من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
فصل في تحقيق معنى الحسن والجمال وما استلطاف في ذلك من الأقوال
الأصل في المحاسن والمطلوب عند العقلاء في كل المواطن إنما هو إصلاح السرائر وتهذيب البواطن لا الظواهر وإنا ضم إصلاح الظاهر إلى ما ذكر طلباً لتحصيل الكمال ودلالة في الأغلب على الاعتدال ويتم الأول بتحسين المقاصد وإصلاح العقائد وقصر القلب على عتبات الحق في ذلك المواقف مستمداً بالمراصد مستعداً للأوامر الالهية وتلقى ما في تلك الصحائف وذلك كما قال محقق المقول ومهذب الفروع والأصول وجامع المراتب الباطنة والظاهرة، وقطب دائرة الكائنات في الدنيا والآخرة.
إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب وصلاحه استعداده لقبول ما يجب فعله وترك ما يجب تركه وذلك متعذر إلا بعد الأخذ بالحظ الأوفر من أمهات الأخلاق، وهي الحكمة والشجاعة والمروءة والعدالة، فإنها لهذا المورد كالاخلاط للمزاج افراطاً واعتدالاً، وخير الأمور سلوك الاعتدال للسلامة من الافراط والتفريط اللاحقين لكل من هذه كالتهور والجبن ولازم مما ذكرنا التخلق بالعفاف والزهد والصدق والورع والتسليم إلى غير ذلك وعد قوم العفة أصلاً بدل المروءة لأنها تندرج في العدالة وبعض المتصوفة جعلى التسليم أصلاً أيضاً، وبالجملة فهذه الخصال الداعية إلى حفظ ما به النظام من النفس والعقل والعرض والمال، فإن المتخلق بها محال أن يقنع منه قتل أو أخذ ما يزيل عقله أو زناً أو تناول غير ما هو له فهذه أصول السياسة ونظام المدنية وموضع بسطها الحكمة بل ملازمة الشريعة المطهرة فقد أغنت عنها فهذه الأخلاق التي لا أجدر من وصف المتخلق بها بالحسن والجمال.
وأما المحاسن الظاهرة اللائق ذكرها بهذا المحل وإليها إشارة المترسمين، وفيها غالب النثر والنظم. فالعبارات عنها كثيرة، والألفاظ فيها غزيرة، قال بعضه الحسن الصريح ما استنطق بالتسبيح أو هو تناسب الخاتمة واعتدال البشرة وصفاء المادة أو مركب من الوضاءة والتناسب والصباحة.
وقيل الحسن بياض اللون وسواد الشعر وكل منهما شطره، والصباحة كالملاحة، والبياض والجمال ما أخذ بالبصر أو هو السمن اشتقاقاً من اسم الشحم.
والصحيح أنه معنى لا يدرك ويختلف باختلاف الأشخاص ودقة الأنظار وصحة التأدي إلى الأفكار وهذا معنى قوله الحسن ما زين الزينة واستحسن دونها وإلى ذلك كله أشرت بقولي:
جميلة الأوصاف لطيفة منظرمليحة عطف طاب منها المغارس
يدق عن الألباب إدراك حسنهاوجلت فزلت عن علاها المقايس
منعمة لم تلبس الوشي زينةولكن أحبت أن تزان الملابس
غرست بلحظي الورد في وجناتهاومن دمي المسفوك تسقي الغرائس
وجئت لأجني ما غرست فصدنيمن الجفن أسياف هناك وحارس
فلو لم يكن الحسن في نفس الأمر كذلك، ولكل ذي نظر دقيق مالك ما اختلفت فيه العبارات ولا كثرت فيه الاستعارات، ولا بالغ كل في تحصيله بجده واعتقد التقصير عن حده، والخلاف إنما هو بالألفاظ والمعنى المطلوب واحد كما هو رأي أهل التحقيق من سائر الموارد، ومن ثم قال بعضهم:
عباراتنا شتى وحسنك واحدوكل إلى ذاك الجمال يشير
ولله در أستاذ عطر الوجود فيض وجوده، واستمدت الكائنات من بحر فضله وجوده حيث حقق هذا المعنى وسبكه في أحسن مبنى بقوله:
فكم بين حذاق الجدال تنازعوما بين عشاق الجمال تنازع
هذا هو الحسن العام وقد خصوا كل عضو بصفة، فقالوا الحلاوة في العين والملاحة في الفم والجمال في الأنف، والظرف في اللسان. وقالوا إذا حسنت العين فتمامها الدعج والفم فتمامه الفلج يعني في الثغر وطلاوة الجبين البلج، وبريق الوجنة الضرج.
وأحسن ما تكون المرأة إذا طال منها الأطراف والعنق والشعر والقامة وقصر منها العين واللسان واليد والرجل، والمراد بالقصر القصر المعنوي كعدم الطموح بالعين وأخذ شيء فوق الحاجة والخروج من بيتها وأبيض منها اللون والفرق والثغر وبياض العين، والمراد بالثغر الاسنان، أما اللثة فقد مدحت العرب سوادها، وإلى ذلك أشار طرفة بقوله:
سقته أيات الشمس إلا لثاتهأسف ولم تكدم عليه باثمد
واسود منها الهدب والعين والحاجب والشعر، واحمر منها اللسان والشفة مع اللعس يعني يسير السواد والخد وتشريب البياض بيسيرها، ودق منها الحاجب والأنف والسنان والخصر، وغلظ منها المعصم والعجيزة والفرج والساق، واتسع منها الجبين والجبهة والعين والصدر وضاق منها المنخر والاذن والفم والفرج، فهذه أوصاف بها جماع الحسن إذ كل ما خرج عن ذلك كجعودة الشعر واستدارة الوجه ونعومة البدن راجع إليها، وإنما العبارات الكثيرة تفنن في الأوصاف وأهل الفراسة تجعل الجمال الظاهر دليلاً على اعتدال المزاج.
وقال بعض الحكماء من نعم الله على العبد تحسين خلقه، وخلقه واسمه. قيل وصوته. حكى بعض المفسرين في قوله تعالى يزيد في الخلق ما يشاء يعني حسن الصوت.
وقال سقراط إذا حسن الله وجهك فلا تصف إليه قبيح المعاصي أو قبحه فلا تجمع بين قبيحين.
وقال ﵊ إن الله جميل يحب الجمال وكان يختار لحاجته صبيح الوجه حسن الاسم طلباً لاجتلاب القلوب ومن ثم كانت الأنبياء ﵈ أكمل الناس لأن غاية بعثتهم الاتباع وعدم النفور فيجب انتقاء موجبهما فيهم. وأوتي يوسف شطر الحسن، وأما نبينا ﷺ محاسن الأخلاق والشيم وهذا هو المطلب الذي تكل عنه البصائر ويقصر عنه كل ذي حد جائر وإذا لم يتفق للعبد حسن السيرة والخلقة فالأولى الأول فإنه من مطالب الحكمة التي غايتها السعادة وهي من الاعراض اللازمة، والثاني من مطالب الشهوة وقد توقع في المحنة ولا بد وأن تفارق.
تنبيه قد وقع لهم تشبيه بعض الأعضاء بالحروف كالحاجب بالنون والعين بالعين والصدغ بالواو والفم بالصاد والميم والثنايا بالسين والطرة بالشين والقامة بالألف وربما شبهوا العين بالصاد أيضاً وبالفواكه كالخدود بالتفاح والشفة بالعناب والثدي بالرمان وبالمشومات كالوجنة بالورد والعين بالنرجس والعذار بالآس وبالمعادن كالشفة بالعقيق والاسنان باللؤلؤ، وقد وقع تشبيه الشفة بالمرجان أيضاً وبأشياء مختلفة كالوجه بالبدر والفرق بالصبح والشعر بالليل ومرسله بالحيه والصدع بالعقرب والوجنة بالماء والنار والرق بالخمر والثدي والسرة بحق العاج إلى غير ذلك.
وللشعراء في ذلك على اختلاف مراداتهم وتخيلهم المقدمات الشعرية كلام كثير فمن أبدع ما رأيت في التشبيه بالحروف وبعض الأشياء كلام الأديب الحاذق علاء الدين الشاهيني من قصيدة طويلة كلها محاسن أولها:
فمّ العذار بعارضيه وسللاوتضمنت تلك المراشف سلسلا
ومنها وقد حذف أداة التشبيه قصد المبالغة وهو من أساليبهم المشهورة قوله:
صبحا مع الجوزاء لاح لناظريمتبلجاً فأزاح ليلاً اليلا
من لي بغصن نقا تبدي فوقهقمر تغشى جنح ليل فانجلى
ومنها:
كتب الجمال على صحيفة خدهبيراع معناه البهيج ومثلا
فبدا بنوني حاجبيه معرفاًمن فوق صادي مقلتيه واقفلا
ثم استمد فمد أسفل صدعهألفاً ألفت به العذاب الاطولا
فأعجب له إذ هم ينقط نقطةمن فوق حاجبه فجاءت أسفلا
فتحققت في حاء حمرة خدهخالا فعم هواه قلبي المبتلى
قسماً بفاء فتور جيم جفونهلأخالفن على هواه العذلا
وللشعراء من الأسلوب المذكور وقد جمع الحيوان والحروف بقوله:
أرسل فرعاً ولوى هاجريصدغاً فأعيا بهما واصفه
فخلت ذا من خلفه حيةتسعى وهذا عقرباً واقفه
ذى ألف ليست بوصل وذىواو ولكن ليست العاطفة
وقال آخر:
لا تقولي لا فمكتوب علىوجهك المشرق بالنور نعم
بحروف خلقت من قدرةما جرى قط عليها من قلم
نوتها الحاجب والعين بهاطرفك الفتان ثم الميم فم
نكتة.
اعلم أن الأساليب في هذا الباب دائرة التشبيه المجرد وبين جعل الحرف ونحوها من المشبه في العادة مشبهاً ومقابله في المحبوب مشبهاً به وفي كل ذلك أما أن تبقى الاداة أو تحذف وفي كل أما أن يرشح المعنى بأوصاف تزيده حسناً أولاً وأرفع الكل جعل الممدوح مسبهاً به محذوف الاداة مرشحاً بلطائف الأوصاف وقل سالكه وعكسه معلوم ولي من الفن الثاني.
بروحي أقي من خلتها حين أقبلتعلى أثر حزن تنثر الدمع في الخد
قضينا من الكافور يمطر لؤلؤاًمن النرجس الوضاح في فرش الورد
ومنه وقد زدته على ما يلزمه التحسين الرد على أهل الأسلوب الأول.
شمس الضحى كجبينك الوضاحأف لمن جعلوه كالمصباح
يا قدها ما الغصن لولا الميل معداعي الهوى كالغصن بالأرياح
أنا فيك سكران الفؤاد معذبأبداً وإن أظهرت فعل الصاحي
فدع الملام وعذل من لم يستمعقول النصيح وخلني يا صاح
ومما لم يعرج فيه على ذكر تشبيه بل أشعر فيه باجتباح المشبه به في العادة إلى المشبه ما قلت:
يهناك يا قلب من زارتك في السحرولم تحف ثم من واش ولا ضرر
حسناء لو لم تعاين نور طلعتهاشمس الضحى ما بدت يوماً على بشر
ووجهها لو رآه البدر واحتجبتعنه ذكا لم تخف نقصاً على القمر
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع