من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
فصل في أحكام الزيارة وما جاء في فضلها من البراعة والعبارة وتفنن العشاق في فضل زيارة الحبيب
وايثار أنفاسه على نفائس الطيب
قيل كان الشافعي ﵁ يكثر من زيارة أحمد وكان أحمد يقل من زيارته هيبة له فقيل للشافعي أنك لتزوره أكثر وهو المحتاج إليك فأنشد:
قالوا يزورك أحمد وتزورهقلت الفضائل لا تفارق منزله
إن زارني فبفضله أو زرتهفلفضله فالفضل في الحالين له
وقد أبدع لسان الحقيقة وواسطة عقد الطريقة سيدي عمر بن الفارض أفاض الله علينا من مدده في هذا الباب حيث يقول:
ولما توافينا عشاء وضمناسواء سبيلي دارها وخيامي
فرشت لها خدي وطاء على الثرىفقالت لك البشرى بلثم لثامي
جعل الزيارة تفضلاً منها ثم أشار إلى أخذه في إسباب السعي إليها بل شروعه في ذلك رفعاً لجانبها عن التكليف الكلي كأنه يقول أنه ليس أهلاً لها ثم فرش خده في مقابلة السعي ولم يقل لها فقط بل أطلق في جعله على الثرى المحتمل أنها وطئته وأنها لم تطأه وفي ذلك غاية رفع شأنها لمن يتأمل فلذلك عقبه أيضاً بغاية رفع شأنه منها بأكثر مما كان يؤمله ولذلك لم تسمح نفسه بما سمحت له به غيرة كما صرح به هضماً لجانبه عن هذا المقام كما أشار إليه ولما أعطى المقام حقه ونقلته العنايات إلى محل الكرامات والحظوة بنيل المرادات أشار إلى ذلك بقوله بعد البيت الذي تضمن ما ذكرنا.
عتبت ولم تعتب كأن لم يكن قلىوما كان إلا أن أشرت وأومت
فانظر إلى هذا الانتقال وصريح هذا المقال بعد ما قال:
ومنت وما ضنت عليّ بوقفةتعادل عندي بالمعرّف وقفتي
حيث عد زيارتها منة عليه لئلا يتوهم مما يأتي هضم جانبها ثم نفى عنها البخل ثم عتب بعد ذلك فأين هذا مما سبق فسبحان واهب الفضل لمن أحسن في خدمته وقام بحقوق محبته ومن ألطف ما قيل في الزيارة والعجلة قول العكوك.
بأبي من زارني مكتتماخائفاً من كل شيء فزعا
زائر نمّ عليه عرفهكيف يخفى الليل بدراً طلعا
رصد الغفلة حتى أمكنتورعى الساهر حتى هجعا
ركب الأخطار في زورتهثم ما سلم حتى ودّعا
وقال ابن المعتز
زارني والدجى أحم الحواشيوالثريا في الغرب كالعنقود
وكان الهلال طوق عروسبات يجلى عن غلائل سود
ليلة الوصل ساعدينا بطولطوّل الله فيك غيظ الحسود
وقال آخر
زارت على غفلة الرقيبكظبية روّعت بطيب
وكان وقت الوصال منهاأقصر من جلسة الخطيب
وقال عبد العزيز ويقال أنه أصدق ما قالت الأواخر.
يقولون لي بالله ما أنت فاعلإذا زارك المحبوب قلت أنيكه
وقال ابن النبيه
قلت لليل إذ حباني حبيبيبعتاب يسبي النهي وعقارا
أنت يا ليل حاجبي فامنع الصبح وكن أنت يا دجى برد دارا
وقال أن العفيف
ومليح كالبدر زار بليلفجلى حسنه الدجى إذ تجلى
ما درى منزلي ولكن قلبيبلهيب الجرى هواء ودلا
وعجيب منه فقيه ذكيبمحل النزاع كيف استدلا
وقال بشار
يا أطيب الناس ريقاً غير مختبرألا شهادة أطراف المساويك
قد زرتنا زورة في الدهر واحدةعودي ولا تجعليها بيضة الديك
إنما قال ذلك لأنه قد اشتهر أن الديك يبيض في عمره مرة ولم يذكر الطبيعيون ذلك وأقول أن القياس لا يأباه لما تقرر في الطبيعة من أن البيض الربحي فضلات غليضة هيأتها الحرارة والذكور يتوفر فيها ذلك على نحو المني الفاضل ولولا الحرارة الحلالة لكثر ذلك فيهم والممنوع بيض يولد النوع لعدم الزرع النامي ومن له يد في الفلسفة سهل عليه علم هذا وقال ابن أبي حجلة.
زار الحبيب ووجه الورد خجلانفأصفرّ حين تثنى قدّه البان
قد كان ما كان من هجرانه زمناًوقد وفى الآن فالعذال لا كانوا
ما ضرني ضيق عيشي حين واصلنيسم الخياط مع الأحباب ميدان
وقال ابن سكرة
أهلاً وسهلاً بمن زارت بلا عدةتحت الظلام ولم تحذر من الحرس
تسترت بالدجى عمداً فما استترتوناب إشراقها ليلاً عن القبس
ولو طواها الدجى عنا لأظهرهابرق الثنايا وضوء البرق في الغلس
ومما تدرجوا إليه من ذكر زيارة الحبيب وصف ممره بالطيب قال ابن النبيه.
إن جاء من يبغي لهم منزلاًفقل له يمشي ويستنشق
وقال الطغرائي
فسربنا في ظلام الليل معتسفاًفنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل
وقال آخر
لو كان يوجد ريح مسك فائحاًلوجدته منهم على أميال
وقال المتنبي
ويفوح من طيب الثناء روائحلهم بكل مكانة تستنشق
ومما ينخرط في سلك الزيارة وينتظم في عقد الاشارة ذكر العيادة وما ينجز إلى المحب فيها من الافادة وهي في الحقيقة زيارة بحيلة تستعطف بها النفوس البخيلة قال الطغرائي:
خبروها أني مرضت فقالتأضنى طارقاً شكا أم تليدا
وأشاروا بأن تعود وساديفأبت وهي تشتهي أن تعودا
وأتتني في خفية وهي تشكوألم الشوق والمزار البعيدا
ورأتني كذا فلم تتمالكإن أمالت عليّ عطفاً وجيدا
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة
وملولة في الحب لما أن رأتأثر السقام بعظمي المنهاض
قالت تعيرنا فقلت لها نعمأنا بالسقام وأنت بالأعراض
وقال آخر
لا تهجروا من لا تعوّد هجركموهو الذي بلبان وصلكم غذي
ورفعتموا مقداره بالابتداءحاشاكم أن تقطعوا صله الذي
وعلى ذكر الذي والصلة قيل كتب ابن عنين وقد مرض إلى الملك المعظم:
أنظر إلي بعين مولى لم يزليولي الندى وتلاف قبل تلافي
أنا كالذي أحتاج ما يحتاجهفاغنم ثوابي والثناء الوافي
فحضر إليه وصحبته ثلثمائة دينار فقال أنت الذي وهذه الصلة وأنا العائد وما ألطف قول البهاء زهير في المعنى
يقولون لي أنت الذي شاع ذكرهفمن صادر يثني عليه ووارد
فقلت له هبني الذي ذكرتهفأين صلاتي منكم وعوائدي
وقال ابن عباد
مرضت فأشفقت الزيارة عامداًوما عن قلى أمسكتها لا ولا هجر
ولكنني أشفقت من أن أزوركمفأبصر آثار الكسوف على البدر
الشهاب محمود
رأتني وقال نال مني النحولوفاضت دموعي على الخد فيضا
فقالت بعيني هذا السقامفقلت صدقت وبالخصر أيضا
وقال الأرجاني
غالطتني إذا كسا جسمي الضنىكسوة أعرت من اللحم العظاما
ثم قالت أنت عندي في الهوىمثل عيني صدقت لكن سقاما
ابن أبي حجلة
شكوت إلى الحبيبة سوء حظيوما قاسيت من ألم البعاد
فقالت أنت حظك مثل عينيفقلت نعم ولكن في السواد
ابن النقيب
وما بي سوى عين نظرت لحسنهاوذاك لجهلي بالعيون وغرّتي
وقالوا به في الحب عين ونظرةفقلت نعم عين الحبيب ونظرتي
والكل مأخوذ من قوله
وجاؤا إليه بالتعاويذ والرقيوصبوا عليه الماء من ألم النكس
وقالوا به من أعين الجنّ نظرةولو عقلوا قالوا به نظرة الأنس
شمس الدين بن العفيف
اسم حبيبي وما يعانيقد حير خاطري ولبي
قالوا عليّ فقلت قدراًقالوا كوافي فقلت قلبي
ابن الوكيل
وبي من قسا قلباً ولان معاطفاًإذا قلت أدناني يضاعف تبعيدي
أقرّ برق إذ أقول أنا لهوكم قالها أيضاً ولكن لتهديدي
ومما أورده صاحب الدمية له
عذيري من شاطر أغضبوهفجرّد لي مرهفاً فاتكاً
وقال أنا لك يا ابن الوكيلوهل لي رجاء سوى ذلكا
وتشبيهاته في نوع الزيارة كثيرة ذكرنا منها ما سمعت إلا لا يمكن استيعاب ذلك.
وقلت في أصل الزيارة
زارت وقد أخفى نهار جبينهاليل الشعور مخافة الرقباء
فوثبت إجلالاً أقبل نعلهابل تر به للبرء من أدوائي
قالت لك البشرى فطب نفساً بماأوليت من نعم وحسن وفاء
بتنا وكل جوارحي تشكو لهاشوقي وما صنع الهوى بحشائي
فسكرت من ألفاظها ورضابهامع لينها ومحاسن الحسناء
ونسيم أنفاس لقلبي أرسلتسحراً فأحيا ميت الأحياء
لله من وطر قضيت مؤازراًمعها بثوبي عفة وحياء
يا ليلة غلط الزمان بها ولوعوّضتها بالعمر كان منائي
وقلت أيضاً
أفدي التي زارت بلا موعدفي غفلة الواشين والجاني
والوجه منها روضة أينعتما لمستها راحة الجاني
قمت لأجني الورد من خدهاوهي بسيف اللحظ ترعاني
فقلت ما هذا وقد راعنيقالت حديد يمنع الجاني
وأما كلام سيدي عمر بن الفارض في وصف طيب الحبيب فغاية لا يدركها اللبيب وذلك قوله:
ولو عبقت في الشرق أنفاس طيبهاوفي الغرب مزكوم لعادله الشم
فإنه مع ذكر البعد فيما بين الجهتين مرصع بلطائف لا يهتدى إليها إلا من خص بالعناية ألا ترى إلى وصفه الشام بالزكام المانع من الشم عادة وجعله في الغرب الذي يكثر الهواء منه لا إليه كما في القرينة الثانية وجعل المحبوبة في القطر الحار الذي تفنى فيه الرائحة إذا عبقت لشدة تحليل الشمس لما يحمله الهواء من تصعيد البخار ومع ذلك يشم ومنه أخذت فقلت:
لو اشتاقها في الغرب فاقد شمهوكانت بأقصى الشرق شم نسيمها
وقلت في العيادة
أقول لها هل تسعفي بعيادةمريضاً كواه البين بالهجر والسقم
فقالت إذا ما فارق الروح زرتهلأن محال جمع روحين في جسم
ومما يتخرج على الزيارة تخريج الفروع على الأصول ويهتدي إلى الحاقه بها أهل العقول ما جرى على ألسنة الأحباب من أحوال العتاب وانقسام الناس فيه إلى مادح له لتأكيده المحبة وذام له بين الأحبة والصحيح إنما كذب الناقل وميز الحق من الباطل وأكد الصحبة بعد النفور وبين للحبيب الزور فهو أحق بأن ينصر ومنه يستكثر قال في إحياء علوم الدين ما معناه إن العتاب شأن أولي الألباب وقاطع لقطيعة الإخلاء والأصحاب وكان الرجل إذا وقع في نفسه من أخيه شيء لم يهجره حتى يوضح له ذلك فإن انتهى وإلا هجره وأما عتاب يفضي إلى المقاطعة ويحدث الهجر والممانعة فتقريع يجب اجتنابه عقلاً ونقلاً وتركه فصلاً ووصلاً وفيه قيل من سوء الآداب كثرة العتاب ومن أمثالهم في الأول العتاب مفتاح الوصال قاطع للهجر والملال وإلى سلوك الطريقة الحسنة فيه أشار من أمر بقتله وهو سعيد الكاتب بقوله:
أقلل عتابك فالبقاء قليلوالدهر يعدل تارة ويميل
ولعل أيام الحياة قصيرةفعلام تكثر عتبنا وتطيل
وقال آخر
وبعض العتاب إذا ما رفقتيباعد هجر أو يدني وصالا
فعاتب أخاك ولا تجفهفإن لكل مقام مقالا
وإلى مكثر التقاطع أشار بالترك من قال
لا تقر عن سماع منتهوى بتعداد الذنوب
ما ناقش الأحباب إلامن يعيش بلا حبيب
وإلى تأييد الأول أشار من قال
فلا عيش كوصل بعد هجرولا شيء ألذ من العتاب
فلا هذا يمل حديث هذاولا هذا يمل من الجواب
وقال آخر
وأحسن أيام الهوى يومك الذيتروّع بالهجران فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضافأين حلاوات الرسائل والكتب
ابن سنا الملك
وأملي عتاباً يستطاب فليتنيأطلت ذنوبي كي يطول عتابه
ومن غرتي ذكر العذيب وبارقوما هو إلا ثغره ورضا به
أبو نواس
أساء فزادته الإساءة خطوةحبيب على ما كان منه حبيب
تعد عليّ الواشيات ذنوبهومن أين الموجه المليح ذنوب
الحكم بن قنبر
كأنما الشمس في أعطافه طبعتحسناً أو البدر من أزراره طلعا
مستقبل بالذي يهوي وإن عظمتمنه الإساءة معذور بما صنعا
في وجهه شافع يمحو إساءتهمن القلوب وجيه حيثما شفعا
أبو فراس
قل لإحبابنا الجناة علينادرجونا على احتمال الملال
أحسنوا في عتابكم أو أسيئوالاعدمناكم على كل حال
وقال آخر
إذا مرضنا أتيانكم نعودكموتذنبون فنأتيكم فنعتذر
وقال آخر
حججي عليك إذا خلوت كثيرةوإذا حضرت فإنني مخصوم
لا أستطيع أقول أنت ظلمتنيالله يعلم أنني مظلوم
وقال آخر
ولو كان هذا موضع العتب لاشتفىفؤادي ولكن للعتاب مواضع
ابن المعتز
أقبل معاذير من يأتيك معتذراًإن برّ عندك فيما قال أو فجرا
فقد أطاعك من يرضيك ظاهرهوقد أجلك من يعصيك مستترا
وقد قيل إن أفضل العتاب ما غرس العفو وأثمر المحبة وعتب يوجب العفو والصفاء أفضل من ترك يعقب الجفاء. وجاء في تفسير قوله تعالى فاصفح الصفح الجميل عن علي يعني أعف وأصفح بلا عتاب. وورد عنه ﷺ من لم يقبل من متنصل عذراً صادقاً أو كاذباً لم يرد على الحوض.
وما أحسن قول القائل
ذنبي إليك عظيموأنت أعظم منه
فجد بحقك أولاًواصفح بفضلك عنه
إن لم أكن في فعاليمن الكرام فكنه
وقال آخر
ما أحسن العفو من قادرلا سيما عن غير ذي ناصر
يا غاية القصد وأقصى المنىوخير مرعى مقلة الناظر
إن كان لي ذنب ولا ذنب ليفما له غيرك من غافر
أعوذ بالودّ الذي بينناأن يفسد الأول بالآخر
وقال آخر
وزعمت أني ظالم فهجرتنيورميت في قلبي بسهم نافذ
ونعم ظلمتك فاغفر لي زلتيهذا مقام المستجير العائذ
ابن زيدون
يا قمراً مطلعه المغربقد ضاق في حبك المذهب
ألزمتني الذنب الذي جثتهصدقت فاصفح أيها المذنب
فإن من أغرب ما مرّ بيأن عذابي فيك مستعذب
وقلت
رأيت أساليب للعتاب كثيرةوألطفها ما أكد الحب في القلب
إذا ما خلونا لم أجد ما أقولهيلذ سوى الشكوى إليها مع العتب
ومن ذكر المحبوب شيأ منفراًعقوبته الهجران في مذهب الحب
ومن ير ذنباً من حبيب فمدعوما الحب إلا أن تنعم بالذنب
وهذا مستمد من قطب هذا الوجود وانسان عين أهل هذا الشهود سيدي عمر بن الفارض حيث قال وكل الذي ترضاه البيت السابق. وقد قال بعضهم عتاب المحبين الذلة في الأعتاب وخدمة الأبواب وقال بعضهم كن إذا قابلت الحبيب مرآة ينتقش فيك ذنبه فتراه منك وتطلب صفحه عنك ولم يوضح هذا الطريق أحد أجل من لسان العارفين وترجمان المحبين سيدي عمر بن الفارض حيث يقول:
ولو عزّ فيها الذل ما لذ لي الهوىولم تك لولاك الذل في الحب عزّتي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع