من «البديع في نقد الشعر» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
باب: الحل والعقد
اعلم أن الحل والعقد: هو ما يتفاضل فيه الشعراء والكتاب، وهو أن يأخذ لفظاً منثوراً فينظمه أو شعراُ فينثره، ويطارحه العلماء فيما بينهم، مثل قول الرشيد: ولو جمد الخمر لكان ذهبإن أو ذاب الذهب لكان خمرإن فنظمه شاعر فقال:
وزنا لها ذهباً جامداًفكالتْ لنا ذهباً سائلاً
ومنه قول أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه في للاشعث بن قيس: إنك إن صبرت جرى القضاء عليك وأنت مأجور، وإن جزعت جرى القضاء عليك وأنت مأزور، وإنك إن لم تسل احتساباً سلوت غفلة كما تسلو البهائم.
عقده أبو تمام فقلا:
أتصبرُ للبلوى حياءً وحسبةًفتؤجرُ أمْ تسلو سلوَّ البهائمِ
وقال عبد الله بن الزبير لما قتل أخوه مصعب: إن التسليم والسلوة لحزماء الرجال، وإن الجزع والهلع لربات الحجال.
عقده أبو تمام فقال:
ونحن خلقنا للتجلدِ والأسىوتلكَ الغواني للبكا والمآتمِ
ومن ذلك قول نصيب:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنتَ أهلهولو سكتوا أثنتْ عليكَ الحقائب
فنثره بعض الكتاب فقال: لو أمسك لساني عن شكرك لنطق علي أثر برك.
وقال آخر: لو جحدتك إحسانك لأكذبتني آثاره وتمت علي شواهده، فشهادت الأموال أعدل من شهادات الرجال.
ومن ذلك قول أحمد بن صبيح: في شكر ما تقدم من إحسانك شاغل عما تقدم من امتنانك.
وأخذه سعيد بن حميد فقال: لست مستقلاً بشكر ما مضى من بلائك فاستبطئ ما أؤمل من نعمائك.
فعقده أبو نواس فقال:
قد قلتُ للعباسِ معتذراًمن طول تقصيري ومعترفا
أنت امرؤٌ قلدتني منناًأوهتْ قوى شكري فقد ضعفا
فإليك بعد اليوم معذرةٍوافتكَ بالتصريحِ منكشفا
لا تسدينَّ إليّ عارفةًحتى أقومَ بشكرِ ما سلفا
ومن ذلك قول أبي تمام لأحمد بن أبي دؤاد لما غضب عليه:
أنت الناس كلهم فلا طاقة لي بغضب جميع الخلق. فقال له: ما أحسن هذا! من أين أخذته!، فقال: من قول أبي نواس:
وليس على اللهِ بمستنكرأن يجمعَ العالم في واحدٍ
وقيل لأعرابي أنى تصوم في مكة: أما تخشى من الحر؟ فقال: الطل أريد.
وقيل لروح بن زنباع وهو قائم بباب المهلب: لم تقف في الشمس؟ فقال: الظل أريد.
عقده أبو تمام فقال:
أآلفةَ النحيب كم افتراقٍألم فكانَ داعيةَ اجتماع
ومنه قول المتنبي:
تذكرتُ ما بينَ العذيب وبارقمجرَّ عوالينا ومجرى السوابقِ
وقال:
حتى أتى الدنيا ابنُ بجدتهافشكا إليهِ السهلُ والجبلُ
حله الصاحب بن عباد فقال: ولما أتاح الله للدنيا ابن بجدتها وأبا بانيها وأخا عذرتها جعل معقلهم نهزة الحوادث وفرصة البوائق، ومجر العوالي، ومجرى السوابق.
وقال المتنبي:
وللهِ سرٌ في علاكَ، وإنماكلامُ العدى ضربٌ من الهذيان
نثره الصاحب فقال: إن لله أسراراً في علاه لا يزال يبديها ويصل قوالبها بتواليها.
ومنه قول المتنبي:
ولو قلمٌ ألقيتُ في شقِ رأسهِمن السقمِ ما غيرتُ من خط كاتب
نثره الصاحب ﵀ فقال: ولو كان ما أجنه شظية من قلم كاتب ما غيرت في خطه، أو قذى في عين نائم ما نبه جفنه.
وللمتنبي أيضاً:
أنت يا فوق أن تعزى عن الأحبابِ فوقَ الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدى؛ فإذا عزاكَ قالَ الذي لهُ قلتَ قبلا
نثره الصاحب رحمه الله تعالى فقال: فكيف لي بتعزيته عند مرزيته إلا إذا روينا له بعض ما أخذناه عنه، وأعدنا إليه بعض ما استفدناه منه.
ومنه قوله:
وذكيُ رائحةِ الرياض كلامهايبغي الثناء على الحيا فتفوحُ
نثره الصاحب فقال: وإنا أثني عليه ثناء لسان الزهر على راحل المطر.
ومنه قول المتنبي:
فوق السماءِ وفوقَ ما طلبوافإذا أرادوا غايةً نزلوا
نثره الصابئ فقال: إذا مد أحدهم إليها يداً يجذبها إلى سفال، جذبته يدها إلى المحل العالي.
ومنه قوله:
وعدتَ إلى حلبٍ ظافراًكعودِ الحلي إلى العاطل
نثره الصابئ فقال: وعاد مولانا إلى مستقر عزه عود الحلي إلى العاطل، والغيث إلى الروض الماحل.
وقوله أيضاً:
كأنَّ كلَّ سؤالٍ في مسامعهِقميصُ يوسفَ في أجفانِ يعقوب
نثره الصابئ فقال: وصل كتاب مولاي فكأنه في الحسن روضة حزن، بل جنة عدن. وفي شرح النفس وبسط الأنس وبرد الأكباد والقلوب كقميص يوسف في أجفان يعقوب.
ومن ذلك المناقلة بين أرسطاطاليس الحكيم والمتنبي: قال الحكيم: إذا كانت الشهوة فوق القدر، كان هلاك الجسم دون بلوغ الشهوة.
قال المتنبي:
وإذا كانت النفوسُ كباراًتعبتْ في مرادها الأجسامُ
قال الحكيم: نفوس الحيوان أعراض لحوادث الزمان.
قال المتنبي:
إذا اعتاد الفتى خوض المنايافأهون ما يمرُّ به الوحولُ
وقال الحكيم: روم نقل الطباع من ذوي الأطماع شديد الامتناع.
قال المتنبي:
يرادُ من القلب نسيانكمْوتأبى الطباعُ على الناقل
قال الحكيم: إذا تجردت اللطائف من الشكوك كسيت الصورة رونقاً.
قال المتنبي:
إذا خلعتَ على عرضٍ له حللاًوجدتها منهُ في أبهى من الحلل
قال الحكيم: الألفاظ المنطقية مضرة بذوي الجهل لنبو إحساسهم عن إدراكها.
قال المتنبي:
بذي الغباوة من إنشادها ضررٌكما تضرُّ رياحُ الوردِ بالجعلِ
قال الحكيم: تعاقب الزمان مفسد لأحوال الحيوان.
قال المتنبي:
فما ترجي النفوسُ من زمنٍأحمدُ حاليهِ غيرُ محمودِ
وقال الحكيم: الزمان ينشي ويلاشي، يغني كل قوم بحيث يفقر آخرين.
قال المتنبي:
بذا قضت الأيامُ ما بينَ أهلهامصائبُ قومٍ عندَ قومٍ فوائدُ
قال الحكيم: يسير من ضياء الحكمة خير من كثير من حفظ الحكمة.
قال المتنبي:
فإنَ قليلَ الحبّ بالعقل صالحٌوإنَ كثيرَ الحبّ بالجهل فاسدُ
قال الحكيم: من علم أن الكون والفساد يتعاقبان الأشياء لم يحزن لورود الفجائع، لعلمه أنه من كونها، وهان ذلك عليه لعجز الكل عن دفع ذلك.
قال المتنبي:
إذا استقبلتْ نفسُ الكريم مصابهابخبثٍ ثنتْ فاستدبرته بطيبِ
قال الحكيم: ترداد حركات الفلك يحل الكائنات عن حقائقها.
قال المتنبي:
ومن صحبَ الدنيا طويلاً تقلبتْعلى عينيه حتى يرى صدقها كذبا
قال الحكيم: النفس الجوهرية تأبى مقارنة الذلة جداً وترى فناءها في ذلك حياتها، والنفس الدنية بضد ذلك.
قال المتنبي:
فحبُ الجبان النفسَ أوردها التقىوحبُ الشجاع النفسَ أوردهُ الحربا
قال الحكيم: اعتدال الأمزجة وتساوي أركان الأجناس يفرق بين الأجداء وأضدادها.
قال المتنبي:
وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظرهإذا استوتْ عندهُ الأنوارُ والظلمُ
قال الحكيم: من لم يودك لنفسه فهو النائي عنك وإن تباعدت عنه.
قال المتنبي:
إذا ترحلتَ عن قومٍ وقد قدرواأن لا تفارقهم فالراحلونَ همُ
قال الحكيم: من علم أن الفناء مستول على نفسه، هانت عليه المصائب.
قال المتنبي:
والهجرُ أقتلُ لي مما أراقبهأنا الغريقُ وما خوفي من البلل
قال الحكيم: العيان شاهد لنفسه، والأخبار تدخلها الزيادة والنقصان، فأصدقها ما كان دليلاً على نفسه.
قال المتنبي:
خذ ما تراهُ، ودع شيئاً سمعتَ بهفي طلعةِ البدرِ ما يغنيكَ عن زحل
قال الحكيم: قد يفسد العضو لصلاح الأعضاء، كالكي والفصد الذين يفسدان الأعضاء لصلاح غيرها.
قال المتنبي:
لعلَّ عتبكَ محمودٌ عواقبهُوربما صحتِ الأجسادُ بالعللِ
خقال الحكيم: مباينة المتكلف للمطبوع كمباينة الحق للباطل.
قال المتنبي:
لأنَّ حلمكَ حلمٌ لا تكلفهليس التكحل في العينين كالكحل
قال الحكيم: الرجاء تمن والشك توقف وهما الأصل.
وقال المتنبي:
وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربهوفي الهجر؛ فهو الدهر يرجو ويتقي
قال الحكيم: لسنا نمنع محبة الائتلاف بالأرواح، وإنما نمنع محبة اجتماع الأجسام، فإن ذلك طبع البهائم.
قال المتنبي:
وما كلُ من يهوى يعفُّ إذا خلاعفافي ويرضي الحبَّ والخيل تلتقي
قال الحكيم: من تخلى عن الظلم بظاهر أمره وعفة جوارحه وكان مساكناً له بحواسه فهو ظالم.
قال المتنبي:
وإطراقُ طرفِ العين ليس بنافعٍإذا كان طرفُ القلب ليس بمطرقِ
قال الحكيم: علل الأفهام أشد من علل الأجسام.
قال المتنبي:
يهونُ علينا أن تصابَ نفوسناوتسلمَ أعراضٌ لنا وعقولُ
قال الحكيم: من جعل الفكر موضع البديهة فقد أضر بخاطره، وكذلك مستعمل البديهة في موضع الفكر.
قال المتنبي:
ووضعُ الندى في موضع السيف بالعلامضرٌ، كوضع السيف في موضع الندى
قال الحكيم: التنائي بمباعدة الجواهر أشد من التنائي بمباعدة الأجسام.
قال المتنبي:
وأبعدُ من ناداك من لا تجيبهوأغيظُ من عاداك من لا تشاكل
قال الحكيم: إن الحكيم تريه حكمته أن فوق علمه علماً؛ فهو يتواضع لتلك الزيادة. والجاهل يظن أن فضله قد تناهى؛ فيسقط بجهله فتمقته النفوس.
قال المتنبي:
وما التيهُ طبي فيهمُ غيرَ أننيبغيضٌ إليَّ الجاهلُ المتعاقلُ
قال الحكيم وقد نظر إلى غلام حسن الوجه فاستنطقه، فلم يجد عنده علماً.
فقال: نعم البيت لو كان فيه ساكن.
قال المتنبي:
وما الحسنُ في وجه الفتى شرف لهإذا لم يكن في فعله والخلائق
قال الحكيم: إذا تجوهرت النفوس الفلسفية لحقت بالعالم العلوي، فلا تسكن إلى الهموم الترابية ولا يعترضها الملل.
قال المتنبي:
ولذيذ الحياةِ أنفسُ في النفسِ وأشهى من أن تملَّ وأحلى
قال الحكيم: الكلال والملال يتعاقبان الأجسام لضعفها، لا لضعف الحس.
قال المتنبي:
وإذا الشيخُ قال: أفٍّ فما ملَّحياةً وإنما الضعف ملاَّ
قال الحكيم: الدنيا تطعم أولادها وتأكل مولودها.
قال المتنبي:
أبداً تستردُ ما تهبُ الدنيافيا ليت جودها كان بخلا
قال الحكيم: إذا كانت الأشياء فاعلة في الطبع لم تحمد على فعلها لأن الشمس لا تحمد على حرارتها ولا على ضوئها.
قال المتنبي:
ربَّ أمرٍ أتاك لا تحمدُ الفعالَ فيه وتحمدُ الأفعالا
قال الحكيم: الجبن ذلة كامنة في نفس الجبان فإذا خلا بنفسه أظهر شجاعته.
قال المتنبي:
وإذا ما خلا الجبانُ بأرضٍطلبَ الحربَ وحدهُ والنزالا
قال الحكيم: الغلبة بطبع الحياة، والمسالمة بطبع الموت، والنفس لا تحب أن تموت؛ فلذلك تشتهي الأشياء غلبة.
قال المتنبي:
من أطاق التماسَ شيءٍ غلاباًواغتصاباً لم يلتمسه سؤالا
قال الحكيم: الإنسان شبح نور روحاني، فهو عقل غريزي، إلا تراه العيون من ظاهر النور.
قال المتنبي:
لولا العقولُ لكان أدنى ضيغمٍأدنى إلى شرفٍ من الإنسان
قال الحكيم: النفوس البهيمية تألف مساكنة الأجسام الدانية فلذلك يصعب عليها مفارقة أجسامها، والنفوس الصافية بضد ذلك.
قال المتنبي:
إلفُ هذا الهواءِ أوقعَ في الأنفسِ إنَّ الحمام مر المذاقِ
قال الحكيم: نفع بذي الجدة أن يفارقه الجود، لأنهما إذا اعتدلا كان اعتدالهما كشيء واحد ويحويهما اسمان.
قال المتنبي:
والغنى في يد اللئيم قبيحقدر قبح الكريم في الإملاق
قال الحكيم: العاقل لا يساكن شهوة الطبع لعلمه بزوالها، والجاهل يظن أنها خالدة له وهو باق عليها، فهذا يشقى بعقله وهذا ينعم بجهله.
قال المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهِوأخو الجهالةِ في الشقاوة ينعم
قال الحكيم: الصبر على مضض السياسة ينال به شرف الرياسة.
قال المتنبي:
لا يسلمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذىحتى يراق على جوانبه الدمُ
قال الحكيم: الظلم من طبع النفوس، وإنما يصدها عن ذلك إحدى علتين: إما ديانة لخوف معاد، أو سياسة لخوف النفس.
قال المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجدْذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلمُ
قال الحكيم: ثلاثة إن لم تظلمهم ظلموك: ولدك وعبدك وزوجك، فسبب صلاح حالهم التعدي عليهم.
قال المتنبي:
من الحلمِ أن تستعملَ الجهلَ دونهإذا اتسعت في الحلم طرقُ المظالم
قال الحكيم: كل ما له أول تدعو الضرورة إلى أن يكون له آخر.
قال المتنبي:
إنعمْ ولذ فللأمور أواخرٌأبداً إذا كانتْ لهنَّ أوائلُ
قال الحكيم: النفوس المتجوهرة تركت الشهوات البهيمية طبعاً لا خوفاً.
قال المتنبي:
وترى الفتوة والمروءة والأبوةفي كلِّ مليحةٍ ضراتها
هنَّ الثلاثُ المانعات لذتيفي خلوتي لا الخوفُ من تبعاتها
قال الحكيم: إذا لم تتصرف النفس في شهواتها ومرادها فحياتها موت ووجودها عدم.
قال المتنبي:
ذلَّ من يغبطُ الذليل بعيشِربَّ عيشٍ اخفُ منهُ الحمامُ
قال الحكيم: الفرق بين الحلم والعجز أن الحلم لا يكون إلا عن قدرة، والعجز لا يكون إلا عن ضعف؛ وليس للعاجز أن يسمى بالحليم وهو عاجز.
قال المتنبي:
كلَّ حلمٍ أتى بغير اقتدارٍحجةٌ لاجئٌ إليها اللئامُ
قال الحكيم: النفس الذليلة لا تجد الهوان والنفس العزيزة يؤثر فيها يسير الكلام.
قال المتنبي:
من يهنْ يسهلِ الهوانُ عليهِما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ
قال الحكيم: موت النفس حياتها، وعدمها وجودها؛ لأنها تلحق بعالمها.
قال المتنبي:
كأنك بالفقر تبغي الغنىوبالموتِ في الحرب تبغي الخلودا
قال الحكيم على قدر بصيرة العقل يرى الإنسان الأشياء، فالسالم العقل يرى الأشياء بحقائقها. والنفس السقيمة ترى الأشياء بطبعها.
قال المتنبي:
ومن يكُ ذا فمٍ مرٍّ مريضٍيجدْ مراً بهِ االماءَ الزلالا
قال الحكيم: على قدر الهمم تكون الهموم.
قال المتنبي:
أفاضلُ الناس أغراضٌ لذا الزمنيخلو من الهمِّ أخلاهم من الفطن
قال الحكيم: الحس قبل المحسوس والعقل قبل المعقول.
قال المتنبي:
فقر الجهول بلا عقلٍ إلى أدبٍفقر الحمار بلا رأسٍ إلى رسن
قال الحكيم: ليس ظاهر جمال الإنسان بنافع إذا كان ميت الحس العقل.
وقال المتنبي:
لا يعجبنَّ مضيماً حسنُ بزتهِوهلْ تروق دفيناً جودة الكفن
قال الحكيم: الزيادة في الحد نقص في المحدود.
قال المتنبي:
متى ما ازددتُ من بعد التناهيفقدْ وقعَ انتقاصي في ازديادي
قال الحكيم: أقرب القرب مودات القلوب وإن تباعدت الأجسام، وأبعد البعد تنافر القلوب وإن تدانت الأجسام.
قال المتنبي:
وأبعد بعدنا بعد التدانيوقربَ قربنا قرب البعاد
قال الحكيم: إذا كان البناء على غير قواعد كان الفساد إليه اقرب من الصلاح.
وقال المتنبي:
فإنَّ الجرحَ ينفرُ بعد حينٍإذا كانَ البناءُ على فسادِ
قال الحكيم: بإنفاذ سهم الحزم، تدرك صحة العزم.
قال المتنبي:
مع الحزمِ حتى لو تعمد تركهُلألحقهُ تضييعهُ الحزمَ بالحزم
قال الحكيم: الأشكال لاحقة بأشكالها كما أن الأضداد مباينة لأضدادها.
قال المتنبي:
وشبهُ الشيءِ منجذبٌ إليهوأشبهنا بدنيانا الطغامُ
قال الحكيم: لا يجد لذة الحياة من لا يجد لشهواته رحى، ولا لأمره تصرفا.
قال المتنبي:
منْ لا توافقهُ الحياةُ وطيبهاحتى يوافقُ عزمه الإنفاذا
قال الحكيم: أواخر حركات الفلك كأوائلها وإنشاء العالم كتلاشيه بالحقيقة لا في الحس.
قال المتنبي:
كثيرُ حياةِ المرءِ قبل قليلهايزولُ، وباقي عيشهُ مثلُ ذاهبهِ
قال الحكيم: من نظر بعين العقل، ورأى عواقب الأمور قبل بوادرها لم يجزع بحلولها.
قال المتنبي:
عرفتُ الليالي قبل ما صنعتْ بنافلما دهتني لم تزدني بها علما
قال الحكيم: ليس لحوق البغية في نيل الشهوة صعباً؛ وأعجز العجز من لم يفن عمره في طلب الغاية.
قال المتنبي:
إذا فلَّ عزمي عن مدى خوف بعدهفأبعدُ شيءٍ ممكنٍ لم يجدْ عزما
قال الحكيم: أول درج الفضل ترك الذم ثم التناهي في المدح.
قال المتنبي:
ومني استفادَ الناسُ كلَّ غريبةٍفجاوزوا بترك الذمِ إن لم يكن حمدُ
قال الحكيم: من قصر عن أخذ لذاته عدمها وعدم صحة جسمه.
قال المتنبي:
ذرْ النفس تأخذ وسعها قبل بينهافمفترقٌ جارانِ دراهما العمرُ
قال الحكيم: من لم يرفع نفسه عن قدر الجاهل، رفع الجاهل قدره عنه.
