تجاوز إلى المحتوى

من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)

فصل في أحكام أسرار المحبة وما فيها من اختلاف آراء الأحبة

قد اختلفت آراء الحذاق وتشعب مرادات العشاق فمن ذاهب إلى أن الأفضل خزن الأسرار وإن ذلك من فعل الأحرار ومن قائل أن إفشاءها يسر القلب ويسري الكرب ومن قائل بالتفصيل وإن الاذاعة إلى المحبوب مطلوبة إذ هو الطبيب وكتم العلة عنه تعذيب وأما الاباحة لغيره فغير جائزة في مذهب المحبين وفاعلها ممقوت ومن أكبر المذنبين وهذا الطريق قد ادعى في ديوان الصبابة أنه الكاشف عن وجهه نقابة ولا والله ماله فيه ذرة ولم يكن ارتضع من هذا اللقح دره وأنا أنبه على من استنتج هذه الآراء المحررة ودون هذه المذاهب المحبرة فأقول أعلم أن الطرق الثلاث موجودة في كلام صاحب النفحات القدسية والألطاف الربانية المعطر بنفثات فيه الأقطار القائم بأعباء المحبة والأسرار قطب دائرة الوجود على رغم كل معاض سيدي عمر بن القارض أفاض الله علينا من امداداته وشملنا بألطاف عناياته فمن كلامه في المذهب الأول وهو الحقيق بالنصرة وعليه المعول.

وللحب أقوام كرام نفوسهممنزهة عما سوى الحب يا خلي
إذا أودعوا سراً رأيت صدورهمقبور الأسرار تنزه عن نقل

ومن قوله في المذهب الثاني وهو صريح في استيفاء الشروط المذكورة.

وابثثتها ما بي ولم يك حاضريرقيب بغى سري بخلوة جلوتي

ومن قوله في المذهب الثالث بل هو أعم من هذا المشرب وقابل لكل مطلب.

ويحسن إظهار التجلد للعداويقبح غير العجز عند الأحبة

ثم لهج الناس بهذه الطرق فمن قول بعضهم في المذهب الأول.

باح مجنون عامر بهواهوكتمت الهوى فمت بوجدي
للشاعر ليلى العامرية، اقرأ القصيدة
فإذا كان في القيامة نوديمن قتيل الهوى تقدمت وحدي
للشاعر ليلى العامرية، اقرأ القصيدة

وأما كلام السهروردي فكأنه وقف عن كلا الطرائق وتردد وحيرة للعاشق وهو:

وارحمة للعاشقين تحملواسر المحبة والهوى فضاح
بالمر إن باحوا تباح دماؤهموكذا دماء العاشقين تباح
وإذا هم كتموا تحدث عنهمعند الوشاة المدمع السفاح
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة

وللوثائق في المذهب الثاني

ظهر الهوى وتهتكت أستارهوالحب خير سبيله إظهاره
فاعص العواذل في هواك مجاهراًفألذ عيش المستهام جهاره

ولبعضهم فيه

فبح باسم من تهوى ودعني من الكنىفلا خير في اللذات من دونها ستر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر»

ولبعضهم في المذهب الثالث

يا موقد النار إلهاباً على كبديإليك أشكو الذي بي لا إلى أحد
إليك أشكو الذي بي من هواك فقدطلبت غيرك للشكوى فلم أجد

ومن ظريف قول بعضهم

وقائلة ما بال جسمك لا يرىسقيماً وأجسام المحبين تسقم
فقلت لها قلبي بحبك لم يبحلجسمي فجسمي بالهوى ليس يعلم
للشاعر أبو الصوفي، اقرأ القصيدة

وللمعري في نصرة الأول

فظنّ بسائر الاخوان شراًولا تأمن على سر فؤادا
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

وألطف منه قول أبي جعفر الشطرنجي

فلا تخبر بسرك بل أمتهوصير من حشاك له حجابا
فما أودعت مثل النفس سراًولا أغلقت مثل الصدر بابا

ولقد أحسن بعضهم وتلطف وأبدى ما هو أدق وألطف حيث قال:

ومستودعي سراً تقصيت سرهفأودعته من مستفرّ الحشا قبرا
وما السر في قلبي كميت بحفرةلأني أرى المدفون ينتظر الحشرا
ولكنني كنت أخفيه حتى كأنهمن الدهر يوماً ما أحطت به خبرا

ولبعضهم

يا ذا الذي أودعتني سرهلا ترج أن تسمعه مني
لم أجره بعدك في خاطريكأنه ما مرّ في ذهني

فهذا وأمثاله من أكبر الدوال على أن المذهب الأول هو الصحيح المعتبر وما اتهم به بعض الشراح عارف الزمان ولسان الحضرة الالهية وموضع الأسرار الربانية سيدي عمر ابن الفارض من أنه نصر المذهب الثاني بقوله.

وليسوا بقومي ما استعابوا تهتكيفأبدوا قلي واستحسنوا فيك جفوتي
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «سقتني حميا الحب راحة مقلتي»
وأهلي في دين الهوى أهله وقدرضوا فيك عاري واستباحوا فضيحتي

فممنوع لأن التهتك الذي أراده هو الاشتهار بالعشق لا إذاعة الأسرار بدليل قوله رضوا فيك عاري يعني أن أهل الهوى عندهم هم الراضون بعشقه العادون وعاره في ذلك خصلة حميدة فأين هذا مما نحن فه وقد أسلفت في المقدمة أن دقائق هذا الاستاذ ليس في طوق البشر من حيث هو بشر الاحاطة بها فإذا استدلينا بشيء منه فهو استئناس لأهل الترسم في مشربهم وفيما ذكرت من قصة المنام كفاية للمتأمل وبالجملة فإفشاء السر بلاء عظيم ومذلة لا يرتضيها عاقل وأغرب بعضهم ففسر قول بعضهم وكل حديث جاوز اثنين شائع بأن المراد بالاثنين الشفتان وقلت من الأول.

لقد أودعتني سرها فكتمتهولا والهوى ما غير البعد خاطري
ولكن جوي الكتمان صعد مهجتيوقطرها دمعاً جرى من محاجري
فشف لطول السقم جسمي من الذيكتمت فأبدته هناك سرائري
فنم به الواشون بيني وبينهافصدّت وقالت لا وفاء لغادري
فقلت وقد ضاقت هناك مذاهبيومن كان قد ماعا ذلي صار عاذري
فمن شافعي يوماً إليها ومالكيهواها وعن سرّي يحدث ظاهري

ومن الثالث

يا معشر العشاق أوصيكمبكتم أسرار الهوى والغرام
إلا مع المحبوب في خلوةفثم كتم السر عندي حرام

ومنه أيضاً

بوصلك والودّ الذي كان بينناحلفت ولا والله ما أنا غادر
لأنت أعز الناس عندي وسركبقلبي باق يوم تبلى السرائر
فإن لم يجد لي الدهر منك بخلوةففي الحشر تشكوه إليك الضمائر

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الخامس في تتمات يفتقر إليها الناظر في هذا الكتاب ويحسن موقعها عند أولي الألباب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.