١قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ
بِسِقطِ اللِوى بَينَ الدَخولِ فَحَومَلِ
الزوزني: قيل: خاطب صاحبيه، وقيل: بل خاطب واحدًا وأخرج الكلام مخرج الخطاب مع الاثنين؛ لأن العرب من عادتهم إجراء خطاب الاثنين على الواحد والجمع، فمن ذلك قول الشاعر سويد بن كراع العكلي: فإن تزجراني يا بن عفان أنزجر وإن ترعياني أحم عرضًا ممنـّعًا خاطب الواحد خطاب الاثنين، وإنما فعلت العرب ذلك لأن الرجل يكون أدنى أعوانه اثنين: راعي إبله وراعي غنمه، وك ذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى خطاب الاثنين على الواحد لمرون ألسنتهم عليه، ويجوز أن يكون المراد به: قف قف، فإلحاق الألف أمارة دالة على أن المراد تكرير اللفظ كما قال أبو عثمان المازني في قوله تعالىجعني أرجعني أرجعني، جعلت الواو علمًا مشعرًا بأن المعنى تكرير اللفظ مرارًا، وقيل: أراد قفن على جهة التأكيد فقلب النون ألفًا في حال الوصل؛ لأن هذه النون تقلب ألفًا في حال الوقف فحمل الوصف على الوقف، ألا ترى أنك لو وقفت على قوله تعالى وصلِّ على حين العشيات والضحى ولا تحمد المثرين والله فاحمدا أراد فاحمدن فقلب نون التأكيد ألفًا، يقال بكى يبكي بكاء وبُكىً، ممدودًا ومقصورًا، أنشد ابن الأنباري لحسان بن ثابت شاهدًا له بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل فجمع بين اللغتين؛ السقط: منقطع الرمل حيث يستدق من طرفه، والسقط أيضًا ما يتطاير من النار، والسقط أيضًا المولود لغير تمام، وفيه ثلاث لغات: سَقط وسِقط وسُقط في هذه المعاني الثلاثة اللوى: رمل يعوج ويلتوي. الدخول وحومل: موضعان. يقول: قفا وأسعداني وأعيناني، أو قف وأسعدني على البكاء عند تذكري حبيبًا فارقته ومنزلاً خرجت منه، وذلك المنزل أو ذلك الحبيب أو ذلك البكاء بمنقطع الرمل المعوج بين هذين الموضعين.
الخطيب التبريزي: هو من الضرب الثاني من الطويل، والقافية متدارك. السقط: ما تساقط من الرمل، وفيه ثلاث لغات: سِقْط، وسَقْط، وسُقْطٌ. واللوى: حيث يسترق الرمل، فيخرج منه إلى الجدد. وقوله (قفا) فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أن يكون خاطب رفيقين له. والثاني: أن يكون خاطب رفيقا واحدا فثنى؛ لأن العرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، قال الله تبارك وتعالى مخاطبا لمالك: (ألقيا في جَهَنَّمَ) وقال الشاعر: فإن تَزْجُرَانِي يَا ابْنَ عَفَّانَ انْزَجِرْ ... وَإِنْ تَدَعَانِي أَحْمِ عِرْضاً مُمَنَّعَا أَبِيتُ عَلَى بَابِ القَوَافِي كَأَنَّمَا ... أُصَادِي بِهَا سِرْباً مِنَ الوَحْشِ نُزَّعَا وقال الآخر: فَقُلْتُ لِصَاحِبي: لاَ تَحْبِسَانَا ... بِنَزْعِ أُصُولِهِ وَاجْتَزَّ شِيحَا والعلة في هذا أن أقل أعوان الرجل في إبله وماله اثنان، وأقل الرفقة ثلاثة، فجرى كلام الرجل على ما قد ألف من خطابه لصاحبه، قالوا: والدليل على ذلك إنه خاطب الواحد، والبصريون ينكرون هذا؛ لأنه إذا خاطب الواحد مخاطبته الاثنين وقع الإشكال. وذهب المبرد في قوله تعالى: (ألْقِيَا في جَهَنَّم) إلى إنه ثناه للتوكيد، معناه ألق ألق، وخالفه الزجاج فقال: ألقيا مخاطبة الملكين وكذلك (قفا) إنما هو مخاطبة صاحبيه. والقول الثالث: إنه أراد قفن بالنون فأبدل الألف من النون، وأجرى الوصل مجرى الوقف، وأكثر ما يكون هذا في الوقف. و (نبك) مجزوم لأنه جواب الأمر، والجيد أن يقال: نبك جواب شرك مقدَّر، كأن التقدير قفا أن تقفا نبك؛ لأن الأمر لا جواب له في الحقيقة. ألا ترى أنك إذا قلت للرجل (أطع الله يُدخلك الجنة) معناه أطع الله أن تطعه يُدخلك الجنة، لأنه لا يدخل الجنة بأمرك، إنما يدخلها إذا أطاع الله. و (ذكرى) والذكر واحد، وقوله: (من ذكرى) من تتعلق بنبك، وذكرى جر بمن، وهي مضافة إلى الحبيب. والمنزل: نسق على الحبيب، والباء من قوله: (بسقط اللوى) يجوز أن تتعلق بقفا وبنبك وبقوله منزل. وقوله: (بين الدخول فحومل) دخول: موضع، وحومل: موضع آخر. وكان الأصمعي يرويه (بين الدخول وحومل) ويقول: لا يقال المال بين زيد فعمرو، إنما يقال: بين زيد وعمرو، ومن رواه (فحومل) بالفاء يقول: أن الدخول موضع يشتمل على مواضع، وكذلك حومل، فلو قلت: عبد الله بين الدخول - تريد بين مواضع الدخول - تم الكلام، كما تقول: دورنا بين مصر، تريد بين أهل مصر؛ فعلى هذا عطف بالفاء، وأراد بين مواضع الدخول وبين مواضع حومل.
٢فَتوضِحَ فَالمِقراةِ لَم يَعفُ رَسمُها
لِما نَسَجَتها مِن جَنوبٍ وَشَمأَلِ
ابن الأنباري: توضح والمقراة: موضعان، ويقال: المقراة: غدير يجتمع فيه الماء. وموضعها خفض على النسق على الدخول فحومل، إلا أن توضح نصب لأنه لا يجرى للتعريف والتاء الزائدة في أوله، وما لا يجري لا يدخله تنوين ولا خفض. لم يعف رسمها، قال الأصمعي: معناه لم يدرس لما نسجته من الجنوب والشمال، فهو باق، فنحن نحزن، ولو عفا لاسترحنا. قال ابن أحمر: ألا ليتَ المنازلَ قد بلينا ... قلا يرمين عن شُزُن حزينا معناه لا يرمين عن تحرف وتشزن. يقال: شزن فلان ثم رمى، أي تحرف في أحد شقيه، وذلك أشد لرميه ونزعه. وشَزْن وشَزَن لغتان معناهما واحد. ومعنى البيت: ليتها قد بليتن حتى لا ترمى قلوبنا بالأحزان والأوجاع. يذهب الأصمعي إلى أن الريح أقبلت وأدبرت على هذه المواضع حتى عفتها وأبقت منها الأثر أو الرسم. وقال قوم: المعنى لم يعف رسمها للريح وحدها، إنما عفا للمطر والريح وغير ذلك من مر الدهور به؛ وهو دارس في المعنى. وقال آخرون: لم يعف رسمها لاختلاف هاتين الريحين، ولو دامت عليه واحدة لعفا؛ لأن الريح الواحدة تدرس الأثر، والريحان لاندرسانه؛ لأن الريح الواحدة تسفى على الرسم فيدرس، وإذا اعتورته ريحان فسفت عليه إحداهما فغطته ثم هبت الأخرى كشفت عن الرسم ما سفت الأولى. والحجة في ذلك قول ذي الرمة: مِنْ دمنة نسَفَتٍْ عنها الصَّبا سُفَعاً ... كما تُنشَّر بع الطِّيَّةِ الكُتبُ سيلاً من الدِّعص أغَتْه معارفَها ... نكباءُ تسحب أعلاه فينسحبُ يذهب إلى أن النكباء ألبست معارف هذه الدمنة سيلا من الدعص فسفته عنه الصبا، فكذلك هذا الرسم ألبسته الجنوب التراب والرمل فكشفته عنه الشمال. فمعنى هذا القول أن الرسم لم يدرس. وقال أبو بكر محمد بن آدم العبدي: معنى قوله: لم يعف رسمها، لم يدرس من قلبي وهو في نفسه دارس. والرسم: الأثر بلا شخص، وجمعه أرسم ورسوم، كما يقال أبحر وبحور في جمع البحر. ومعنى لم يعف: لم يدرس. يقال: عفا الأثر يعفو عَفواً وعُفُوا وعفاء. قال الشاعر تَحمَّلَ أهلُها منها فبانوا ... على آثار مَنْ ذهبَ العفاءُ ويقال: عفا الشيء يعفوا عفوا، إذا كثر. قال الله عز وجل: (حتَّى عَفَوْا) يريد: حتى كثروا. وقال الشاعر: ولكنَّا نُعِضُّ السيفَ منها ... بأسؤُقِ عافياتِ اللحمِ كُومِ ويقال: أعفيت الشيء، إذا كثرته. جاء في الحديث: (أحفوا الشَّواربَ وأعفُوا اللحى). ويقال: عفا فلان فلانا، إذا طلب نائله، وهو عاف وجمعه عفاة. قال الأعشى: تَطوف العُفاةُ بأبوابه ... كَطَوف النَّصارى ببيت الوثنْ والرسم رفع بيعف، ويعف مجزوم بلم، علامة الجزم فيه سقوط الواو. وقوله: (لما نسجتها من جنوب وشمأل). ما في معنى تأنيث، والتقدير: للريح التي نسجت المواضع. والهاء تعود على الدخول فحومل وتوضح والمقراة. ونسجت صلة ما، وما فيه يعود على ما. قال الشاعر: ألِفَ الصُّفونَ فما يزال كأنه ... مما يقومُ على الثَّلاث كسيرا فمعناه: فما يزال كأنه من الخيل التي تقوم على ثلاث، ومن الأجناس التي تقوم على ثلاث. ويروى: (لما نسجته من جنوب). فالهاء تعود على الرسم. وقال بعض أهل اللغة: يجوز أن تكون ما في معنى المصدر، يذهب إلى أن التقدير لنسجها الريح، أي لما نسجتها الريح. ثم أتى بمن مفسرة فقال: (من جنوب وشمأل). ففي نسجت ذكر الريح لأنها لما ذكر الريح لأنها لما ذكرت المواضع والنسج والرسم دلت على الريح، فكنى عنها لدلالة المعنى عليها. قال الله عز وجل: (والنهار إذا جلاّها). أراد: إذا جلى الظلمة، فكنى عن الظلمة ولم يتقدم ذكرها لذلك المعنى. قال الشاعر: أماويّ ما يُغنى الثَّراءُ عن الفتى ... إذا حشرجَتْ يوماً وضاق بها الصَّدر أراد: إذا حشرجت النفس، فكنى عنها ولم يتقدم ذكرها؛ لان معناها مفهوم. ولم يجز أبو العباس أن يكون (ما) في معنى المصدر، واحتج بأن الفعل يبقى بلا صاحب. وفي الشمأل ست لغات: شمال بإثبات الألف من غير همزة، وشمأل بإثبات همزة بعد الميم، وشأمل بإثبات همزة قبل الميم. قال الشاعر: وهبت الشأمل البليل وإذْ ... باتَ كميعُ الفتاة مُلتفِعا وشَمَل بفتح الشين والميم من غير إثبات ألف ولا همزة. وقال عمر بن أبي ربيعة: ألم تربعْ على الطلل ... ومَغنى الحيِّ كالخلَلِ تُعفِّى رسمَه الأروا ... حُ مرُّ صَباً مع البشَّمَلِ وشَمْل، بفتح الشين وإسكان الميم. قال الشاعر: أتَى أبدٌ من دُون حِدثانِ عهدها ... وجرَّت عليها كلُّ نافجة شَمْلِ وشمول بإثبات الواو. قال ابن ميادة: ومنزلة أخرى تقادم عهدُها ... بذي الرّمث يعفوها صَباً وشَمولُ
الزوزني: توضح والمقراة موضعان وسقط اللوي بين هذه المواضع الأربعة، قوله: لم يعف رسمه، أي لم يـَنْمَحِ أثرها. الرسم ما لصق بالأرض من آثار الدار مثل البعر والرماد وغيرهما. والجمع أرسم ورسوم، قوله: وشمأل فيها ست لغات: شمال وشمأل وشأمل وشمول وشَمْل وشَمَل. نسج الريحين: اختلافهما عليها وستر إحداهما إياها بالتراب وكشف الأخرى التراب عنها. يقول: لم ينمحِ ولم يذهب أثرها؛ لأنه إذا غطته إحدى الريحين بالتراب كشف الأخرى التراب عنها، وقيل: بل معناه لم يقتصر سبب محوها على نسج الريحين بل ك ان له أسباب منها هذا السبب ومر السنين وترادف الأمطار وغيرها، وقيل: بل معناه لم يعف رسم حبها من قلبي وإن نسجتها الريحان، والمعنيان الأولان أظهر من الثالث وقد ذكرها كلها أبو بكر ابن الأنباري.
الخطيب التبريزي: تُوضح والمقراة: موضعان، وهذه المواضع التي ذكرها ما بين إمرة إلى أسود العين، وأسود العين: جبل، وهي منازل كلاب. وموضع (توضح والمقراة) جر عطف على حومل، والمقراة في غير هذا الموضع: الغدير الذي يجتمع فيه الماء، من قولهم (قريت الماء في الحوض) إذا جمعته. ومعنى قوله (لم يعف رسمها) قال الأصمعي: أي لم يدرس لما نسجته من الجنوب والشمال، فهو باق ونحن نحزن، ولو عفا لاسترحنا، وهذا كقول ابن أحمر. أَلاَ لَيْتَ المَنَازِلَ قَدْ بَلِينَا ... فَلاَ يَرْمِينَ عَنْ شَزَنٍ حَزِينَا أي فلا يرمين عن تحرف وتشدد. يقال (شزن فلان ثم رمى) أي تحرف في أحد شقيه، وذلك أشد لرميه. ويقال شَزَنٌ وشُزُنٌ بمعنى واحد. ومعنى البيت ليتها بليت حتى لا ترمى قلوبنا بالأحزان والأوجاع، وكان الأصمعي يذهب إلى أن الريحين إذا اختلفتا على الرسم لم تعفواه، ولو دامت عليه واحدة لعفته؛ لأن الريح الواحدة تسفي على الرسم فيدرس، وإذا اعتورته ريحان فسقت عليه إحداهما فغطته ثم هبت الأخرى كشفت عن الرسم ما سفت الأولى. وقيل: معناه لم يعف رسمها للريح وحدها، وإنما عفا للمطر والريح وغير ذلك. وقيل: معناه لم يعف رسمها من قلبي وهو في نفسه دارس، يقال: عفا الشيء يعفو عَفْواً وعُفُواً وعفاء؛ إذا درس، وعفاه غيره: درسه. وقوله: (لما نسجتها) ما في معنى تأنيث، والتقدير للريح التي نسجت المواضع، الهاء تعود على الدخول وحومل وتوضح والمقراة، ونسجت: صلة ما، وما فيه من الضمير يعود على ما، ومثله: أَلِفَ الصُّفُونَ فَلاَ يَزَالُ كَأَنَّهُ ... مِمَّا يَقُومُ عَلَى الثَّلاَثِ كَسيراً أي كأنه من الخيل التي تقوم على الثلاث، أو من الأجناس التي تقوم على الثلاث، ويروى (لما نسجته) والهاء تعود على الرسم. وقال بعض أهل اللغة: يجوز أن يكون ما في معنى المصدر، يذهب إلى أن التقدير لنسجها الريح، أي للتي نسجتها الريح، ثم أتى بمن مفسرة فقال (من جنزب وشمأل)؛ ففي نسجت ذكر الريح؛ لأنه لما ذكر المواضع والنسج والرسم دلت على الريح، فكنى عنها لدلالة المعنى عليها، ولم يجرأ أبو العباس أحمد بن يحيى أن يكون ما في معنى المصدر قال: لأن الفعل يبقى بلا صاحب، كأن أبا العباس لم يجز أن يكون في نسجت ذكر الريح، وفي الشمال لغات، يقال: شمال، وشمأل، وشأمل، وشَمَل، وشَمْلٌ، وشمول، قال الشاعر في الشأمل: وَهَبَّتِ الشّأْمَلُ الْبَلِيلُ، وَإِذْ ... بَاتَ كَمِيعُ الْفَتَاةِ مُلْتَفِعَا وقال آخر، وهو جرير في الشمْل بإسكان الميم: أَتَى أَبَد مِنْ دُونِ حِدْثَانِ عَهْدِهَا ... وَجَرَّتْ عَلَيْها كَلُّ نَافجةٍ شَمْلِ وقال عمر بن أبي ربيعة في الشمَل بفتح الميم: أَلَمْ تَرْبَعْ عَلَى الطَّلَلِ ... وَمَغْنَى الْحَيِّ كَالخِلَلِ تُعَفِّى رَسْمَهُ الأرْوَا ... حُ مَرُّ صَباً مَعَ الشَّمَلِ وقال ابن ميادة في الشَّمُول: وَمَنْزِلَة أُخْرَى تَقَادَمَ عَهْدُهَا ... بِدِى الرِّمْثِ تَعفُوهَا صَباً وَشَمُولُ
٣تَرى بَعَرَ الآرامِ في عَرَصاتِها
وَقيعانِها كَأَنَّهُ حَبُّ فُلفُلِ
ابن الأنباري: الأرآم: الظباء البيض، واحدها رئم. والعرصات: جمع عرصة، وهي الساحة. والقيعان: جمع القاع، وهو الموضع يستنقع فيه الماء. وروى هذا البيت أبو عبيدة. وقال الأصمعي: هو منحول لا يعرف، وقال: الأعراب يروونه فيها.
الخطيب التبريزي: الأرآم: الظباء البيض، واحدها رئم، والعرصات: جمع عرصة، وهي الساحة، والقيعان: جمع قاع، وهو الموضع الذي يُستنقع فيه الماء، وهذا البيت وما بعده مما يزاد في هذه القصيدة، قال الأصمعي: والأعراب ترويهما.
٤كَأَنّي غَداةَ البَينِ يَومَ تَحَمَّلوا
لَدى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنظَلِ
ابن الأنباري: السمرات: شجر له شوك. يقول: اعتزلت أبكى كأني ناقف حنظل. لأن ناقف الحنظل تدمع عيناه، لحرارة الحنظل.
الخطيب التبريزي: سمرات: جمع سمرة، وهي شجرة لها شوك، يقول: لما تحملوا اعتزلت أبكى كأني ناقف حنظل، وإنما شبه نفسه به لأن ناقف الحنظل تدمع عيناه لحرارة الحنظل، والنقف: نقفك رأس الرجل بعصاً أو غيرها، قال الشاعر: أن بِهَا أَكْتَلَ أو رِزَامَا ... خُوَيْرِبَيْنِ يَنْفُفَانِ الْهَامَا يعني لصين، وخويرب: تصغير خارب، وهو سارق الإبل خاصة. وقالوا: النقف كسر الهامة عن الدماغ، وأنقفتك المخ، أي أعطيتك العظم لتستخرج مخه. وناقف الحنظل: الذي يستخرج الهبيد وهو حب الحنظل.
٥وُقوفاً بِها صَحبي عَلَيَّ مَطِيِّهُم
يَقولونَ لا تَهلِك أَسىً وَتَجَمَّلِ
ابن الأنباري: وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيهم، في الاعتلال لنصب (وقوفا) أربعة أقوال: قال أبو العباس: كان أصحابنا يقولون: نصب وقوفا على القطع من الدخول فحومل وتوضح فالمقراة. قال أبو العباس: وأنا أذهب إلى أن وقوفا نصب على المصدر لقفا. قال: والتقدير: قفا كوقوف صحبي عليَّ مطيهم. وقال بعض النحويين: نصب وقوفا على القطع من الهاء التي في نسجتها، كما تقول: مررت بها جالسا ابوها، فتنصب جالسا على القطع من الهاء. وقال آخرون: نصب وقوفا على الحال مما في نبك، والتقدير عندهم: قفا نبك حال وقوف صحبي على مطيهم. وقال بعض النحويين: نصب على الحال مما في يقولون، والتقدير عندهم: يقولون لا تهلك أسى وتجمل في حال وقوف صحبي على مطيهم. هذا غلط؛ لان الظاهر في التقدير مؤخر بعد المكنى، فالمكنى الذي في يقولون للصحب، ومعنى الصحب التأخير مع وقوف بعد يقولون، فلا يتقدم المكنى على الظاهر. وقال بعضهم: نصب وقوفا على الوقت، كأنه قال: وقت وقوف صحبي، كما تقول العرب: خرجنا خروجكم. يريدون خروجنا وقت خروجكم. فهذا قول خامس. وقال بعض أهل اللغة: التقدير بين الدخول فحومل فنوضح فالمقراة الوقوف بها صحبي، فلما أسقط الألف واللام نصبه على القطع. وهذا يرجع إلى معنى القول الأول الذي حكاه أبو العباس. إلا أن الفراء أنكر قول الذين يقولون: القطع ينتصب بسقوط الألف واللام منه، وقال: يلزمهم ألا يأتوا بالقطع مع المكنى فلا يقولوا: أنت متكلماً أحسن منك ساكتا، إذ كانت الألف واللام لا تحسن في متكلم، لأن أنت لا ينعت؛ لشهرته وتعريفه. والصحب، موضعهم رفع بمعنى وقوف. وعلى صلة وقوف، والباء فتحت لاجتماع الساكنين. والمطي منصوب بوقوف. وواحد الصحب صاحب، كما تقول للطائر طير، وللراكب ركب. وواحد المطي مطية. والمطية: الناقة، وإنما سمى المطية لأنه يركب مطاها، أي ظهرها. ويقال: إنما سميت مطية لأنها يمطى بها في السير، أي يمد بها. يقال: مطوت بالقوم أمطو بهم مطوا، أي مددت بهم. قال امرؤ القيس: مَطَوتُ بهم حتى تكلَّ غُزاتُهمْ ... وحتى الجيادُ ما يُقَدْنَ بارسانِ فمعناه مددت بهم. ووزن مطية من الفعل فعيلة، اصلها مطيوة، فلما اجتمعت الياء والواو والسابق ساكن جعلتا ياء مشددة. ويقال في جمع المطية مطيات ومطي ومطايا. قال جرير: ألستم خيرَ من ركِب المطايا ... وأنْدى العالَمين بطونَ راحِ وقوله: (يقولون لا تهلك أسى وتجمل) معناه يقولون لا تهلك حزنا. يقال قد أسيت على الشيء أسى شديدا، إذا حزنت عليه. ويقال رجل أسيان من الحزن، وامرأة أسيا. ونصب (أسى) على المصدر، لأن قوله لا تهلك في معنى لا تأس، فكأنه قال: لا تأس أسى. هذا قول الكوفيين. وقال البصريون: نصب أسى لأنه مصدر وضع في موضع الحال، والتقدير عندهم: لا تهلك آسيا، أي حزينا. وموضع (تهلك) جزم بلا على النفي. وموضع (تجمل) جزم على الأمر، والياء صلة لكسرة اللام، كما قال زهير: أمن أم أوفَى دِمنةٌ لم تَكلَّمِ ... بحَومانة الدَّرّاج فالمتثلِّمِ فوصل الكسرة بالياء. والمعنى: لا تظهر الجزع ولكن تجمل وتصبر، وأظهر للناس خلاف ما في قلبك من الحزن والوجد، لئلا يشمت العواذل والعداة بك، ولا يكتئب لك الأوداء.
الزوزني: نصب وقوفًا على الحال، يريد قفا نبك في حال وقف أصحابي مطيهم علي، والوقوف جمع واقف بمنزلة الشهود والركوع في جمع شاهد وراكع، الصحب: جمع صاحب، ويجمع الصاحب على الأصحاب والصحب والصحاب والصحابة والصحبة والصحبان، ثم يجمع الأصحاب على الأصاحيب أيضً ا ثم يخفف فيقال الأصاحب. المطي: المراكب، واحدتها مطية، وتجمع المطية على المطايا والمطي والمطيات، سميت مطية؛ لأنه يركب مطاها أي ظهرها، وقيل: بل هي مشتقة من المطو وهو المد في السير، يقال: مطاه يمطوه، فسميت به لأنها تمد في السير: نصب أسىً؛ لأنه مفعول له. يقول: قد وقفوا عليّ أي: لأجلي أو على رأسي وأنا قاعد عند رواحلهم ومراكبهم، يقولون لي: لا تهلك من فرط الحزن وشدة الجزع وتجمل بالصبر، وتلخيص المعنى: أنهم وقفوا عليه رواحلهم يأمرونه بالصبر وينهونه عن الجزع.
الخطيب التبريزي: وقوفا: منصوب على الحال، والعامل فيه قفا، كما تقول: وقفت بدارك قائما سكانها فإن قيل: كيف قال وقوفا بها صحبي والصحب جماعة، وقوله وقوفا فعل متقدم لا ضمير فيه، فلم لم يقل (واقفا بها صحبي) كما تقول: مررت بدارك قائما سكانها؟. فالجواب أن الاختيار عند سيبويه فيما كان جمعا مكسرا أن تقول فيه: مررت برجُلٍ حِسانٍ قومُه، فإن كان مما يجمع جمع السلامة كان الاختيار ترك التثنية والجمع، فتقول: مررت برجل صالح قومه، كما قال زهير: بَكَرْتُ عَلَيْهِ غُدْوَةً فَوَجَدْتُه ... قعُوداً لَدَيْهِ بالصَّرِيمِ عَوَاذِلُهْ ويجوز أن يكون قوله: (وقوفا) منصوبا على المصدر من (قفا) والتقدير: قفا وقوفا مثل وقوف صحبي، كما تقول: زيد يشرب شرب الإبل، تريد يشرب شربا مثل شرب الإبل، ويجوز أن يكون مصدرا وقع موقع الوقت لاستيقافه، كما تقول: البث على قعود القاضي، أي ما قعد، أي في قعوده، ويكون التقدير: وقت وقوف صحبي، ثم يحذف، ويكون بمنزلة قولك: رأيته قدوم الحاج، أي وقت قدوم الحاج، قالوا: ولا يجوز مثل هذا إلا فيما يعرف، نحو قولك: قدوم الحاج، وخفوق النجم، ولو قلت: لا أكلمك قيام زيد، تريد وقت قيام زيد، لم يجز؛ لأنه لا يعرف، وموضع (صحبي) رفع بوقوف، وعلىَّ: يتعلق بوقوف، وواحد الصحب صاحب مثل تجر وتاجر. وواحد المطي مطية، والمطية: الناقة، سميت مطية لأنها يركب مطاها، أي ظهرها، وقيل: سميت مطية لأنها يمطي بها في السير أي يجد بها في السير، ووزن مطية من الفعل فعيلة أصلها مطيوة، فلما اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وقوله (لا تهلك أسى وتجمل) الأسى: الحزن، يقال: أسيت على الشيء آسى أسى شديدا، إذا حزنت عليه، ونصب أسىً على المصدر؛ لأن قوله لا تهلك أسىً في معنى لا تأس، فكأنه قال: لا تأس أسىً، هذا قول الكوفيين، وقال البصريون: نصب أسىً لأنه مصدر وضع في موضع الحال، والتقدير عندهم: لا تهلك آسيا، أي حزينا، والمعنى لا تظهر الجزع، ولكن تجمَّل وتصبَّر وأظهر للناس خلاف ما في قلبك من الحزن والوجد لئلا تشمت بك العواذل والعداة، ولا يكتئب لك الأو داء.
٦وَإِنَّ شِفائي عَبرَةٌ مَهَراقَةٌ
فَهَل عِندَ رَسمٍ دارِسٍ مِن مُعَوَّلِ
ابن الأنباري: ويروى: (وإن شفائي عبرة أن سفحتها). ومعنى سفحتها صببتها، قال الله عز وجل: (أو دَماً مَسفوحاً)، يريد مصبوبا. وقال الشاعر: أقول ونضوِي واقفٌ عند رمسها ... عليك سلامُ الله والعينُ تسفحُ العبرة: الدمعة. والعُبْر والعَبَر: سُخنة العين. ومعنى قوله مهراقة: مصبوبة يقال أرقت الماء فأنا أريقه إراقة. وهرقت الماء أهريقه. ومن العرب من يقول: أهرقت الماء فيزيد ألفا قبل الهاء. ووزن أرقت أفعلت، أصله أريقت، فألقيت فتحة الياء على الراء، وصارت الياء ألفا لانفتاح ما قبلها، وسقط الألف لسكونها وسكون القاف. ومن قال هرقت الماء قال: قدرت العرب أن الهمزة فاء من الفعل فأبدلوا منها هاء، كما قالوا إبرية وهبرية، للذي يسقط من الرأس من الوسخ. وكما قالوا في الإغراء: إياك إياك، وهياك هياك. والذين قالوا أهرقت الماء قدروا أن الهاء فاء من الفعل، فزادوا عليها الألف. ووزن مهراقة من الفعل مفعلة، أصلها مريقة، فألقوا فتحة الياء على الراء فصارت الياء ألفا لانفتاح ما قبلها وزادوا قبل الراء الهاء التي في هرقت الماء. وقوله: (فهل عند رسم دارس من معول) أن قال قائل: كيف قال في البيت الأول لم يعف رسمها فخبر أن الرسم لم يدرس، وقال في هذا البيت: (عند رسم دارس)؟ قيل له: في هذا غير قول، قال الأصمعي: قد درس بعضه وبقى بعضه ولم يذهب إلى كله، كما تقول: قد درس كتابك، أي ذهب بعضه وبقى بعضه. وقال أبو عبيدة: رجع فأكذب نفسه بقوله: (فهل عند رسم دارس)، كما قال زهير: قف بالديار التي لم يَعفُها القِدمُ ... بلى وغيَّرها الأرواحُ والدّيَمُ وقال آخرون: ليس قوله في هذا البيت (فهل عند رسم دارس) بناقض لقوله (لم يعف رسمها) لأن معناه لم يدرس رسمها من قلبي وهو في نفسه دارس. وقالوا: أراد زهير في بيته: قف بالديار التي لم يعفها القدم من قلبي، ثم رجع إلى معنى الدروس فقال: (بلى وغيرها الأرواح والديم). وقال آخرون: معنى (فهل عند رسم دارس) الاستقبال كأنه قال: فهل عند رسم سيدرس بمرور الدهر عليه، وهو الساعة باق، كما تقول: زيد قائم غدا، معناه: زيد يقوم غدا. قال الراجز يأيُّها الفُصَيِّل المغنِّى ... إنك ريَّان فصَمِّتْ عَنِّي تكفى اللَّقوحَ أكْلةٌ من ثِنِ ... حتى تُوَفّى غيضَها بسنِّ فمعنى ريان ستروى فيما يستقبل. ومعنى البيت: يا أيها الفصيل أمسك عن طلب اللبن، وسكِّت الاضياف عنى بإيثاري إياهم باللبن عليك، فإنما تعتلف أمك أكلة من هذا النبت فيرجع إليها ما نقص من لبنها وتروى. فريان في تأويل مستقبل لهذا. ومعنى قوله: (من معول) من مبكى. أخذ من العويل، وهو صياح. يقال: قد أعول الرحل فهو معول، إذا فعل ذلك. قال الشاعر: بكت عيني وحُقّ لها بُكاها ... وما يغنى البُكاءُ ولا العويلُ وقال آخرون: معنى قوله من معول: من أمر يعول عليه، وهو كل أمر يعتمد عليه وينفع. ويقال معنى قوله من معول: من محمل. يقال: عول على فلان، أي احمل عليه. أنشدنا أبو العباس عن ابن الأعرابي: أتيت بنى عمى ورهطي فلم أجِدْ ... عليه إذا اشتدَّ الزمانُ معوَّلا يقول: فهل يحمل على الرسم ويعول عليه ويكلم. وأي شيء أدرس من هذه المنازل إذا لم ير فيها إلا موتى.
الزوزني: المهراق والمراق: المصبوب، وقد أرقت الماء وهرقته وأهرقته أي صببته: المعوّل: المبكى، وقد أعول الرجل وعوّل إذا بكى رافعًا صوته به، والمعول: المعتمد والمتكل عليه أيضًا. العبرة: الدمع، وجمعها عبرات، وحكى "ثعلب" في جمعها العِبَر مثل بدرة وبِدَر يقول: وإن برئي من دائي ومما أصابني وتخلصي مما دهمني يكون بدمع أصبّه ثم قال: وهل من معتمد ومفزع عند رسم قد درس، أو هل موضع بكاء عند رسم دارس؟ وهذا استفهام يتضمن معنى الإنكار، والمعنى عند التحقيق: ولا طائل في البكاء في هذا الموضع؛ لأنه لا يرد حبيبًا، ولا يجدي على صاحبه بخير، أو لا أحد يعول عليه ويفزع إليه في مثل هذا الموضع، وتلخيص المعنى: وإن مخلصي مما بي بكائي، ثم قال: ولا ينفع البكاء عند رسم دارس، أو ولا معتمد عند رسم دارس.
الخطيب التبريزي: روى سيبويه هذا البيت (وإن شفاءا عبرة) واحتج فيه بأن النكرة يخبر عنها بالنكرة، ويروى (وإن شفائي عبرة لو سفحتها) أي صببتها، والعبرة: الدمعة، والعُبْر والعَبَر: سُخنة العين، ومهراقة: مصبوبة من (هرقت الماء، فأنا أهريقه) بمعنى أرقت، ووزن أرقت أفلت، وعين الكلمة محذوفة، كان أصلها أريقت على وزن أفعلت، وهو فعل معتل العين تقول في الثلاثي منه: راق الماء يريق، فالألف في راق منقلبة عن ياء، وأصله ريق على وزن فعل، فانقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فلما أعلوها في الثلاثي وجب إعلاها في الرباعي، فإذا قالوا: أرقت الماء فالأصل أريقت، ثم نقلوا حركة الياء إلى الراء وسكنت الياء، فقلبوها ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن، فاجتمع ساكنان الألف والقاف، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصا أرقت، وقالوا في المستقبل: أريقه، والأصل أُأَريقه مثل أدحرجه، فنقلوا حركة الياء إلى الراء وسكنت الياء فصار أأريقه، ثم حذفوا احدى الهمزتين لاستثقالهم الجمع بينهما فصار أريقه، ومن العرب من يبدل من الهمزة الهاء فيقولون: هرقت الماء، وقالوا في المستقبل: أهريقه، ولم يحذفوا الهاء؛ لأنه لم يجتمع فيه مثلان كما اجتمع في أُأَريقه، واحتاجوا إلى حذف أحدهما، وقالوا: أهرقت الماء فأنا أهريقه بسكون الهاء في الماضي والمستقبل جميعا، فالهاء في المسألة الأولى مفتوحة في الماضي والمستقبل لأنها فاء الكلمة، وفي هذه المسألة الأخيرة زائدة، وإنما زادوها ليكون جبرا لما دخل الكلمة من الحذف، كما زادوا السين في أسطاع يسطيع، بمعنى أطاع يطيع، ليكون جبرا لما دخل الكلمة من التغيير، لأن أصلها أطوع يطوع، والرسم: الأثر، والمعول: يحتمل تفسيرين؛ أحدهما أن يكون معول موضع عويل، أي بكاء، كأنه قال: هل عند رسم دارس من مبكى؟ أخذ من العويل وهو الصياح، يقال: قد أعول الرجل فهو معول، إذا فعل ذلك، ويحتمل أن يكون المراد بالمعول موضعا ينال فيه حاجته، كما تقول: معوَّلنا على فلان، ومعول: محمل، يقال: عول على فلان، أي احمل عليه، يقول: فهل يحمل على الرسم ويعول عليه بعد دروسه؟ فإن قيل: كيف قال في البيت الأول (لم يعف رسمها) فأخبر أن الرسم لم يدرس وقال في هذا البيت (فهل عند رسم دارس)؟ قيل له: في هذا غير قول، قال الأصمعي: معناه قد درس بعضه ولم يدرس كله، كما تقول: درس كتابك، أي ذهب بعضه وبقى بعضه، وقال أبو عبيدة: رجع فأكذب نفسه بقوله: (فهل عند رسم دارس من معول؟)، كما قال زهير: قِفْ بِالدِّيَارِ الَّتِي لَمْ يَعْفُهَا القِدَمُ ... بَلَى، وَغَيَّرَهَا اْلأَرْوَاحُ وَالدِّيَمُ وقيل: ليس قوله في هذا البيت (فهل عند رسم دارس) مناقضا لقوله (لم يعف رسمها) لأن معناه لم يدرس رسمها من قلبي وهو في نفسه دارس. وقالوا: أراد زهير في بيته قف بالديار التي لم يعفها القدم من قلبي، ثم رجع إلى معنى الدروس فقال: بلى وغيرها الأرواح والديم.
٧كَدَأبِكَ مِن أُمِّ الحُوَيرِثِ قَبلَها
وَجارَتِها أُمِّ الرَبابِ بِمَأسَلِ
ابن الأنباري: الكاف صلة للكلام الذي قبلها. والمعنى: أصابك من هذه المرأة من التعب والنصب كما أصابك من هاتين المرأتين. وفيه قول آخر: وهو أن يكون المعنى: لقيت من وقوفك على هذه الديار وتذكرك أهلها كما لقيت من أم الحويرث وجارتها. قال الله تبارك وتعالى: (كدأب آلِ فِرعَوْن). فالكاف صلة للكلام الذي قبلها، والمعنى: كفرت اليهود ككفر آلِ فرعون. وروى أبو عبيدة: (كدينك من أم الحويرث قبلها) يريد: كدأبك وحالك وعادتك. قال الشاعر: يا دينَ قلبكَ من أسماء يا دِينا يريد: يا حال قلبك وعادته. ويروى: (يا دين قلبك من أسماء) على معنى: يا هذا، دين قلبك من أسماء، أي استعبد قلبك. وقال الآخر: تقول وقد درأتُ لها وَضِيني ... أهذا دينُه أبداً وديني أكُلَّ الدَّهر حَلٌّ وارتحالٌ ... أمَا يُبْقى علىَّ ولا يقيني والدين ينقسم على خمسة أقسام: يكون الدين الحال والعادة والدأب، تقول العرب: ما زال ذاك دأبه وحاله وعادته، ودينه، وديْدنه وديْدانه، وهجيراه وإهجيراته. قال الشاعر: رمَى فأخطأ والأقدارُ غالبةٌ ... فانصَعْن والويل هِجيِّراهُ والحَرَبُ والديدبون: طريق اللهو واللعب. ويكون الدين الحساب. قال عز وجل: (يسَألون أَيَّانَ يَوْمُ الدين)، فمعناه أيان يوم الحساب. ويكون الدين الجزاء في الخير والشر، يقال: (كما تدين تدان)، أي كما تصنع يُصنع بك. وقال الآخر: واعلمْ وأيْقِنْ أن مُلكَك زائلٌ ... واعلم بأنَّك ما تَدين تُدانُ أي كما تصنع يُصنع بك. وقال الآخر: فلما صرَّح الشَّرُّ ... فأمسى وَهْوَ عُريانُ ولم يبقَ سوِى العُدوا ... ن دِنَّاهمْ كما دانوا أي جازيناهم. ويكون الدين الطاعة، قال الله عز وجل: (ما كانَ ليأخُذَ أخاهُ في دِين المَلِك)، أي في طاعة الملك. ويكون الدين السلطان، قال زهير: لئن حللت بجوٍّ في بنى أسد ... في دِين عمرو وحالتْ بيننا فَدَكُ وفي الدين وجه سادس، وهو الذل والعبودية. جاء في الحديث: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت)، يريد من استعبد. وقال الأعشى: هو دانَ الرِّبابَ إذْ كرهوا الدي ... نَ دِراكاَ بغَزْوة وصِيالِ ثم دانَتْ بعدُ الربابُ وكانت ... كعذابٍ عقوبةُ الأقوال أراد: هو استعبد الرباب. وقال القطامي: رَمَت المَقاتلَ من فؤادي بعدما ... كانت نَوَارُ تدينك الأديانا أي تستعبدك بحبها. وقال هشام بن محمد الكلبي: أم الحويرث هي هر أم الحارث بن حصن بن ضمضم الكلبي. وقال غيره: أم الحويرث وأم الرباب: امرأتان من كلب. ومأسل: موضع. وأم الحويرث مخفوضة بمن، وقيل منصوبة على الصفة، والجارة منسوقة على أم الحويرث، وأم الرباب مترجمة عن الجارة.
الزوزني: الدأْبُ والدأَبُ، بتسكين الهمزة وفتحها: العادة، وأصلها متابعة العمل والجد في السعي، دأب يدأب دأبًا ودئابًا ودءوبًا، وأدأبت السير: تابعته. مأسَل، بفتح السين: جبل بعينه، ومأسِل، بكسر السين: ماء بعينه والرواية فتح السين. يقول: عادتك في حب هذه كعادتك من تينك، أي: قلة حظك من وصال هذه ومعاناتك الوجد بها كقلة حظك من وصالهما، ومعاناتك الوجد بهما، قوله: قبلها أي: قبل هذه التي شغفت بها الآن.
الخطيب التبريزي: كدأبك: أي كعادتك، وروى أبو عبيدة (كدينك) والدين هنا بمعنى الدأب والعادة، والكاف متعلقة بقوله: قفا نبك، كأنه قال: قفا نبك كعادتك في البكاء، والكاف في موضع نصب، والمعنى بكاء مثل عادتك، ويجوز أن تكون الكاف متعلقة بشفائي، ويكون التقدير: كعادتك في أن تشتفي من أم الحويرث، والباء في قوله (بمأسل) متعلقة بقوله كدأبك، كأنه قال: كعادتك بمأسل، ومأسل: موضع، وأم الحويرث: هي هر أم الحارث بن حصين بن ضمضم الكلبي، وأم الرباب: من كلب ايضا، يقول: لقيت من وقوفك على هذه الديار وتذكرك أهلها كما لقيت من أم الحويرث وجارتها، وقيل: المعنى إنك أصابك من التعب والنصب من هذه المرأة كما أصابك من هاتين المرأتين.
٨فَفاضَت دُموعُ العَينِ مِنّي صَبابَةً
عَلى النَحرِ حَتّى بَلَّ دَمعِيَ مِحمَلي
ابن الأنباري: قوله (ففاضت) معناه: فسالت. والصبابة: رقة القلب، ورقة الشوق. يقال: فلان صب بفلان، وقد صب يصب. قال الشاعر: يَصَبُّ إلى الحياة ويشتهيها ... وفي طول الحياةِ له عَناءُ والصبابة منصوبة على المصدر، كما تقول: أقبل عبد الله ركضا، فتنصب ركضا على المصدر، والتقدير ركض عبد الله ركضا. قال الشاعر: يعجبه السَّخُونُ والعصيدُ ... والتَّمرً حباًّ ما له مَزيدُ نصب الحب على المصدر، والتقدير: يحب السخون حبا. قال امرؤ القيس: فصرنا إلى الحُسْنىَ ورقَّ كلامُنا ... ورُضْت وَذلَّتْ صَعبةً أيَّ إذلالِ فنصب أي على المصدر، لان التقدير وأذللت أي إذلال. وقال الله عز وجل: (أنْبتَكُمْ مِن الأرضِ نَباتاً). نصب النبات على المصدر، لان التقدير: نبتم نباتا. والمحمل: السير الذي يحمل به السيف، والجمع على غير قياس حمائل. وليس للحمائل واحد من لفظها، ولو كان لها واحد لكان حميلة، ولكان لم يسمع واحدها من العرب. وكذا قولهم: مطايب الثور والجزور، لا واحد للمطايب من لفظها. وقال الشاعر في المحمل: فارفضَّ دمعُكَ فوق ظهر المِحْمَلِ أخرى: (وارفضَّ).
الزوزني: الصبابة: رقة الشوق، وقد صبّ الرجل يصب صبابة فهو صَبٌّ، والأصل صبب فسكنت العين وأدغمت في اللام. المحمل: حمالة السيف، والجمع المحامل، والحمائل جمع الحمالة. يقول: فسالت دموع عيني من فرط وجدي بهما وشدة حنيني إليهما حتى بلّ دمعي حمالة سيفي. ونصب صبابة على أنه مفعول له كقولك: زرتك طمعًا في برِّك، قال الله تعالى موت، وكذلك زرتك للطمع في برِّك، وفاضت دموع العين مني للصبابة
الخطيب التبريزي: فاضت: سالت، والصبابة: رقة الشوق، يقال: صببت أصب، قال الشاعر: يَصَبُّ إلى الْحَيَاةِ وَيَشْتَهِيهَا ... وَفِي طولِ الْحَيَاةِ لَهُ عَنَاءُ والمحمل: السير الذي يحمل به السيف، والجمع حمائل على غير القياس، وليس لها من لفظها واحد، ولو كان لها واحد من لفظها لكان حميلة، ولكنها لم تسمع، قال الشاعر في المحمل: فَارْفَضَّ دَمْعُكَ فَوْقَ ظَهْرِ المِحْمَلِ ونصب (صبابة) لأنه مصدر وضع موضع الحال كقولك: زيد مشيا، أي ماشيا، ومثله قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ أن أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً) أي غائرا، ويجوز أن يكون نصب (صبابة) على إنه مفعول له. ومما يسأل عنه في هذا البيت أن يقال: كيف يلل الدمع محمله وإنما المحمل على عاتقه؟ فيقال: قد يكون منه على صدره، فإذا بكى وجرى الدمع عليه ابتل.
٩أَلا رُبَّ يَومٍ لَكَ مِنهُنَّ صالِحٌ
وَلا سِيَّما يَومٍ بِدارَةِ جُلجُلِ
ابن الأنباري: الافتتاح للكلام، ورب فيها لغات، أفصحهن ضم الراء وتشديد الباء. قال الله عز وجل: (رُبَّما يَوَدُّ الذين كَفَروا لو كانوا مُسْلِمِين). وقال الأعشى: رُبَّ رِفدٍ هرَقْتَه ذلك اليو ... مَ وأسرَى كأنَّهنَّ السَّعالي وشيوخٍ حرَبَى بشطَّيْ أريكٍ ... ونساءٍ كأنَّهنَّ السَّعالي ومن العرب من يضم الراء ويخفف الباء فيقول: رُبَ رجلٍ قائم. قرأ أهل الحجاز: (رًبَما يودُّ الذين كَفَروا)، بتخفيف الباء. وقال الفراء: قال قيس بن الربيع عن عاصم: قرأت على زرر بن حبيش: (رُبَّما) بالتشديد، فقال: إنك لتحب الرب (رُبمَا) فخفف. وقال الشاعر في التخفيف: أشيَبْان ما أدراكَ أن رُبَ ليلةٍ ... غبقتكَ فيها والغَبوُق حَبيبُ وقال الآخر: رُبَ ذِي لِقَاحٍ وَيْبَ أمِّك فاحشٍ ... هاعٍ إذا ما النَّاسُ جاعُول وأجدَبُوا وقال الآخر: عُلِّقتُها عَرَضاً وأقتلُ قَومَها ... رُبَ مَزْعَم للمرءِ ليسَ بمزعَمِ ومن العرب من يفتح الراء من رُبَّ ويشد الباء، فيقول: رَبَّ رجل قائل. وزعم الكسائي إنه سمع التخفيف في المفتوحة. ومن العرب من يدخل معها تاء للتأنيث ويشدد الباء، فيقول: رُبَّت رجل قائم. قال الشاعر: ماويَّ بل رُبَّتَما غارةٍ ... شَعواءَ كاللَّذْعة بالميسمِ ويجوز أن تخففها فتقول رُبَتَ رجل قائم. والمعنى: ألا رب يوم كان فيه لك سرور وغبطة. واليوم مخفوض برب، واللام صلة لليوم، ومن صلة اللام، كما تقول: مررت برجل في الدار خلفك، فتجعل في صلة رجل، وخلفك صلة في. ولا يجوز أن تكون اللام ومن صلتين لليوم، لأن الرسم لا يوصل بصلتين، لا يجوز أن تقول مررت برجل قام قعد. ويجوز أن تكون اللام صلة صالح، ومن صلة اللام. وصالح صلة لليوم مشبه بالنعت، من قبل إنه تبع اليوم، والصلات لا تتبع الأسماء. وقوله: (ولا سيما يوم بدارة جلجل) معناه التعجب من فضل هذا اليوم، أي هو يوم يفضل الأيام، والتقدير: ولا مثل الذي هو يوم. فما بمعنى الذي، واليوم مرفوع بإضمار هو. ويروى (ولا سيما يوم) فاليوم مخفوض بإضافة سي اليه، وما صلة. ويقال سيَما وسيَّما، بالتخفيف والتشديد. ويقال: هذا سي هذا، أي مثل هذا. ويقال: هما سيان، أي مثلان. ودارة جلجل: قام هشام بن الكلبي: هي عند غمر ذي كندة وقال الأصمعي وأبو عبيدة: دارة جلجل هي في الحمى. ويقال: دار ودارة، وغدير غديرة، وإزار وإزارة. والباء في قوله: (بدارة جلجل) صلة لليوم.
الزوزني: في ربّ لغات: وهي رُبَّ ورَبَّ ورُبْ ورُبَ ثم تلحق التاء فتقول ربّة وربّت، وربّ موضوع في كلام العرب للتقليل وكم م وضوع للتكثير، ثم ربما حملت رُبّ على كم في المعنى فيراد بها التكثير، وربما حملت كم على رب في المعنى فيراد بها التقليل، ويروى: ألا رب يوم كان منهن صالح، والسيّ: المثل: يقال هما سيان أي مثلان. ويجوز في يوم الرفع والجر، فمن رفع جعل ما موصولة بمعنى الذي، والتقدير: ولا سي اليوم الذي هو بدارة جلجل، ومن خفض جعل ما زائدة، وخفضه بإضافة سيّ إليه فكأنه قال: ولا سي يوم أي ولا مثل يوم. دارة جلجل غدير بعينه. يقول: رب يوم فزت فيه بوصال النساء وظفرت بعيش صالح ناعم منهن ولا يوم من تلك الأيام مثل يوم دارة جلجل، يريد أن ذلك اليوم كان أحسن الأيام وأتمها، فأفادت لا سيما التفضيل والتخصيص.
الخطيب التبريزي: ألا: افتتاح للكلام، ورُبَّ فيها لغات، أفصحهن ضم الراء وتشديد الباء، ومن العرب من يضم الراء ويخفف الباء، فيقول: رُبَ رجل قائم، ويروى عن عاصم إنه قال: قرأت على زر بن حُبيش (رُبَّما) بالتشديد، فيقال: انك لتحب الرُّبَّ، ربما مخففة، ومن العرب من يفتح الراء ويشدد الباء فيقول: رَبَّ رجل قائم، وزعم الكسائي إنه سمع التخفيف في المفتوحة، ومن العرب من يدخل معها تاء التأنيث ويشدد الباء، ويجوز تخفيفها مع تاء التأنيث فيقول: رُبَة رجل قائم. والمعنى ألا رب يوم لك منهن سرور وغبطة. والسيُّ: المثل، ودارة جلجل: موضع، ويروى ولاسيما يومٍ ويومٌ بالجر والرفع فمن جره جعل ما زائدة للتوكيد، وهو الجيد، ومن رفعه جعل ما بمعنى الذي وأضمر مبتدأ، والمعنى: ولاسيما هو يوم، وهذا أقبح جدا؛ لأنه حذف اسما منفصلا من الصلة، وليس هذا بمنزلة قولك: الذي أكلت خبز؛ لأن الهاء متصلة فحسن حذفها، ألا ترى إنك لو قلت (الذي مررت زيد) تريد الذي مررت به زيد؛ لم يجز. فأما نصب سي فبلا، ولا يجوز أن يكون مبنيا مع لا؛ لأن لا لا يبني مع المضاف، لأن ما يبنى مشبه بالحروف، ولا تقع الإضافة في الحروف، فإذا أضفت المبني زال البناء، ولا يجوز أن تقول: ما جاءني القوم سيما زيد، حتى تأتي بلا، وحكى الأخفش إنه يقال (لاسيما) مخففا. ومعنى قوله (ولاسيما يوم بدارة جلجل) التعجب من فضل هذا اليوم، أي هو يوم يفضل سائر الأيام، وقال هشام ابن الكلبي: دارة جلجل عند غمر كندة، وقال الأصمعي وأبو عبيدة: دارة جلجل في الحمى، ويقال: دار، ودارة، وغدير، وغديرة، وإزار، وإزارة، ويروى (ألا رب يوم صالح لك منهم). فإن قيل: كيف جاز أن يقال (منهم) وهن نساء؟ فالجواب أن يقال: كأنه عناهن وعنى أهلهن، فغلب المذكر على المؤنث، ويروى (صالح لم منهما) وأجود الروايات (ألا رب يوم لك منهن صالح) على ما فيه من الكف، وهو حذف النون من مفاعلين.
١٠وَيَومَ عَقَرتُ لِلعَذارى مَطِيَّتي
فَيا عَجَباً مِن كورِها المُتَحَمَّلِ
ابن الأنباري: اليوم موضعه رفع على الرد على اليوم الذي بعد سيما، إلا إنه نصب في اللفظ، لأنه مضاف غير محض. قال الله عز وجل: (وما أدراكَ ما يومُ الدين. ثم ما أدراكَ ما يومَ الدين. يومَ لا تَملِكُ نفسٌ شيئاً)، فموضع اليوم رفع، إلا إنه نصب لأن إضافته غير محضة. قال الشاعر: مِن أيِّ يومَيَّ من الموتِ أفغِرّ ... أيَومَ لا يُقْدَرُ أم يومَ قُدِرْ فاليوم الذي بعد الألف وبعد أم مخفوض على الرد على اليومين الأولين. وقال الآخر: على حينَ انحنيتُ وشابَ رأسي ... فأيَّ فتىً دعوتَ وأيَّ حينِ وقال الآخر: على حينَ عاتبتُ المَشِيب على الصبِّا ... وقُلتُ ألمَّا تَصْحُ والشيبُ وازِعُ ومن روى البيت الأول: (ولاسيما يومٍ) قال: موضع ويوم عقرت خفض على النسق على اليوم الأول، إلا إنه نصب لأن إضافته غير محضة. وقال الفراء: لا يجوز أن يكون (يوم عقرتُ) مردودا على قوله (ألا رب يوم لك منهن صالح)، لأنه مضاف غير محض وهو معرفة، فلا يجوز لرب أن تقع على المعارف. وقال غير الفراء: اليوم منصوب بفعل مضمر، كأنه قال: وأذكر يوم عقرتُ. وقالوا: معناه التعجب. قال أبو بكر: والقول الأول عندي أقيس، لأنا نضمر إذا لم يمكنا النسق، فإذا أمكننا فليس بنا حاجة إلى الإضمار. ويقال: العذارَى والعذارِى، والصحارَى والصحارِى، والذفارَى والذفارِى. ومطيته: ناقته. ويقال حمر مصارٍ ومصارَى: منسوبة إلى مصر؛ ودجاج بحارٍ وبحارَى: منسوبة إلى البحر. وقوله: (فيا عجبا لرحلها المتحمل) معناه: فعلت هذا لسفهي في شبابي. ثم أقبل يخبر فقال: فظل العذارى يرتمين. ويقال معنى قوله: (فيا عجبا لرحلها المتحمل): العجب لهن ومنهن كيف أطقن حمل الرحل في هودجهن، فكيف رحلن إبلهن على تنعمهن ورفاهة عيشهن، ورخص أبدانهن.
الزوزني: العذراء من النساء: البكر التي لم تفتض، والجمع العذارى. الكور: الرحل ب أداته، والجمع الأكوار والكيران؛ ويروى: من رحلها المتحمل، المتحمل: الحمل. فتح يوم مع كونه معطوفًا على مجرور أو مرفوع وهو يومٌ أو يومٍ بدارة جلجل؛ لأنه بناه على الفتح لما أضافه إلى مبني وهو الفعل الماضي، وذلك قوله: عقرت، وقد يبنى المعرب إذا أضيف إلى مبني، ومنه قوله تعالى فبنى مثل على الفتح مع كونه نعتًا لمرفوع لما أضافه إلى ما وكانت مبنية، ومنه قراءة من قرأ يـَوْمِئِذان مضافًا إليه؛ ومثله قول النابغة الذبياني على حينَ عاتبت المشيب على الصبا فقلت ألما تصح والشيب وازع بنى حين على الفتح لما أضافه إلى الفعل الماضي؛ فضّلَ يوم دارة جلجل ويوم عقر مطيته للأبكار على سائر الأيام الصالحة التي فاز بها من حبائبه، ثم تعجب من حملهن رحل مطيته وأداته بعد عقرها واقتسامهن متاعه بعد ذلك. قوله: فيا عجبًا، الألف فيه بدل من ياء الإضافة، وكان الأصل فيا عجبي، وياء الإضافة يجوز قلبها ألفًا في النداء نحو يا غلامًا في يا غلامي، فإن قيل: كيف نادى العجب وليس مما يعقل؟ قيل في جوابه: إن المنادى محذوف، والتقدير: يا هؤلاء أو يا قوم اشهدوا عجبي من كورها المتحمل فتعجبوا منه، فإنه قد جاوز المدى والغاية القصوى؛ وقيل: بل نادى العجب اتساعًا ومجازًا، فكأنه قال: يا عجبي تعال واحضر فإن هذا أو إن إتيانك وحضورك.
الخطيب التبريزي: العذارى: جمع عذراء، يقال: عذراء وعذار وعذارى؛ فعذار منون في موضع الرفع والجر وغير منون في موضع النصب، وإذا قلت عذارى فالألف بدل من الياء لأنها أخف منها. فإن قال قائل: فلم لا أبدل الياء في قاض ألفا؟ فزعم الخليل أن عذارى إنما أبدلت من الياء منه الألف لأنه لا يشكل إذ كان ليس في الكلام فعال، ولم تبدل الياء في قاض فيقال قاضا، لانه في الكلام فاعل نحو طابق وخاتم. فإن قال قائل: فلم لا تنون عذارى في موضع الرفع والجر، كما تفعل في عذارٍ؟ فالجواب في هذا أن سيبويه زعم أن التنوين في عذارٍ وما أشبهها عوض من الياء، فإذا جئت بالألف عوضا من الياء لم يجز أن تعوض من الياء شيئا آخر. وزعم أبو العباس محمد بن يزيد أن التنوين في عذارٍ وما أشبهها عوض من الحركة؛ فإذا كان عوضا من الحركة والألف لا يجوز أن يحرَّك، فكيف يجوز أن يدخل التنوين عوضا من الحركة فيما لا يحرك؟ وقوله (فيا عجبا) الألف بدل من الياء، كما تقول: (يا غلاما أقبل) تريد يا غلامي. ويقال: كيف يجوز أن ينادى العجب وهو مما لا يجيب ولا يفهم؟ فالجواب في هذا أن العرب إذا أرادت أن تعظم أمر الخبر جعلته نداء، قال سيبويه: إذا قلت يا عجبا كأنك قلت تعال يا عجب فإن هذا من إبانك؛ فهذا أبلع من قولك تعجبت، ونظير هذا قولهم (لا أرينك هاهنا)؛ لأنه قد علم إنه لا ينهى نفسه، والتقدير: لا تكن هاهنا فإنه من يكن هاهنا أره، وقال الله عز وجل (وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) فقد علم إنه لا ينهاهم عن الموت، والتقدير والله أعلم: اثبتوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت، وكذلك قوله (يا عجبا) قد علم إنه لا ينادى العجب، فالمعنى انتبهوا للعجب. وقوله (يوم عقرت) يوم: في موضع جر معطوف على يوم الذي يلي سيما، ومن رفع فقال (ولاسيما يوم) فموضع يوم الثاني رفع، وإنما فتح لأنه جعل يوما وعقرت بمنزلة اسم واحد، وكذلك ظروف الزمان إذا أضيفت إلى الأفعال الماضية أو اسم غير متمكن بنيت معها، نحو (أعجبني يوم خرج زيد) ونحو ما أنشد سيبويه: عَلَى حِينَ ألْهى النَّاسَ جُلُّ أَمُورِهِمْ ... فَنَدْلاً زُرَيْقُ المَالَ نَدْلَ الثّعَالِبِ ويجوز أن يكون يوم منصوبا معربا كأنه قال: اذكر يوم عقرت؛ ففي إعراب (يوم) ثلاثة أوجه: النصب بفعل مضمر، والجر عطفا على اليوم الذي قبله، والثالث أن يكون مرفوع الموضع مبني اللفظ لإضافته إلى فعل مبنى، وعند الكوفيين يجوز أن تُبنى ظروف الزمان مع الفعل المستقبل، ولا يجوز ذلك عند البصريين لأن المستقبل معرب. ومن خبر هذا اليوم أن امرأ القيس كان عاشقا لابنة عم له يقال لها: (عُنيزة) وكان يحتال في طلب الغرة من أهلها، فلم يمكنه ذلك، حتى كان يوم الغدير، وهو يوم دارة جلجل، احتمل الحي، فتقدم الرجال وخلَّفوا النساء والعبيد والثقل، فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلَّف بعد قومه غلوة فكمن في غيابة من الأرض حتى مرت به النساء، وإذا فتيات فيهن عنيزة، فعدلن إلى الغدير ونزلن، وتحيز العبيد عنهن، ودخلن الغدير، فأتاهن امرؤ القيس - وهن غوافل - فأخذ ثيابهن ثم جمعها وقعد عليها، وقال: والله لا أعطي جارية منكن ثوبها ولو ظلت في الغدير إلى الليل حتى تخرج كما هي متجردة فتكون هي التي تأخذ ثوبها، فأبين عليه، حتى ارتفع النهار وخشين أن يقصرن دون المنزل الذي يردنه، فخرجت إحداهن فوضع لها ثوبها ناحية فمشت إليه فأخذته ولبسته، ثم تتابعن على ذلك، حتى بقيت عنيزة، فناشدته الله أن يضع ثوبها، فقال لها: لا والله لا تمسينه دون أن تخرجي عُريانة كما خرجت فنظر إليها مُقبلة ومُدبرة، فوضع لها ثوبها فأخذته ولبسته، فأقبلت النسوة عليه، وقلن له: غدِّنا فقد حبستنا وجوَّعتنا، فقال: أن نحرت لكن ناقتي تأكلن منها؟ قلن: نعم، فاخترط سيفه فعرقبها، ثم كشطها، وجمع الخدم حطبا كثيرا، وأجج نارا عظيمة، وجعل يقطع لهن من كبدها وسنامها وأطايبها فيرميه على الجمر، وهن يأكلن ويشربن من فضلة كانت معه في ركوة له، ويغنيهن وبنبذ إلى العبيد من الكباب، حتى شبعن وشبعوا وطربن وطربوا، فلما ارتحلوا قالت إحداهن: أنا أحمل حشيته وأنساعه، وقالت الأخرى: أنا أحمل طنفسته، فتقسمن متاع راحلته بينهن، وبقيت عنيرة لم يحملها شيئا، وقال: ليس لك بد من أن تحمليني معك؛ فإني لا أطيق المشي ولم أتعوده، فحملته على بعيرها، فلما كان قريبا من الحي نزل، فأقام حتى إذا جنه الليل أتى أهله ليلا. وقوله (فيا عجبا لرحلها المتحمل) أي العجب لهن ومنهن كيف أطقن حمل الرجل في هوادجهن؟ وكيف رحلن إبلهن على تنعمهن ورفاهة عيشهن؟
١١فَظَلَّ العَذارى يَرتَمينَ بِلَحمِها
وَشَحمٍ كَهُدّابِ الدِمَقسِ المُفَتَّلِ
ابن الأنباري: العرب تقول: ظل فلان يفعل كذا وكذا، إذا فعله نهارا؛ وبات يفعل كذا وكذا، إذا فعله ليلا. وظل من الفعل فعل، ويظل يفعل، كان الأصل فيهما ظلل يظلل، فكرهت العرب أن يجمع بين حرفين متحركين من جنس واحد فأسقطوا حركة الحرف الأول وأدغموه في الثاني، كما قالوا صم يصم، والأصل فيه صمم يصمم، فأسقطوا حركة الميم الأولى وأدغموها في الثانية لما ذكرنا. والعذارى موضعهن رفع بظل، كان الأصل فيهن العذارى، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفتها، لأن الضمة إعراب والياء قد تكون إعرابا، فكرهوا أن يدخلوا الضمة عليها لهذه العلة. وخبر ظل ما عاد من يرتمين من ذكر العذارى، والنون علامة الرفع والجمع والتأنيث. وقال أبو عبيدة: معنى قوله (يرتمين بلحمها): يتهادينه ويناول بعضهن بعضا. والدمقس والمدقس: كل ثوب أبيض من كتان أو إبريسم أو قز. وقال قوم: شبه شحم هذه الناقة وهؤلاء الجوارى يترامينه، أي يتهادينه، بهدأب الدمقس، وهو غزل الإبريسم المفتول. وقال الأصمعي: الهداب الهدب. والدمقس: الحرير. كانوا يتخذون قطفا من حرير يركبون عليها، وكانت حواشيها مما يلي الهداب منها بيضا. فشبه بياض اللحم ولينه ونعمته بذلك. يقال هداب وهدب. وقال ابن حبيب: شبَّه اللحم في بياضه بالدمقس. وقد يكون أن يحتذبنه ليلقم بعضهن بعضا. فشبه رقه الهدب به. وقال السجستاني: ثم اقبل يخبر أنهن كن يرتمين بلحمها وشحمها، يرمى بعضهن بعضا به، شهوة له. وقال غيره: المعنى: بذلت لحم راحلتي لهن، فهن يطرحنه على النار. والباء صلة يرتمين. ويرتمين يفتعلن من الرمي. والشحم منسوق على اللحم. والكاف في موضع خفض لأنها نعت للشحم، كأنك قلت: وشحم مثل هداب، كما تقول: مررت برجل كالشمس، أي مثل الشمس. والمفتل نعت للدمقس.
الزوزني: يقال: ظل زيد قائمًا إذا أتى عليه النهار وهو قائم، وبات زيد نائمًا إذا أتى عليه الليل وهو نائم، وطفق زيد يقرأ القرآن إذا أخذ فيه ليلاً ونهارًا. الْهُدَّاب والهدب: اسمان لما استرسل من الشيء نحو ما استرسل من الأشفار منالشعر ومن أطراف الأثواب، الواحدة هدابة وهدبة، ويجمع الهدب على الأهدب. الدمقس والمدقس: الإبريسم، وقيل: هو الأبيض منه خاصة. يقول: فجعلن يلقي بعضهن إلى بعض شواء المطية استطابة أو توسعًا فيه طول نهارهن؛ وشبه شحمها بالإبريسم الذي أجيد فتله وبولغ فيه، وقيل هو القز. الشحم: السمن.
الخطيب التبريزي: يرتمين: يناول بعضهن بعضا، والهداب والهدب واحد، وهو طرف الثوب الذي لم يستتم نسجه، والدمقس: الحرير الأبيض، ويقال: هو القز، وهو المدقس أيضا، وقيل الدمقس والمدقس كل ثوب أبيض من كتان أو إبريسم أو قز، وشبه شحم هذه الناقة وهؤلاء الجواري يترامينه - أي يتهادينه - يهداب الدمقس، وهو غزل الإبريسم المفتول، والمفتل بمعنى المفتول، إلا أنك إذا قلت (مفتول) يقع للقليل والكثير، وإذا قلت (مفتل) لم يكن إلا للكثير، ويقال: ظلَّ يفعل كذا، إذا فعله نهارا، وبات يفعل كذا، إذا فعله ليلا، وأصل ظلَّ ظلل، فكرهت العرب الجمع بين حرفين متحركين من جنس واحد، فأسقطوا حركة الحرف الأول وأدغموه في الثاني، والعذارى: اسم ظل، ويرتمين: خبرها، والكاف في قوله (كهداب) في موضع جر؛ لأنها نعت للشحم، أي مثل هُدَّاب.
١٢وَيَومَ دَخَلتُ الخِدرَ خِدرَ عُنَيزَةٍ
فَقالَت لَكَ الوَيلاتُ إِنَّكَ مُرجِلي
ابن الأنباري: اليوم منسوق على قوله: (ويوم عقرت)، يجوز فيه ما جاز فيه، وهو منصوب من قول قوم من النحويين بفعل مضمر، كأنك قلت: واذكر يوم عقرت. والخدر منصوب بدخلت، وخدر عنيزة مترجم عن الخدر الأول. وعنيزة مخفوضة بإضافة الخدر إليها، وكان ينبغي أن ينصبها بلا تنوين، لأنها لا تُجرى، كما تقول نظرت إلى فاطمة وعائشة، ولكنه خفضها بتنوين لضرورة الشعر. وعنيزة هي المرأة التي كانت حملته في هودجها فكان يحاول منها ما يحاول، فتمايل الهودج مرة به ومرة بها فتقول له عند ذلك: لك الويلات إنك مرجلي. قال ابن الكلبي: لا أعرف عنيزة. وقال الأصمعي: عنيزة لقب لفاطمة. وقال أبو نصر: عنيزة امرأة. وقال ابن حبيب: إنما الرواية: (ويوم دخلت الخدر يوم عنيزة)، وقال: عنيزة: هضبة سوداء بالشحر ببطن فلج. والدليل على أن عنيزة موضع قوله: (أفاطم مهلا). وقوله: (لك الويلات) فيه قولان: أحدهما أن يكون دعاء منها عليه في الحقيقة، اذ كانت تخاف أن يعقر بعيرها. والقول الآخر: أن يكون دعاء منها له في الحقيقة، كما تقول العرب للرجل إذا رمى فأجاد: قاتله الله ما أرماه! قال الشاعر: لك الويلاتُ أقدِمنْا عليهم ... وخير الطالبي الترةِ الغَشومُ وقالت الكندية ترثي اخوتها: هَوتْ أمُّهمْ ماذا بهم يوم صُرِّعوا ... ببَيْسانَ من إثباتِ مَجدٍ تصرَّما فقوله: (هوت أمهم) دعاء عليهم في الظاهر، وهو دعاء لهم في الحقيقة. وقوله: (إنك مرجلي) قال الأصمعي: دخل معها في الهودج فقالت: إنك تعقر بعيري فتدعني ذات رجلة! والهودج، هو الخدر، ومن ثمة قيل: أسد خادر ومخدر، أي في أجمة مثل الخدر. يقال رجل الرجل يرجل رجلا، وأرجله إرجالا. وقال أبو عبيدة: إنما قال: (عقرت بعيري) ولم يقل ناقتي، لأنهم يحملون النساء على الذكور، لأنها أقوى وأضبط. والبعير يقع على المذكر والمؤنث. قال هشام: العرب تقول: اسقني لبن بعيرك، يريدون لبن ناقتك.
الزوزني: الخدر: الهودج، والجمع الخدور، ويستعار للستر والحجلة وغيرهما، ومنه قولهم: خدرت الجارية، وجارية مخدَّرة أي: مقصورة في خدرها لا تبرز منه، ومنه قولهم: خدر الأسد يخدر خدرًا وأخدر إخدارًا إذا لزم عرينه؛ ومنه قول ليلى الأخيلية فتى كان أحيا من فتاة حيية وأشجع من ليث بخفان خادر وقول الشاعر كالأسد الورد غدا من مخدره والمراد بالخدر في البيت الهودج. عنيزة: اسم عشيقته وهي ابنة عمه، وقيل: هو لقب لها واسمها فاطمة، وقيل: بل اسمها عنيزة وفاطمة غيرها. قوله: فقالت لك الويلات، أكثر الناس على أن هذا دعاء منها عليه، والويلات: جمع ويلة، و الويلة والويل: شدة العذاب، وزعم بعضهم أنه دعاء منها له في معرض الدعاء عليه، والعرب تفعل ذلك صرفًا لعين الكمال عن المدعو عليه. ومنه قولهم: قاتله الله ما أفصحه! ومنه قول جميل: رمى الله في عيني بثنية بالقذى وفي الغر من أنيابها بالقوادح ويقال: رَجِلَ الرجُل يرجل رَجَلاً فهو راجل، وأرجلته أنا صيرته راجلاً. خدر عنيزة بدل من الخدر الأول، والمعنى: يوم دخلت خدر عنيزة، وهذا مثل قوله تعالى أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ، يا تيم تيم عدي لا أبا لكمو لا يلفينكمو في سوأة عمر وصرف عنيزة لضرورة الشعر وهي لا تنصرف في غير الشعر للتأنيث والتعريف. يقول: ويوم دخلت هودج عنيزة فدعت عليّ أو دعت لي في معرض الدعاء عليّ، وقالت: إنك تصيرني راجلة لعقرك ظهر بعيري، يريد أن هذا اليوم كان من محاسن الأيام الصالحة التي نلتها منهن أيضًا.
الخطيب التبريزي: قوله (ويوم) معطوف على قوله (يوم عقرت) ويجوز فيه ما جاز فيه، والخدر: الهودج، ويروى (ويوم دخلت الخدر يوم عنيزة) فعنيزة على هذه الرواية: هضبة سوداء بالشحر ببطن فلج، وعلى الرواية الأولى اسم امرأة، وقوله (لك الويلات) دعاء عليه، و (مرجلي) فيه وجهان: أحدهما أن يكون المراد: أني أخاف أن تعقر بعيري كما عقرت بعيرك، والثاني - وهو الصحيح - أن يكون المراد إنها لما حملته على بعيرها ومال معها في شقها كرهت أن يعقر البعير، يقال: رَجِل الرَّجُلُ يَرْجَل، إذا صار راجلاً، وأرجله غيره، إذا صيَّره كذلك، وقال ابن الانباري: في قوله (لك الويلات) قولان: أحدهما أن يكون دعاء منها عليه إذ كانت تخاف أن يعقر بعيرها، والقول الآخر: أن يكون دعاء منها له في الحقيقة كما تقول العرب للرجل إذا رمى فأجاد: قاتله الله ما أرماهُ، قال الشاعر: لَكَ الْوَيْلاَتُ أَقْدِمْنَا عَلَيْهِمْ ... وَخَيْرُ الطَّالِبِي التِّرَةِ الغَشُومُ وقالت الكندية ترثي اخوتها: هَوَتْ أُمُّهُمْ، مَاذَا بِهِمْ يَوْمَ صُرِّعُوا ... بِجِيْشَانِ مِنْ أَسْبَابِ مَجْدٍ تَصَرَّما؟ فقولها (هوت أمهم) دعاء عليهم في الظاهر، وهو دعاء لهم في الحقيقة، وحقيقة مثل هذا إنه يجري مجرى المدح والثناء عليهم، لا الدعاء لهم.
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.