من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
فصل في خفقان القلب والتلوين عند اجتماع المحبين
أعلم أن مدار تلون البدن أما على الخلط أو شدة الحرارة أو ما تركب منهما والأول يلزم حالة واحدة أما البياض في البلغم أو الحمرة في الدم أو الصفرة في الصفراء أو السواد في السواد وما تركب بحسبه مع مراعاة الطواريء كقرب الشمس أو جبل أو سد جهة وهذا المبحث هو المعروف عند الأطباء بالألوان وعند العامة بالسحنة وموضع تحقيقه الطب والثاني يلزم السمرة وإن أغلب البلغم وأما الثالث فهو الذي تناط به أمثال هذه الأحكام وحاصل القول فيه أن الجلد شفاف يحكى ما تحته وأن الباعث إليه الاخلاط هو الحرارة فهي كالنار إن اشتدت صعدت ما لاقته وموضعها القلب ومحركاتها مختلفة ما بين غضب وحياء وقهر وغيرها أما إلى داخل دفعة أو تدريجياً أو إلى خارج كذلك أو إليهما وموضع بسطه الحكمة والذي يخصنا من ذلك هنا أن نقول أن استيلاء سلطان المحبة والعشق من المعشوق على العاشق أعظم استيلاء من سلطان القهر والعظمة والناموس السلطاني حتى قال بعض الحكماء لكل مرتبة من مراتب المحبة حد إلا محبة العشق فلا حد لها وقال بعضهم إن تعلق روح العاشق ببدنه كتعلق النار بالشمعة إلا أنه لا يطفئها كل هواء إذا تقرر هذا وجمع إلى ما قررناه من مراتب تحريك الحرارة ظهر علة اصفرار لون العاشق وارتعاد مفاصله وخفقان قلبه لأن الاستبشار بالاجتماع الموجب للفرح المنتج لحركة الحرارة إلى خارج لتؤثر الحمرة وصفاء اللون يعارضه لشدة الشفقة الخوف من نحو واش وسرعة تفريق واليأس الموجب لاخماد الحرارة أو جذبها إلى داخل المنتج لصفرة اللون أو الموت فجأة ومن ثم إذا أمن من ذلك لم يقع تغير كما قيل.
فلا تحسبن كل اجتماع مغيراًفإن اجتماعي بالأمان أماني
وأما حمرة المعشوق فهي إما حياء وإما خجل وكل منهما باعث للحرارة إلى خارج ونتيجته احمرار الألوان وصفاؤها فأفضل الألوان الأحمر الصافي المشرق مطلقاً حتى في الثياب كالحلل والمشروب والمشموم كالورد والشقيق والحيوان كالخيل والمعادن كالذهب والياقوت إلى غير ذلك ومنه أهلك الرجال الأحمر أن يعني الخمر واللحم والنساء والاحامر الذهب والزعفران والخمر واللحم ولبعض الشعراء.
إن الأحامرة الثلاثة ضيعتمالي وكنت بهن قدماً مولعا
الخمر واللحم السمين كذا الطلابالزعفران فلا أزال مروّعا
وقال المتنبي:
من للجآذر في زيّ الأعاريبحمر الحلى والمطايا والجلابيب
وأحب ما يكون إليهم منه ما كان في الوجنات والشفاه قال أبو نواس.
يا قمر أبصرت في مأتمتندب شجواً بين أتراب
تبكي فتذري الدر من نرجسوتلطم الورد بعناب
وأما وصفهم الموت بالاحمرار والدمع الناشيء عن شدة الحرقة بالحمرة فليس طعناً فيهما بل مدح لأنهم أرادوا أنهما من المطالب التي لا تنال إلا بالمشاق والصعوبة ومن ألطف ما وصف به الدمع قول عماد الدين.
أرى العقد في ثغره محكماًيرينا الصحاح من الجوهر
وتكملة الحسن إيضاحهارويناه عن وجهك الأزهر
ومنثور دمعي غدا أحمراعلى آس عارضك الأخضر
وبعت رشادي بغيّ الهوىلأجلك يا طلعة المشتري
ومن ألطف ما يعجبني في وصف المعشوق بالاحمرار والعاشق بالاصفرار قول ابن أبي الحديد من قصيدته التي أولها.
الصبر إلا عن فراقك يجملوالصعب إلا من ملالك يسهل
يصفر وجهي حين أنظر حسنهخوفاً ويدركه الحياء فيخجل
فكان ما بخدوده من خمرةظلت إليها من دمي تنتقل
وقال بعض المتأذبين لم يقع في هذا المعنى ألطف من البيتين المنسوبين إلى أبليس وهما:
وحمراء قبل المزج صفراء بعدهبدت بين ثوبي نرجس وشقائق
حكمت وجنة المعشوق صرفاً فسلطواعليها مزاجاً فاكتست لون عاشق
وقيل أنشدهما لابن دريد في النوم فاعترضه بأنهما من اللف والنشر المشوش فقال له وما هذه المشاحنة في هذا الوقت يا بغيض تنبيه قد توسع الناس في هذا المبحث فخرجوا منه إلى التفضيل بين السمر والبيض وخاضوا بسبب ذلك في كلام عريض فمن قائل بتفضيل السمر مطلقاً وقوم البيض وآخرون فصلوا فقالوا إن كلاً يميل عكس لونه وهذا تحكم وحكم على الطبائع والأمزجة بلا دليل والصحيح إن الميل أما بداعية الشهوة أو النفع ولا ضبط للأول لاختلافه باختلاف الأشخاص وأما الثاني فألقوا فيه أما بحسب معتدل المزاج فالروميات حينئذ في نحو الحجاز أنفع كما أن الحبشيات في نحو الروم أجود لأن حرارة الأبدان تختبيء في الأغوار زمن البرد بالعكس وأما بالعكس وأما بحسب المرضى فالسود للمبرودين أجود والبيض للمحرورين كذلك وعندي أن عكس هذا أجود لما سمعت من التعليل والصحيح أن الحبشة ألطف مما عداهم مزاجاً وأرق بشرة وأعدل حرارة فلذلك هن أوفق مطلقاً ولكنهن في معرض التغيير وموضع تحقيق ذلك في الطبيعيات وأما الحكم على المصريين بأنهم إلى السمر أميل فمن قبيل ما قررناه من التحكم ومن ألطف الأشعار المقولة في التفضيل قول علي بن الجهم.
وعائب للسمر من جهلهمفضل للبيض ذى محك
قولوا له عني أما تستحيمن جعلك الكافور كالمسك
وقال أبو جعفر الشطرنجي:
أشبهك المسك وأشبهتهقائمة في لونه قاعده
لا شك إذ لونكما واحدأنكما من طينه واحده
وقلت في ذلك:
أرى السمر أشهى منظراً عند عارفوأشرف مطلوباً سما في المطالب
فقل للذي قد فضل البيض جاهلاًرويدك لا ترغب لغير مناسب
فكم بين قيراط من المسك قيمةوقنطار ثلج بارد من مراتب
وقلت في عكس ذلك:
بيضاء تجلو الهم عن ناظريبعين حق لا بعين انتقاص
فقل لمن يغرب في أسمرما الفضة البيضاء مثل الرصاص
وإذا أحكمت ما قررناه من علة اصفرار الألوان علمت أن خفقان القلب عند الاجتماع أو الرؤية من لازم ذلك الشأن وقد لهج الشعراء بالاعتذار عن ذلك وأكثروا فيه من التشعب والمسالك فمن ألطف ما قيل فيه قول الوراق.
يقول لي حين وافىقد نلت ما ترتجيه
فما لقلبك قد جابخفقة تعتريه
فقلت وصلك عرسفالقلب يرقص فيه
وألطف منه قول البها زهير
لا تنكروا خفقان قلبيوالحبيب لدي حاضر
ما القلب إلا دارهدقت له البشائر
وتظرف ابن عنين بزياد ظرافة على الاعتذار عن الخفقان حيث قال:
إن كان لا بدّ من رقاديفأضلعي هاك كالوساد
فنم على خفقها هدوّاكنومة الطفل في المهاد
وكثيراً ما تتبعت كلامهم فلم أر من جمع بين الاعتذار عن تغير اللون والخفقان فقلت في ذلك:
قالت أراك إذا عاينتني وجلاعديم لون بهيج كنت تملكه
والقلب منك خفوق لا يسكنهشيء فيا ليت شعري ما يحرّكه
فقلت ما تدر إن الشمس إن جمعتبالبدر بعد تمام النور تنهكه
والطير إن ألف الغصن الرطيب وقدمادت به الريح هل يخفى تحرّكه
وفي الأبيات مع ما ذكر وصفها بالشمس فتكون هي المفيدة للمحاسن والآخذة لها كما بين الشمس والبدر ثم جعلها أغصاناً يميل مع الهواء والقلب طائراً عليه وكل ذلك زيادة على المطلوب وأما وصف خفقان القلب من غير نظر إلى الاعتذار عن فكثير قال ابن سنا الملك.
أما والله لولا خوف سخطكلهان عليّ ما ألقي برهطك
ملكت الخافقين فتهت عجباًوليس هما سوى قلبي وقرطك
وقال معين الدين:
لم أنسه إذ قال أين تحلنيحذراً عليّ من الخيال الطارق
فأجبت في قلبي فقال تعجباًأرأيت عمرك ساكناً في خافق
وقد نسب ابن تقي إلى الجفوة في قوله:
ومهفهف مالت به سنة الكرىزحزحته شيئاً وكان معانقي
أبعدته عن أضلع تشتاقهكي لا ينام على وساد خافق
فقل أنه لو قال باعدت عنه أضلعاً لكان أولى بالمقام.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع