من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
فصل في أحكام الليل والنهار وذم قصرهما عند الوصل وطولهما عند الهجر
والنفار وتمني طول زمن الوصل والرضا
وقصر الهجر وقطعه أسرع من القضا وما تشعب في ذلك بين العشاق وذهبوا كل مذهب على اختلاف الأذواق فمما قال متحمسهم بعد الجهد والغلبة ومرارة الصبر بعد فراق الأحبة:
يا ليل طل أو لا تطلّلا بد لي أن أسهرك
لو بات عندي قمريما بتّ أرعى قمرك
وما ألطف قول بعضهم في طول الليل وهجر المحب:
رقدت ولم ترث للساهروليل المحب بلا آخر
وقال آخر
مات الظلام بليلأحييته حين عسعس
لو كان لليل صبحيعيش كان تنفس
وقال ابن منقذ
لما رأيت النجم ساه طرفهوالقطب قد ألقى عليه ثباتا
وبنات نعش في الحداد سوافرهأيقنت أن صباحهم قد ماتا
وقال بعضهم
وصل الحبيب جنان الخلد أسكنهاوهجره النار يصلينا بها النارا
فالشمس بالقوس أمست وهي نازلةإن لم يزرني وبالجوزاء إن زارا
حكي أن محدثاً سئل عن معنى هذين البيتين فقال هذا راجع النجوم وقام مستحياً وآلى على نفسه أن لا يجس في حلقة حتى ينظر في النجوم وقال بعضهم في قصر ليل الوصال:
يا ليلة كاد من تقأصرهايعثر فيها العشاء بالسحر
وقال بعضهم وقد جمع وصف الزمانين:
عهدي بنا ورداء الليل مشتملوالليل أطوله كاللمح بالبصر
والآن ليلى مذ بانوا فديتهمليل الضرير فصبحي غير منتظر
وقال الشريف ابن الهبارية:
لقد ساهرتني عيون الدجىوقد نام عني عيون الملاح
إذا اشتكى الليل هجر الصباحشكوت إلى الله هجر الصباح
وقال الفاضل في زمن الوصل
بتنا على حال يسرّ الهوىوريما لا يمكن الشرح
بوّابنا الليل وقلنا لهإن غبت عنا هجم الصبح
وقال الأرجاني معتذراً عن طول ليل الهجر:
لا أدعي جور الزمان ولا أرىليلي يزيد على الليالي طولا
لكن مرآة الصباح تنفسيللهم اصدأ وجهها المصقولا
وقال امرؤ القيس
وليل كموج البحر أرخى سدولهعلي بأنواع الهموم ليبتلى
وقال المتنبي
كم زورة لك في الأعراب خافيةأزهى وقد رقدوا من زورة الذيب
أزورهم وسواد الليل يشفع ليوأنثني وبياض الصبح يغري بي
في هذا البيت من الأنواع حسن المقابلة وفيه مقابل خمسة بخمسة ولكن نقد عليه في مقابلة الصبح بالليل لأن الجزء لا يقابل بالكل فلو قال النهار كان أولى وللمتنبي دقائق لطيفة أرى ترى إلى قوله:
وكم لظلام الليل عندي من يدتخبر أن المانوية تكذب
فإن المانوية فرقة تقول أن الآلهة اثنان إله الظلمة وإله النور والأول لا يفعل إلا الشر والثاني لا يفعل إلا الخير فنقول أن زيارة المحب أعظم خير فعلته الظلمة وقد كذبوا في قولهم.
وقال ابن رشيق:
أيها الليل طل بغير جناحليس للعين راحة في الطباح
كيف لا أبغض الصباح وفيهبان عني نور الوجوه الملاح
وإنما أكثر وامن ذكر الليل دون غيره لأنه محل سكون الحواس وهدو الانفاس وخلو النفس بعد انطباق مسالك التشعبات عنها فتستجلب الأفكار الخفيات فيما مضى وما هو آت وأما النهار فالأفكار فيه منتشرة والشواغل مستكثرة فهو محل الاستغراق وقلة الاعتلاق ومحل التسلية عن الأشواق اللهم إلا شخصاً قد ملك الحب قياده فلا يلهيه شيء ولا ينسيه مراده وقلت جامعاً لغالب هذه المعاني.
يذكرك يا من هواها ضنى حاليشغلت فما منه أرى أبداً خالي
فنيت عن الأغيار فيك صبابةفغيرك لم يخطر مدى الدهر في بالي
ولو زارني طيف الخيال لقال ليألا أنعم صباحاً أيها الطلل البالي
سوى قصر أعوام الوصال وصداهادقيقة هجران تقطع أوصالي
فيا من لها بالحسن يوسف قد حباووالده بالحزن في الدهر أوصى لي
متى تنعمي والشمس بالقوس ليلةوفي ضدّه يوماً على رغم عذالي
وقلت أيضاً مخترعاً فيما أظن
ألوم جميع العاشقين لذمهمضيا الصبح في تفريق شمل الحبائب
وما الصبح بل ما الشمس لولا جبينهايفيض الضيا في شرقها والمغارب
وهلا سألتم شعرها ستر وجههاإذا شئتم طول احتباك الغياهب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع