عِنْده بَاب من الْجُبْن لِأَن من سمح بِنَفسِهِ لم يبخل بكرام مَاله وَهُوَ الْجواد المتناهي الْجُود والجود بِالنَّفسِ غَايَة الْجُود وَمن جاد بِنَفسِهِ لم يجبن عَن عدوه وَمن كَانَ كَذَلِك فالجبن عِنْده بَاب من الْبُخْل فَدلَّ على أَن الشجَاعَة والجود من طَرِيق وَاحِد وَهَذَا مَنْقُول من قَول الآخر (إِلَى جَوَادٍ يَعُدُّ الجُبنَ مِنْ بَخَلٍ ... وَباسِلٍ بُخْلُهُ يَعْتدُّهُ جُبُنا) (يَلقى العُفاةَ بِما يَرْجونَ مِنْ أمَلٍ ... قَبْلَ السُّؤَالِ وَلا يَبْغي بِه ثَمَنا) وَقد بَين مُسلم أَن الشجَاعَة جود بِالنَّفسِ فِي قَوْله (يَجُودُ بالنَّفْسِ إذَ ضَنَّ البَخيلُ بهَا ... والجُودُ بالنَّفْسِ أقصَى غايةِ الْجُود)
١٦يَعودُ مِن كُلِّ فَتحٍ غَيرَ مُفتَخِرٍ
وَقَد أَغَذَّ إِلَيهِ غَيرَ مُحتَفِلٍ
الواحدي: يقول كثرت فتوحه فتوالت فهو لا يفتخر بها وإذا سار إلى بلدٍ يفتحه سار غير مبالٍ لثقته بقوته وشجاعته.
العكبري: الْغَرِيب يعود أَي يرجع والإغذاذ الْإِسْرَاع فِي السّير والمغاذ من الْإِبِل العيوف يعاف المَاء الْمَعْنى يَقُول هُوَ يفتح الْفتُوح الْعَظِيمَة فَلَا يفخر بهَا ويسرع إِلَيْهَا وَلَا يحتفل لَهَا اسْتِقْلَالا لعظم مَا يَفْعَله وارتفاعا عَن نهب من يَقْصِدهُ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح فَإِن قيل كَيفَ يكون مغذا غير محتفل فَالْمَعْنى أَنه غير محتفل عِنْد نَفسه وَإِن كَانَ محتفلاً عِنْد غَيره لِأَن كَبِير الْأَشْيَاء عِنْد غَيره صَغِير عِنْده وَكَذَا نَقله الواحدي حرفا فحرفا
١٧وَلا يُجيرُ عَلَيهِ الدَهرُ بُغيَتَهُ
وَلا تُحَصِّنُ دِرعٌ مُهجَةَ البَطَلِ
الواحدي: أجار عليه منعه مما يطلبه ومنه قوله تعالى وهو يجير ولا يجار عليه أي لا يمنع مما يريده ويقول الدهر لا يمنعه مطلوبه ولا يجير عليه شيئا طلبه وكذلك الدرع لا تحصن عنه مهجة البطل.
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَن سيف الدولة قد قرنه الله بالنصر وأمده من عوض بِمَا لَا يمنعهُ الدَّهْر مَعَه من بغيته وَلَا يجير عَلَيْهِ من اعْتقد لَهُ مَعْصِيَته وَلَا يحصن الدرْع مِنْهُ مهجة من خَالفه وَلَا يعصمه من الْهَلَاك إِذا أَرَادَهُ
١٨إِذا خَلَعتُ عَلى عِرضٍ لَهُ حُلَلاً
وَجَدتُها مِنهُ في أَبهى مِنَ الحُلَلِ
الواحدي: يقول إذا مدحته تزين مدحي به أكثر مما يتزين هو بمدحي هذا معنى البيت ولكنه جعل لهذا المعنى مثلا فقال إذا البست عرضه حللا وجدت تلك الحلل من عرض الممدوح في شيء أحسن من الحلل أي أن عرضه أحسن من الحلل وهذا من قول أبي تمام، ولم أمدحك تفخيما بشعري، ولكني مدحت بك المديحا، قال ابن جنى ورأيت في نسخة صالحة بدل خلعت جعلت وهو وجيهٌ.
العكبري: الْغَرِيب الْحلَل جمع حلَّة وَقَالَ أَبُو عبيد الْحلَل برود الْيمن والحلة إِزَار ورداء أَو لَا يُسمى حلَّة حَتَّى يكون ثَوْبَيْنِ الْمَعْنى يَقُول إِذا خلعت عَلَيْهِ حلَّة من شعري وألبسته ثوبا من مدحي وجدت تِلْكَ الْحلَّة قد تزينت بفضله وَذَاكَ الْمَدْح متشرفا بِقَدرِهِ فَهُوَ يرفع الشّعْر فَوق رفعته لَهُ ويزين الْمَدْح أَكثر من تزينه بِهِ وَالْمعْنَى أَن عرضه أحسن من الْحلَل وَأَن الْمَدْح يتزين بِهِ وَهُوَ مَنْقُول من قَول اللطائي (وَلْم أمْدَحْكَ تَفْخِيما لشِعْرِي ... وَلَكِنِّي مَدَحْتُ بِكَ المَدِيحا) وروى ابْن جنى فِي بعض رواياته جعلت بَدَلا من خلعت وَفِيه نظر إِلَى قَول الْحَكِيم إِذا تجردت الطَّائِف من الشكوك كست الصُّورَة رونقا والرونق الْحسن
١٩بِذي الغَباوَةِ مِن إِنشادِها ضَرَرٌ
كَما تُضِرُّ رِياحُ الوَردِ بِالجُعَلِ
الواحدي: يقول الجاهل يتضرر بشعري إذا أنشد لأنه لا يعرفه ويغيظه ذلك فيظهر عليه من أثر الغيظ والجهل وما يظهر على الجعل إذا أصابه ريح الورد فإنه يغشى عليه إذا جعل تحت الورد شبه شعره بالورد وحاسده بالجعل.
العكبري: الْغَرِيب الغبي الْجَاهِل غَنِي يغبى غبا وغباوة والجعل دويبة مَعْرُوفَة تأوى فِي النَّجَاسَات الْمَعْنى يَقُول إِذا أنْشد شعري بعد على فهم الْجَاهِل وَأثر ذَلِك فِي نَفسه وانكشف لَهُ قدر تَقْصِيره واستضر بِحسن قولي وبديع شعري كَمَا يستضر الْجعل برياح الْورْد الَّتِي تؤذيه وتقتله لمضادته لَهَا وَالْمعْنَى إِنَّمَا يعرف شعري وجودته وجوهره من هُوَ صَحِيح الْفِكر وَإِن كَانَ ضد ذَلِك إِنَّمَا نَالَ مِنْهُ كَمَا ينَال الْجعل من الْورْد إِن كَانَ مستلذا فِي الْحَقِيقَة فَشبه شعره بالورد وحاسده بالجعل وَهَذَا من قَول الْحَكِيم الْأَلْفَاظ المنطقية مضرَّة بذوي الْجَهْل لنبو إحساسهم عَنْهَا
٢٠لَقَد رَأَت كُلُّ عَينٍ مِنكَ مالِئَها
وَجَرَّبَت خَيرَ سَيفٍ خَيرَةُ الدُوَلِ
الواحدي: يقول ملأت كل عين ببهائك وهيبتك وكنت خير سيف لخير دولة يعني دولة الإسلام.
العكبري: الْغَرِيب تَقول زيد خير الرِّجَال وَهِنْد خيرة النِّسَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿فِيهِنَّ خيرات﴾ قيل هُوَ جمع خير وَقيل بل هُوَ جمع خيرة والدول جمع دولة الْمَعْنى يَقُول لقد رَأَتْ كل عين من جمالك مَا بهرها وَمن جلالك مَا ملأها وجربت خيرة الدول أَي أفضل الدول مِنْك أفضل السيوف
٢١فَما تُكَشِّفُكَ الأَعداءُ مِن مَلَلٍ
مِنَ الحُروبِ وَلا الآراءِ عَن زَلَلِ
الواحدي: يقول لا تمل الحروب وإن كانت فالأعداء والأيام لا تقدر على أن تظهر لك مللا وكذلك الآراء لا تبدي لك زللا فلا تزل في رأي ولا تمل من حرب
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَا تمل من حَرْب وَلَا تزل فِي رَأْي يَقُول مَا تكشف الْأَعْدَاء مِنْك بطول ممارستها مللا فِي حربها وَلَا أبدت الآراء مِنْك زللا مَعَ تزاحمها
٢٢وَكَم رِجالٍ بِلا أَرضٍ لِكَثرَتِهِم
تَرَكتَ جَمعَهُمُ أَرضاً بِلا رَجُلِ
الواحدي: أي كم عدد كثير من أعداءك تضيق الأرض عنهم بكثرتهم وقد أفنيتهم وأهلكتهم حتى أخليت أرضهم فبقيت بلا رجل.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول كم رجال بِلَا أَرض لكثرتهم وازدحامهم عَلَيْهَا فقد ضَاقَتْ بهم أفنيتهم حَتَّى أخليت أَرضهم مِنْهُم فَصَارَت قفرا بِلَا رجل وَالْمعْنَى كم جمع جمعه الْأَعْدَاء لَك تغيب الأَرْض من كَثْرَة رِجَاله وتخفى عَن الْأَبْصَار بتزاحم جموعه حَتَّى كَأَنَّهُمْ رجال بِلَا أَرض قَتلتهمْ فَتركت جموعهم أَرضًا بِلَا رجل وَفِيه نظر لِكَثْرَة الْجَيْش إِلَى قَول حبيب فِي صفة الْجَيْش (مَلأَ المَلا عُصَبا فَكادَ بأنْ يُرَى ... لَا خَلْفَ فِيْهِ وَلا لَهُ قُدَّامُ)
٢٣ما زالَ طِرفُكَ يَجري في دِمائِهِمِ
حَتّى مَشى بِكَ مَشيَ الشارِبِ الثَمِلِ
الواحدي: ما زلت تخوض دمائهم بفرسك حتى تعثر بالقتلى فمشى بك مشيّ الثمل السكران متعثرا أي حركه الدم بكثرته وأماله عن سنن جريه وكأن مشيه مشى السكران.
العكبري: الْغَرِيب الطّرف الْفرس الْكَرِيم والثمل والثامل بِمَعْنى وَهُوَ السَّكْرَان وثمل ثملا إِذا أَخذ فِيهِ الشَّرَاب فَهُوَ ثمل الْمَعْنى يَقُول مَا زَالَ فرسك يَخُوض فِي دِمَائِهِمْ ويعثر بالقتلى حَتَّى مَشى بك مَشى السَّكْرَان متعثرا يُرِيد أَن حَرَكَة الدَّم بكثرته أمالته عَن سنَن جريه فَمشى مَشى السَّكْرَان وَالْمعْنَى أَن فرسك مازال يطَأ فِي دِمَائِهِمْ ويقتحم معركتهم حَتَّى أزلقته الدِّمَاء بكثرتها فَمشى مشي السَّكْرَان الَّذِي لَا يثبت بِنَفسِهِ وَلَا يطمئن فِي مَشْيه
٢٤يا مَن يَسيرُ وَحُكمُ الناظِرينَ لَهُ
فيما يَراهُ وَحُكمُ القَلبِ في الجَذَلِ
الواحدي: يعني أنه ملك لا يرد عن شيء فما حكم ناظره به فهو له أي ما شاء مما يراه أخذه ولقلبه ما يحكم به من الجذل والحكم ههنا اسم للمفعول لا للفعل فإن الناس مستوون في افعال نواظرهم وإنما يختلفون في المحكوم به يقول ما حكم به ناظرك استحسانا فهو لك لا يعارضك فيه منع وكذلك حكم قلبك فيما يسر به.
العكبري: الْغَرِيب الجذل الْفرج وجذل بِالْكَسْرِ يجذل فَهُوَ جذلان وأجذله غَيره أَي أفرحه واجتذل أَي ابتهج الْإِعْرَاب يرْوى الناظرين على التَّثْنِيَة ويروى بِفَتْح النُّون لجَماعَة النظار إِلَيْهِ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَهُ تحكم عَيناهُ فِيمَا تريانه وَله يحكم قلبه فِي الجذل وَهُوَ الْفَرح وَقَالَ الْخَطِيب يَعْنِي بالناظرين ناظري الممدوح فِيمَا يرَاهُ وَحكم الْقلب الْفَرح فَإِذا تمنى قلبه شَيْئا وصل إِلَيْهِ وَمن روى الناظرين يُرِيد أَنهم المنجمون وَله معنى وَلَا يَنْبَغِي أَن يعدل عَن الأول لِأَن قَوْله حكم الْقلب يشْهد أَن الناظرين عينا الممدوح وَقَالَ ابْن الأفليلي وَله حكم ناظريه أَن لَا يريهما الله إِلَّا مَا يسره وَحكم نَفسه أَلا يعرفهُ الله إِلَّا مَا يفرحها من نصر وظفر بالأعداء وَقَالَ الواحدي الحكم هَاهُنَا اسْم للْمَفْعُول لَا للْفِعْل فَإِن النَّاس مسنتوون فِي أَفعَال نواظرهم وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي الْمَحْكُوم بِهِ يَقُول مَا حكم بِهِ ناظرك اسْتِحْسَانًا فَهُوَ لَك لَا يعارضك فِيهِ مَانع وَكَذَلِكَ الحكم فِيمَا يسره
٢٥إِنَّ السَعادَةَ فيما أَنتَ فاعِلُهُ
وُفِّقتَ مُرتَحِلاً أَو غَيرَ مُرتَحِلِ
الواحدي: أي السعادة موافقة لفعلك فإن ارتحلت أو أقمت كان ذلك حكم السعادة.
