من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
فصل في ذكر الرسل والرسائل وتلطف الأحباب بالوسائل
وهو باب قد لهج به لسان كل عاشق وترجمه كل رائق وموضوعه الاستعطاف بالانصاف ومادته زخرفة القول وغايته طلب الائتلاف ومن ألطف ما وقع فيه كلام الواوي الدمشقي.
بالله ربكما عوجا على سكنيوعاتباه لعل العتب يعطفه
وحدّثاه وقولا في حديثكماما بال عبدك بالهجران تتلفه
فإن تبسم قولاً في ملاطفةما ضر لو بوصال منك تسعفه
وإن بدا لكما في وجهه غضبفغالطاه وقولا ليس نعرفه
وقال آخر:
ألا يا نسيم الريح بلغ رسالتيسليمى وعرض بي كأنك مازح
فإن أعرضت عني فموّه مغالطاًبغيري وقل ناحت بذاك النوائح
وقال القاضي مجد الدين:
شكراً لنسمة أرضكمكم بلغت عني تحية
كم قد أطالت بل أطابتفي رسائلها الذكية
لا غرو أن حفظت أحاديثالهوى فهي الذكية
وهو مأخوذ من كلام الصلاح الصفدي
يا طيب نشر هب لي من أرضكمفأثار كامن لوعتي وتهتكي
أهدي تحيتكم وأشبه لطفكموروى شذاكم إن ذا ريح ذكي
ويجب اختيار الرسول وأن يكون ذا عفة وصيانة ومروأة وديانة لئلا ينقلب عند مشاهدة المحبوب عاشقاً ويخلص من سلطان المحبة والمطلوب أن يكون بالحجة ناطقاً وللعشاق في هذا المساق كلام لا تحصره الأوراق قال ابن سنا الملك.
راح رسولاً فجاءني عاشقاًوعاقه عن رسالتي عائق
وعادلاً بالجواب بل بجوىأخرسه والهوى به ناطق
وقال أيضاً:
راح الرسول إليه وهو مفندرجع الرسول إليّ وهو متيم
وما ألطف قول الأرجاني في هذا المعنى.
قسماً لقد رجع النسيم عليلاًلما سرى مني إليك رسولا
ودرى بحبك أنه قد خاننيفغداً يجر من الحياء ذيولا
ومن ألطف ما وقع في الرسائل من النكت العجيبة والطرف الغريبة الناشئة عن فرط الذكاء الذي يغلب نوره على ابن ذكاء إن ابن السلطان صلاح الدين افتتن بقينة حتى تملك حبها قلبه فعلم أبوه أمره فمنعه عنها فازداد غمه فأرسلت إليه كرة عنبر فلما كسرها وجد فيها زراً من ذهب فلم يدر ما أرادت بذلك فأطلع على سره القاضي الفاضل فقال:
أهدت لك العنبر في وسطهزر من التبر قليل اللحام
فالزر والعنبر معناهمازر هكذا مختفياً في الظلام
ومثله أن رجلاً دعا محبوبته إلى النزهة فأرسل إليها بمروحة وباقة نرجس وسكر نبات وشرابة وعود فأرسلت إليه بخيط أحمر وصبارة وثلاث كمونات سود وغاسول وزر وفي ذلك من لطيف الاشارة ما يدق عن الافهام فأنه أراد بالمروحة نروح وبالنرجس إلى الزهر وبالسكر النبات نبيت ليله وبالشراب نشرب وبالعود الغناء وأرادت بالخيط الأحمر أنها حائض وبالصبارة أن تصبر وبالثلاث كمونات ثلاث ليال وبالغاسول الاغتسال وبالزر الزيارة بعد ذلك وقلت ولم أسبق إلى هذا المعنى فيما أظن.
رسولي تلطف واجر ذكري لها فإنرأيت الرصافي وجهها فأبسط الشكوى
وإن أعرضت فاطو الذي قد نشرتهودعني بنيران الهوى في الهوى أكوى
فقد صرت أرضى كل ما ترضى بهواستعذب التعذيب في السر والنجوى
فعاد رسولي بعد عقل وحكمةبأضعاف ما عندي من العشق والبلوى
ولم أرض ارسال النسيم لأنهيرى البث في التدبير من سائر الادوا
فخفت عليه عشقها أن يعلهفأحمل وزر ألست في حمله أقوى
ويمكن تنزيل كلام عارف الوقت في هذا المنوال وسبكه في قالب هذا المثال حيث يقول:
وتلطف واجر ذكرى عندهمعلهم أن ينظروا عطفاً إليّ
فإن في قوله تلطف غاية الخضوع المستجلب لرضا المحبوب بعد نفور القلوب وما أحسن قوله وأجرى ذكرى فإنه ألطف من واذكرني لهم لأنه طلب مطلق اجراء الذكر وهو يحتمل معاني كثيرة وكذا قوله عندهم أي ولو على سبيل الهذيان أو محادثة غيرهم فإني لست أهلاً لمقابلتهم بذكر ولهذا لم يقل واجر ذكرى لهم إلى غير ذلك مما لو أخذنا في بيان دقائقه لم تسعه دفاتر ولم تقم بحمله خواطر وما من مشرب للعشاق باطن أو ظاهر إلا ويوجد في مطاوي كلامه ولكن بلسان أهله.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع