١مَنِ الجَآذِرُ في زِيِّ الأَعاريبِ
حُمرَ الحُلى وَالمَطايا وَالجَلابيبِ
الواحدي: يقول من هؤلاء النسوة اللاتي كأ، هن أولاد بقر في حسن عيونهن وزيها زي الأعراب كأنه قال أرى جآذر في زي الأعراب فمن هن ثم ذكر أنهن متحليات بالذهب الأحمر رواكب غبل حمر الألوان لابسات جلابيب حمرا يعني أنهن بنات ملوكٍ وإنهن شواب وهذا كقوله أيضا، ظعائن حمر الحلي حمر الأيانق، والحلي جمع حلية ويقال حلى بالضم أيضا
العكبري: الْغَرِيب الجآذر جمع جؤذر وَهُوَ ولد الْبَقَرَة الوحشية والأعاريب جمع عرب يُقَال عرب وأعرب وأعاريب وَكله اسْم جنس وَلَيْسَ الْأَعْرَاب جمعا لعرب كالأنباط جمعا لنبط وَإِنَّمَا الْعَرَب والأعراب اسْما جنس وَأول من تكلم بِالْعَرَبِيَّةِ يعرب بن قحطان والجلابيب الملاحف وَالْوَاحد جِلْبَاب قَالَت امْرَأَة من هُذَيْل ترثى قَتِيلا (تَمْشِى النُّسُورُ إلَيْهِ وَهْى لاهيَةٌ ... مَشْىَ العَذَارَى عَلَيْهِنَّ الجَلابيبُ ... ) الْإِعْرَاب من هُوَ سُؤال واستفهام يَقُول من هَذِه النسْوَة اللاتى كأنهن أَوْلَاد بقر الْوَحْش وَهن فى زى الأعاريب وشبههن بالجآذر لحسن عيونهن وَقَوله (حمر الحلى ... ) أى متحليات بِالذَّهَب الْأَحْمَر وحمر المطايا وَهُوَ أحسن ألوان الْإِبِل وحمر الملاحفة يُرِيد أَنَّهُنَّ عَلَيْهِنَّ ثِيَاب الْمُلُوك وَهن شواب وَقيل حمر الحلى جمع حلَّة فَيكون على هَذَا ثيابهن حمر أَو ملاحفهن حمر
٢إِن كُنتَ تَسأَلُ شَكّاً في مَعارِفِها
فَمَن بَلاكَ بِتَسهيدٍ وَتَعذيبِ
الواحدي: يخاطب نفسه يقول إن كنت تستفهم عنهن شكا في معرفتهن فمن سهدك وعذبك يعني انهن تيمنك بحبك حتى صرت مسهدا معذبا وإنما استفهم عنهن لصحة شبههن بالجآذر حتى كأنهن جآذر لا نساء كما قال ذو الرمة، أيا ظبية الوعساء بين جلاجلٍ، وبين النقا آأنت أم أم سالمِ،
العكبري: الْمَعْنى يُخَاطب نَفسه فى الثانى فَقَالَ كَيفَ تسْأَل عَنْهُن وَهن بلونك بالتسهيد والتعذيب وَإِن كنت تسْأَل عَنْهُن فى معرفهن فَمن سهدك وعذبك حَتَّى صرت متيما وَإِنَّمَا استفهم لما رآهن جآذر لَا نسَاء استفهم عَن الجآذر كَمَا قَالَ ذُو الرمة (أيا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بينَ جَلاجِلٍ ... وبينَ النَّقا آأنْتِ أمْ أُمُّ سالِم ... )
٣لا تَجزِني بِضَناً بي بَعدَها بَقَرٌ
تَجزي دُموعِيَ مَسكوباً بِمَسكوبِ
الواحدي: عني بالبقر هؤلاء النسوة يقول لا جزينني بإن يضنين بعدي ويورثهن الفراق الضني بحبي كما يجزين دموعي بالبكاء ويبكين على فراقي وهذا على سبيل الدعاء والمعنى لا ضنيت كما ضنيت بعدها وإن قد جرت دموعهن كما جرت دموعي وقوله بضني بي بعدها أي بالضني الذي حصل بي بعدهن
العكبري: الْإِعْرَاب تجزنى مجزوم بِالدُّعَاءِ وَهُوَ بِلَفْظ النهى فَحكمه فى الْجَزْم حكم النهى كَقَوْل الآخر (فَلا تَشْلَلْ يَدٌ فَتَكَتْ بعَمْرٍ و ... فإنَّكَ لَنْ تَذِلّ ولَنْ تُضَاما ... ) وَقَوله بعْدهَا أى بعد فراقها فَحذف الْمُضَاف وَقَوله بى صفة لضنى وَالْيَاء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف تَقْدِيره وَاقع أَو كَائِن وَبعد يحْتَمل انتصابه على وَجْهَيْن لَا يجوز إِعْمَال الْمصدر الذى هُوَ ضنى وإعمال الْبَاء الَّتِى فى بى لِأَن الظّرْف وحرف الْخَفْض إِذا تعلقا بِمَحْذُوف عملا فى الظّرْف وفى الْحَال كَقَوْلِك زيد فى الدَّار الْيَوْم وَهُوَ عِنْد جَعْفَر غَدا وَالْهَاء فى بعْدهَا رَاجِعَة إِلَى قَوْله بقر وَإِن كَانَت مُتَأَخِّرَة وَجَاز ذَلِك لِأَنَّهَا فَاعل وَالْفَاعِل رتبته التَّقْدِيم فَإِذا أخر جَازَ تَقْدِيم الضَّمِير الْعَائِد عَلَيْهِ لِأَن النِّيَّة بِهِ التَّقْدِيم وَمثله ﴿فأوجس فِي نَفسه خيفة مُوسَى﴾ وفى الْكَلَام حذف تَقْدِيره لَا تجزنى بضنى بى ضنى يَقع بهَا فَحذف ذَلِك للْعلم وَقَوله مسكوبا لَا يجوز أَن ينصب حَالا من دموعى لِأَن الْوَاحِد الْمَذْكُور لَا يكون حَالا من جمَاعَة لَا يُقَال طلعت الْخَيل مترادفا وَلَكِن مترادفة وَلَو قلت مترادفات كَانَ أحسن كَمَا جَاءَ فى الْقُرْآن ﴿إِلَى الطير فَوْقهم صافات﴾ وَلَو قَالَ مسكوبة لجَاز أَن يكون حَالا وَإِذا لم ينْتَصب على الْحَال نصب على الْبَدَل من الدُّمُوع كَأَنَّهُ قَالَ تجزى دموعى مسكوبا مِنْهَا بمسكوب من دموعها فَحذف الجارين والمجرورين وَإِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى تَقْدِير مِنْهَا لِأَن بدل الْبَعْض وَبدل الاشتمال لابد أَن يتَّصل بهما ضمير يعود على الْمُبدل مِنْهُ كَقَوْلِك ضربت زيدا رَأسه وأعجبنى زيد علمه وَمن بدل الاشتمال الْمَحْذُوف الضَّمِير مِنْهُ قَول الْأَعْشَى (لقَدْ كانَ فِى حَوْلٍ ثواءٍ ثويتُه ... تَقَضِّ لُبانات ويُسأم سائم ... ) الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهُنَّ لَا ينالهن بعدى ضنى يورثهن الْفِرَاق بعدى الضنى فَهُوَ يَدْعُو لَهُنَّ وَيَقُول (لَا ضنيت هَذِه الْبَقَرَة وَهن النِّسَاء كَمَا ضنيت وَلَا جرت دُمُوعهنَّ كَمَا جرت دموعى ... ) لِأَنَّهُ بَكَى عِنْد الْفِرَاق فبكين فجزين دمعه بدمع فَدَعَا لَهُنَّ أَن لَا يجزين ضناه بضنى كَمَا جزينه بالدمع دمعا وَقد اسْتَوْفَيْنَا فى هَذَا الْبَيْت الْإِعْرَاب وَالْمعْنَى مَا لم يَأْتِ بِهِ أحد من الشُّرَّاح كَامِلا
٤سَوائِرٌ رُبَّما سارَت هَوادِجُها
مَنيعَةً بَينَ مَطعونٍ وَمَضروبِ
الواحدي: يذكر أنهن في منعة وعز فمن يعرض لهن طعن أو ضرب
العكبري: الْإِعْرَاب - سوائر خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف يُرِيد هن سوائر منيعة حَال والظرف مُتَعَلق بِهِ الْغَرِيب الهوادج جمع هودج وَهُوَ مركب النِّسَاء على الْإِبِل الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهُنَّ سائرات عزيزات ممنوعات بالطعن وَالضَّرْب فَلَا يُوصل إلَيْهِنَّ قَالَ (وَرُبمَا وخدت ... الخ ... )
٥وَرُبَّما وَخَدَت أَيدي المَطيِّ بِها
عَلى نَجيعٍ مِنَ الفُرسانِ مَصبوبِ
الواحدي: يقول ربما سارت بهن مطاياهن على دمٍ مصبوبٍ من الفرسان يريد أنهن ممنوعات دونهن ضراب وطعان وقتلٌ
العكبري: الْغَرِيب الوخد ضرب من السّير قيل هُوَ سير لين وَبعده الزميل وَبعده الإعناق وَبعده النَّص وَقيل غير ذَلِك الْمَعْنى يُرِيد لعزتهن ومنعتهن فَلَا تسير مطاياهن إِلَّا على دم مصبوب من الفرسان لِأَن دونهن ضرابا وطعانا وقتلا
٦كَم زَورَةٍ لَكَ في الأَعرابِ خافِيَةٍ
أَدهى وَقَد رَقَدوا مِن زَورَةِ الذيبِ
الواحدي: يصف شجاعته في زيارة الحبائب وقلة مبالاته بمن يحفظن من ذوي الغيرة عليهن يقول كم قد زرتهن زيارةً لم يعلم بهم أحد كزيارة الذئب الغنم على غفلةٍ من الراعي يقع فيما بينها ويذهر ببعضها وإنما يخاطب نفسه بهذا
العكبري: الْإِعْرَاب أدهى يُرِيد أدهى من زورة الذِّئْب ففصل بِالْجُمْلَةِ وَلَيْسَ هَذَا بممتنع لِأَن الْوَاو وَمَا بعْدهَا فى مَوضِع نصب بأدهى فَلم يفصل بأجنبى وَإِذا جَازَ تَقْدِيم من على الْفِعْل كَانَ الْفَصْل بِغَيْر الأجنبى أجوز وخافية بِمَعْنى خُفْيَة الْمَعْنى أَنه يُخَاطب نَفسه ويذكرها شجاعته وَيَقُول كم قد زرتهن زِيَارَة لم يعلم بهَا أحد كزيارة الذِّئْب الْغنم والحافظون لَهُنَّ قد رقدوا فَوَقَعت بِهن كَمَا يَقع الذِّئْب بالغنم والراعى رَاقِد وزورة الذِّئْب تضرب مثلا فى الْخبث قَالَ (أزورهم وَسَوَاد الخ ... )
٧أَزورُهُم وَسَوادُ اللَيلِ يَشفَعُ لي
وَأَنثَني وَبَياضُ الصُبحِ يُغري بي
الواحدي: جمع في هذا البيت بين خمس مطابقات الزيارة والانثناء وهو الانصراف والسواد والبياض والليل والصبح والشفاعة والأغراء ولي وبي ومعنى المطابقة في الشعر الجمع بين المتضادين يقول أزورهم والليل لي شفيع لأنه يسترني عنهم وعند الأنصراف يشهرني الصبح وكأنه يغريهم بي حيث يريهم مكاني
العكبري: قَالَ صَاحب الْيَتِيمَة هَذَا الْبَيْت أَمِير شعره وَفِيه تطبيق بديع // وَلَفظ حسن // وَمعنى بديع جيد وَهَذَا الْبَيْت قد جمع بَين الزِّيَارَة والانثناء والانصراف وَبَين السوَاد وَالْبَيَاض وَاللَّيْل وَالصُّبْح والشفاعة والإغراء وَبَين لى وبى وَمعنى الْمُطَابقَة أَن تجمع بَين متضادين كَهَذا وَقد أجمع الحذاق بِمَعْرِِفَة الشّعْر والنقاد أَن لأبى الطّيب نَوَادِر لم تأت فى شعر غَيره وهى مِمَّا تخرق الْعُقُول مِنْهَا هَذَا الْبَيْت وَمِنْهَا (أتَتْهُنَّ المَصَائِبُ غافِلاتٍ ... ) وَمِنْهَا فى كافور (فجاءَتْ بِنا إنْسانَ عينِ زَمانِه ... ) مَا مدح أسود بِأَحْسَن من هَذَا وَمِنْهَا (فَذِى الدارُ أخَوَنُ مِن مُومِس ... ) والذى بعده
٨قَد وافَقوا الوَحشَ في سُكنى مَراتِعِها
وَخالَفوها بِتَقويضٍ وَتَطنيبِ
الواحدي: يقول هؤلاء الأعراب كالوحوش في أنهم سكنوا مراتعها من البدو غير أن لهؤلاء خياما يقوضونها ويطنبونها ولا خيام للوحوش والتقويض حط البيت
٩جِيرانُها وَهُمُ شَرُّ الجِوارِ لَها
وَصَحبُها وَهُمُ شَرُّ الأَصاحيبِ
الواحدي: يقول هم جيران الوحوش غير أنهم شر المجاورين لها وأراد بالجوار المجاورين سماهم بإسم المصدر وأراد أنهم يسيئون الجوار مع الوحش لأنهم يصيدونها ويذبحونها وقال ابن جنى أراد هم شر أهل الجوار لها فحذف المضاف والأول الوجه
العكبري: الْإِعْرَاب الْجوَار لَهَا المجاورين سماهم باسم الْمصدر الْغَرِيب الأصاحيب جمع أَصْحَاب وَأَصْحَاب جمع أصحب وَجمعه أَصْحَاب أَيْضا الْمَعْنى يَقُول هم جيران الوحوش وهم شَرّ المجاورين أَو شَرّ أهل الْجوَار كَمَا قَالَه ابْن جنى حذف الْمُضَاف لأَنهم يصيدونها ويذبحونها قَالَ (فؤاد كل محب ... الخ ... )
١٠فُؤادُ كُلِّ مُحِبٍّ في بُيوتِهِمِ
وَمالُ كُلِّ أَخيذِ المالِ مَحروبِ
الواحدي: يعني أن فيهم الجمال والشجاعة ونساؤهم بينهن القلوب ورجالهم ينهبون الأموال والمحروب الذي أخذت حريبته أي ماله
العكبري: الْغَرِيب المحروب الذى ذهبت حريبته والحريبة المَال الْمَعْنى يُرِيد أَن فيهم الْجمال والشجاعة فنساؤهم ينهبن الْقُلُوب ورجالهم ينهبون الْأَمْوَال وَقَالَ الْخَطِيب ملكوا قُلُوب الرِّجَال وأموال الْأَعْدَاء
١١ما أَوجُهُ الحَضَرِ المُستَحسَناتُ بِهِ
كَأَوجُهِ البَدَوِيّاتِ الرَعابيبِ
الواحدي: الرعبوبة المرأة التارة السمينة يفضل نساء البدو على نساء الحضر يقول الأوجه المستحسنات بالحضر ليست كاوجه نساء البدو ثم ذكر العلة في البيت الثاني فقال
العكبري: الْغَرِيب الرعابيب جمع رعبوبة وهى الْمَرْأَة الممتلئة الْبَيْضَاء الْمَعْنى يُرِيد أَن نسَاء الْعَرَب البدويات أحسن من نسَاء الْحَضَر ثمَّ بَين الْعلَّة بقوله (حسن الحضارة ... الخ ... )
١٢حُسنُ الحَضارَةِ مَجلوبٌ بِتَطرِيَةٍ
وَفي البَداوَةِ حُسنٌ غَيرُ مَجلوبِ
الواحدي: الحضارة الكون في الحضر والبداوة الكون في البدو وأراد حسن أهل الحضارة فحذف المضاف يقول حسنهم متكلف مجلوب بالاحتيال وحسن البدويات طبع طبعن عليه ثم ذكر لهن مثلا من الظباء والمعز
العكبري: الْغَرِيب الحضارة قَالَ الأصمعى الحضارة والبداوة بِالْفَتْح وَقَالَ أَبُو يزِيد بِالْكَسْرِ والحضارة الْإِقَامَة فى الْحَضَر والبداوة الْإِقَامَة فى البدو وَالْمرَاد حسن أهل الحضارة وَأهل البداوة فَحذف الْمُضَاف الْمَعْنى يَقُول حسن الحضريات مجلوب بالاحتيال وَحسن البدويات طبع طبعن عَلَيْهِ ثمَّ ذكر لَهُنَّ مثلا فَقَالَ (أَيْن المعيز من الآرام ... الخ ... )
١٣أَينَ المَعيزُ مِنَ الآرامِ ناظِرَةً
وَغَيرَ ناظِرَةٍ في الحُسنِ وَالطيبِ
الواحدي: المعيز اسم لجماعة المعز كالكليب والعبيد جعل نساء الحضر كالمعز ونساء البدو كالظباء يقول أين يقع المعيز من الظباء في الحسن والطيب ناظراتٍ وغير ناظراتٍ أي الظباء أحسن منها عيوناً وغيرها من سائر الأعضاء
العكبري: الْإِعْرَاب ناظرة نصب على التَّمْيِيز وَلَيْسَت اسْم فَاعل وَالتَّقْدِير من الآرام عيُونا وَيجوز أَن يكون حَالا وَيكون اسْم فَاعل وَذَلِكَ فى حَال نظرهن وامتداد أعناقهن كَمَا قَالَ الأصمعى إِذا ذكر الشَّاعِر الْبَقر فَإِنَّمَا يُرِيد حسن الْعُيُون وَإِذا ذكر الظباء فَإِنَّمَا يُرِيد الْأَعْنَاق وَمن الآرام مُتَعَلق بِمَحْذُوف تَقْدِيره أَيْن المعيز من حسن الآرام وَكَذَلِكَ فى الْحسن مُتَعَلق بِمَحْذُوف تَقْدِيره بعد مَا بَينهمَا فى الْحسن وَالطّيب الْغَرِيب المعيز اسْم للمعزى وَهُوَ خلاف الضَّأْن وَهُوَ اسْم جنس تَقول الْمعز والمعيز والأمعوز وَوَاحِد الْمعز مَا عز مثل صَاحب وصحيب وَالْأُنْثَى مَا عزة وهى العنز وَالْجمع مواعز والمعز بِالْفَتْح والمعز بِسُكُون الْعين لُغَتَانِ فصيحتان قَرَأَ أهل الْكُوفَة وَنَافِع بِسُكُون الْعين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ معزى منون مَصْرُوف لِأَن الْألف للإلحاق لَا للتأنيث وَهُوَ مُلْحق بدرهم على فعلل لِأَن الْألف الملحقة تجرى مجْرى مَا هُوَ من نفس الْكَلِمَة يدل على ذَلِك قَوْلهم معيز وأريط فى تَصْغِير معزى وأرطى فى قَول من نوان فكسروا مَا بعد يَاء التصغير كَمَا قَالُوا دريهم وَلَو كَانَت للتأنيث لم يقلبوا الْألف يَاء كَمَا لم يقلبوها فى تَصْغِير حُبْلَى وَأُخْرَى وَقَالَ الْفراء المعزى مُؤَنّثَة وَقَالَ بَعضهم مذكرة وَحكى أَبُو عبيد أَن الْعَرَب كلهَا تنون المعزى فى النكرَة الْمَعْنى أَنه جعل نسَاء الْعَرَب كالظباء وَنسَاء الْحَضَر كالمعز يُرِيد أَيْن موقع الْمعز من الظباء الظباء أحسن عيُونا وأعضاء
١٤أَفدي ظِباءَ فَلاةٍ ماعَرَفنَ بِها
مَضغَ الكَلامِ وَلا صَبغَ الحَواجيبِ
الواحدي: أراد بظباء الفلاة النساء العربيات وإنهن فصيحات لا يمضغن الكلام ولا يصبغن حواجبهن كعادة الحضريات
١٥وَلا بَرَزنَ مِنَ الحَمّامِ ماثِلَةً
أَوراكُهُنَّ صَقيلاتِ العَراقيبِ
الواحدي: أراد حسنهن من غير تصنع ولا تطريةٍ بدخول الحمام وصقل العرقوب
١٦وَمِن هَوى كُلِّ مَن لَيسَت مُمَوَّهَةً
تَرَكتُ لَونَ مَشيبي غَيرَ مَخضوبِ
الواحدي: التمويه شبه التلبيس يقول من حبي كل امرأةٍ لا تموه حسنها بتكلف وتعمل لم أخضب شيبي يعني أنهن ما موهن حسنهن فلم أموه أيضا شيبي
١٧وَمِن هَوى الصِدقِ في قَولي وَعادَتِهِ
رَغِبتُ عَن شَعَرٍ في الرَأسِ مَكذوبِ
الواحدي: يقول من حبي الصدق في كل شيء تركت الشعر المكذوب في وجهي وهي الذي سود الخضاب فهو شعر مكذوب فيه والضمير في وعادته يعود إلى الصدق
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فى عَادَته رَاجع إِلَى الصدْق وَمن هوى مُتَعَلق مثل الأول برغبت الْمَعْنى يُرِيد أَنه من حبى الصدْق فى كل شئ تركت الشّعْر المكذوب فى وجهى وَهُوَ الذى اسود بالخضاب
١٨لَيتَ الحَوادِثَ باعَتني الَّذي أَخَذَت
مِنّي بِحِلمي الَّذي أَعطَت وَتَجريبي
الواحدي: يقول الحوادث أخذت مني الشباب وأعطتني الحلم والتجربة فليتها باعت ما أخذت مني بما أعطت وهذا من قول عليّ بن جبلة، وأرى الليالي ما طوت من قوتي، زادته في عقلي وفي إفهامي، وقول ابن المعتز، وما ينتقص من شباب الرجالِ، يزد في نهاها وألبابها،
العكبري: الْغَرِيب الْحَوَادِث جمع حَادِثَة وهى مَا يحدث الزَّمَان من النوائب الْمَعْنى يَقُول إِن الْحَوَادِث أخذت منى شبابى وأعطتنى الْحلم والتجربة فليتها أَعْطَتْ مَا أخذت منى بِمَا أَعْطَتْ وَهُوَ من قَول على بن جبلة (وأرَى اللَّيالى مَا طَوَتْ مِنْ قُوّتى ... زادَتْهُ فى عَقْلى وفى أفْهامى ... ) وَقَول ابْن المعتز (وَمَا يُنْتَقَصُ مِنْ شَبابِ الرّجالِ ... يَزِدْ فى نُهاها وألْبابها ... )
١٩فَما الحَداثَةُ مِن حِلمٍ بِمانِعَةٍ
قَد يوجَدُ الحِلمُ في الشُبّانِ وَالشيبِ
الواحدي: يريد أنه كان قبل تحليم الحوادث أياه حليما وإن الحداثة لا تمنع من الحلم فقد يكون الشاب حليما كما قال أبو تمام، حلمتني زعمتم وأراني، قبل هذا التحليم كنتُ حليما،
العكبري: الْغَرِيب الحداثة يُرِيد الشَّبَاب وحداثة السن الْمَعْنى يَقُول قد كنت قبل تحليم الْحَوَادِث حَلِيمًا فَإِن الشَّبَاب لَا يمْنَع من الْحلم فقد يكون الشَّاب حَلِيمًا كَمَا قَالَ حبيب (حَلَّمَتنى زَعَمْتُمُ وأُرَانى ... قبلَ هَذَا التَّحليم كنتُ حَليما ... )
٢٠تَرَعرَعَ المَلِكُ الأُستاذُ مُكتَهِلاً
قَبلَ اِكتِهالٍ أَديباً قَبلَ تَأديبِ
الواحدي: هذا تأكيد للذي قبله يريد أنه شب وارتفع مكتهلا أي في حلب الكهول قبل أن يكتهل وأديبا قبل أن يؤدب يعني أنه نشأ على طبع الحلم والأدب ولم يستفدهما من مر الليالي
العكبري: الْغَرِيب الْأُسْتَاذ كلمة لَيست بعربية وَإِنَّمَا تقال لصَاحب صناعَة كالفقيه والمقرئ والمعلم وهى لُغَة أهل الْعرَاق وَلم أَجدهَا فى كَلَام الْعَرَب وَأهل الشَّام والجزيرة يسمون الخصى أستاذا الْمَعْنى هُوَ الذى ذكره قبل هَذَا فى معنى الْحلم وَالْعقل جعل هَذَا تَأْكِيدًا لذَلِك وَالْمعْنَى يُرِيد أَن كافورا شب وارتفع مكتهلا فى حلم الكهول قبل أَن يكتهل وأدبيا قبل أَن يُؤَدب يعْنى أَنه طبع على الْحلم وَالْأَدب وَلم يستفدهما من مر الليالى
٢١مُجَرَّباً فَهَماً مِن قَبلِ تَجرِبَةٍ
مُهَذَّباً كَرَماً مِن غَيرِ تَهذيبِ
الواحدي: أي ترعرع مجربا قبل ان يجرب لما طبع عليه من الفهم ومهذبا قبل أن يهذب بما طبع عليه من الكرم ونصب فهما وكرما على المصدر كأنه قال فهم فهما وكرم كرما ويجوز أن ينتصب على المفعول لهما
العكبري: الْإِعْرَاب مجربا ومهذبا حالان وفهما وكرما مصدران وَيجوز أَن ينتصبا على الْمَفْعُول لَهُ الْمَعْنى يَقُول ترعرع وشب مجربا قبل أَن يجرب لما طبع عَلَيْهِ من الْفَهم ومهذبا قبل أَن يهذب بِمَا طبع عَلَيْهِ من الْكَرم
٢٢حَتّى أَصابَ مِنَ الدُنيا نِهايَتَها
وَهَمُّهُ في اِبتِداءاتٍ وَتَشبيبِ
الواحدي: يقول أصاب نهاية الدنيا وهي الملك لأن لا شيء في الدنيا فوق الملك ولم يبلغ بعد نهاية همته فهمته مع إصابته الملك في ابتدائها وأول أمرها ومعنى التشبيب ذكر أيام الشباب واللهو والغزل وذلك يكون في ابتداء قصائد الشعر يبدأ به أولا هذا هو الأصل ثم يسمي ابتداء كل أمر تشبيبا وإن لم يكن في ذكر الشباب
العكبري: الْغَرِيب التشبيب ذكر أَيَّام الشَّبَاب وَاللَّهْو والغزل وَهُوَ يكون فى ابْتِدَاء قصائد الشُّعَرَاء هَذَا هُوَ الأَصْل ثمَّ سمى ابْتِدَاء كل أَمر تشبيبا وَإِن لم يكن فِيهِ ذكر أَيَّام الشَّبَاب الْمَعْنى يَقُول أصَاب كافور نِهَايَة الدُّنْيَا وَهُوَ الْملك لِأَنَّهُ لَا شئ إِلَّا وَالْملك فَوْقه وَلم يبلغ بعد نِهَايَة همته وهمته مَعَ إِصَابَة الْملك فى ابتدائها وَأول أمرهَا فهمته عالية لَا يقنعها شئ لشرفها
٢٣يُدَبِّرُ المُلكَ مِن مِصرٍ إِلى عَدَنٍ
إِلى العِراقِ فَأَرضِ الرومِ فَالنُوَبِ
الواحدي: يريد فسحة رقعة ملكه وسعة ولايته وأن تدبير المملكة في هذه البلاد على تباعد اطرافها إليه
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد سَعَة ملكه وولايته وَأَنه يدبر هَذِه المملكة على تبَاعد مَا بَينهَا وَبَين مصر وعدن وهى مَدِينَة بِالْيمن على ثَلَاثَة أشهر وَبَين عدن وَبَين الْعرَاق ثَلَاثَة أشهر وَبَين مصر وَأول بِلَاد الرّوم شَهْرَان وَبَين مصر وَبَين أَرض النّوبَة ثَلَاثَة أشهر فَكَانَ يدبر هَذَا على سعته وَلم يملكهُ كافور وَلَا أستاذه وَإِنَّمَا ملك كافور مصر وأعمالها والذى ذكره أَبُو الطّيب لم يملكهُ وَمَا تامر فِيهِ سوى الْملك الْكَامِل أَبى المعالى مُحَمَّد بن أَبى بكر بن أَيُّوب فَإِنَّهُ ملك الْيمن كُله وَملك مصر وأعمالها وَالشَّام وأعمالها وخطب لَهُ بالموصل وَهُوَ أول أَعمال الْعرَاق وَكَانَ أمره فِيهَا ويدبرها وَملك آمد وهى أول أَعمال الرّوم
٢٤إِذا أَتَتها الرِياحُ النُكبُ مِن بَلَدٍ
فَما تَهُبُّ بِها إِلّا بِتَرتيبِ
الواحدي: النكب جمع نكباء وهي العادلة عن المهب إلى غير استواء يقول إذا أتت بلاده رياح غير مستوية الهبوب لم تهب بها إلا بترتيب من جهة الرياح نفسها إعظاما له أو بترتيب من جهة الممدوح إياها لأنها مطيعة له والأول قول أبن جنى والثاني قول أبن فورجة
العكبري: الْغَرِيب النكب جمع نكباء وهى الرّيح تهب فى غير اسْتِوَاء هى العادلة عَن المهب الْمَعْنى يَقُول هَذِه الرّيح إِذا هبت بِغَيْر بِلَاده هبت غير مستوية فَإِذا أَتَت بِلَاده لم تهب إِلَّا باستواء وترتيب إعظاما لَهُ وَقَالَ الْخَطِيب يعظم أمره وسياسته وَلم يرد الرِّيَاح بِعَينهَا بل يُرِيد أَن النَّاس لَهُ هائبون حَتَّى الرِّيَاح إِذا هبت هبت بترتيب واستواء هَيْبَة لَهُ
٢٥وَلا تُجاوِزُها شَمسٌ إِذا شَرَقَت
إِلّا وَمِنهُ لَها إِذنٌ بِتَغريبِ
العكبري: الْغَرِيب شَرقَتْ الشَّمْس إِذا طلعت وأشرقت إِذا اسْتَوَت وأضاءت وتجاوزها الضَّمِير لمصر
٢٦يُصَرِّفُ الأَمرَ فيها طينُ خاتِمِهِ
وَلَو تَطَلَّسَ مِنهُ كُلُّ مَكتوبِ
الواحدي: يقول أمره مطاع ومثاله في هذه البلاد يؤتمر أمره بمكتوب يكتبه ويختمه بطين وإن انمحى المكتوب يراعى حكمه إعظاما له
٢٧يَحِطَّ كُلَّ طَويلِ الرُمحِ حامِلُهُ
مِن سَرجِ كُلِّ طَويلِ الباعِ يَعبوبِ
الواحدي: يحط ينزل ويضع واليعبوب الفرس الكثير الجري يقول حامل خاتمه ينزل الفارس الطويل الرمح من سرج الفرس وذلك أن الفارس إذا رأى خاتمه سجد له فينزل من فرسه ولم يعرف أبن جنى معنى هذا فقال مرة يقول يقتل حامل خاتمه كل فارس فيذريه عن سرج فرسه وقال مرة يحط حامل خاتمه أعداءه عن سروجهم وليس البيت من القتل ولا من إنزال الأعداء في شيء
العكبري: الْإِعْرَاب حامله فَاعل يحط وَالضَّمِير فى حامله يرجع على الْخَاتم الْغَرِيب اليعبوب الْفرس السَّرِيع الجرى ويحط ينزل الْمَعْنى يَقُول إِن خَاتمه إِذا رَآهُ مَعَ حامله الْفَارِس الطَّوِيل الرمْح البطل نزل من سرج فرسه وخر لَهُ سَاجِدا قَالَ الواحدى لم يعرف ابْن جنى هَذَا فَقَالَ مرّة يقتل حَامِل خَاتمه كل فَارس فينزله عَن سرج فرسه وَمرَّة يحط حَامِل كِتَابه أعداءه عَن سروجهم وَلَيْسَ الْبَيْت من الْقَتْل وَلَا من إِنْزَال الْأَعْدَاء فى شئ وَالْمعْنَى يُرِيد نَفاذ أمره واتساع قدرته وَقَالَ ابْن القطاع حامله الْهَاء يعود على كافور أى إِذا رَآهُ الْأَبْطَال انحطوا
٢٨كَأَنَّ كُلَّ سُؤالٍ في مَسامِعِهِ
قَميصُ يوسُفَ في أَجفانِ يَعقوبِ
الواحدي: يعني أنه يفرح إذا سمع سؤال السائل فرح يعقوب لما رأى قميص يوسف
العكبري: الْمَعْنى قَالَ الواحدى يفرح إِذا سمع بسؤال السَّائِل فَرح يَعْقُوب بقميص يُوسُف كرما وسخاء وَقيل يسمع كل سُؤال وَلَا يغْفل عَنهُ فالسؤال يفتح سَمعه
٢٩إِذا غَزَتهُ أَعاديهِ بِمَسأَلَةٍ
فَقَد غَزَتهُ بِجَيشٍ غَيرِ مَغلوبِ
الواحدي: إذا قصدته الأعداء بالسؤال فقد قصدته بجيش لا يغلب لأنه لا يرد السائل
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد إِذا غزته بالسؤال فقد غزته بِجَيْش لَا يغلب لِأَنَّهُ لَا يرد السَّائِل وَهَذَا البيتان من أحسن الْكَلَام وأظرفه وَمن أحسن الْمعَانى
٣٠أَو حارَبَتهُ فَما تَنجو بِتَقدِمَةٍ
مِمّا أَرادَ وَلا تَنجو بِتَجبيبِ
الواحدي: وإن أتوه محاربين لم ينجوا من إرادته فيهم بالإقدام ولا بالهرب ولا بالشجاعة ولا بالجبن والتقدمة مثل التقديم يريد أن قدموا خيلهم واستعملوا الشجاعة والتجبيب أن تولى الرجل هاربا من الشيء
٣١أَضرَت شَجاعَتُهُ أَقصى كَتائِبِهِ
عَلى الحِمامِ فَما مَوتٌ بِمَرهوبِ
الواحدي: يقول عود أصحابه المحاربة ومرنهم على الموت وليس الموت عندهم بمرهوب لأنهم تعودوا الحرب والقتال ويريد بأقصى كتائبه الجبناء الذين لا يشهدون القتال ويقال ضرى بالشيء إذا اعتاده ومنه قيل كلب ضار وأضريته على كذا
العكبري: الْغَرِيب أَضرت عودت وألزمت وَيُرِيد بأقصى كِتَابه الْجُبَنَاء الْمَعْنى يَقُول عود أَصْحَابه الْمُحَاربَة ودربهم على الْمَوْت فَلَا يخَافُونَ الْمَوْت لأَنهم قد تعودوا الْقِتَال وضرى بالشئ اعتاده وَمِنْه كلب ضار
٣٢قالوا هَجَرتَ إِلَيهِ الغَيثَ قُلتُ لَهُم
إِلى غُيوثِ يَدَيهِ وَالشَآبيبِ
الواحدي: الشؤبوب الدفعة من المطر الشديدة وجمعه شآبيب قال أبن جنى يقول تركت القليل من ندى غيره إلى الكثير من نداه قال أبن فورجة هذا محتمل لكنه أراد أن مصر لا تمطر فيقول لا منى الناس في هجري بلاد الغيث فقلت تعوضت عنها غيوث يديه
العكبري: الْغَرِيب الشآبيب جمع شؤبوب وهى الدفعة من الْمَطَر الشَّديد الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى يَقُول تركت الْقَلِيل من ندى غَيره إِلَى الْكثير من نداه قَالَ ابْن فورجة هَذَا مُحْتَمل لكنه أَرَادَ أَن مصر لَا تمطر فَقَالَ لامنى النَّاس فى هجرى بِلَاد الْغَيْث فقد تعوضت عَنْهَا غيوث يَدَيْهِ وَقَالَ غَيره هَذَا يعرض بِسيف الدولة غيثا وَجعله غيوثا
٣٣وَلا يَروعُ بِمَغدورٍ بِهِ أَحَداً
وَلا يُفَزِّعُ مَوفوراً بِمَنكوبِ
الواحدي: يقول لا يغدر بأحد من أصحابه ليروع به غيره ولا ينكب أحدا بظلم وأخذ مال ليفزع به موفورا وهو الذي لم يؤخذ ماله أي أنه حسن السيرة في رعيته لا يفزع بالإساءة إلى أحد منهم آخر غيره
العكبري: الْغَرِيب راعه يروعه إِذا خَوفه والموفور الذى لم يصب فى مَاله وَلم يُؤْخَذ مِنْهُ شئ والمنكوب الذى أَصَابَته نكبة فى مَاله أَو عزة الْمَعْنى يَقُول لَا يغدر بِأحد من أَصْحَابه ليروع بِهِ أحدا غَيره وَلَا ينكب أحدا بظُلْم وَأخذ مَال ليفزع بِهِ موفورا لم يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا يُرِيد أَنه حسن السِّيرَة فى رَعيته لَا يظلم أحدا بِحَال
٣٤بَلى يَروعُ بِذي جَيشٍ يُجَدِّلُهُ
ذا مِثلِهِ في أَحَمِّ النَقعِ غِربيبِ
الواحدي: الأحم والغربيب الأسود يقول بلى يخوف بصاحب جيش يصرعه على الجدالة بأن يقتله في غبار أسود آخر مثله ذا قوة وكثرة ليعتبر به فيخافه ويطيعه والمعنى أنه إذا رآه ملك وقد صنع بملك آخر ما صنع هابه وحذر خلافه
العكبري: الْإِعْرَاب ذَا مثله صفة لمَحْذُوف تَقْدِيره يروع ذَا جَيش مثله أى مثل جَيْشه وبلى حرف يَقع جَوَابا بعد النفى فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يروع بمغدور وَلَا يفزع ثمَّ أضْرب عَن ذَلِك وَقَالَ بلَى وهى حرف ممال لمشابهته الْأَفْعَال بِعَدَد حُرُوفه وأماله حَمْزَة والكسائى وفى رِوَايَة أَبى بكر عَن عَاصِم الْغَرِيب يجد لَهُ يصرعه وَيُلْقِيه على الجدالة وهى وَجه الأَرْض والأحم الْأسود وَكَذَلِكَ الغربيب وَالنَّقْع الْغُبَار الْمَعْنى يُرِيد إِنَّمَا يخوف صَاحب جَيش مثل جَيْشه فيصرعه ذَا قُوَّة وَكَثْرَة ليعتبر بِهِ غَيره فيخافه ويطيعه وَقَالَ ابْن جنى إِذا رَآهُ ملك وَقد صنع بِملك آخر مَا صنع فَإِنَّهُ يخافه ويحذره
٣٥وَجَدتُ أَنفَعَ مالٍ كُنتُ أَذخَرُهُ
ما في السَوابِقِ مِن جَريٍ وَتَقريبِ
الواحدي: جعل جري الخيل أنفع مال كان يدخره لأنها حملته إلى الممدوح وأخرجته من بين الغادرين به وقد ذكر ذلك فيما بعد فقال
العكبري: الْغَرِيب السوابق جمع سَابق وهى الْخَيل والتقريب ضرب من عَدو الْخَيل قرب الْفرس إِذا رفع يَدَيْهِ معاو وضعهما مَعًا فى الْعَدو وَهُوَ دون الْحَضَر وَله تقريبان أَعلَى وَأدنى الْمَعْنى أَنه جعل جرى الْخَيل وعدوها أَنْفَع مَال ادخره لِأَنَّهَا أخرجته من بَين الغادرين بِهِ إِلَى الممدوح
٣٦لَمّا رَأَينَ صُروفَ الدَهرِ تَغدِرُ بي
وَفَينَ لي وَوَفَت صُمُّ الأَنابيبِ
الواحدي: يقول لما غدر بي الزمان يعني أهل الزمان وفت لي الخيل والرماح أي أوصلتني إلى ما أريد وأراد بصم الأنابيب الرماح
العكبري: الْغَرِيب صم الأنابيب الرماح الْمَعْنى يَقُول لما غدر بى الزَّمَان وفت بى الْخَيل فأوصلتنى إِلَى مَا أُرِيد الْمَعْنى أَنه يشْكر الْخَيل والقنا على إيصاله إِلَى مصر
٣٧فُتنَ المَهالِكِ حَتّى قالَ قائِلُها
ماذا لَقينا مِنَ الجُردِ السَراحيبِ
الواحدي: قال أبن جنى أي ضجت المفاوز من سرعة خيلي ونجاتها وقوتها هذا كلامه وعلى ما قال المهالك المفاوز والمعنى أن خيلنا قطعت المفاوز حتى لو كان لها قائل لقال ماذا لقينا من هذه الخيل في تذليلها إيانا بالوطىء وقطعها البعد في سرعة نجاتها من غوائل الطريق وقال أبن فورجة المهالك إذا أطلقت لم يفهم منها المفاوز وإنما يفهم الأمور المهلكة يعني أن هذه الخيل لم يعلق بها شيء من الهلاك حتى تعجبت المهالك من نجاتها بسلامة منها هذا كلامه وآخر البيت يدل على ما قال أبن جنى ويجوز أن يعود الضمير في القائل إلى السوابق أي قال قائل السوابق يعني الذي يمدحها ويذكر حسن بلائها ماذا لقينا من انجائها إيانا من الأعداء وهذا استفهام تعجب
العكبري: الْغَرِيب الجرد الْخَيل الْمُضْمرَات الَّتِى لَيْسَ عَلَيْهَا شعر والسراحيب جمع سرحوب وهى الْفرس الطَّوِيلَة وتوصف بِهِ الْإِنَاث دون الذُّكُور الْمَعْنى قَالَ بَان جنى ضجت المفاوز وهى المهالك من سرعَة خيلى وقوتها وَقَالَ الواحدى الْمَعْنى أَن خلينا قطعت المفاوز حَتَّى لَو كَانَ لَهَا قَائِل لقَالَ مَاذَا لَقينَا من هَذِه الْخَيل فى تذليلها لنا وقطعها الْبعد فى سرعَة وَقَالَ ابْن فورجة إِذا أطلقت المهالك لم يفهم مِنْهَا المفاوز وَإِنَّمَا تفهم الْأُمُور الْمهْلكَة يعْنى إِن هَذِه الْخَيل لم يعلق بهَا شئ من الْهَلَاك حَتَّى تعجبت المهالك من نجاتها بسلامتها مِنْهَا هَذَا كَلَامه وَآخر الْبَيْت يدل على مَا قَالَ ابْن جنى قَالَ الواحدى وَيجوز أَن يكون الضَّمِير فى الْقَائِل عَائِدًا على السوابق أى قَالَ قَائِل سوابق يعْنى الَّتِى يمدحها وَيَقُول إِنَّهَا تجتنى ماذ لَقينَا وَهَذَا اسْتِفْهَام تعجب
٣٨تَهوي بِمُنجَرِدٍ لَيسَت مَذاهِبُهُ
لِلُبسِ ثَوبٍ وَمَأكولٍ وَمَشروبِ
الواحدي: يقول هذه الخيل تسرع برجل ماض في الأمور ليس مذهبه في صحبة الدهر أن يقنع بملبوس ومطعوم كما قال حاتم، لحى الله صعلوكا مناه وهمه، من الدهر أن يلقى لبوسا ومطعما، وكما قال آخر، وليس فتى الفتيان من راح واغتدى، لضر عدو أو لنفع صديق، وقد شرح هذا المعنى خفاف البرجمي في قوله، ولو أن ما أسعى لنفسي وحدها، لزاد يسير أو ثياب على جلدي، لهان على نفسي وبلغ حاجتي، من المال مال دون بعض الذي عندي، ولكنما أسعى لمجد مؤثل، وكان أبي نال المكارم من جدي، وكلهم احتذى مثال امرىء القيس في قوله، فلو أن يدرك المجد المؤثل أمثالي، ومثل هذا لأبي الطيب أيضا، وفي الناس من يرضى بميسور عيشه، ومركوبه رجلاه والثوب جلده، ومعنى قوله ليست مذاهبه للبس ثوب أي ليست أسفاره لهذا
العكبري: الْغَرِيب المنجرد الرجل الماضى فى الْأُمُور الجاد فِيهَا لَا يردهُ شئ الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْخَيل تسرع بِرَجُل مَاض فى أُمُوره لَيْسَ مذْهبه وهمه إِلَّا فى جمع المعالى لَا يقنع بالملبوس والمأكول كَقَوْل الراجز (وَلَيْسَ فَتى الفِتْيان مَنْ رَاح واغْتَدَى ... لشُرْبِ صَبوح أَو لشُرْب غَبُوقِ ... ) (ولكنْ فَتى الفِتْيان مَنْ رَاح واغتدى ... لضرّ عَدوّ أَو لِنَفْع صدِيقِ ... ) وكقول حَاتِم (لَحَى الله صُعْلُوكا مُناهُ وَهمُّهُ ... مِنَ الدَّهْرِ أَن يَلْقَى لبوسا ومَطْعَما ... ) وَقَالَ خفاف بن إِيمَاء البرمجى (وَلَو أنَّ مَا أسعَى لنَفْسىَ وَحْدَها ... لزادٍ يَسير أَو ثيابٍ على جِلْدِى ... ) (لَهانا عَلى نَفْسىِ وبَلَغ حاجَتِى ... مِن المالِ مالٌ دون بعضِ الذى عندى ... ) (ولكنَّما أسْعَى لمجدٍ مُؤَثَّلٍ ... كأنّ أَبى نالَ المَكارمَ من جدّى ... ) وَكلهمْ تبع امْرأ الْقَيْس فى قَوْله (وَلَو أنَّ مَا أسْعَى لأَدْنى مَعِيشَةٍ ... كفاني وَلم أطلب قَلِيل من المَال) وَقد يُدْرِكُ المجدَ المُؤَثَّل أمُثالى ... ) وَمعنى قَوْله لَيست مذاهبه أى أسفارها لهَذَا
٣٩يَرى النُجومَ بِعَينَي مَن يُحاوِلُها
كَأَنَّها سَلَبٌ في عَينِ مَسلوبِ
الواحدي: يقول إذا نظر إلى النجوم نظر إليها بعين من يطلبها لبعد همته يطمع في درك النجوم حتى كأنها سلبت منه والمسلوب ينظر إلى ما سلب منه نظر من يطمع في رجوعه إليه
٤٠حَتّى وَصَلتُ إِلى نَفسٍ مُحَجَّبَةٍ
تَلقى النُفوسَ بِفَضلٍ غَيرِ مَحجوبِ
الواحدي: الملوك يوصفون بأنهم محجبون عن الناس يقول هو وإن كان محجبا فإن عطاءه قريب عمن طلبه غير محجوب ويجوز أن يريد بالنفس همته وأنها محجبة عن الناس لا يبلغها كل أحد لأنه قال
٤١في جِسمِ أَروَعَ صافي العَقلِ تُضحِكُهُ
خَلائِقُ الناسِ إِضحاكَ الأَعاجيبِ
الواحدي: يريد بالأروع الذكي القلب كأنه مرتاع لذكائه والأروع في غير هذا الذي يروعك حسنه يقول إذا نظر إلى أخلاق الناس ضحك منها هزوأ واستصغارا
٤٢فَالحَمدُ قَبلُ لَهُ وَالحَمدُ بَعدُ لَها
وَلِلقَنا وَلِإِدلاجي وَتَؤويبي
الواحدي: له أي لكافور ولها أي للخيل والإدلاج سير الليل والتأويب سير النهار يقول أحمدك وأحمد خيلي ورماحي وسيري إذ بلغني إليك وهو قوله
٤٣يا أَيُّها المَلِكُ الغاني بِتَسمِيَةٍ
في الشَرقِ وَالغَربِ عَن وَصفٍ وَتَلقيبِ
الواحدي: الغاني المستغني يقال غنى بكذا واستغنى به يقول أنت مشهور الأسم يستغنى بذكر اسمك عن وصفك وذكر لقبك من سماك وهذا كما يروى أن رؤبة بن العجاج أتى النسابة البكري فقال من أنت قال أنا رؤبة بن العجاج فقال قصرت وعرفت فقال رؤبة يفتخر بذلك، قد رفع العجاج إسمي فادعني، بإسمي إذا الأنساب طالت يكفني،
٤٤أَنتَ الحَبيبُ وَلَكِنّي أَعوذُ بِهِ
مِن أَن أَكونَ مُحِبّاً غَيرَ مَحبوبِ
الواحدي: يقول أنت المحبوب أحبك وأعوذ بك من أن لا تحبني لأن أشقى الشقاوة أن تحب من لا يحبك كما قال الأخر، ومن الشقاوة أن تحب ولا يحبك من تحبه
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.