العكبري: الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بالتوفيق مُقيما وراحلا أَي أَنْت موفق مَسْعُود فِيمَا تَفْعَلهُ إِن أَقمت أَو ارتحلت وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى ارتحال الديلمي عَن الْموصل وَقَالَ إِن الَّذِي فعله الله لَك من الْمُوَادَعَة الَّتِي اخْتَارَهَا محاربك قد جعل لَك فِيهِ السَّعَادَة وَقرن لَك بِهِ الْخيرَة
٢٦أَجرِ الجِيادَ عَلى ما كُنتَ مُجرِيَها
وَخُذ بِنَفسِكَ في أَخلاقِكَ الأُوَلِ
الواحدي: يقول عاود القتال ودع رسم السلم وأجر خيلك على ما كنت تجريها من قصدك الأعداء والسير إليهم وخذ نفسك بما عودتها من أخلاقك الأولى يريد كنت تقاتل الأعداء ولا تهادنهم فكن على ما كنت عليه.
العكبري: الْغَرِيب الْجِيَاد جمع جواد وقلب الْوَاو يَاء هُنَا شَاذ فِي الْقيَاس دون الِاسْتِعْمَال وَيُقَال خيل جِيَاد وأجاويد وأخلاقك عاداتك وخصالك الْمَعْنى يَقُول عاود الْحَرْب ودع السّلم على مَا كنت عَلَيْهِ فِي الأول وَأجر خيلك على مَا كنت مجريها من قتل الْأَعْدَاء وَالسير إِلَيْهِم وَالْمعْنَى قَاتل الْأَعْدَاء وَلَا تهادنهم وَذَلِكَ أَن سيف الدولة كَانَ قد ترك الْحَرْب مُدَّة فَقَالَ لَهُ أجر خيلك على مَا كنت مجريها أَولا من غَزْو الرّوم وحماية الثغور فقد كفك الله مَا كنت تحذره على أَخِيك من الديلمي وَخذ بِنَفْسِك فِيمَا تقدم من أخلاقك وشغر من مذاهبك واعدل عَن السّلم إِلَى الْحَرْب وَعَن الدعة إِلَى الْجِهَاد
٢٧يَنظُرنَ مِن مُقَلٍ أَدمى أَحِجَّتَها
قَرعُ الفَوارِسِ بِالعَسّالَةِ الذُبُلِ
العكبري: الْغَرِيب الاحجة جمع حجاج وَهُوَ الْغَار الَّذِي فِيهِ الْعين والفوارس جمع فَارس والعسالة الرماح الطوَال الَّتِي تهتز والذبل جمع ذابل وَهُوَ الْيَابِس وَعسل الرمْح يعسل عسلانا إِذا اضْطربَ الْمَعْنى يَقُول إِن خيلك تنظر من عُيُون قد أدْمى حجاجها قرع الرماح الطَّوِيلَة المضطربة لَهَا حِين الطراد وَأَشَارَ بذلك إِلَى مَا حضه عَلَيْهِ من غَزْو الرّوم وحماية الثغور وَإِن خيلك قد ألفت ذَلِك
٢٨فَلا هَجَمتَ بِها إِلّا عَلى ظَفَرٍ
وَلا وَصَلتَ بِها إِلّا عَلى أَمَلِ
الواحدي: هذا دعاء يقول لا هجمت بخيلك إلا على ظفر بعدوك ولا أوصلتها إلا إلى ما تؤمله من الغنيمة والظفر. وقال يمدحه وقد سأله المسير معه في هذا الطريق.
العكبري: الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بِهَذَا الدُّعَاء وَهُوَ فِي غَايَة الْحسن وَالْمعْنَى لَا وصلت بهَا إِلَّا إِلَى مَا تَأمله من ظفر وغنيمة وَلَا هجمت بهَا إِلَّا على عَدو تظفر بِهِ وتسبى جريمة وَهَذَا من أحسن الدُّعَاء وأبلغه وأخصره وأحكمه وأتمه وَقَالَ تذيب وَلم يقل تزيل لِأَن الدمع لما كَانَ يذهب بالْحسنِ شَيْئا فَشَيْئًا كَانَ اسْتِعَارَة الإذابة لمثله أحسن وَأَيْضًا لما كَانَ الذوب فِي معنى السيلان وَالْجمع سَائل كَانَ كَأَن الْحسن سَالَ مَعَه وَقيل إِن الْحسن عرض لَا يقبل الإذابة فَقَالَ إِن الدُّمُوع تذيب مَالا يقبل الإذابة فَمَا ظَنك بِمَا يقبلهَا كَيفَ لَا تذيبه
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.