من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
فصل
فيما ذكر واشتهر على ألسنتهم من لوم العذول وسوء عقله الذي أوقعه في الفضول وكيف أدخل نفسه بين الأحباب حتى انتقمت منه أهل الآداب فوجهوا إليه سنان اللسان والأقلام فامتحن طعناً بكل نتي ونظام فقد قيل ليس من العدل كثرة العذل ومن تكلم بما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه ومن لم يمسك عما استغني عنه من الكلام فهو أحق بالملام وليس هذا الباب ألطف من كلام سيدي عمر بن الفارص نفعنا الله ببركاته حيث قال:
دع عنك تعنيفي وذوق طعم الهوىفإذا عشقت فبعد ذلك عنف
وقال بعضهم
يا عاذلي في هواهإذا بدا كيف أسلو
يمر بي كل وقتوكلما مر يحلو
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
يا من إذا باعت الأبصارا أسودهابجبت فوق خديه فقد ربحت
يزيد في العذل تبريحاً أسر بهفليت عذال حبي فيك ما برحت
وقال ابن العفيف التلمساني:
أسرفت في اللوم ولم تقتصروزدت في عذلك يا ذا العذول
قد رضيت نفسي بمحبوبهاوإنما المولى كثير الفضول
وقال والده
ولي على عاذلي حقوق هوىشكري عليها من بعض ما يجب
لام فلما رآه هام بهفكنت في عشقه أنا السبب
وقال بعضهم
قد اقتصر الملاحي وجاء يلومنيوزخرف لي زور الكلام بمينه
وقال أسل عن هذا وعد عن غرامهفقلت له هذا الفضول بعينه
وأنشد ابن وكيع وقد عشق غلاماً نصرانياً ولامه عليه صاحبه فمر بهما المعشوق ولم يدر العاذل أنه هو فقال له لو عشقت هذا ما لمثلك عليه فأنشد.
أبصره عاذلي عليهولم يكن قلبها رآه
فقال لي لو عشقت هذاما لامك الناس في هواه
قل لي إلى من عدلت عنهفليس أهل الهوى سواه
فظل من حيث ليس يدرييأمر بالحب من نهاه
وقال شيخ الشيوخ بحماة:
زعموا أنني هويت سواكمكذبوا ما عرفت إلا هواكم
قد علمتم بصدق مرسل دمعيفسلوه إن كان قلبي سلاكم
قال لي عدلي متى تبصرالرشد وتسلو فقلت يوم عماكم
وقال بعضهم
إن قوماً يلحون في حب سعدىلا يكادون يفقهون حديثاً
سمعوا وصفها فلاموا عليهاأخذوا طيباً وأعطوا خبيثا
وقال آخر
من منصفي من عاذل جاهليخون باللوم لمن لا يخون
إن قلت ما نصحك إلا أذىقال وما عشقك إلا جنون
وقال محمد بن شرف الدين القيرواني:
يقول لي العاذل في لومهوقوله زور وبهتان
ما وجه من أحببته قبلةقلت ولا قولك قرآن
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
أيها العاذل الغبي تأملمن غدا في صفاته القلب ذائب
وتعجب لطرّة وجبينإن في الليل والنهار عجائب
وقال ابن عبد الظاهر
كم على عاذلي وكم لحبيبيذاك تكبيرة وذا تهليلة
يا ثقاتي وأين مني ثقاتيأين من يبتغي إليّ الوسيلة
أنا إن مت قبلوني إليهفحياتي وحقه تقبيله
وقال قابوس
من عاذري في عاذليلوم في حب رشا
إذا طلبت وصلهقال كفى بالدمع شاهدا
وقال الوداعي
يا لأثمي في هواهأفرطت في اللوم جهلا
ما يعلم الشوق إلاولا الصبابة إلا
وقال البها زهير
وظبي حكى ريم الفلا في نفارهفما باله لم يحكه في التلفت
يدافعني عن وصله بتهجمفيا ليته لو كان يدفع بالتي
وقال شيخ الشيوخ بحماة
أبغض العشاق منه أننيلم أبع في حبه رشدي بغيّ
قلت قد أضنيت جسمي قال قدقلت كي تذهب روحي قال كي
وقال أيضاً
إليكم هجرتي وقصديوفيكم الموت والحياة
أمنت أن توحشوا فؤاديفآنسوا مقلتي ولاتو حشوا
وقال ابن مطروح
والله ما خطر السلو بخاطريما دمت في قيد الحياة ولا إذا
وقال آخر
لو رأى وجه جبيني عاذليلتفارقنا على وجه جميل
وقال آخر
قل للعذول أطلت اللوم في قمريزيد في كل يوم حسنه نورا
إن كنت تزعم ما في حسنه عجبقم فانظر الورد في خديه منشورا
وقال محيي الدين البغدادي
إن لامني من لا رآه فقدجار على الغائب بالحكم
وإن نهاني من رآه فقدأضله الله على علم
وقال البها زهير
أنت الحبيب الأوّلولك الهنا المستقبل
عندي لك الودّ الذيهو ما عهدت وأكمل
القلب فيك مقيدوالدمع فيك مسلسل
يا من يهدد بالصّدودنعم تقول وتفعل
قد صح عذرك في الهوىلكنني أتعلل
قل للعذول لقد أطلتلمن تقول وتعذل
عاتبت من لا يرعوىوعذلت من لا يقبل
غضب العذول أخف منغضب الحبيب وأسهل
وقال ابن أبي حجلة
وعاذل بالغ في عذلهوقال لما هاج بلبالي
بعارض المحبوب ما تنتهيقلت ولا بالشبب والوالي
وقال آخر
وشادن مبتسم عن شنبمورّد الخدّ مليح الشنب
يلومني العاذل في حبي لهوما درى شعبان أني رجب
المراد بشعبان العاذل ورجب الأصم وهي أسماء كانت مشهورة في الجاهلية.
وقال السراج الوراق
قلت إذ جرد لحظاحده يدنى الأجل
يا عذولي كف عنيسبق السيف العذل
هذا مثل سائر أصله أن سعداً وسعيداً ابني ضبة خرجا لحاجة فرجع سعدون أخيه فكانت العرب إذا عاد الرجل منهم من سفر يقولون له سعد أم سعيد فيقول سعد أن رجع بفرصة وإن عاد بدون فرصة يقول سعيد وإن أباهما خرج مع رجل حتى بلغا موضعاً فقال له الرجل قد قتلت هنا رجلاً وأخذت منه هذا السيف وناوله ضبة فعرفه فجرده وضرب الرجل فعذل فقال ضبة سبق السيف العذل.
وقال شيخ الشيوخ بحماة
أعاذلي ليس مثلي من تفندهوليس منك مأموناً على عذل
ما دمت خلواً فما تنفك متهماًأعشق فقولك مقبول عليّ ولي
وقلت
لقد ضلت العشاق عن سننن الهوىللومهم العذال وهو عجيب
أما عذر المجنون مع ذى جهالةلدى الشرع حتى يرعوى ويتوب
وما عاقل ذاق الهوى فيذمهويعذل صبا أن جفاء حبيب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع