تجاوز إلى المحتوى

جللا كما بي فليك التبريح

المتنبيالكاملالعصر العباسي

اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه

عن القصيدة

«جللا كما بي فليك التبريح» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في ٣٤ بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الحاء.

بحر الكامل: متفاعلن متفاعلن متفاعلن · قصائد أخرى رويّها الحاء

من هذه القصيدة في كتب التراث

معنى قول المتنبي

وَرَمى وَما رَمَتا يَداهُ فَصابَني

سَهمٌ يُعَذِّبُ وَالسِهامُ تُريحُ

قال الواحدي في «شرح ديوان المتنبي»: يقول رماني بلحظه ولم يرمني بيديه وكان ينبغي أن يقول وما رمت يداه ولكنه على لغة من يقول قاما أخواك فالمعنى أن سهم لحظه يعذب والسهام المعروفة تقتل فتريح

شرح القصيدة بيتًا بيتًا
  1. ١

    جَلَلاً كَما بِيَ فَليَكُ التَبريحُ

    أَغِذاءُ ذا الرَشَأِ الأَغَنِّ الشيحُ

    الواحدي: الجلل من الاضداد يقع على الكبير والصغير ويريد به ههنا الأمر العظيم والتبريح الشدة والأغن الذي في صوته غنة ويوصف بها الظباء كما قال، وما سعاد غداة البين إذ رحلت، إلا أغن غضيض الطرف مكحول، وقوله فليك التبريح حذف النون لسكونها وسكون التاء الأولى من التبريح وليس حذفها هنا كحذفها من قوله، لم يكن شيء يا آلهي قبلكا، لأنها ضارعت بالمخرج والسكون والغنة حروف المد فحذفت كما يحذفن وهي في فليكن التبريح قويةٌ بالحركة لأن سبيلها أن تحركت فكان ينبغي أن لا يحذفها لكنه لم يعتد بالحركة في النون لما كانت غير لازمة ضرورة ومثله، لم يك الحق سوى أن هاجه، رسمُ دارٍ قد تعفت بالسرر ومن أبيات الكتاب، فلست بآتيه ولا أستطيعه، ولك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل، وإذا جاز حذف النون من ولكن مع أنه حذفت منه نون أخرى كان جائزا حذفها من فليك التبريح وفيه قبح من وجه آخر وهو أنه حذف النون مع الإدغام وهذا لا يعرف لأن من قال في بنى الحارث بلحارث لم يقل في بنى النجار بنجار إلا أن يكون المتنبي حذف النون من قبل ثم جاء بالمدغم بعد ومعنى البيت إذا كان أحد في شدة فليكن كما أنا عليه تعظيما لما هو فيه وتم الكلام ثم استأنف كلاما آخر في المصارع الثاني فقال أغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح وهو استفهام معناه الإنكار يريد أن الرشأ الذي يهواه أنسيٌّ لا وحشيٌّ يغذي بالشيخ والمصراعان كالبيتين لذلك أفرد كل واحد بمعنى وهذا قول ابن جنى في انفراد كل واحد من المصراعين بمعنى وقال أصحاب المعاني مثل هذا قد يفعله الشاعر في النسيب خاصة ليدل به على ولهه وشغله عن تقويم خطابه كما قال جران العود، يوم ارتحلت برحلي قبل برذعتي، والعقل متلهٌ والقلب مشغول، ثم انصرفت إلى نصوى لأبعثه، إثر الحدوج الغوادي وهو معقول، يريد أنه لشغل قلبه لم يدر كيف يرحل ولم يدر أنه معقول فكان يبعثه ليقوم وفي كلامه ما هو أدل على ولهه مما ذكر من حاله وهو قوله ارتحلت ثم انصرفت إلى نضوى كيف ارتحله ولم يأته وإن كان أتاه فكيف قال ثم انصرفت إليه وعلى مثل هذا يحمل قول زهير، قف بالديار التي لم يعفها القدم، ثم قال، بلى وغيرها الأرواح والديم، وقال القاضي بين المصارعين اتصال لطيف وهو أنه لما خبر عن عظيم تبريحه بين أن الذي اورثه ذلك هو الرشأ الذي شكله عليه شبه الغزلان في غذائه وزاده ابن فورجة بيانا فقال يريد ما غذاء هذا الرشأ إلا القلب وأبدان العشاق يهزلها ويمرضها ويبرح بها وقد صرح بعض المحدثين بهذا المعنى فقال، يرعى القلوب وترتعي الغلازن بروقةً وشيحه، وكان المتنبي يقول ليكن تبريح الهوى عظيما مثل ما حل بين أتظنون غذاء من فعل بني هذا الفعل الشيح ما غذاؤه إلا قلوب العشاق

  2. ٢

    لَعِبَت بِمِشيَتِهِ الشُمولُ وَغادَرَت

    صَنَماً مِنَ الأَصنامِ لَولا الروحُ

    الواحدي: يقول غيرت الخمر مشيته فتمايل فيها كمشية السكران وزادت في حسنه حتى تركته كأنه صنم لولا أنه ذو روح ويروى وجردت أي جردته من شبه الناس حتى أشبه الصنم

    العكبري: الْغَرِيب الشُّمُول الْخمر سميت بذلك لِأَنَّهَا تَشْمَل برائحتها وَقيل شبهت بالشمال من الرّيح لِأَنَّهَا تعطف باللب كَمَا تعطف بالشمال وَرجل مشمول الْخَلَائق أى محمودها ومشمول الْخَلَائق مذمومها مَأْخُوذ من الشمَال من الرّيح لأَنهم لَا يحمدونهم لِأَنَّهَا تفرق السَّحَاب والصنم وَاحِد الْأَصْنَام يُقَال إِنَّه مُعرب شمن وَهُوَ الوثن الْمَعْنى يُرِيد إِنَّه يتمايل كمشية السَّكْرَان وغيرت الْخمر مشيته وزادت فى حسنه كَأَنَّهُ صنم لَوْلَا أَنه ذُو روح وجردت عَنهُ ثِيَابه أى أزالت لِبَاسه عَنهُ قَالَه الْخَطِيب وَقَالَ غَيره جردته من شبه النَّاس حَتَّى أشبه الصَّنَم وَنظر فِيهِ إِلَى قَول ديك الْجِنّ (ظَلِلْنا بأيْدِينا نُتَعْتِعُ رُوحَها ... فتأْخُذُ مِنْ أقْدَامِنا الخَمْرُ ثارَها)

  3. ٣

    ما بالُهُ لاحَظتُهُ فَتَضَرَّجَت

    وَجَناتُهُ وَفُؤادِيَ المَجروحُ

    الواحدي: تضرجت أي احمرت خجلا وأصله من انضرج الشيء إذا انشق كأنه قد انشق جلده فظهر الدم يقول فؤادي هو المجروح بنظري إليه فما بال وجناته تضرجت بالدم

    العكبري: الْغَرِيب تضرجت احْمَرَّتْ خجلا وَأَصله من انضرج إِذا انْشَقَّ كَأَنَّهُ قد انضرج أى انْشَقَّ جلده فَظهر الدَّم الْمَعْنى يَقُول فؤادى هُوَ الْمَجْرُوح فَمَا بَال هَذَا الرشأ لما نظرته تضرجت بِالدَّمِ وجناته وَلم يجرحها شئ وَإِنَّمَا الْمَجْرُوح فؤادى وَهُوَ من قَول كشاجم (أرَاهُ يُدَمَّى خَدُّهُ وَهْو جارِحى ... بعينَيْهِ والمجْرُوحُ أوْلى بأنْ يَدْمَى)

  4. ٤

    وَرَمى وَما رَمَتا يَداهُ فَصابَني

    سَهمٌ يُعَذِّبُ وَالسِهامُ تُريحُ

    الواحدي: يقول رماني بلحظه ولم يرمني بيديه وكان ينبغي أن يقول وما رمت يداه ولكنه على لغة من يقول قاما أخواك فالمعنى أن سهم لحظه يعذب والسهام المعروفة تقتل فتريح

    العكبري: الْغَرِيب صاب السهْم يصوب صيبوبة أى قصد وصاب السهْم القرطاس يصبهُ صيبا لُغَة فى أَصَابَهُ وفى الْمثل مَعَ الخواطئ سهم صائب الْمَعْنى يُرِيد أَنه أَصَابَهُ بِعَيْنيهِ وَلم يصبهُ بِيَدِهِ وَقَوله (رمتا يَدَاهُ) الْوَجْه أَن يَقُول رمت يَدَاهُ وَلكنه على لُغَة من قَالَ قاما أَخَوَاك وَمثل هَذَا قِرَاءَة حَمْزَة والكسائى فى قَوْله تَعَالَى ﴿إِمَّا يبلغان عنْدك الْكبر أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا﴾ وَالْمعْنَى أَنه يُرِيد أَن عَيْنَيْهِ رمتا وَلم ترم يَدَاهُ سَهْما يعذب وَمن عَادَة السهْم أَن يقتل فيريح الْمَقْتُول وَهَذَا السهْم لم يرح وَإِنَّمَا يعذب الذى أَصَابَهُ فَهُوَ لاميت وَلَا حى بل هُوَ معذب

  5. ٥

    قَرُبَ المَزارُ وَلا مَزارَ وَإِنَّما

    يَغدو الجِنانُ فَنَلتَقي وَيَروحُ

    الواحدي: يقول قرب بيننا المزار ولا مزار على الحقيقة لانا نلتقي بالقلوب لا بالأجسام واراد يغدو قلبي ويروح أي يتذكره فيتصور في قلبي فكأنا قد التقينا كما قال ابن المعتز، إنا على البعاد والتفرق، لنلتقي بالذكر إن لم نلتق، وكما قال روبة، إني وإن لم ترني كأنني، أراك بالغيب وإن لمترني، ومثله لأبي الطيب، لنا ولأهله أبداً قلوبٌ، تلاقي في جسومٍ ما تلاقي،

    العكبري: الْغَرِيب الْجنان الْقلب وَيُقَال مَا على جنان إِلَّا مَا ترى أى ثوب وجنان اللَّيْل ادلهمامه قَالَ خفاف بن ندبة (ولوْلا جَنان اللَّيْل أدْرك رَكضُنا ... بذى الرّمْثِ والأرْطى عياضَ بنَ ناشبِ) الْمَعْنى يَقُول نلتقى بالقلوب لَا بالأجسام وَإِن قرب المزار فَلَا مَزَار على الْحَقِيقَة وَيَغْدُو الْجنان أى يَغْدُو الْقلب إِلَيْهِ وَيروح أى يتَذَكَّر فيتصور فى الْقلب فكأنا قد الْتَقَيْنَا وَهَذَا من قَول ابْن المعتز (إنَّا عَلى البِعادِ والتَّفَرُّقِ ... لَنَلْتَقِى بالذّكْرِ إنْ لَمْ نَلْتَقِ) وَمثل هَذَا لرؤبة (إنى وَإِن لم ترَنى كأنَّنى ... أرَاكَ بالغَيْب وَإِن لم ترَنى) وَأحسن فى هَذَا الْمَعْنى أَبُو الطّيب على من قبله بقوله (لَنا ولأهْلِه أبدا قُلُوبٌ ... تلاقى فى جُسومٍ مَا تلاقى)

  6. ٦

    وَفَشَت سَرائِرُنا إِلَيكَ وَشَفَّنا

    تَعريضُنا فَبَدا لَكَ التَصريحُ

    الواحدي: ذكر ابن جنى في هذا البيت اوجها فاسدة ثم قال اقوى هذه الوجوه لما جهدنا التعريض استروحنا إلى التصريح فانهتك الستر ولم يقف على حقيقة المعنى وهو أنه يقول كتماننا هزلنا فصار الهزال صريح المقال يعني أنه استدل بالهزال على ما في القلب من الحب فقام ذلك مقام التصريح لو صرحنا

    العكبري: الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح ظَهرت سرائرنا وشفنا نقصنا يُرِيد لما عرضنَا لَك بهواك قَامَ مقَام التَّصْرِيح منا لَك وَيجوز عرضنَا لَك عودتك فصرحت بالهجر وَيجوز لما جهدنا بالتعريض اسْتَرَحْنَا إِلَى التَّصْرِيح فانهتك السّتْر وَهُوَ أقوى الِاحْتِمَالَات انْتهى كَلَامه قَالَ الواحدى لم يقف أَبُو الْفَتْح على حَقِيقَة الْمَعْنى وَقد ذكر فى هَذَا أوجها فَاسِدَة وَإِنَّمَا حَقِيقَة الْمَعْنى كتماننا نقصنا وهزلنا فَصَارَ النحول صَرِيح الْمقَال يُرِيد أَنه اسْتدلَّ بالتحول على مَا فى الْقلب من الْحبّ فَقَامَ ذَلِك مقَام التَّصْرِيح لَو صرحنا

  7. ٧

    لَمّا تَقَطَّعَتِ الحُمولُ تَقَطَّعَت

    نَفسي أَسىً وَكَأَنَّهُنَّ طُلوحُ

    الواحدي: الحمول الأحمال على الإبل ويريد بها الإبل التي حملتها يقول لما تفرقت سائرة تقطعت نفسي وجدا ثم شبهها باشجار الطلح والعرب تشبه الإبل وعليها الهوادج والاحمال بالاشجار وقال الخوارزمي الطلح شجر اسفله رقيق واعلاه كالقبة فشبه الحمول بذلك

    العكبري: الْغَرِيب الحمول الْأَحْمَال على الْإِبِل وَيُرِيد بهَا الْإِبِل الَّتِى حملتها والطلوح جمع طلح وَقيل جمع طَلْحَة الْأَحْمَال مثل بدرة وبدور والأسى الْحزن الْمَعْنى يَقُول لما تَفَرَّقت الحمول سائرة تقطعت نفسى وجدا وحزنا وَشبههَا بالأشجار وَمن عَادَة الْعَرَب أَن تشبه الْإِبِل وَعَلَيْهَا الهوادج بالأشجار وَقَالَ الخوارزمى الطلح شجر أَسْفَله دَقِيق وَأَعلاهُ كالقبة فتشبه الحمول بذلك

  8. ٨

    وَجَلا الوَداعُ مِنَ الحَبيبِ مَحاسِناً

    حُسنُ العَزاءِ وَقَد جُلينَ قَبيحُ

    الواحدي: يقول كشف الوداع محاسن الحبيب عند الفراق من وجهها ويديها ورجليها حتى قبح الصبر عنها كما قال العتبي، والصبر يحمد في المواطن كلها، إلا عليك فإنه مذموم، ومثله لعثمان ابن مالك، أعداء ما وجدي عليك بهينٍ، ولا الصبر إن أعطيته بجميل، وقال الطاءي، وقد كان يدعى لابس الصبر حازما، فاصبح يدعى حازماً يحن يجزع، ومثله لأبي الطيب، أجد الجفاء على سواك مروةً، والصبر إلا في نواك جميلا،

    العكبري: الْإِعْرَاب أَدخل بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر جملَة فعلية وَالتَّقْدِير حسن العزاء قَبِيح وَقد جبلين أى المحاسن الْمَعْنى يُرِيد أَن الْوَدَاع كشف محَاسِن الحبيب الَّتِى يُمكن أَن تظهر حَتَّى قبح الصَّبْر عِنْدهَا وَهَذَا كَقَوْل العتبى (والصَّبْرُ يُحْمَدُ فى المَوَاطِنِ كلِّها ... إلَاّ عَلَيْكَ فإنَّهُ مَذْمُومُ) وَقَالَ يحيى بن مَالك (أحَقا فمَا وَجدِى عليكَ بهَيِّن ... وَلَا الصَّبرُ إِن أعطيتَه بجَميل) وكقول حبيب (وَقد كَانَ يُدعَى لابسُ الصَّبر حازما ... فَأصْبح يُدعَى حازما حِين يَجْزعُ) وَأحسن وَزَاد على الْجَمَاعَة أَبُو الطّيب بقوله (أجِدُ الجَفاءَ على سواك مُرُوّة ... والصبرَ إِلَّا عَن نوَاك جميلا)

  9. ٩

    فَيَدٌ مُسَلِّمَةٌ وَطَرفٌ شاخِصٌ

    وَحَشىً يَذوبُ وَمَدمَعٌ مَسفوحُ

    الواحدي: يعني في حال الوداع اليد تشير بالسلام والطرف شاخص إلى وجه المودع والقلب يذوب حزنا على الفراق والدمع مصبوب وأراد بالمدمع الدمع

  10. ١٠

    يَجِدُ الحَمامُ وَلَو كَوَجدي لَاِنبَرى

    شَجَرُ الأَراكِ مَعَ الحَمامِ يَنوحُ

    الواحدي: يقول الحمام يحزن عن فراق إلفه ولو كان وجده كوجدي لساعده الشجر على النوح والبكا رحمة ورقة

  11. ١١

    وَأَمَقَّ لَو خَدَتِ الشَمالُ بِراكِبٍ

    في عَرضِهِ لَأَناخَ وَهيَ طَليحُ

    الواحدي: يصف بلدا طويلا والمقق الطول والامق الطويل يقول لو اسرعت ريح الشمال في ذلك البلد براكب أي وعليها راكب لأناخ ذلك الراكب والشمال طليح أي معييةٌ وإذا كانت الشمال تعيى فيه فكيف الإنسان وإنما ذكر العرض لأنه أقل من الطول

  12. ١٢

    نازَعتُهُ قُلَصَ الرِكابِ وَرَكبُها

    خَوفَ الهَلاكِ حُداهُمُ التَسبيحُ

    الواحدي: قال ابن جنى نازعته أي أخذت منه بقطعي إياه وأعطيته ما نال من الركاب وليس المعنى على ما قال لأن القلص هي المتنازع فيها فالبلد يفنيها ويأخذ منها وهو يستبقيها والمعنى إني أحب ابقاءها والبلد يحب افناءها بالمنازعة فيها كما قال الأعشى، نازعتهم قضيب الريحان متكئا، أي أخذت منهم وأعطيتهم وهم أخذوا مني وأعطوني والقلص جمع قلوص وهي الفتيى من الإبل يقول ركاب هذه الإبل يحدونها بالتسبيح لله بدل الغناء لخوفهم على أنفسهم يتبركون بالتسبيح ويرجون النجاة

    العكبري: الْإِعْرَاب ركبهَا مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ التَّسْبِيح والثقدير وركبها مسبحون وَالضَّمِير عَائِد إِلَى القلص وَخَوف الْهَلَاك مفعول لأَجله أَو فى مَوضِع الْحَال وحداهم التَّسْبِيح مُبْتَدأ وَخبر الْغَرِيب قلص الركاب هى الْفتية من الْإِبِل الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى نازعته أخذت مِنْهُ بقطعى إِيَّاه وأعطيته مَا نَالَ من الركاب قَالَ الواحدى وَلَيْسَ الْمَعْنى على مَا قَالَ لِأَن الْمُتَنَازع فِيهَا هى القلص فالبلد يفنيها وَيَأْخُذ مِنْهَا وَهُوَ يستبقيها وَالْمعْنَى إنى أحب إبقاءها والبلد يحب إفناءها بالمنازعة فِيهَا كَقَوْل الْأَعْشَى (نازعتُهم قُضُب الرَّيحانِ متَّكئا) أى أخذت مِنْهُم وأعطيتهم وهم أخذُوا منى وأعطونى وَمعنى الْبَيْت إِنَّهُم من خوفهم كَانُوا يسبحون الله من هول الطَّرِيق ومشقتها وَكَانَ التَّسْبِيح بدل الحداء يتبركون بالتسبيح ويرجون بِهِ النجَاة

  13. ١٣

    لَولا الأَمينُ مُساوِرُ بنُ مُحَمَّدٍ

    ما جُشِّمَت خَطَراً وَرُدَّ نَصيحُ

    الواحدي: يقول لولا ما كلفت القلص خطرا لمفازة وما رد الناصح الذي ينهي عن ركوبها لهولها وبعدها

    العكبري: الْإِعْرَاب لَوْلَا الْأَمِير الْأَمِير مُرْتَفع بِالِابْتِدَاءِ عِنْد الْبَصرِيين وَعِنْدنَا أَن الِاسْم مَرْفُوع بهَا لِأَنَّهَا نائبة عَن الْفِعْل الذى لَو ذكر لرفع الِاسْم كَمَا تَقول لَوْلَا زيد لجئت تَقْدِيره لَو لم يمنعنى إِلَّا أَنهم خذفوا الْفِعْل تَخْفِيفًا وَزَادُوا لَا على لَو فَصَارَ بِمَنْزِلَة حرف وَاحِد كَقَوْلِهِم أما أَنْت مُنْطَلقًا انْطَلَقت مَعَك تَقْدِيره أَن كنت مُنْطَلقًا انْطَلَقت مَعَك قَالَ الشَّاعِر (أَبَا خُرَاشة أمَّا أنتَ ذَا نَفَرٍ ... فإنّ قَوْمَى لم تأكُلْهُمُ الضُّبُعُ) أى أَن كنت ذَا نفر فَحذف الْفِعْل وَزَاد مَا عوضا عَنهُ والذى يدل على أَنَّهَا عوض عَن الْفِعْل أَنه لَا يجوز ذكر الْفِعْل مَعهَا لِئَلَّا يجمع بَين الْعِوَض والمعوض وكقولهم إمالا فافعل هَذَا تَقْدِيره إِن لم تفعل مَا يلزمك فافعل هَذَا فَحذف الْفِعْل لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وزيدت مَا على أَن عوضا عَنهُ فصارتا بِمَنْزِلَة حرف وَاحِد وَيجوز إمالتها لِأَنَّهَا صَارَت عوضا عَن الْفِعْل كَمَا أمالوا بلَى وَيَا فى النداء والشواهد كَثِيرَة على أَن الْفِعْل بعْدهَا مَحْذُوف وَاكْتفى الإسم بلولا وَيدل على أَن زيدا منعنى قَالَ الله تَعَالَى ﴿فلولا أَنه كَانَ من المسبحين﴾ وَلَو كَانَت فى مَوضِع الِابْتِدَاء لوَجَبَ أَن تكسر فَلَمَّا فتحت دلّ على صِحَة قَوْلنَا وَحجَّة الْبَصرِيين على أَنه يرْتَفع بِالِابْتِدَاءِ دون لَوْلَا أَن الْحَرْف لَا يعْمل إِلَّا إِذا كَانَ مُخْتَصًّا وَلَوْلَا لَا يخْتَص بالإسم دون الْفِعْل وَقد يخْتَص بِالْفِعْلِ وَالِاسْم قَالَ الشَّاعِر (لَا درّ درّك إنى قد حَمِدُتهم ١ ... لَوْلَا حُدِدْت وَمَا عُذْرَىِ لمَحْدودِ) وَنحن نقُول إِن هَذَا الْبَيْت على معنى لَوْلَا أَنى حددت فَصَارَت مُخْتَصَّة بِالِاسْمِ دون الْفِعْل وَقَوله جشمت فِيهِ ضمير يعود على الركاب الْغَرِيب جشمت كلفت جشمت الْأَمر بِالْكَسْرِ جشما وتجشمته تكلفته على مشقة وجشمته الْأَمر تجشيما وأجشمته إِذا كلفته إِيَّاه وَقَالَ الشَّاعِر عبد الْمطلب ٢ (مهما تُجَشِّمْنى فإِنىَ جاشمُ ... ) الْمَعْنى يُرِيد لَوْلَا الممدوح مَا كلفت الْإِبِل خطرا أى خطر المفاوز وَلَا رددت الناصح الذى ينْهَى عَن ركُوب المفاوز لهولها وَبعدهَا

  14. ١٤

    وَمَتى وَنَت وَأَبو المُظَفَّرِ أَمُّها

    فَأَتاحَ لي وَلَها الحِمامَ مُتيحُ

    الواحدي: ونت ضعفت وفترت وأمها قصدها والمعنى مقصودها والمعنى إن الموت خير لنا أن تخلفنا عنه

    العكبري: الْغَرِيب ونت قصرت وفترت وَأمّهَا قَصدهَا وَهُوَ هُنَا بِمَعْنى مقصودها وتاح لَهُ الشئ وأتيح أى قدر لَهُ وأتاح الله لَهُ الشئ أى قدره لَهُ وَرجل متيح يعْتَرض فِيمَا لَا يعنيه قَالَ الراعى (أفى أثَر الأظْعان عينُك تَلْمَحُ ... نَعَمْ لاتَ هَنَّا إنّ قلبكَ مِتْيَحُ) الْمَعْنى يَقُول إِن فترت وَأَنت قَصدهَا فالموت فَهُوَ خير لنا ولى من أَن نتخلف عَنْك أَو إِذا افترت هَذِه الركاب فَقدر الله لَهَا ولى الْمَوْت فَهُوَ خير لنا

  15. ١٥

    شِمنا وَما حُجِبَ السَماءُ بُروقَهُ

    وَحَرىً يَجودُ وَما مَرَتهُ الريحُ

    الواحدي: سمنا بروق الممدوح أي رجونا عطاءه ولم تحجب السماء لأنه ليس بغيم في الحقيقة وهو خليق بأن يجود وإن لم تمره الريح يفضله على الحساب لأن السحاب يستر حسن السماء ولا يدرك إلا إذا استدرته الريح

    العكبري: الْغَرِيب نقُول شمت الْبَرْق إِذا نظرت إِلَى سحابه أَيْن تمطر وشمت مخايل الشئ إِذا تطلعت نَحْوهَا ببصرك وحرى أى حقيق وخليق ومرته استدرته الْمَعْنى يَقُول شمنا بروقه أى رجونا عطاءه وَلم تحجب بروقه السَّمَاء لِأَنَّهُ لَيْسَ بغيم فيسترها وَإِنَّمَا يُرِيد مخايل عطائه وَهُوَ خليق بِأَن يجود وَلم تمره الرّيح وَهَذَا يُرِيد تفضيله على السَّحَاب لِأَن السَّحَاب لَا يجود حَتَّى تستدره الرّيح ويحجب حسن السَّمَاء وَهَذَا يجود وَلَا يحجب السَّمَاء وَلم تمره الرّيح

  16. ١٦

    مَرجُوُّ مَنفَعَةٍ مَخوفُ أَذِيَّةٍ

    مَغبوقُ كاسِ مَحامِدٍ مَصبوحُ

    الواحدي: المغبوق الذي يسقى بالعشي والمصبوح الذي يسقى بالصباح وحقه أن يقول مغبوق بكأس محامد فحذف الباء وأضاف المغبوق إليه وليس بالوجه والمعنى أنه يحمد في كل وقت فكأنه يسقى كأس المحامد غبوقا وصبوحا

    العكبري: الْغَرِيب مغبوق هُوَ الذى يسقى عِنْد الغبوق وَهُوَ آخر النَّهَار والمصبوح هُوَ الذى يسقى عِنْد الصَّباح وَالْمرَاد أَنه يسقى بكأس محامد فَحذف الْبَاء وأضاف المغبوق إِلَيْهِ وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ الْمَعْنى يُرِيد إِنَّه مرجو للنفع مخوف الآذى يحمد فى كل وَقت من هَذِه الْأَوْقَات فَكَأَنَّهُ يسقى بكأس المحامد غبوقا وصبوحا

  17. ١٧

    حَنِقٌ عَلى بِدَرِ اللُجَينِ وَما أَتَت

    بِإِساءَةٍ وَعَنِ المُسيءِ صَفوحُ

    العكبري: الْإِعْرَاب حنق مبدل من قَوْله مرجو وَهُوَ خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف تَقْدِيره هُوَ مرجو الْغَرِيب بدر جمع بدرة كسدرة وسدرا واللجين الْفضة وَهَذَا بَيت // جيد حسن الْمَعْنى // وَالْجمع بَين الْإِسَاءَة والصفح من الطباق الْجيد

  18. ١٨

    لَو فُرِّقَ الكَرَمُ المُفَرِّقُ مالَهُ

    في الناسِ لَم يَكُ في الزَمانِ شَحيحُ

    الواحدي: يقول لو فرق في النسا كرمه الذي يفرق ماله لصار الناس كلهم كرماء أسخياء وهو من قول منصور الفقيه، أقول إذ سألوني عن سماحته، ولست ممن يطيل القول إن مدحا، لو أن ما فيه من جود تفسمه، أولاد آدم عادوا كلهم سمحا، ومنقول من قول العباس بن الأحنف، لو قسم الله جزأ من محاسنه، في الناس طرأ لتم الحسن في الناس، وقال أبو تمام، لو أقتسمت أخلاقه الغر لم تجد، معيبا ولا خلقاً من الناس عائباً

    العكبري: الْإِعْرَاب من روى الْكَرم بِالنّصب فَالضَّمِير فى فرق للممدوح وَمن روى بِالرَّفْع فالفعل للكرم وحرفا الْجَرّ يتعلقان بالفعلين الْغَرِيب الشحيح الْبَخِيل وشححت بِالْكَسْرِ تشح وشححت بِالْفَتْح تشح وتشح وَرجل شحيح وَقوم شحاح وأشحة وتشاح الرّجلَانِ على الْأَمر لَا يُريدَان أَن يفوتهما والشحاح بِالْفَتْح الشحيح وَالشح الْبُخْل مَعَ حرص الْمَعْنى يَقُول لَو فرق فى النَّاس كرمه الذى يفرق مَاله لَكَانَ النَّاس كلهم أسخياء وَهَذَا من قَول بَعضهم (أقُولُ إذْ سألوِنى عَنْ سَماحتِهِ ... ولستُ ممَّن يُطيلُ القَوْل إِن مَدَحا) (لَوْ أنَّ مَا فيهِ مِنْ جُودٍ تَقَسَّمه ... أولادُ آدمَ عادُوا كلهم سُمَحَا) وَمِنْه قَول الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف (لَوْ قَسَّمَ اللهُ جُزْءاً مِن محاسنه ... فى النَّاسِ طُرَا لَتمَّ الحُسْن فى النَّاسِ) وَقَالَ أَبُو تَمام (لَوْ اقْتُسِمتْ أخلاقُه الغُرُّ لَمْ تجِد ... مَعِيبا وَلَا خَلقا من النَّاس عائِبا)

  19. ١٩

    أَلغَت مَسامِعُهُ المَلامَ وَغادَرَت

    سِمَةً عَلى أَنفِ اللِئامِ تَلوحُ

    الواحدي: أي جعلته لغو ساقطا لا يبالي به وروى ابن جنى ألفت أي لكثرة ما سمعت اللوم ألفته وغيره من الناس اطاعوا اللائم فصاروا لئما يرى عليهم أثر اللؤم طاهرا كما ترى السمة على الأنف

  20. ٢٠

    هَذا الَّذي خَلَتِ القُرونُ وَذِكرُهُ

    وَحَديثُهُ في كُتبِها مَشروحُ

    الواحدي: لم يعرف ابن جنى البيت فلم يفسره وفرسه ابن دوست بخلاف الصواب فقال أن الله تعالى بشر به في كبت الماضين وهذا كذب صريح لن الله لا يبشر بغير نبي أولم يسمع قول أبي الطيب، إلى سيدٍ لو بشر الله أمةً، بغير نبي بشرتنا به الرسل، والمعنى أن الكتب مشحونة بذكر الكرم ونعت الكرام واخلاقهم وهو المعنى بذلك إذ الحقيقة منها له فذكره إذن في الكتب مشروح ويجوز أن يريد أنه المهديُّ الذيذكر في الكتب خروجه ولم يقل مشروحان لن الذكر والحديث واحد

    العكبري: الْغَرِيب من روى ألغت فَهُوَ من اللَّغْو أى تركت وَمن روى ألفت فَهُوَ من الألفة أى اعتادته والسمة الْعَلامَة تكون على أنف الْبَعِير وَالشَّاة وَغَيرهمَا من الدَّوَابّ الْمَعْنى يَقُول أسقطت آذانه كَلَام العذل وألفته فَلَا تعبأ بِهِ وروى ابْن جني ألفت أى اعتادت كَلَامهم فَلم تلْتَفت إِلَيْهِ وأهملته من كَثْرَة مَا يلومونه أى اعتادت مسامعه اللوم وألفته فَهُوَ يعْصى اللوام وَغَيره يطيعهم فَيرى عَلَيْهِم أثر اللوم ظَاهرا كَمَا ترى السمة على الْأنف ٢٠ - الْغَرِيب خلت مَضَت كَمَا قَالَ الله تَعَالَى قد خلت من قبلكُمْ سنَن﴾ والقرون جمع قرن من النَّاس وَقيل الْقرن مَا بَين الْأَرْبَعين إِلَى الْخمسين وَقيل المئة الْإِعْرَاب قَالَ ذكره وَحَدِيثه وَلم يقل مشروحان وَذَلِكَ لِأَن الذّكر والْحَدِيث وَاحِد وَقيل هما جملتان حذفت الأولى لدلَالَة الثَّانِيَة عَلَيْهَا وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه﴾ وَهَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَأنْشد (نحنُ بِمَا عنْدَنا وأنْتَ بِمَا ... عندكَ راضٍ والرأىُ مختلِفُ) وَمذهب الْمبرد أَن فى الْكَلَام تَقْدِيمًا وتأخيرا وَتَقْدِيره وَالله أَحَق أَن يرضوه وَرَسُوله وَقَالَ قوم بل الضَّمِير عَائِد على الْمَذْكُور كَقَوْل رؤبة (فِيهَا خُطُوطٌ مِن سَوَادٍ وَبَلَقْ ... كأنَّه فى الجلْد تَوْليعُ البَهَقْ) أى كَأَن الْمَذْكُور الْمَعْنى قَالَ الواحدى لم يعرف ابْن جنى الْبَيْت فَلم يفسره وَفَسرهُ ابْن دوست بِخِلَاف الْمَعْنى وَقَالَ إِن الله بشر بِهِ فى كتب الماضين وَهَذَا كذب صَرِيح لِأَن الله تَعَالَى لَا يبشر بِغَيْر نبى أَو لم يسمع قَول أَبى الطّيب (إِلَى سَيِّدٍ لَوْ بَشَّرَ الله أمَّة ... بِغَيْر نبِىّ بَشَّرَتْنا بِهِ الرُّسْلُ) الْمَعْنى أَن الْكتب مشحونة بِذكر الْكَرم ونعت الْكِرَام وَهُوَ الْمَعْنى بذلك إِذْ الْحَقِيقَة مِنْهَا لَهُ فَذكره إِذن فى الْكتب مشروح وَيجوز أَن يُرِيد أَنه المهدى الذى ذكر فى الْكتب خُرُوجه انْتهى كَلَامه وَقَالَ غَيره الْمَعْنى أَنْت الذى إِذا خلت الْقُرُون بقى ذكر كرمك وسيرتك بالكتب مشروحا إِلَى أَن تقوم الدُّنْيَا

  21. ٢١

    أَلبابُنا بِجَمالِهِ مَبهورَةٌ

    وَسَحابُنا بِنَوالِهِ مَفضوحُ

    الواحدي: يقول عقولنا مغلوبة بجماله فنحن متحيرون في جمال لم نر مثله وزاد نواله على امطار السحاب حتى فضح نوال السحاب

    العكبري: الْغَرِيب ألبابنا جمع لب وَهُوَ الْعقل مبهورة متحيرة الْمَعْنى يُرِيد أَن عقولنا مغلوبة بجماله فَنحْن متحيرون فى جماله فَلم نرقى النَّاس مثله ونواله زَائِد على أمطار السَّحَاب حَتَّى لقد فَضَح نواله السَّحَاب

  22. ٢٢

    يَغشى الطِعانَ فَلا يَرُدُّ قَناتَهُ

    مَكسورَةً وَمِنَ الكُماةِ صَحيحُ

    الواحدي: أي يأتي الحرب فلا يرد رماحه مكسورةً إلا بعد أن لا يبقى منهم صحيح وهذا كقول الفرزدق، بأيدي رجالٍ لم يشيموا سيوفهم، ولم تكثر القتلى بها حين سلت، أي لم يغمدوها إلا بعد أن كثرت بها القتلى وقوله مكسورة حشو أراد أن يطابق بينها وبين الصحيح لأنه لا فائدة في أن ترد القناة من الحرب مكسورةً ولو ردها صحيحةً لم يلحقه نقص

    العكبري: الْغَرِيب الكماة جمع كمى وَقيل جمع كام كقاض وقضاة والكمى الشجاع المتكمى فى سلاحه لِأَنَّهُ كمى نَفسه أى سترهَا بالدرع والبيضة الْمَعْنى يُرِيد أَنه إِذا غشى الحروب فَلَا ترجع قناته مَكْسُورَة إِلَّا بعد أَن لَا يبْقى مِنْهُم صَحِيح وَقَوله مَكْسُورَة حَشْو زَاده ليطابق بَينه وَبَين الصَّحِيح وَلَا فَخر فى أَن ترجع الْقَنَاة مَكْسُورَة وَمعنى الْبَيْت من قَول الفرزدق (بأيْدى رِجالٍ لم يَشيمُوا سُيوفَهُمْ ... وَلم تَكْثُر القَتْلَى بهَا حينَ سُلتِ) أى لم يغمدوها إِلَّا بعد أَن كثرت الْقَتْلَى بهَا

  23. ٢٣

    وَعَلى التُرابِ مِنَ الدِماءِ مَجاسِدٌ

    وَعَلى السَماءِ مِنَ العَجاجِ مُسوحُ

    الواحدي: المجاسد جمع المجسد وهو المصبوغ بالجساد وهو الزعفران يقول لكثرة ما يسفك من الدم صبغ الأرض بلونه حتى كأن عليها مجاسد واسودت السماء بالغبار فكأن عليها مسوحا

    العكبري: الْغَرِيب المجاسد جمع مجسد وَهُوَ الْمَصْبُوغ بالزعفران وَقيل هُوَ المشبع صبغه وَهُوَ الْأَحْمَر الشَّديد اللَّوْن وَيُقَال للزعفران الجساد والمسوح مَا يعْمل من الشّعْر الْأسود الْمَعْنى يُرِيد أَن الأَرْض لبست من دِمَائِهِمْ ثيابًا حمرا وَالسَّمَاء لبست من العجاج مسوحا سُودًا وَقَالَ الواحدى لِكَثْرَة مَا يسفك من الدَّم صبغ الأَرْض حَتَّى كَأَن عَلَيْهَا مجاسد واسودت السَّمَاء بالغبار حَتَّى كَأَن عَلَيْهَا مسوحا

  24. ٢٤

    يَخطو القَتيلَ إِلى القَتيلِ أَمامَهُ

    رَبُّ الجَوادِ وَخَلفَهُ المَبطوحُ

    الواحدي: يقول قد امتلأت المعركة من القتلى فالفارس على الفرس الجواد يخطو من قتيل إلى قتيل ويخلف وراءه فارسا مبطوحا أي مطروحا على وجهه ويجوز أن يكون رب الجواد الممدوح

    العكبري: الْإِعْرَاب رب الْجواد فَاعل يخطو وأمامه وَخَلفه منصوبان على الظّرْف الْمَعْنى يُرِيد أَن الْقَتْلَى كثرت حَتَّى امْتَلَأت المعركة فالفارس على الْفرس الْجواد يخطو من قَتِيل إِلَى قَتِيل ويخلف خَلفه فَارِسًا مبطوحا أى مطروحا على وَجهه قَالَ الواحدى وَيجوز أَن يكون رب الْجواد الممدوح

  25. ٢٥

    فَمَقيلُ حُبِّ مُحِبِّهِ فَرِحٌ بِهِ

    وَمَقيلُ غَيظِ عَدُوِّهِ مَقروحُ

    الواحدي: المقيل المستقر ومنه، ضرب يزيل الهام عن مقيله، ومقيل الحب هو القلب وكذلك مقيل الغيظ والمقروح المجروح ويروى بالفاء وهو الذي أصيب فرحه

    العكبري: الْغَرِيب المقيل المستقر وَمِنْه (ضَرْبٌ يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ ... ) ومقيل الْحبّ هُوَ الْقلب وَكَذَلِكَ الغيظ والمقروح الْمَجْرُوح الْمَعْنى يُرِيد أَن قلب محبه فَرح بِهِ وقلب عدوه مقروح بِهِ

  26. ٢٦

    يُخفي العَداوَةَ وَهيَ غَيرُ خَفِيَّةٍ

    نَظَرُ العُدُوِّ بِما أَسَرَّ يَبوحُ

    الواحدي: عدوه يخفى العداوة خوفا منه وهي لا تخفى لأن نظر العدو إلى من يعاديه يظهر من في قلبه من العداوة كما قال ابن الرومي، يخبرني العينان ما القلب كاتم، ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر، وكما قال الآخر، تكاشرني كرها كأنك ناصح، وعينك تبدي أن صدرك لي دوى، وقال الآخر، خليلي للبغضاء عين مبينةٌ، وللحب آيات ترى ومعارف،

    العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَن عدوه يخفى عداوته لَهُ خوفًا مِنْهُ وهى لَا تخفى لِأَن نظر الْعَدو إِلَى من يعاديه يظْهر مَا فى قلبه من الْعَدَاوَة كَمَا قَالَ ابْن الرومى (تُخَبّرُنِى العَيْنانِ مَا القَلْبُ كاتِمٌ ... وَما جَنَّ بالبَغْضاءِ والنَّظَر الشَّزْرِ) وَقَالَ الآخر (تُكاشِرُنِى كَرْها كأنَّكَ ناصِحٌ ... وعَيْنُكَ تُبْدى أَن صَدْرَكَ لى دَوِى) وَقَالَ الآخر (خَليلىّ للْبَغْضاءِ عَيْنٌ مُبِينَةٌ ... وللْحُبّ آيَات تُرَى وَمَعارِفُ)

  27. ٢٧

    يا اِبنَ الَّذي ما ضَمَّ بُردٌ كَاِبنِهِ

    شَرَفاً وَلا كَالجَدِّ ضَمَّ ضَريحُ

    الواحدي: يقول للممدوح يا ابن الذي لم يشتمل برد على أحد كابنه في الشرف ويريد بالابن الممدوح ولا ضم قبر أحدا في الشرف كجده يعني جد أبيه والمعنى ليس في الأحياء مثلك شرفا ولا في الأموات مثل جد أبيك في الشرف

    العكبري: الْإِعْرَاب شرفا نصب على الْمصدر وَقيل على التَّمْيِيز الْغَرِيب الضريح هُوَ الْقَبْر وَقيل الضريح هُوَ الشق فى وسط الْقَبْر واللحد فى جَانِبه والضريح أَيْضا الْبعيد وأضرحه عَنْك أبعده الْمَعْنى يَقُول أَنْت ابْن من لم تشْتَمل برد على أحد فى الشّرف كابنه وَهُوَ الممدوح وَلَا ضم قبر أحدا فى الشّرف كجده الْمَعْنى لَيْسَ فى الْأَحْيَاء مثلك شرفا وَلَا فى الْأَمْوَات مثل جد أَبِيك فى الشّرف

  28. ٢٨

    نَفديكَ مِن سَيلٍ إِذا سُئِلَ النَدى

    هَولٍ إِذا اِختَلَطا دَمٌ وَمَسيحُ

    الواحدي: يروى من سبل وهو المطر يقول أنت عند العطاء سيل وعند الحرب هولٌ تهول اعداءك والمسيح العرق قال الشاعر، يا ريها حين بدا مسيحي، وابتل ثوباي من النضيح، وقال اختلطا والوجه اختلط

    العكبري: الْإِعْرَاب هول صفة لسيل وَقَوله اختلطا الْوَجْه أَن يَقُول اخْتَلَط لكنه جَاءَ بِهِ على اللُّغَة الْأُخْرَى كَقِرَاءَة حَمْزَة والكسائى فى قَوْله تَعَالَى ﴿إِمَّا يبلغان عنْدك الْكبر أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا﴾ الْغَرِيب الْمَسِيح الْعرق الذى مسح عَن الْجَسَد فَكَأَنَّهُ فعيل فى معنى مفعول قَالَ الراجز (ناديتها وَقد بدا مَسِيِحى ... وابتّل ثوباى من النضيح) والمسيح الْقطعَة من الْفضة وَالدِّرْهَم الأطلس مسيح والمسيح عِيسَى ﵊ والمسيح الدَّجَّال الْمَعْنى يُرِيد إِنَّك عِنْد الْعَطاء سيل وَعند الحروب هول تهول أعداءك فهم خائفون مِنْك

  29. ٢٩

    لَو كُنتَ بَحراً لَم يَكُن لَكَ ساحِلٌ

    أَو كُنتَ غَيثاً ضاقَ عَنكَ اللوحُ

    الواحدي: الغيث الساحب فيه مطرواللوح الهواء أي لم يكن يسعك الهواء لو كنت سحابا

    العكبري: الْغَرِيب اللَّوْح الْهَوَاء مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَأَرَادَ بالغيث السَّحَاب الذى فِيهِ مطر الْمَعْنى يُرِيد لَو كنت بحرا مَا كَانَ لَك سَاحل لعظمتك أى مَا كَانَ يرى لَك سَاحل والساحل مورد الْبَحْر يُرِيد كنت أخْشَى على النَّاس الْغَرق فَلَا يَجدونَ ساحلا يلجئون إِلَيْهِ وَلَو كنت سحابا لم يسعك الْهَوَاء لعظمتك

  30. ٣٠

    وَخَشيتُ مِنكَ عَلى البِلادِ وَأَهلِها

    ما كانَ أَنذَرَ قَومَ نوحٍ نوحُ

    الواحدي: وخشيت عطف على قوله ضاق أي لو كنت غيثا خشيت منك الطوفان الذي أنذر به نوح قومه

    العكبري: الْإِعْرَاب وخشيت عطف على قَوْله ضَاقَ عَنْك أى وخشيت الْغَرق على الْبِلَاد أى كنت أخْشَى على أهل الْبِلَاد والبلاد الْغَرق وَهُوَ الذى أنذر بِهِ نوح قومه وَأَرَادَ الطوفان

  31. ٣١

    عَجزٌ بِحُرٍّ فاقَةٌ وَوَراءَهُ

    رِزقُ الإِلَهِ وَبابَكَ المَفتوحُ

    الواحدي: من العجز أن يقاسي الحرب الفاقة ولا يطلب رزق الله بان يأتي بابك الذي لا يحجب عنه أحد يعني أن الله تعالى قد وسع بك الرزق على الناس فمن لم يأتك طالبا للرزق فذلك لعجزه كما قال أبو تمام، خاب أمرء بخس الحوادث رزقه، وأقام عنك وأنت سعد الأسعد،

    العكبري: الْإِعْرَاب عجز ابْتِدَاء وَقد تفِيد النكرَة وَخَبره فاقة فالباء مُتَعَلقَة بفاقة وَيجوز أَن تكون فاقة ابْتِدَاء وَالْخَبَر عجز مقدم عَلَيْهِ وَتَقْدِيره فاقة بَحر عجز فعلى هَذَا تكون النكرَة قد تقدم عَلَيْهَا خَبَرهَا وَقيل بل عجز خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ الْمَعْنى تَقْدِيره الْقعُود عَن قصدك عجز بَحر وفاقة ابْتِدَاء ثَان خَبره مَحْذُوف تَقْدِيره بِهِ فاقة الْغَرِيب الْفَاقَة الْفقر ووراءه قدامه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ملك﴾ أى قدامهم وهى من الأضداد الْمَعْنى يُرِيد إِن من الْعَجز أَن يقاسى الْحر فاقة وهى الْفقر وَلَا يطْلب الرزق من الله ويقصد بابك الذى لَا يحجب عَنهُ أحد لِأَن الله تَعَالَى قد وسع بك الرزق على النَّاس فَمن لم يقصدك طَالبا للرزق فَذَلِك لعَجزه وَهُوَ من قَول الآخر (وعَجْز بذى أدّب أَن يَضيقَ ... بعيشته وُسْعُ هذى البلادِ) وكقول أَبى تَمام الطائى (خابَ امْرُؤٌ بَخَسَ الحَوَادِثُ رِزْقَهُ ... فأقامَ عَنْكَ وأنْتَ سَعْدُ الأسْعُدِ)

  32. ٣٢

    إِنَّ القَريضَ شَجٍ بِعِطفي عائِذٌ

    مِن أَن يَكونَ سَواءَكَ المَمدوحُ

    الواحدي: القريض جرة البعير يشبه الشعر في ترديد الشاعر أياه منشئا ومنشدا به يقول لاذ الشعر بكنفي من أن أمدح به غيرك وسواءك بمعنى سواك إذا كسرت السين قصرت وإذا فتحت مدت

  33. ٣٣

    وَذَكِيُّ رائِحَةِ الرِياضِ كَلامُها

    تَبغي الثَناءَ عَلى الحَيا فَتَفوحُ

    الواحدي: يقول الرائحة الطيبة من الرياض بمنزلة الكلام لها تطلب بذلك إن تثنى على المطر الذي أحياها فتفوح روائحها بالثناء على المطر وهذا من قول ابن الرومي، شكرت نعمة الولي على الوسمي ثم العهاد بعد العهاد، فهي تثنى على السماء ثناء، طيب النشر شائعا في البلاد، من نسيم كأن مسراه في الخيشوم مسرى الأرواح في الأجساد، ثم أخذه السري الموصلي فقال، وكنت كروضةٍ سقيت سحابا، فأثنت بالنسيم على السحاب،

  34. ٣٤

    جُهدُ المُقِلِّ فَكَيفَ بِاِبنِ كَريمَةٍ

    توليهِ خَيراً وَاللِسانُ فَصيحُ

    الواحدي: يقول ذلك من الرياض جهد المقل لأنها لا تملك النطق ولا تقدر من شكر السحاب إلا على ما يفوح منها من الروائح الطيبة فكيف ظنك بابن كريمة يعني نفسه تحسن إليه وله لسان فصيح وقدرة على الثناء أي أنه لا يترك شكرك والثناء

هذه القصيدة بشرح الواحدي، والعكبري

أبيات مشهورة منها(٦)
التعليقات(٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.