قال المتنبي:
إذا الفضلُ لم يرفعك عن شكر ناقصٍعلى نكبةٍ فالفضلُ فيمنْ له الشكرُ
قال الحكيم: من أفنى جدته في جمع المال خوف العدم قد أسلم نفسه للعدم.
قال المتنبي:
ومن ينفق الساعات في جمعِ مالهِمخافةَ فقرٍ فالذي كتب الفقرُ
قال الحكيم: أعظم ما على النفس إعظام ما في ذوي الدناءة.
قال المتنبي:
وإني رأيتُ الضرَّ أحسن منظراًوأهونَ من مرأى صغيرٍ به كبرُ
قال الحكيم: الذي لا يعلم بعلته لا يتوصل إلى برئها.
قال المتنبي:
ومن جاهلٍ بي وهو يجهلُ جهلهُويجهلُ علمي أنه بي جاهلُ
قال الحكيم: حلول الفناء في عظيم كحلوله في صغير.
قال المتنبي:
فطعمُ الموت في أمرٍ حقيرٍكطعم الموتِ في أمرٍ عظيمِ
قال الحكيم: من كان همه الأكل والشرب والنكاح فهو بطبع البهائم؛ لأن البهائم متى خلي بينها وبين ما تريد لم تفعل شيئاً غير ذلك.
قال المتنبي:
أرى أناساً ومحصولي على غنمٍوذكرَ جودٍ ومحصولي على الكلمٍ
قال الحكيم: من أثرى من العدم افتقر من الكرم.
قال المتنبي:
وربَّ مال فقيراً من مروتهِلمْ يثرْ منهُ، كما أثرى من العدمِ
قال الحكيم: إذا لم تتجرد الأفعال من الذم كان الإحسان إساءة.
قال المتنبي:
إذا الجودُ لم يرزق خلاصاً من الأذىفلا الحمدُ مكسوباً ولا المالُ باقيا
قال الحكيم: تغير الأفعال التي ترد غير مطبوعة، أشد ثقلاً من الريح الهبوب.
قال المتنبي:
وأسرعُ مفعولٍ فعلت تغيراًتكلفُ شيئاً في طباعكَ ضده
قال الحكيم: أتعب الناس من قصرت قدرته، واتسعت مروءته.
قال المتنبي:
وأتعبُ خلقِ اللهِ من زاد همهوقصر عما تشتهي النفس وجدهُ
قال الحكيم: أعظم الناس محنة من قل ماله وعظم مجده ولا مال لمن كثر ماله وقل مجده.
قال المتنبي:
فلا مجدَ في الدنيا لمنْ قلَّ مالهولا مالَ في الدنيا لمنْ قلَّ مجده
قال الحكيم: بالغريزة يتعلق الأدب لا بتقادم السن.
قال المتنبي:
وإذا الحلم لم يكنْ في طباعٍلم يحلم تقادمُ الميلاد
قال الحكيم: الائتلاف بالجواهر قبل الائتلاف بالأجسام.
قال المتنبي:
أصادق نفسَ المرءِ من قبل جهلهوأعرفها في فعله والتكلمِ
قال الحكيم: إذا لم تصن بالمال أبناء الجنس وتقتل به أعداء النفس، فما تصنع بالأغراض والأعراض.
قال المتنبي:
لمن تطلبُ الدنيا إذا لم تردْ بهاسرورَ محبّ أو إساءةَ مجرمِ
قال الحكيم: إن أقبح الظلم حسدك لعبدك الذي تنعم عليه.
قال المتنبي:
وأظلمُ أهلِ الظلم من باتَ حاسداًلمن بات في نعمائه يتقلبُ
قال الحكيم: أيام الحياة لا خوف فيهإن كما أن أيام المصائب لا بقاء لها.
قال المتنبي:
لا تلقَ دهركَ إلا غير مكترثٍما دامَ يصحبُ فيه، روحك البدنُ
قال الحكيم: الأيام لا تتم الفرح ولا الترح فالأسف على الماضي تضييع للعقل، لا غير.
قال المتنبي:
فما يدومُ سرور ما سررت بهِولا يردُ عليك الفائتَ الحزنُ
قال الحكيم: العشق ضرورة داخلة على النفس، والعاشق بتلك الضرورة مغتبط.
قال المتنبي:
مما أضرَ بأهلِ العشقِ أنهمُهووا وما عرفوا الدنيا ولا فطنوا
قال الحكيم: من صحة السياسة أن يكون الإنسان مع الأيام كلما أظهرت سنة عمل بها حسب السياسة.
قال المتنبي:
كلما أنبتَ الزمانُ قناةًركب المرءُ في القناة سنانا
قال الحكيم: ليس من الحزم فناء النفوس في طلب الشهوات، بل في العلم العلوي.
قال المتنبي:
ومراد النفوس أصغرُ من أنتتعادى فيه وأن تتفانى
قال الحكيم: خوف وقوع المكروه قيل تناهي المدة خور في الطبع.
قال المتنبي:
وإذا لم يكن من الموت بدٌفمنَ العجزِ أن تموت جبانا
قال الحكيم: من لم يقدر على فعل الفضائل فلتكن فضائله ترك الرذائل.
قال المتنبي:
إنا لفي زمنٍ تركُ القبيحِ بهمن أكثر الناس إحسانٌ وإجمال
قال الحكيم: تخليد الذكر في الكتب عمر لا يبيد، وهو في كل يوم جديد.
قال المتنبي:
ذكر الفتى عمره الثاني، وحاجتهما فاته وفضولُ العيش أشغال
قال الحكيم: اعجز العجزة ن قدر أن يزيل العجز عن نفسه فلم يفعل.
قال المتنبي:
ولم أرَ في عيوب الناس شيئاًكنقصِ القادرين عن التمام
قال الحكيم: استبصار العقلاء ضد لتمني الجهلاء؛ والحال التي يبكي منها العاقل، عليها يحسده الجاهل.
قال المتنبي:
ماذا لقيتُ من الدنيا وأعجبهاإني بما أنا باكٍ منهُ محسودُ
قال الحكيم: لا غنى لمن ملكه الطمع؛ فاستولت عليه الأماني.
قال المتنبي:
أمسيتُ أروح مثرٍ حازناً ويداًأنا الغنيُ وأموالي المواعيدُ
قال الحكيم: أكثر هذه الأيام أحلام، وغذاؤها أسقام وآلام.
قال المتنبي:
هون على بصرٍ ما شقَّ منظرهُفإنما يقظاتُ: العين كالحلمِ
قال الحكيم: الحيوان كله متغلب، وليس من السياسة شكوى بعض الناس إلى بعض.
وقال المتنبي:
لا تشكونَّ إلى خلقٍ فتشمتهشكوى الجريح إلى الغربان والرخم
قال الحكيم: النفس الشريفة ترى الموت بقاء، لدرك النفس أماكن البقاء. وهذه جليلة يعجز الخلق عن ركوبها.
قال المتنبي:
يعللنا هذا الزمانُ بذا الوعدِويخدعُ عما في يديهِ من النقدِ
قال الحكيم: إذا كان سقم النفس بالجهل كان الموت شفاءها.
قال المتنبي:
قد استشفيتُ من داءٍ بداءٍوأقتلُ ما أعلكَ ما شفاكا
قال الحكيم: كره ما لا بد من كونه عجز في صحة العقل.
وقال المتنبي:
نحنُ بنو الموتى، فما بالنانعافُ ما لا بدَّ من شربه
قال الحكيم: إذا كان تلاشي الأرواح من كرور الأيام، فما بالنا نعاف رجوعنا إلى أماكنها.
قال المتنبي:
تبخلُ أيدينا بأرواحناعلى زمانٍ هي من كسبه
قال الحكيم: اللطائف سماوية، والكثائف أرضية، وكل عنصر عائد إلى عنصره الأول.
قال المتنبي:
فهذه الأرواحُ من جوهوهذه الأجسامُ من تربهِ
قال الحكيم: النظر في عواقب الأمور يزهد في حقائقها، والعشق عمى الحس عن درك رؤية المعشوق.
قال المتنبي:
لو أنكر العاشقُ في منتهىحسنِ الذي يسيهِ لم يسبه
قال الحكيم: آخر التوقي أول موارد الخوف.
قال المتنبي:
وغايةُ المفرطِ في سلمهكغايةِ المفرطِ في حربهِ
النص من طبعة وزارة الثقافة بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع