تجاوز إلى المحتوى

من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)

فصل في ذكر الاحتيال على طيف الخيال

وهو أمر مهم عند أهل الغرام يتوصل إليه بالمنام وإنما تدعو الحاجه إليه عند طول الهجر وشدة الدجر ومقاساة نار الملل والسهر ولم أر فيه ألطف من كلام أستاذ الوجود وقطب مراتب أهل الشهود سيدي عمر بن الفارض نفعنا الله بمدده بل أظنه السابق إلى هذا المنوال والفاتح فيه باب الاحتيال حيث قال:

نصبت على عيني لتحصيل غمضهالزورة زور الطيف حيلة محتال
فما أسعفت بالغمض لكن تعسفتعليّ بدمع دائم الصب هطال
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «أرى البعد لم يخطر سواكم على بالي»

ففي البيتين مع ما طلبه من التحسين البديعي ما لا يخفي.

وقال ابن النقيب في المعنى

نصبت جفوني للخيال حبائلاًلعل خيالاً في الكرى منه يسنح
وكيف إذا أغمضتهن أصيدهومن عادة الاشراك للصيد تفتح

وتلطف ابن نباتة في أخذه فقال

واقسم لو جاد الخيال بزورةلصادف باب الجفن بالفتح مقفلا
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «أمنزل ذات الخال حييت منزلا»

وتلطف ابن السروجي بقوله

انعم بوصلك فهذا وقتهيكفي من الهجران ما قد ذقته
للشاعر تقي الدين السروجي، من قصيدة «أنعم بوصلك لي فهذا وقتُهُ»
أنفقت عمري في هواك وليتنيأعطي وصالاً بالذي أنفقته
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «الروض زاده والرقيب صرفته»
يا من شغلت بحبه عن غيرهوسلوت كل الناس حين عشقته
أنت الذي جمع المحاسن وجههلكن كنز تصبري فرقته
قال العواذل يدّعي بك نسبةفسررت لما قلت قد صدقته
بالله إن سألوك عني قل لهمعبدي ومملوكي وما أعتقته
للشاعر تقي الدين السروجي، من قصيدة «أنعم بوصلك لي فهذا وقتُهُ»
أو قيل مشتاق إليك فقل لهمأدري بذا وأنا الذي شوّقته
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «الروض زاده والرقيب صرفته»
يا حسن طيف من خيالك زارنيمن فرحتي بلقاك ما حققته
للشاعر تقي الدين السروجي، من قصيدة «أنعم بوصلك لي فهذا وقتُهُ»
فمضى وفي قلبي عليه حسرةلو كان يمكنني الرقاد لحقته
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «الروض زاده والرقيب صرفته»

وابن السروجي هذا ذكره مما في منازل الأحباب في عشاق الغلمان وفي ثمرات الأوراق سماه تقي الدين ونقل عنه بعض هذا الشعر ولم يسم معشوقه والشاهد من شعره هنا البيتان الأخيران وإنما ذكرناه كله لحسنه ومن المكثرين من ذكر الخيال حتى ضربت به الأمثال البحتري ومن قوله فيه:

ولم أنس اسعاف الكري بدنوّهاوزورتها بعد الهدوّ ولم تدري
للشاعر البحتري، من قصيدة «تريك الذي حدثت عنه من السحر»
إذا الليل أعطانا من الوصل بلغةثنتنا تباشير الصباح من الفجر

وقوله

وليلة هوّ منا على العيش أقبلتبطيف خيال يشبه الحق باطله
فلولا بياض الصبح طال تشبثيبعطفي غزال بنت وهنا أعازله
للشاعر البحتري، من قصيدة «هب الدار ردت رجع ما أنت قائله»
فكم من يد لليل عندي حميدةوللصبح من خطب تذم هوائله

وقال عبد الصمد

واصل النوم بيننا بعد هجرفاجتمعنا ونحن مفترقان
عير أن الأرواح خافت رقيباًفطوت سرها عن الأبدان
منظر كان لذة القلب إلاأنه منظر بغير عيان
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة

وقال ابن القظان

زار الخيال نحيلاً مثل مرسلهفما شفاني منه الضم والقبل
ما زارني قط إلا كي يواقفنيعلى الرقاد فينفيه ويرتحل
للشاعر الحيص بيص، من قصيدة «زار الخيال بخيلا مثل مرسله»

وقد أنشدهما يوماً عند الوزير الزيني وادعى أنه لا يمكن تثليثهما فأنشد الحيص بيض بديهة.

وما درى أن نومي حيلة نصبتلطرفه حين أعيا اليقظة الحيل
للشاعر الحيص بيص، من قصيدة «زار الخيال بخيلا مثل مرسله»

وقال ابن العفيف

يا حبذا طيفك من قادميا أحسن العالم في العالم
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «يا حبذا طيفك من قادم»
طيف تجلى نوره ساطعاًحتى رأته مقلة النائم
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «يا حبذا طيفك من قادم»
يا غائباً يحكم في مهجتيعليّ طابت غيبة الحاكم
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «يا حبذا طيفك من قادم»
عار على حسنك أن يشتكيخطي منه أنه ظالمي

وأحسن كشاجم حيث قال

لقد بخلت حتى بطيف خيالهاعليّ وقالت رحمة لنحيبي
أخاف على طيفي إذا جاء طارقاًوسادك أن يلقاه طيف رقيب

وقال آخر

وزارني طيف من أهوى على حذرمن الوشاة وداعي الصبح قد هتفا
فكدت أوقظ من حولي به فرحاًوكاد يهتك ستر الحب بي شغفا
ثم انتبهت وآمالي تجنبنينيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا

وقال ابن المعتز

أبصرته في المنام معتذراًإليّ مما جناه يقظانا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أبصرته في المنام معتذرا»
ولان حتى إذا هممت بهأنبهت عند الصباح لا كانا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أبصرته في المنام معتذرا»

وقلت

مليكة الحسن ما شيء يقال لهنوم فإن جفوني ليس تعرفه
هل تسمحين بشيء منه يطرقنيفيه خيالك أن القلب يألفه
يحيا به ميت عشق لا حراك بهلطول هجرك كاد الشوق يتلفه

ثم تشعبت آراءهم في التفنن في الخيال فمنهم من رده مللاً وضجراً ويشبه هذا ما سبق من حمله الضجر على ترك من هجر فمنهم طرفة ويقال أنه أول من ذكر الخيال وفي ديوان الصبابة أن أول من ذكره عمر بن قمئة وإن طرفه أول من طرده فقال:

فقل لخيال الحنظلية ينقلبإليها فإني واصل حبل من وصل
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة بالأجزاع من إضم طلل»

وتلاه جرير فقال

طرقتك صائدة القلوب وليس ذاوقت الزيارة فارجعي بسلام
للشاعر جرير، من قصيدة «سرت الهموم فبتن غير نيام»

وسيأتي لهذا البيت حكاية في الخاتمة تذكر هناك من رد عليه ومنهم من اعتذر عن عدم بعث الخيال بقوله:

سامحت كتبك في القطيعة عالماًأن الصحيفة أعوذت من حامل
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «سامحت كتبك في القطيعة عالماً»
وعذرت طيفك في الجفاء لأنهيسرى فيصبح دوننا بمراحل
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «سامحت كتبك في القطيعة عالماً»

ومنهم من ذم النوم في قالب الاعتذار عن طيف الخيال كأنه يقول أن المنغصات في الدنيا لا تنفك عن الانسان حتى في النوم ألا ترى أن من يحلم بمحبوبه أو شيء من مطلوبه ينتبه فلا يرى إلا الأسف والقلق وزيادة الحرق وأن حلم أنه أحدث أو ضرب رأى ذلك في الصباح ولما كان خيال المحبوب من التلذذات لم يأت النوم به جرياً على عوائد الزمان في الاتيان بغير الملائم للانسان وما أحسن قول المتنبي في هذا المعنى:

وأحسب أني إذ هويت فراقكمأفارقكم والدهر أخبث صاحب
فيا ليت بيني وبين أحبتيمن البعد ما بيني وبين المصائب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

ومن ذم المنام والرؤية فيه قول بعضهم:

أرى في منامي كل شيء يسوءنيورؤياي بعد الصبح أدهى وأقبح
فإن كان خيراً فهو أضغاث حالموإن كان شراً جاءني قبل أن أصبح
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «أرى في منامي كل شيء يسرني»

وقال المعري

إلى الله أشكو أنني كل ليلةإذا نمت لم أعدم خواطر أوهام
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
فإن كان شراً فهو لا شك واقعوإن كان خيراً فهو أضغاث أحلام
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

وقال الأحنف العكبري

وأحلم في المنام بكل خيرفأصبح لا أراه ولا يراني
ولو أبصرت شراً في مناميلوافى الشر من قبل الأذان

وقلت

لك الحمد إني لم أبت ليلةمن الدهر خلواً من أليم الغوائب
وفي النوم أن أحلم بشيء يسوءنيمن الصبح يأتيني بسوء العواقب
وإن كان خيراً لا أرى منه ذرّةلسوء مزاج أو قران كوكب

ومنهم من تطرف فوصف النوم وإبليس بالقيادة قال ابن المعتز:

ألم الخيال بلا حمدهوأبدلني الوصل من صدّه
وكم نومة لي قوّادةأتت بالحبيب على بعده
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «شفاني الخيال بلا حمده»

وقال آخر

تركت هجا إبليس ثم مدحتهوذاك لأمر عز عندي سلوكه
يقرّب من أهواه حيناً فإن أبىحكاه خيالاً في الكرى فأنيكه

ومما يصلح إيراده هنا للمناسبة أن بعض المغفلين أحب امرأة وأجهد نفسه حتى اجتمع بها فنام فقالت له: لم لم تفعل ذلك قال: من شوقي إليك لعلي أراك في النوم فقالت: أنا عندك بنفسي فقم فانظرني.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الخامس في تتمات يفتقر إليها الناظر في هذا الكتاب ويحسن موقعها عند أولي الألباب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.