أرى العَـنْـقاءَ تَكْبُرُ أن تُصادا

الشاعر: أبو العلاء المعري · البحر: الوافر

هذه القصيدة من شعر أبو العلاء المعري، من العصر العباسي، وتقع في 60 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف الدال.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أرى العَـنْـقاءَ تَكْبُرُ أن تُصادا — فـعـانِـدْ مَـنْ تُـطـيـقُ لهُ عِـنادا

ومــا نَهْــنَهَــتُ عــن طَـلَبٍ ولكِـنْ — هـيَ الأيّـامُ لا تُـعْـطـي قِـيادا

فـلا تَـلُمِ السّـوابِـقَ والمَطايا — إذا غَــرَضٌ مــن الأغـراضِ حـادا

لعَــلّكَ أنْ تَــشُــنّ بـهـا مَـغـاراً — فــتُـنْـجِـحَ أو تُـجَـشّـمَهـا طِـرادا

مُــقــارِعَــةً أحِـجّـتَهـا العَـوالي — مُــجَــنّـبَـةً نَـواظِـرَهـا الرّقـادا

نَــلومُ عــلى تَــبـلّدِهـا قُـلوبـاً — تُـكـابِـدُ مـن مَـعـيـشَـتِها جِهادا

إذا ما النّارُ لم تُطْعَمْ ضِراماً — فــأوْشِـكْ أنْ تَـمُـرَّ بـهـا رَمـادا

فــظُــنّ بــســائِرِ الإخْـوانِ شَـرّاً — ولا تــأمَــنْ عــلى سِــرٍّ فُــؤادا

فـلو خَـبَـرَتْهُـمُ الجَـوزاءُ خُـبْري — لَمـا طَـلَعَـتْ مَـخـافَـةَ أن تُكادا

تَــجَـنّـبْـتُ الأنـامَ فـلا أُواخـي — وزِدْتُ عــن العـدُوّ فـمـا أُعـادى

ولمّــا أنْ تَــجَهّــمَــنــي مُــرادي — جَـرَيْـتُ مـعَ الزّمـانِ كما أرادا

وهَــوَّنْــتُ الخُــطــوبَ عــليّ حـتـى — كـأنـي صِـرتُ أمْـنـحُهـا الوِدادا

أَأُنْــكِــرُهـا ومَـنْـبِـتُهـا فـؤادي — وكـيـفَ تُـنـاكِرُ الأرضُ القَتادا

فــأيّ النّــاسِ أجْــعَـلُهُ صَـديـقـا — وأيّ الأرضِ أسْــلُكُهُ ارْتِــيــادا

ولو أنّ النّــــجـــومَ لديّ مـــالٌ — نَـفَـتْ كَـفّـايَ أكْـثـرَها انْتِقادا

كــأنــي فـي لِسـانِ الدهْـرِ لَفْـظٌ — تَــضَـمّـنَ مـنـه أغْـراضـاً بِـعـادا

يُــكَــرّرُنــي ليَــفَهَــمَــنـي رِجـالٌ — كـمـا كَـرّرْتَ مَـعْـنـىً مُـسْـتَـعـادا

ولو أنّـي حُـبِـيـتُ الخُـلْدَ فَـرْداً — لمَـا أحـبَـبْـتُ بالخُلْدِ انفِرادا

فــلا هَــطَـلَتْ عَـلَيّ ولا بـأرْضـي — سَـحـائبُ ليـسَ تـنْـتَـظِمُ البِلادا

وكــم مِـن طـالِبٍ أمَـدي سـيَـلْقـى — دُوَيْـنَ مَـكـانـيَ السبْعَ الشّدادا

يُـؤجِّجـُ فـي شُـعـاعِ الشـمسِ ناراً — ويَــقْــدَحُ فــي تَـلَهّـبِهـا زِنـادا

ويَـطْـعَـنُ فـي عُـلايَ وإنّ شِـسْـعـي — لَيَــأنَــفُ أن يـكـونَ له نِـجـادا

ويُـــظْهِـــرُ لي مَــوَدّتَهُ مَــقــالا — ويُـبْـغِـضُـنـي ضَـمـيـراً واعْتِقادا

فـلا وأبـيكَ ما أخْشَى انتِقاضاً — ولا وأبـيـكَ ما أرْجو ازْديادا

ليَ الشّـرَفُ الّذي يَـطَـأُ الثُـريّا — مـعَ الفَـضْلِ الذي بَهَرَ العِبادا

وكــم عَــيْــنٍ تُـؤَمّـلُ أن تَـرانـي — وتَـفْـقِـدُ عـنـدَ رؤيَـتِيَ السّوادا

ولو مَـلأ السُّهـى عَـيْـنَـيْهِ مِـنّي — أَبَـــرَّ عـــلى مَــدَى زُحَــلٍ وزادا

أفُـــلّ نَـــوائبَ الأيــامِ وحْــدي — إذا جَـمَـعَـتْ كَـتائِبَها احْتِشادا

وقــدْ أَثْــبَــتُّ رِجْــلي فـي رِكـابٍ — جَــعَـلْتُ مـن الزَّمـاعِ له بَـدَادا

إذا أوْطَــأتُهــا قَــدَمَــيْ سُهَـيْـلٍ — فـلا سُـقِـيَـتْ خُـنـاصِرَةُ العِهادا

كــأنّ ظِــمــاءَهُــنّ بــنــاتُ نَـعْـشٍ — يَرِدْنَ إذا وَرَدنا بِنا الثِّمادا

سـتَـعْـجَـبُ مـن تَـغَـشْـمُـرِهـا لَيالٍ — تُــبــارِيـنـا كـواكـبُهـا سُهـادا

كـأنّ فِـجـاجَهـا فَـقَـدَتْ حَـبـيـبـاً — فــصَــيّـرَتِ الظّـلامَ لهـا حِـدادا

وقـد كـتَـبَ الضّـريبُ بها سُطوراً — فــخِــلْتَ الأرضَ لابِـسَـةً بِـجـادا

كــأنّ الزِّبْــرِقــانَ بـهـا أسـيـرٌ — تُــجُــنِّبــَ لا يُـفَـكُّ ولا يُـفـادى

وبـعـضُ الظـاعِـنـيـنَ كـقَـرْنِ شَمْسٍ — يَـغـيـبُ فـإنْ أضاء الفَجْرُ عادا

ولكِــنّــي الشّــبــابُ إذا تَــوَلّى — فــجَهْــلٌ أنْ تَـرومَ له ارْتِـدادا

وأحْــسَـبُ أنّ قَـلْبـي لو عَـصـانـي — فَـعـاوَدَ مـا وَجَـدْتُ له افْتِقادا

تـــذكَّرْتُ البِـــداوَةَ فــي أُنــاسٍ — تَــخـالُ رَبـيـعَهُـمْ سَـنَـةً جَـمـادا

يَــصــيــدونَ الفَــوَارِسَ كـلَّ يـومٍ — كـمـا تَـتَـصَـيّـدُ الأُسْدُ النِّقادا

طــلَعْــتُ عـليـهِـمْ واليـوْمُ طِـفْـلٌ — كــأنّ عــلى مَــشــارِقِهِ جِــســادا

إذا نَـزَلَ الضّـيوفُ ولم يُريحُوا — كـرامَ سَـوامِهمْ عَقَروا الجِيادا

بُـنـاةُ الشِّعـْرِ مـا أكْفَوْا رَوِيّاً — ولا عَرَفوا الإجازَةَ والسِّنادا

عَهِــدْتُ لأحْـسَـنِ الحَـيّـيْـنِ وَجْهـاً — وأوْهَــبِهِــمْ طـريـفـاً أو تِـلادا

وأطْــوَلِهِــمْ إذا ركِـبـوا قَـنـاةً — وأرْفَــعِهِـمْ إذا نـزَلوا عِـمـادا

فـتـىً يَهَبُ اللُّجَيْنَ المَحضَ جوداً — ويَــدَّخِــرُ الحــديــدَ له عَـتـادا

ويَـلْبَـسُ مـن جُـلودِ عِـداهُ سِـبْتاً — ويَــرْفَـعُ مـن رُؤوسِهِـمُ النِّضـَادا

أبَــنَّ الغَــزْوَ مُـكْـتَهِـلاً وبَـدْرا — وعُــوّدَ أنْ يَــســودَ ولا يُـسـادا

جَهــولٌ بـالمَـنـاسِـكِ ليـس يَـدري — أغَــيّـاً بـاتَ يَـفْـعَـلُ أم رَشـادا

طَـمـوحُ السّـيـفِ لا يـخْـشَى إلهاً — ولا يَـرجـو القِيامَةَ والمَعادا

ويَـغْـبِـقُ أهْـلَهُ لبَـنَ الصّـفـايـا — ويَـمْـنَـحُ قَـوْتَ مُهْـجَـتِهِ الجَوادا

يَــذودُ سَــخــاؤُهَ الأذْوادَ عـنـه — ويُـحْـسِـنُ عـن حـرائِبِهِ الذِّيـادا

يَــرُدّ بــتُـرْسِهِ النّـكْـبـاءَ عـنّـي — ويــجْــعَــلُ دِرْعَهُ تـحْـتـي مِهـادا

فــبِــتُّ وإنّــمــا ألْقَــى خَـيَـالاً — كـمَـنْ يَـلْقَـى الأسِنّةَ والصِّعادا

وأطْـلَسَ مُـخْـلِقِ السِّرْبـالِ يَـبْـغي — نَــوافِـلَنـا صَـلاحـاً أو فَـسـادا

كــأنّــي إذْ نَــبَـذْتُ له عِـصـامـاً — وَهَـبْـتُ له المَـطِـيّـةَ والمَـزَادا

وبَالي الجِسْمِ كالذّكَرِ اليَماني — أفُـلّ بـه اليَـمـانِـيَـةَ الحِدادا

طَـرَحْـتُ له الوَضِـيـنَ فـخِـلْتُ أني — طـرَحْـتُ له الحَـشِـيّـةَ والوِسـادا

وَلي نَــفْــسٌ تَـحُـلّ بـيَ الرّوابـي — وتـأبَـى أنْ تَـحُـلّ بـيَ الوِهـادا

تَـمُـدّ لتَـقْـبِـضَ القَـمَـرَيـنِ كَـفّـا — وتَـحْـمِـلُ كـيْ تَـبُـذّ النجْمَ زادا

البحر والقافية

القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.

تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.

القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • السوابق: جمع سابِقَة. [س ب ق]. "رَكَضَتِ السَّوابِقُ" : الخَيْلُ، ن.سابِق.
  • العنقاء: العَنْقَاءُ : طائر متوهم لا وجود له؛ كان يقال (ثلاثة لا وجودَ لهم، الغُولُ والعنْقاءُ والخِلُّ الوفي).
  • بسائر: السَّائِرُ [ سير]: فا.-: الماشي.- من الشّيْءِ: باقيهِ؛ حصل الطّالبُ على نتائج رديئة في الرّياضيّات إلاّ أنّه تفوّق فى سائرِ الموادّ/ المَثَلُ السّائرُ، هو الجاري الشّائع ُ بين النَّاس.
  • تبلدها: تَبَلَّدَ يَتَبَلَّدُ تَبَلُّداً : تظاهر بالبلادة أي الخمول.-: تردَّد متحيِّراً؛ عُرِضَتْ عليه ملابس مختلفة فتبلَّد في اختيار ما يناسبه.- الصبحُ: أشرق.- القومُ: نزلوا بالبلد؛ إنهم يتبلدون حين وآخر.
  • تجشمها: تَجَشَّمَ يَتَجَشَّمُ تَجَشُّماً :- الأمرَ. تكلّفه وحمل نفسه عليه؛ تجشم متاعبَ السفر ليزور الأهل والأقارب. - ـه: اختاره وقصد قصْده

قصائد ذات صلة

  • ألو الفضل في أوطانهم غرباء
  • تكرم أوصال الفتى بعد موته
  • أرائيك فليغفر لي الله زلتي
  • سألت رجالا عن معد ورهطه
  • بني الدهر مهلا إن ذممت فعالكم
  • يأتي على الخلق إصباح وإمساء
  • إن الأعلاء إن كانوا ذوي رشد
  • إن مازت الناس أخلاق يعاش بها