من «يتيمة الدهر» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
الْبَاب الْخَامِس، فِي ذكر أبي الطّيب المتنبي وَمَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هُوَ وَإِن كَانَ كُوفِي المولد شَامي المنشأ وَبهَا تخرج وَمِنْهَا خرج
نادرة الْفلك وواسطة عقد الدَّهْر فِي صناعَة الشّعْر ثمَّ هُوَ شَاعِر سيف الدولة الْمَنْسُوب إِلَيْهِ الْمَشْهُور بِهِ إِذْ هُوَ الَّذِي جذب بضبعه وَرفع من قدره ونفق سعر شعره وَألقى عَلَيْهِ شُعَاع سعادته حَتَّى سَار ذكره مسير الشَّمْس وَالْقَمَر وسافر كَلَامه فِي البدو والحضر وكادت اللَّيَالِي تنشده وَالْأَيَّام تحفظه كَمَا قَالَ وَأحسن مَا شَاءَ
وَمَا الدَّهْر إِلَّا من رُوَاة قصائديإِذا قلت شعرًا أصبح الدَّهْر منشدا
فَسَار بِهِ من لَا يسير مشمراوغنى بِهِ من لَا يُغني مغردا
وكما قَالَ
ولي فِيك مَا لم يقل قَائِلوَمَا لم يسر قمر حَيْثُ سارا
وَعِنْدِي لَك الشرد السائراتلَا يختصصن من الأَرْض دَارا
إِذا سرن من مقول مرّةوثبن الْجبَال وخضن البحارا
هَذَا من أحسن مَا قيل فِي وصف الشّعْر السائر وأبلغ مِنْهُ قَول عَليّ بن الجهم حَيْثُ قَالَ
وَلَكِن إِحْسَان الْخَلِيفَة جَعْفَردَعَاني إِلَى مَا قلت فِيهِ من الشّعْر
فَسَار مسير الشَّمْس فِي كل بَلْدَةوهب هبوب الرّيح فِي الْبر وَالْبَحْر
فَلَيْسَ الْيَوْم مجَالِس الدَّرْس أعمر بِشعر أبي الطّيب من مجَالِس الْأنس وَلَا أَقْلَام كتاب الرسائل أجْرى بِهِ من ألسن الخطباء فِي المحافل وَلَا لحون المغنين والقوالين أشغل بِهِ من كتب المؤلفين والمصنفين
وَقد ألفت الْكتب فِي تَفْسِيره وَحل مشكله وعويصه وَكَثُرت الدفاتر على ذكر جيده ورديئه وَتكلم الأفاضل فِي الوساطة بَينه وَبَين خصومه والإفصاح عَن أبكار كَلَامه وعونه
وَتَفَرَّقُوا فرقا فِي مدحه والقدح فِيهِ والنضح عَنهُ والتعصب لَهُ وَعَلِيهِ وَذَلِكَ أول دَلِيل دلّ على وفور فَضله وَتقدم قدمه وتفرده عَن أهل زَمَانه بِملك رِقَاب القوافي ورق الْمعَانِي فالكامل من عدت سقطاته والسعيد من حسبت هفواته وَمَا زَالَت الْأَمْلَاك تهجي وتمدح
وَأَنا مورد فِي هَذَا الْبَاب ذكر محاسنه ومقابحه وَمَا يرتضى وَمَا يستهجن من مذاهبه فِي الشّعْر وطرائقه وتفصيل الْكَلَام فِي نقد شعره والتنبيه على عيونه وعيوبه وَالْإِشَارَة إِلَى غرره وعرره وترتيب الْمُخْتَار من قلائده وبدائعه بعد الْأَخْذ بِطرف من طرق أخباره ومتصرفات أَحْوَاله وَمَا تكْثر فَوَائده وتحلو ثَمَرَته ويتميز هَذَا الْبَاب بِهِ عَن سَائِر أَبْوَاب الْكتاب كتميزه عَن أَصْحَابهَا بعلو الشَّأْن فِي شعر الزَّمَان وَالْقَبُول التَّام عِنْد أَكثر الْخَاص وَالْعَام
ذكر ابْتِدَاء أمره
ذكرت الروَاة أَنه ولد بِالْكُوفَةِ فِي كِنْدَة سنة ثَلَاث وثلاثمائة وَأَن أَبَاهُ سَافر إِلَى بِلَاد الشَّام فَلم يزل يَنْقُلهُ من باديتها إِلَى حضرها وَمن مدرها إِلَى وبرها ويسلمه فِي الْمكَاتب ويردده فِي الْقَبَائِل ومخايله نواطق الْحسنى عَنهُ
وضوامن النجح فِيهِ حَتَّى توفّي أَبوهُ وَقد ترعرع أَبُو الطّيب وَشعر وبرع وَبلغ من كبر نَفسه وَبعد همته أَن دَعَا إِلَى بيعَته قوما من رائشي نبله على الحداثة من سنه والغضاضة من عوده
وَحين كَاد يتم لَهُ أَمر دَعوته تأدى خَبره إِلَى وَالِي الْبَلدة وَرفع إِلَيْهِ مَا هم بِهِ من الْخُرُوج فَأمر بحبسه وتقييده وَهُوَ الْقَائِل فِي الْحَبْس قصيدته الَّتِي أَولهَا
أيا خدد الله ورد الخدودوَقد قدود الحسان القدود
وَمِنْهَا استعطافه ذَلِك الْأَمِير والتنصل مِمَّا قذف بِهِ
أمالك رقي وَمن شَأْنههبات اللجين وَعتق العبيد
دعوتك عِنْد انْقِطَاع الرَّجَاءوَالْمَوْت مني كحبل الوريد
دعوتك لما براني البلىوأوهن رجْلي ثقل الْحَدِيد
وَمِنْهَا
وَقد كَانَ مشيهما فِي النِّعَالفقد صَار مشيهما فِي الْقُيُود
وَكنت من النَّاس فِي محفلفها أَنا فِي محفل من قرود
تعجل فِي وجوب الْحُدُودوحدي قبل وجوب السُّجُود
أَي إِنَّمَا تجب الْحُدُود على الْبَالِغ وَأَنا صبي لم تجب عَليّ الصَّلَاة بعد وَيجوز أَن يكون قد صغر سنه وَأمر نَفسه عِنْد الْوَالِي لِأَن من كَانَ صَبيا لم يظنّ بِهِ اجْتِمَاع النَّاس إِلَيْهِ للشقاق وَالْخلاف
وَمن شعره فِي الْحَبْس مَا كتب بِهِ إِلَى صديق لَهُ قد كَانَ أنفذ إِلَيْهِ مبرة
أَهْون بطول الثواء والتلفوالسجن والقيد يَا أَبَا دلف
غير اخْتِيَار قبلت برك بِيوالجوع يُرْضِي الْأسود بالجيف
يشبه قَول أبي عُيَيْنَة
مَا أَنْت إِلَّا كلحم ميتدَعَا لي إِلَى أكله اضطرار
رَجَعَ
كن أَيهَا السجْن كَيفَ شِئْت فقدوطنت للْمَوْت نفس معترف
لَو كَانَ سكناي فِيك منقصةلم يكن الدّرّ سَاكن الصدف
ويحكى أَنه تنبأ فِي صباه وَفتن شرذمة بِقُوَّة أدبه وَحسن كَلَامه وَحكى أَبُو الْفَتْح عُثْمَان بن جني قَالَ سَمِعت أَبَا الطّيب يَقُول إِنَّمَا لقبت بالمتنبي لقولي
أَنا ترب الندى وَرب القوافيوسمام العدا وغيظ الحسود
أَنا فِي أمة تداركها اللهغَرِيب كصالح فِي ثَمُود
وَفِي هَذِه القصيدة يَقُول
مَا مقَامي بِأَرْض نَخْلَة إِلَّاكمقام الْمَسِيح بَين الْيَهُود
وَمَا زَالَ فِي برد صباه إِلَى أَن أخلق برد شبابه وتضاعفت عُقُود عمره يَدُور حب الْولَايَة والرياسة فِي رَأسه وَيظْهر مَا يضمر من كامن وسواسه فِي الْخُرُوج على السُّلْطَان والاستظهار بالشجعان والاستيلاء على بعض الْأَطْرَاف ويستكثر من التَّصْرِيح بذلك فِي مثل قَوْله
لقد تصبرت حَتَّى لات مصطبرفَالْآن أقحم حَتَّى لات مقتحم
لأتركن وُجُوه الْخَيل ساهمةوَالْحَرب أقوم من سَاق على قدم
والطعن يحرقها والزجر يقلقهاحَتَّى كَأَن بهَا ضربا من اللمم
قد كلمتها العوالي فَهِيَ كالحةكَأَنَّمَا الصاب مذرور على اللجم
بِكُل منصلت مَا زَالَ منتظريحَتَّى أدلت لَهُ من دولة الخدم
شيخ يرى الصَّلَوَات الْخمس نَافِلَةويستحل دم الْحجَّاج فِي الْحرم
وَقَوله
سأطلب حَقي بالقنا ومشايخكَأَنَّهُمْ من طول مَا التثموا مرد
ثقال إِذا لاقوا خفاف إِذا دعواكثير إِذا شدوا قَلِيل إِذا عدوا
وَطعن كَأَن الطعْن لَا طعن بعدهوَضرب كَأَن النَّار من حره برد
إِذا شِئْت حفت بِي على كل سابحرجال كَأَن الْمَوْت فِي فمها شهد
وَقَوله
وَلَا تحسبن الْمجد زقا وقينةفَمَا الْمجد إِلَّا السَّيْف والفتكة الْبكر
وتضريب أَعْنَاق الْمُلُوك وَأَن ترىلَك الهبوات السود والعسكر المجر
وتركك فِي الدُّنْيَا دويا كَأَنَّمَاتداول سمع الْمَرْء أنمله الْعشْر
وَقَوله
وَإِن عمرت جعلت الْحَرْب وَالِدَةوالسمهري أَخا والمشرفي أَبَا
بِكُل أَشْعَث يلقى الْمَوْت مُبْتَسِمًاحَتَّى كَأَن لَهُ فِي قَتله أربا
قح يكَاد صَهِيل الْخَيل يقذفهمن سَرْجه مرحا للعز أَو طَربا
الْمَوْت أعذر لي وَالصَّبْر أجمل بِيوَالْبر أوسع وَالدُّنْيَا لمن غلبا
وَكَانَ كثيرا مَا يتجشم أسفارا بعيدَة أبعد من آماله وَيَمْشي فِي مناكب الأَرْض ويطوي المناهل والمراحل وَلَا زَاد إِلَّا من ضرب الحراب على صفحة الْمِحْرَاب
وَلَا مَطِيَّة إِلَّا الْخُف أَو النَّعْل كَمَا قَالَ
لَا نَاقَتي تقبل الرديف وَلَابِالسَّوْطِ يَوْم الرِّهَان أجهدها
شراكها كورها ومشفرهازمامها والشسوع مقودها
وَإِنَّمَا ألم فِي هَذَا الْمَعْنى بِأبي نواس فِي قَوْله
إِلَيْك أَبَا الْعَبَّاس من بَين من مَشىعَلَيْهَا امتطينا الْحَضْرَمِيّ الملسنا
قَلَائِص لم تعرف حنينا على طلاوَلم تدر مَا قرع الفنيق وَلَا الهنا
وكما قَالَ فِي شكوى الدَّهْر وَوصف الْخُف
أظمتني الدُّنْيَا فَلَمَّا جِئْتهَامستسقيا مطرَت عَليّ مصائبا
وحبيت من خوص الركاب بأسودمن دارش فَغَدَوْت أَمْشِي رَاكِبًا
وكما قَالَ فِي الِاعْتِدَاد بالرحلة وَالْقُدْرَة على الرجلة
ومهمه جبته على قدميتعجز عَنهُ العرامس الذلل
بصارمي مُرْتَد بمخبرتيمجتزئ بالظلام معتمل
إِذا صديق نكرت جَانِبهلم تعيني فِي فِرَاقه الْحِيَل
فِي سَعَة الْخَافِقين مُضْطَربوَفِي بِلَاد من أُخْتهَا بدل
وشتان مَا بَين حَاله هَذِه وَالْحَال الَّتِي قَالَ فِيهَا
وعرفاهم بِأَنِّي من مكارمهأقلب الطّرف بَين الْخَيل والخول
وَكَانَ قبل اتِّصَاله بِسيف الدولة يمدح الْقَرِيب والغريب ويصطاد مَا بَين الكركي والعندليب
ويحكى أَن عَليّ بن مَنْصُور الْحَاجِب لم يُعْطه على قصيدته فِيهِ الَّتِي أَولهَا
بِأبي الشموس الجانحات غواربااللابسات من الْحَرِير جلاببا
وَمِنْهَا
حَال مَتى علم ابْن مَنْصُور بهَاجَاءَ الزَّمَان إِلَيّ مِنْهَا تَائِبًا
إِلَّا دِينَارا وَاحِدًا فسميت الدينارية
وَلما انخرط فِي سلك سيف الدولة وَدرت لَهُ أخلاف الدُّنْيَا على يَده كَانَ من قَوْله فِيهِ
تركت السرى خَلْفي لمن قل مَالهوأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا
وقيدت نَفسِي فِي هَوَاك محبَّةوَمن وجد الْإِحْسَان قيدا تقيدا
وَهَذَا الْبَيْت من قلائده وَإِنَّمَا ألم فِيهِ بقول أبي تَمام
هممي معلقَة عَلَيْك رقابهامغلولة إِن الْوَفَاء إسار
وَلكنه أَخذ عباءة وردهَا ديباجا وأرسلها مثلا سائرا وَكرر هَذَا الْمَعْنى فَزَاد فِيهِ حَتَّى كَاد يفْسد فِي قَوْله
يَا من يقتل من أَرَادَ بِسَيْفِهِأَصبَحت من قتلاك بِالْإِحْسَانِ
نبذ من أخباره
لما أنْشد سيف الدولة قصيدته الَّتِي أَولهَا
أجَاب دمعي وَمَا الدَّاعِي سوى طللدَعَا فلباه قبل الركب وَالْإِبِل
وناوله نسختها وَخرج فَنظر فِيهَا سيف الدولة فَلَمَّا انْتهى إِلَى قَوْله
يَا أَيهَا المحسن المشكور من جهتيوَالشُّكْر من جِهَة الْإِحْسَان لَا قبلي
مَا كَانَ نومي إِلَّا فَوق معرفتيبِأَن رَأْيك لَا يُؤْتى من الزلل
أقل أنل أقطع احْمِلْ عل سل أعدزد هش بش تفضل أدن سر صل
وَقع تَحت أقل قد أقلناك وَتَحْت أنل يحمل إِلَيْهِ من الدَّرَاهِم كَذَا وَتَحْت أقطع قد أقطعناك الضَّيْعَة الْفُلَانِيَّة ضَيْعَة بِبِلَاد حلب وَتَحْت احْمِلْ يُقَاد إِلَيْهِ الْفرس الْفُلَانِيّ وَتَحْت عل قد فعلنَا وَتَحْت سل قد فعلنَا فاسل وَتَحْت أعد أعدناك إِلَى حالك من حسن رَأينَا وَتَحْت زد يُزَاد كَذَا وَتَحْت تفضل قد فعلنَا وَتَحْت أدن قد أدنيناك وَتَحْت سر قد سررناك وَتَحْت صل قد فعلنَا
قَالَ ابْن جني فبلغني عَن المتنبي أَنه قَالَ إِنَّمَا أردْت سر من السّريَّة فَأمر لَهُ بِجَارِيَة
قَالَ وَحكى لي بعض إِخْوَاننَا أَن المعقلي وَهُوَ شيخ كَانَ بِحَضْرَتِهِ ظريف قَالَ لَهُ وحسد المتنبي على مَا أَمر بِهِ يَا مولَايَ قد فعلت بِهِ كل شَيْء سألكه فَهَلا قلت لَهُ لما قَالَ لَك هش بش هه هه هه يَحْكِي الضحك فَضَحِك سيف الدولة فَقَالَ لَهُ وَلَك أَيْضا مَا تحب وَأمر لَهُ بصلَة
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الْعَزِيز فِي كتاب الوساطة أَن أَبَا الطّيب نسج على منوال ديك الْجِنّ فَقَالَ
احل وامرر وضر وانفع وَلنْ واخشنورش وابر وانتدب للمعالي
وَحكى ابْن جني قَالَ حَدثنِي أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن أَحْمد الصنوبري قَالَ خرجت من حلب أُرِيد سيف الدولة فَلَمَّا برزت من السُّور إِذا أَنا بِفَارِس متلثم قد أَهْوى نحوي بِرُمْح طَوِيل وسدده إِلَى صَدْرِي فكدت أطرح نَفسِي عَن الدَّابَّة فرقا فَلَمَّا قرب مني ثنى السنان وحسر لثامه فَإِذا المتنبي وأنشدني
نثرنا رُءُوسًا بالأحيدب مِنْهُمكَمَا نثرت فَوق الْعَرُوس الدَّرَاهِم
ثمَّ قَالَ كَيفَ ترى هَذَا القَوْل أحسن هُوَ فَقلت لَهُ وَيحك قد قتلتني يَا رجل قَالَ ابْن جني فحكيت أَنا هَذِه الْحِكَايَة بِمَدِينَة السَّلَام لأبي الطّيب فعرفها وَضحك لَهَا وَذكر أَبَا عَليّ من التقريظ وَالثنَاء بِمَا يُقَال فِي مثله
قَالَ وأنشدت أَبَا عَليّ لَيْلًا قصيدة أبي الطّيب الَّتِي أَولهَا
واحر قلباه مِمَّن قلبه شبم
فَلَمَّا وصلت إِلَى قَوْله فِيهَا
وَشر مَا قنصته راحتي قنصشهب البزاة سَوَاء فِيهِ والرخم
أعجب جدا بِهِ وَلم يزل يستعيده حَتَّى حفظه وَمَعْنَاهُ إِذا تساويت وَمن لَا قدر لَهُ فِي أَخذ عطاياك فَأَي فضل لي عَلَيْهِ وَمَا كَانَ من الْفَائِدَة كَذَا لم أفرح بِهِ وَإِنَّمَا أفرح بِأخذ مَا تخْتَص بِهِ الأفاضل
قَالَ وحَدثني المتنبي قَالَ حَدثنِي فلَان الْهَاشِمِي من أهل حران بِمصْر قَالَ أحَدثك بطريفة كتبت إِلَى امْرَأَتي وَهِي بحران كتابا تمثلت فِيهِ ببيتك
بِمَ التعلل لَا أهل وَلَا وَطنوَلَا نديم وَلَا كأس وَلَا سكن
فأجابتني عَن الْكتاب وَقَالَت مَا أَنْت وَالله كَمَا ذكرته فِي هَذَا الْبَيْت بل أَنْت كَمَا قَالَ الشَّاعِر فِي هَذِه القصيدة
سهرت بعد رحيلي وَحْشَة لكمثمَّ اسْتمرّ مريري وارعوى الوسن
قَالَ وَلما سمع سيف الدولة الْبَيْت الَّذِي يتلوه وَهُوَ قَوْله
وَإِن بليت بود مثل ودكمفإنني بِفِرَاق مثله قمن
قَالَ سَار وَحقّ أبي
قَالَ وَلما سمع قَوْله لفنا خسرو
وَقد رَأَيْت الْمُلُوك قاطبةوسرت حَتَّى رَأَيْت مَوْلَاهَا
قَالَ ترى هَل نَحن فِي الْجُمْلَة
سَمِعت أَبَا بكر الْخَوَارِزْمِيّ يَقُول كَانَ أَبُو الطّيب المتنبي قَاعِدا تَحت قَول الشَّاعِر
وَإِن أَحَق النَّاس باللوم شَاعِريلوم على الْبُخْل الرِّجَال وَيبْخَل
وَإِنَّمَا أعرب عَن عَادَته وطريقته فِي قَوْله
بليت بلَى الأطلال إِن لم أَقف بهَاوقُوف شحيح ضَاعَ فِي الترب خَاتمه
فَحَضَرت عِنْده يَوْمًا بحلب وَقد أحضر مَالا من صلات سيف الدولة فصب بَين يَدَيْهِ على حَصِير قد افترشه وَوزن وأعيد فِي كيس وَإِذا بِقِطْعَة كأصغر مَا يكون من ذَلِك المَال قد تخللت خلل الْحَصِير فأكب عَلَيْهَا بمجامعه ينقرها ويعالج استنقاذها مِنْهُ ويشتغل بذلك عَن جُلَسَائِهِ حَتَّى توصل إِلَى إِظْهَار بَعْضهَا فتمثل بِبَيْت قيس بن الخطيم
تبدت لنا كَالشَّمْسِ بَين غمامةبدا حَاجِب مِنْهَا وضنت بحاجب
ثمَّ استخرجها وَأمر بإعادتها إِلَى مَكَانهَا من الْكيس وَقَالَ إِنَّهَا تحضر الْمَائِدَة
وسمعته يَقُول لما أنْشد المتنبي عضد الدولة قصيدته فِيهِ الَّتِي أَولهَا
مغاني الشّعب طيبا فِي المغاني
وانْتهى إِلَى قَوْله فِيهَا
وَألقى الشرق مِنْهَا فِي ثِيَابِيدنانيرا تَفِر من البنان
قَالَ لَهُ عضد الدولة لأقرنها فِي يَديك ثمَّ فعل
قَالَ وَلما قدم أَبُو الطّيب من مصر بَغْدَاد وترفع عَن مدح المهلبي الْوَزير ذَهَابًا بِنَفسِهِ عَن مدح غير الْمُلُوك شقّ ذَلِك على المهلبي فأغرى بِهِ شعراء بَغْدَاد حَتَّى نالوا من عرضه وتباروا فِي هجائه وَفِيهِمْ ابْن الْحجَّاج وَابْن سكرة مُحَمَّد بن عبد الله الزَّاهِد الْهَاشِمِي والحاتمي وأسمعوه مَا يكره وتماجنوا بِهِ وتنادروا عَلَيْهِ فَلم يجبهم وَلم يفكر فيهم وَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ إِنِّي فرغت من إجابتهم بِقَوْلِي لمن هم أرفع طبقَة مِنْهُم فِي الشُّعَرَاء
أرى المتشاعرين غروا بذميوَمن ذَا يحمل الدَّاء العضالا
وَمن يَك ذَا فَم مر مَرِيضيجد مرا بِهِ المَاء الزلالا
وَقَوْلِي
أَفِي كل يَوْم تَحت ضبني شويعرضَعِيف يقاويني قصير يطاول
لساني بنطقي صَامت عَنهُ عَادلوقلبي بصمتي ضَاحِك مِنْهُ هازل
وأتعب من ناداك من لَا تجيبهوأغيظ من عاداك من لَا تشاكل
وَمَا التيه طبي فيهم غير أننيبغيض إِلَيّ الْجَاهِل المتعاقل
وَقَوْلِي
وَإِذا أتتك مذمتي من نَاقصفَهِيَ الشَّهَادَة لي بِأَنِّي فَاضل
قَالَ وَبلغ أَبَا الْحُسَيْن بن لنكك بِالْبَصْرَةِ مَا جرى على المتنبي من وقيعة شعراء بَغْدَاد فِيهِ واستحقارهم لَهُ وَكَانَ حَاسِدًا لَهُ طاعنا عَلَيْهِ هاجيا إِيَّاه زاعما أَن أَبَاهُ كَانَ سقاء بِالْكُوفَةِ فشمت بِهِ وَقَالَ
قولا لأهل زمَان لَا خلاق لَهُمضلوا عَن الرشد من جهل بهم وعموا
أعطيتم المتنبي فَوق منيتهفَزَوجُوهُ برغم أُمَّهَاتكُم
لَكِن بَغْدَاد جاد الْغَيْث ساكنهانعَالهمْ فِي قفا السقاء تزدحم
قَالَ وَمن قَوْله فِيهِ
متنبيكم ابْن سقاء كوفانويوحى من الكنيف إِلَيْهِ
كَانَ من فِيهِ يسلح الشّعْر حَتَّىسلحت فقحة الزَّمَان عَلَيْهِ
وَمن قَوْله أَيْضا فِيهِ
مَا أوقح المتنبيفِيمَا حكى وادعاه
أُبِيح مَالا عَظِيماحَتَّى أَبَاحَ قَفاهُ
يَا سائلي عَن غناهُمن ذَاك كَانَ غناهُ
إِن كَانَ ذَاك نَبيافالجاثليق إِلَه
ثمَّ إِن أَبَا الطّيب المتنبي اتخذ اللَّيْل جملا وَفَارق بَغْدَاد مُتَوَجها إِلَى حَضْرَة أبي الْفضل بن العميد مراغما للمهلبي الْوَزير فورد أرجان وَأحمد مورده فيحكى أَن الصاحب أَبَا الْقَاسِم طمع فِي زِيَارَة المتنبي إِيَّاه بأصبهان وإجرائه مجْرى مقصوديه من رُؤَسَاء الزَّمَان وَهُوَ إِذْ ذَاك شَاب وحاله حويلة وَلم يكن استوزر بعد وَكتب إِلَيْهِ يلاطفه فِي استدعائه وتضمن لَهُ مشاطرته جَمِيع مَاله فَلم يقم لَهُ المتنبي وزنا وَلم يجبهُ عَن كِتَابه وَلَا إِلَى مُرَاده وَقصد حَضْرَة عضد الدولة بشيراز فأسفرت سفرته عَن بُلُوغ الأمنية وورود مشرع الْمنية واتخذه الصاحب غَرضا يرشقه بسهام الوقيعة ويتتبع عَلَيْهِ سقطاته فِي شعره وهفواته وينعي عَلَيْهِ سيئاته وَهُوَ أعرف النَّاس بحسناته وأحفظهم لَهَا وَأَكْثَرهم اسْتِعْمَالا إِيَّاهَا وتمثلا بهَا فِي محاضراته ومكاتباته وَكَانَ مثله مَعَه كَمَا قَالَ الشَّاعِر
شتمت من يَشْتمنِي مغالطالأصرف العاذل عَن لجاجته
فَقَالَ لما وَقع الْبَزَّاز فِي الثَّوْب... علمنَا أَنه من حَاجته)
وكما قَالَ الآخر
وذموا لنا الدُّنْيَا وهم يرضعونهاوَلم أر كالدنيا تذم وتحلب
وكما قَالَ الآخر
نبئت أَنِّي إِذا مَا غبت تَشْتمنِيقل مَا بدا لَك فالمحبوب مسبوب
قِطْعَة من حل الصاحب وَغَيره نظم المتنبي واستعانتهم بألفاظه ومعانيه فِي الترسل
فصل لَهُ من رِسَالَة فِي وصف قلعة افتتحها عضد الدولة
وَأما قلعة كَذَا فقد كَانَت بَقِيَّة الدَّهْر المديد والأمد الْبعيد تعطس بأنف شامخ من المنعة وتنبو بعطف جَامع على الْخطْبَة وَترى أَن الْأَيَّام قد صالحتها على الإعفاء من القوارع وعاهدتها على التَّسْلِيم من الْحَوَادِث فَلَمَّا أتاح الله للدنيا ابْن بجدتها وَأَبا بأسها ونجدتها جهلوا بون مَا بَين البحور والأنهار وظنوا الأقدار تأتيهم على مِقْدَار فَمَا لَبِثُوا أَن رَأَوْا معقلهم الْحصين ومثواهم الْقَدِيم نهزة الْحَوَادِث وفرصة البوائق ومجر العوالي ومجرى السوابق
وَإِنَّمَا ألم بِأَلْفَاظ بَيْتَيْنِ لأبي الطّيب أَحدهمَا
حَتَّى أَتَى الدُّنْيَا ابْن بجدتهافَشَكا إِلَيْهِ السهل والجبل
وَالْآخر
تذكرت مَا بَين العذيب وبارقمجر عوالينا ومجرى السوابق
وَفصل لَهُ لَئِن كَانَ الْفَتْح جليل الْخطر عَظِيم الْأَثر فَإِن سَعَادَة مَوْلَانَا لتبشر بشوافع لَهُ يعلم مَعهَا أَن لله أسرارا فِي علاهُ لَا يزَال يبديها ويصل أوائلها بتواليها وَهُوَ من قَول أبي الطّيب
وَللَّه سر فِي علاك وَإِنَّمَاكَلَام العدى ضرب من الهذيان
فصل وَلَو كَانَ مَا أحْسنه شظية فِي قلم كَاتب لما غيرت خطه أَو قذى فِي عين نَائِم لما انتبه جفْنه
وَهُوَ من قَول أبي الطّيب
وَلَو قلم ألقيت فِي شقّ رَأسهمن السقم مَا غيرت من خطّ كَاتب
وَقَول نصر
ضنيت حَتَّى صرت لَو زج بِيفِي نَاظر النَّائِم لم ينتبه
وَمِنْه أَخذ ابْن العميد قَوْله
فَلَو أَن مَا أبقيت فِي جَسَدِي قذىفِي الْعين لم يمْنَع من الإغفاء
فصل للصاحب فِي التَّعْزِيَة إِذا كَانَ الشَّيْخ الْقدْوَة فِي الْعلم وَمَا يَقْتَضِيهِ والأسوة فِي الدّين وَمَا يجب فِيهِ لزم أَن يتأدب فِي حالات الصَّبْر وَالشُّكْر بأدبه وَيُؤْخَذ فِي ثَارَاتِ الأسى والأسى بمذهبه فَكيف لنا بتعزيته عِنْد حَادث رزيته إِلَّا إِذا روينَا لَهُ بعض مَا أخذناه عَنهُ وأعدنا إِلَيْهِ طَائِفَة مِمَّا استفدناه مِنْهُ
وَإِنَّمَا هُوَ حل من قَول أبي الطّيب
أَنْت يَا فَوق أَن يعزى عَن الأحبابفَوق الَّذِي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهْتَدَى فَإِذا عزاكقَالَ الَّذِي لَهُ قلت قبلا
وَفصل لَهُ وَقد أثنى عَلَيْهِ ثَنَاء لِسَان الزهر على رَاحَة الْمَطَر وَهُوَ من قَول أبي الطّيب
وذكي رَائِحَة الرياض كَلَامهَاتبغي الثَّنَاء على الحيا فيفوح
وَالْأَصْل فِيهِ قَول ابْن الرُّومِي
شكرت نعْمَة الْوَلِيّ على الوسميثمَّ العهاد بعد العهاد
فَهِيَ تثني على السَّمَاء ثَنَاءطيب النشر شَائِعا فِي الْبِلَاد
من نسيم كَأَن مسراه فِي الآرواحمسرى الْأَرْوَاح فِي الأجساد
وَمِمَّا أوردهُ من أَبْيَات أبي الطّيب كَمَا هِيَ قَوْله فِي كتاب أجَاب بِهِ ابْن العميد عَن كِتَابه الصَّادِر إِلَيْهِ عَن شاطئ الْبَحْر فِي وصف مراكبه وعجائبه
وَقد علمت أَن سيدنَا كتب وَمَا أخطر بفكره سَعَة صَدره وَلَو فعل ذَلِك لرَأى الْبَحْر وشلا لَا يفضل عَن التبرض وثمدا لَا يكثر عَن الترشف
وَكم من جبال جبت تشهد أنني الْجبَالوبحر شَاهد أنني الْبَحْر
وَله من رِسَالَة فِي التهنئة ببنت أَولهَا أَهلا بعقيلة النِّسَاء وكريمة الْآبَاء وَأم الْأَبْنَاء وجالبة الأصهار وَالْأَوْلَاد الْأَطْهَار ثمَّ يَقُول فِيهَا
وَلَو كَانَ النِّسَاء كَمثل هذيلفضلت النِّسَاء على الرِّجَال
وَمَا التَّأْنِيث لاسم الشَّمْس عيبوَلَا التَّذْكِير فَخر للهلال
وهما لأبي الطّيب من قصيدة فِي مرثية وَالِدَة سيف الدولة إِلَّا أَنه يَقُول
وَلَو كَانَ النِّسَاء كمن فَقدنَا
وللصاحب من كتاب تَعْزِيَة وَقُلْنَا قد أَخذ الزَّمَان من أَخذ وَترك من ترك فَهُوَ لَا شكّ يعْفُو عَن الْقَمَر وَقد أسلم الشَّمْس للطفل وَلَا يصل الصروف بالصروف وَلَا يجمع الْكُسُوف إِلَى الخسوف فأبي حكم الملوين وَقد غبنك إِذْ قاسمك الْأَخَوَيْنِ إِلَّا أَن يعود فَيلْحق الْبَاقِي بالفاني والغابر بالماضي
وَعَاد فِي طلب الْمَتْرُوك تَاركهإِنَّا لنفعل وَالْأَيَّام فِي الطّلب
مَا كَانَ أقصر وقتا كَانَ بَينهمَاكَأَنَّهُ الْوَقْت بَين الْورْد والقرب
أَقُول هَذَا كعادة المصدور فِي النفث وشكوى الْحزن والبث وَإِلَّا فَمَا يعجب السّفر من تقدم بعض وكل بَين الرَّاحِلَة والرحل لَا يتْرك الْمَوْت ساعيا على وَجه الأَرْض حَتَّى يَنْقُلهُ إِلَى بطن الترب
نَحن بَنو الْمَوْتَى فَمَا بالنانعاف مَا لَا بُد من شربه
تبخل أَيْدِينَا بأرواحناعلى زمَان هن من كَسبه
فَهَذِهِ الْأَرْوَاح من جوهوَهَذِه الْأَجْسَام من تربه
وَهَذَا غيض من فيض مَا اغترفه الصاحب من بَحر المتنبي وتمثل بِهِ من شعره
وَلَو ذكرت نَظَائِره لامتد نفس هَذَا الْبَاب
وَلَيْسَ هُوَ بأوحد فِي الاقتباس من كَلَامه هَذَا أَبُو إِسْحَاق الصابي رسيله فِي ذَلِك وزميله وَقد قَرَأت لَهُ غير فصل فِيمَا أَشرت إِلَيْهِ ونبهت عَلَيْهِ فَمِنْهُ مَا كتب فِي تقريظ شَاب مقتبل الشبيبة مكتهل الْفَضِيلَة وَلَقَد آتَاهُ الله فِي اقتبال الْعُمر جَوَامِع الْفضل وسوغه فِي عنفوان الشَّبَاب محامد الاستكمال فَلَا تَجِد الكهولة خلة تتلافاها بتطاول الْمدَّة وثلمة تسدها بمزايا الحنكة
وَإِنَّمَا هُوَ حل نظم أبي الطّيب وَإِن كَانَ فِي معنى آخر
لَا تَجِد الْخمر فِي مكارمهإِذا انتشى خلة تلافاها
وَأخذ من قَول البحتري
تكرمت من قبل الكؤوس عَلَيْهِمفَمَا اسطعن أَن يحدثن فِيك تكرما
وَمِنْه مَا كتب إِلَى ابْن مَعْرُوف تهنئة بِقَضَاء الْقُضَاة منزلَة قَاضِي الْقُضَاة تجل عَن التهنئة لِأَن مَا تكتسبه الْوُلَاة بهَا من الصيت وَالذكر ويدرعونه فِيهَا من الْجمال وَالْفَخْر سَابق لَهَا عِنْده وَحَاصِل قبلهَا لَهُ وَإِذا مد أحدهم إِلَيْهَا يدا تجذبها إِلَى سفال جذبتها يَده إِلَى الْمحل العالي فَكَأَن أَبَا الطّيب المتنبي عناه أَو حَكَاهُ بقوله
فَوق السَّمَاء وَفَوق مَا طلبُوافَإِذا أَرَادوا غَايَة نزلُوا
وَمِنْه مَا كتب وَعَاد مَوْلَانَا إِلَى مُسْتَقر عزه عود الْحلِيّ إِلَى العاطل والغيث إِلَى الرَّوْض الماحل
وَإِنَّمَا من قَول أبي الطّيب
وعدت إِلَى حلب ظافراكعود الْحلِيّ إِلَى العاطل
وَإِذا كَانَ هَذَانِ الصدران المقدمان على بلغاء الزَّمَان يقتبسان من أبي الطّيب فِي رسائلهما فَمَا الظَّن بِغَيْرِهِمَا وَمَا أحسن قَول الشَّاعِر
أَلا إِن حل الشّعْر زِينَة كَاتبوَلَكِن مِنْهُم من يحل فيعقد
وَمِمَّنْ يحذو حذوهما الْأُسْتَاذ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الضَّبِّيّ وَمَا أظرف مَا قَرَأت لَهُ فِي كِتَابه إِلَى أبي سعيد الشبيبي
وَقد أَتَانِي كتاب شيخ الدولتين فَكَانَ فِي الْحسن رَوْضَة حزن بل جنَّة عدن وَفِي شرح النَّفس وَبسط الْأنس برد الأكباد والقلوب وقميص يُوسُف فِي أجفان يَعْقُوب
وَهُوَ من بَيت أبي الطّيب
كَأَن كل سُؤال فِي مسامعهقَمِيص يُوسُف فِي أجفان يَعْقُوب
وَفصل لأبي بكر الْخَوَارِزْمِيّ وَكَيف أمدح الْأَمِير بِخلق ضن بِهِ الْهَوَاء وامتلأت من ذكره الأَرْض وَالسَّمَاء وأبصره الْأَعْمَى بِلَا عين وسَمعه الْأَصَم بِلَا أذن
وَهُوَ حل نظم أبي الطّيب
تنشد أثوابنا مدائحهبألسن مَا لَهُنَّ أَفْوَاه
إِذا مَرَرْنَا على الْأَصَم بهَاأغنته عَن مسمعيه عَيناهُ
وَلأبي بكر من رِسَالَة وَلَقَد تَسَاوَت الألسن حَتَّى حسد الأبكم وأفسد الشّعْر حَتَّى أَحْمد الصمم وَهُوَ قَول أبي الطّيب
وَلَا تبال بِشعر بعد شاعرهقد أفسد القَوْل حَتَّى أَحْمد الصمم
وَهَذَا ميدان عريض وشوط بطين وَفِيمَا ذكرته كِفَايَة
ولاستراقات الشُّعَرَاء من أبي الطّيب بَاب هَذَا مَكَانَهُ
أنموذج لسرقات الشُّعَرَاء مِنْهُ
قَالَ المتنبي
وَقد أَخذ التَّمام الْبَدْر فيهموَأَعْطَانِي من السقم المحاقا
أَخذه أَبُو الْفرج الببغاء فلطفه وَقَالَ
أوليس من إِحْدَى الْعَجَائِب أننيفارقته وحييت بعد فِرَاقه
يَا من يحاكي الْبَدْر عِنْد تَمَامهارْحَمْ فَتى يحكيه عِنْد محاقه
وَقَالَ أَبُو الطّيب
قد علم الْبَين منا الْبَين أجفاناتدمى وَألف ذَا الْقلب أحزانا
أَخذه المهلبي الْوَزير وَقَالَ
تصارمت الأجفان مُنْذُ صرمتنيفَمَا تلتقي إِلَّا على عِبْرَة تجْرِي
وَقَالَ أَبُو الطّيب وَهُوَ من قلائده
وَكنت إِذا يممت أَرضًا بعيدَةسريت فَكنت السِّرّ وَاللَّيْل كاتمه
أَخذه الصاحب وَقَالَ
تجشمتها وَاللَّيْل وحف جنَاحهكَأَنِّي سر والظلام ضمير
وَقَالَ أَبُو الطّيب وَهُوَ أَيْضا من قلائده
لبسن الوشي لَا متجملاتوَلَكِن كي يصن بِهِ الجمالا
أغار عَلَيْهِ الصاحب لفظا وَمعنى فَقَالَ
لبسن برود الوشي لَا لتجملوَلَكِن لصون الْحسن بَين برود
وَإِنَّمَا فعل ببيتيه مَا فعل أَبُو الطّيب بِبَيْت الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف
والنجم فِي كبد السَّمَاء كَأَنَّهُأعمى تحير مَا لَدَيْهِ قَائِد
فَقَالَ
مَا بَال هذي النُّجُوم حائرةكَأَنَّهَا الْعَمى مَا لَهَا قَائِد
وَهَذِه مصالتة لَا سَرقَة وَهِي مذمومة جدا عِنْد النقدة
وَقَالَ أَبُو الطّيب وَهُوَ من فرائده
سقاك وحيانا بك الله إِنَّمَاعلى العيس نور والخدور كمائمه
أَخذه السّري بن أَحْمد قَالَ ابْن جني أَنْشدني لنَفسِهِ من قصيدة يمدح بهَا أَبَا الفوارس سَلامَة بن فَهد وَهِي قَوْله
حَيا بِهِ الله عاشقيه فقدأصبح رَيْحَانَة لمن عشقا
وَلم أجد أَنا هَذِه القصيدة فِي ديوَان شعره وَالْبَيْت نِهَايَة فِي العذوبة وخفة الرّوح
وَالسري كثير الْأَخْذ من أبي الطّيب فِي مثل قَوْله
وخرق طَال فِيهِ السّير حَتَّىحسبناه يسير مَعَ الركاب
وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول أبي الطّيب
يخدن بِنَا فِي جوزه وكأنناعلى كرة أَو أرضه مَعنا سفر
وَقَالَ السّري
وأحلها من قلب عاشقها الْهوىبَيْتا بِلَا عمد وَلَا أطناب
وَهُوَ من قَول أبي الطّيب
هام الْفُؤَاد بأعرابية سكنتبَيْتا من الْقلب لم تضرب بِهِ طنبا
وَقَالَ السّري
وَأَنا الْفِدَاء لمن مخيلة برقهعِنْدِي وَعند سواي من أنوائه
وَإِنَّمَا ألم فِيهِ بقول أبي الطّيب
لَيْت الْغَمَام الَّذِي عِنْدِي صواعقهيزيلهن إِلَى من عِنْده الديم
وَقَالَ أَبُو الطّيب وَهُوَ من قلائده
فَإِن تفق الْأَنَام وَأَنت مِنْهُمفَإِن الْمسك بعض دم الغزال
وَقَالَ أَيْضا
وَمَا أَنا مِنْهُم بالعيش فيهموَلَكِن مَعْدن الذَّهَب الرغام
أَخذ أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ معنى الْبَيْتَيْنِ وهما قريب من قريب فَقَالَ
فديتك مَا بدا لي قصد حرسواك من الورى إِلَّا بدالي
وَأَنَّك مِنْهُم وكذاك أَيْضامن المَاء الفرائد واللآلي
وتسكن دَارهم وكذاك سُكْنى الْحِجَارَةوالزمرد فِي الْجبَال
وَهَذَا معنى قد اخترعه المتنبي وكرره فِي تَفْضِيل الْبَعْض على الْكل فَأحْسن غَايَة الْإِحْسَان حَيْثُ قَالَ
فَإِن يَك سيار بن مكرم إنقضىفَإنَّك مَاء الْورْد إِن ذهب الْورْد
وَقَالَ
وَإِن تكن تغلب الغلباء عنصرهافَإِن فِي الْخمر معنى لَيْسَ فِي الْعِنَب
ألم بِهِ أَبُو الْفَتْح عَليّ بن مُحَمَّد البستي الْكَاتِب فَقَالَ
أَبوك حوى الْعليا وَأَنت مبرزعَلَيْهِ إِذا نازعته قصب الْمجد
وللخمر معنى لَيْسَ فِي الْكَرم مثلهوَفِي النَّار نور لَيْسَ يُوجد فِي الزند
وَخير من القَوْل الْمُقدم فاعترفنتيجته والنحل يكرم للشهد
وَقَالَ أَيْضا
أَبوك كريم غير أَنَّك سَابقمداه بِلَا ضيم عَلَيْهِ وَلَا ذيم
فَلَا يعجبن النَّاس مِمَّا أقولهوأقضي بِهِ فالغيث أندى من الْغَيْم
وَقَالَ أَبُو الطّيب
وصرت أَشك فِيمَن أصطفيهلعلمي أَنه بعض الْأَنَام
أَخذه أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ فَقَالَ
قد ظَلَمْنَاك بِحسن الظَّنيَا بعض الْأَنَام
وَقَالَ أَبُو الطّيب
أَتَى الزَّمَان بنوه فِي شبيبتهفسرهم وأتيناه على الْهَرم
أَخذه أَبُو الْفَتْح وَحسنه فَقَالَ
لَا غرو إِن لم تَجِد فِي الدَّهْر مخترفافقد أتيناه بعد الشيب والخرف
وَقَالَ أَبُو الطّيب
هما الْغَرَض الْأَقْصَى ورؤيتك المنىومنزلك الدُّنْيَا وَأَنت الْخَلَائق
امتثله أَبُو الْحسن السلَامِي فَقَالَ
وبشرت آمالي بِملك هُوَ الورىوَدَار هِيَ الدُّنْيَا وَيَوْم هُوَ الدَّهْر
وَقَالَ أَبُو الطّيب
لم تزل تسمع المديح وَلَكِنصَهِيل الْجِيَاد غير النهاق
أَخذه أَبُو الْقَاسِم الزَّعْفَرَانِي ولطفه جدا فَقَالَ
وتغنيك فِي النداء طيورأَنا وحدي مَا بَينهُنَّ الهزار
وَإِذ قد ذكرت أنموذجا من سرقات الشُّعَرَاء مِنْهُ فَلَا بَأْس أَن أذكر سرقاته من الشُّعَرَاء سوى مَا أوردهُ القَاضِي أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الْعَزِيز فِي كتاب الوساطة فشفى وَكفى وَبَالغ فأوفى وَسوى مَا مر ويمر مِنْهَا فِي أماكنها من فُصُول هَذَا الْكتاب
صدر من سرقاته
قَالَ مخلد الْموصِلِي
يَا منزلا ضن بِالسَّلَامِسقيت ريا من الْغَمَام
مَا ترك الدَّهْر مِنْك إِلَّامَا ترك الشوق من عِظَامِي
أَخذه أَبُو الطّيب فجوده حَيْثُ قَالَ
مَا زَالَ كل هزيم الودق ينحلهاوالشوق ينحلني حَتَّى حكت جَسَدِي
وَقَالَ عَمْرو بن كُلْثُوم
فآبوا بالنهاب وبالسباياوإبنا بالملوك مصفدينا
أَخذه أَبُو تَمام فَأحْسن إِذْ قَالَ
إِن الْأسود أسود الغاب همتهايَوْم الكريهة فِي المسلوب لَا السَّلب
وَأَخذه أَبُو الطّيب فَلم يحسن فِي تَكْرِير لفظ النهب وَذكر القماش إِذْ هُوَ من أَلْفَاظ الْعَامَّة
وَنهب نفوس أهل النهب أولىبِأَهْل الْمجد من نهب القماش
وَقَالَ بشار بن برد
كَأَن مثار النَّقْع فَوق رؤوسناوأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
أَخذه أَبُو الطّيب وَذكر الرماح مَكَان الأسياف فَقَالَ
وكأنما كسي النَّهَار بهَا دجىليل وأطلعت الرماح كواكبا
وَقَالَ مُسلم بن الْوَلِيد
أَرَادوا ليخفوا قَبره من عدوهفطيب تُرَاب الْقَبْر دلّ على الْقَبْر
ألم بِهِ أَبُو الطّيب فَقَالَ
وَمَا ريح الرياض لَهَا وَلَكِنكساها دفنهم فِي الترب طيبا
وَقَالَ الفرزدق
وَكنت فيهم كممطور ببلدتهيسر أَن جمع الأوطان والمطرا
أَخذه أَبُو الطّيب فَقَالَ
وَلَيْسَ الَّذِي يتبع الوبل رائداكمن جَاءَهُ فِي دَاره رائد الوبل
وَفِي قَوْله فِي هَذِه القصيدة
وخيل إِذا مرت بوحش وروضةأَبَت رعيها إِلَّا ومرجلنا يغلي
رَائِحَة من قَول امْرِئ الْقَيْس
إِذا مَا ركبنَا قَالَ ولدان أهلناتَعَالَوْا إِلَى أَن يَأْتِي الصَّيْد نخطب
وَقَالَ أَبُو نواس وَيُقَال إِنَّه أمدح بَيت للمحدثين
وكلت بالدهر عينا غير غافلةبجود كفيك تأسو كل مَا جرحا
أَخذه أَبُو الطّيب وَزَاد فِيهِ حسن التَّشْبِيه فَقَالَ
تتبع آثَار الرزايا بجودهتتبع آثَار الأسنة بِالْقَتْلِ
وَقَالَ أَبُو نواس وَهُوَ من قلائده فِي وصف الْخمر
إِذا مَا أَتَت دون اللهاة من الْفَتىدَعَا همه من صَدره برحيل
أَخذه أَبُو الطّيب وَنَقله إِلَى معنى آخر فَقَالَ
وَمَا هِيَ إِلَّا لَحْظَة بعد لَحْظَةإِذا نزلت فِي قلبه رَحل الْعقل
وَقَالَ ابْن أبي عُيَيْنَة ويروي للخليل
زر وَادي الْقصر نعم الْقصر والواديفِي منزل حَاضر إِن شِئْت أَو بَادِي
ترقى بِهِ السفن والظلمان حَاضِرَةوالضب وَالنُّون والملاح وَالْحَادِي
وَهَذَا أحسن مَا قيل فِي وصف مَكَان يجمع بَين أَوْصَاف الْبر وَالْبَحْر والحاضرة والبادية ألم بِهِ أَبُو الطّيب فِي وصف متصيد عضد الدولة بِنَاحِيَة سهلية جبلية تجمع الأضداد
سقيا لدشت الأرزن الطوَالبَين المروج الفيح والأغيال
مجاور الْخِنْزِير والرئبالداني الخنانيص من الأشبال
مستشرف الدب على الغزالمُجْتَمع الأضداد والأشكال
وَقَالَ بعض الْعَرَب وَهُوَ من الْأَمْثَال السائرة
إِذا بل من دَاء بِهِ ظن أَنهنجا وَبِه الدَّاء الَّذِي هُوَ قَاتله
أَخذه أَبُو الطّيب فَقَالَ وَأحسن
وَإِن أسلم فَمَا أبقى وَلَكِنسلمت من الْحمام إِلَى الْحمام
وَقَالَ بعض الرجاز
هَل يغلبني وَاحِد أقاتلهريم على لباته سلاسله
سلاحه يَوْم الوغى مكاحله
أَخذه أَبُو الطّيب فأكمل الْوَصْف وَأظْهر الْغَرَض حَيْثُ قَالَ
من طاعني ثغر الرِّجَال جآذروَمن الرماح دمالج وخلاخل
وَلذَا اسْم أغطية الْعُيُون جفونهامن أَنَّهَا عمل السيوف عوامل
وَقَالَ أَبُو تَمام
غربت خلائقه وَأغْرب شَاعِرفِيهِ فأبدع مغرب فِي مغرب
أَخذه أَبُو الطّيب فَقَالَ
شَاعِر الْمجد خدنه شَاعِر اللَّفْظكِلَانَا رب الْمعَانِي الدقاق
وَقَالَ أَبُو تَمام
يمدون بالبيض القواطع أيديافهن سَوَاء وَالسُّيُوف قواطع
أَخذه أَبُو الطّيب فأوقع التَّشْبِيه على الْجُمْلَة حَيْثُ قَالَ
همام إِذْ مَا فَارق الغمد سَيْفهوعاينته لم تدر أَيهمَا النصل
وَقَالَ ابْن الرُّومِي
لَا قدست نعمى تسربلتهاكم حجَّة فِيهَا لزنديق
أَخذه أَبُو الطّيب فَقَالَ
فَإِنَّهُ حجَّة يُؤْذِي الْقُلُوب بهَامن دينه الدَّهْر والتعطيل والقدم
وَلابْن الرُّومِي وأجاد
وَأحسن من عقد العقيلة جيدهاوَأحسن من سربالها المتجرد
أَخذه أَبُو الطّيب فَقَالَ
وَرب قبح وحلي ثقالأحسن مِنْهَا الْحسن فِي المعطال
وَقَالَ عبيد الله بن طَاهِر
وجربت حَتَّى لَا أرى الدَّهْر مغرباعَليّ بِشَيْء لم يكن فِي تجاربي
أَخذه أَبُو الطّيب فَقَالَ
قد بلوت الخطوب حلوا وَمَراوسلكت الْأَيَّام حزنا وسهلا
وَقتلت الزَّمَان علما فَمَا يغربقولا وَلَا يجدد فعلا
وَكرر هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ
عرفت اللَّيَالِي قبل مَا صنعت بِنَافَلَمَّا دهتنا لم تزدني بهَا علما
وَكتب ابْن المعتز إِلَى عبيد الله بن سُلَيْمَان يعزيه عَن ابْنه أبي مُحَمَّد ويسليه بِبَقَاء أبي الْحُسَيْن الْقَاسِم أبياتا مِنْهَا
وَلَقَد غبنت الدَّهْر إِذْ شاطرتهبِأبي الْحُسَيْن وَقد ربحت عَلَيْهِ
وَأَبُو مُحَمَّد الْجَلِيل مصابهلَكِن يمني الْمَرْء خير يَدَيْهِ
فَأخذ أَبُو الطّيب هَذَا الْمَعْنى وَقَالَ لسيف الدولة من قصيدة يعزيه بهَا عَن أُخْته الصُّغْرَى ويسليه بِبَقَاء الْكُبْرَى حَيْثُ قَالَ
قاسمتك الْمنون شَخْصَيْنِ جوراجعل الْقسم نَفسه فِيك عدلا
فَإِذا قست مَا أخذن بِمَا غادرنسرى من الْفُؤَاد وسلى
وتيقنت أَن حظك أوفىوتبينت أَن جدك أَعلَى
وَكَانَ أَبُو الطّيب كثير الْأَخْذ من ابْن المعتز على تَركه الْإِقْرَار بِالنّظرِ فِي شعر الْمُحدثين فمما أَخذه مِنْهُ قَوْله
وتكسب الشَّمْس مِنْك النُّور طالعةكَمَا تكسب مِنْهَا نورها الْقَمَر
وَهُوَ معنى قَول ابْن المعتز
الْبَدْر من شمس الضُّحَى نورهوَالشَّمْس من نورك تستملي
وَأخذ قَوْله وَهُوَ من قلائده وَلَعَلَّه أَمِير شعره
أزورهم وَسَوَاد اللَّيْل يشفع ليوأنثني وَبَيَاض الصُّبْح يغري بِي
من مصراع لِابْنِ المعتز ذكر ابْن جني قَالَ حَدثنِي المتنبي وَقت الْقِرَاءَة عَلَيْهِ قَالَ قَالَ لي حنزابة وَزِير كافور أحضرت كتبي كلهَا وَجَمَاعَة من الأدباء يطْلبُونَ لي من أَيْن أخذت هَذَا الْمَعْنى فَلم يظفروا بذلك وَكَانَ أَكثر من رَأَيْت كتبا
قَالَ ابْن جني ثمَّ إِنِّي عثرت بالموضع الَّذِي أَخذه مِنْهُ إِذْ وجدت لِابْنِ المعتز مصراعا بِلَفْظ لين صَغِير جدا فِيهِ معنى بَيت المتنبي كُله على جلالة لَفظه وَحسن تقسيمه وَهُوَ قَوْله
فالشمس نمامة وَاللَّيْل قواد
وَلنْ يَخْلُو المتنبي من إِحْدَى ثَلَاث إِمَّا أَن يكون ألم بِهَذَا المصراع فحسنه وزينه وَصَارَ أولى بِهِ وَإِمَّا أَن يكون قد عثر بالموضع الَّذِي عثر بِهِ ابْن المعتز فأربى عَلَيْهِ فِي جودة الْأَخْذ وَإِمَّا أَن يكون قد اخترع الْمَعْنى وابتدعه وَتفرد بِهِ فَللَّه دره وناهيك بشرف لَفظه وبراعة نسجه
وَمَا أحسن مَا جمع فِيهِ أَربع مطابقات فِي بَيت وَاحِد وَمَا أرَاهُ سبق إِلَى مثلهَا وَمَا زَالَ النَّاس يعْجبُونَ من جمع البحتري ثَلَاث مطابقات فِي قَوْله
وَأمة كَانَ قبح الْجور يسخطهادهرا فَأصْبح حسن الْعدْل يرضيها
حَتَّى جَاءَ أَبُو الطّيب فَزَاد عَلَيْهِ مَعَ عذوبة اللَّفْظ ورشاقة الصَّنْعَة
ولبعض أهل الْعَصْر بَيت يجمع خمس مطابقات وَلكنه لَا يسْتَقلّ إِلَّا بإنشاد بَيْتَيْنِ قبله وَهِي
عذيري من الْأَيَّام مدت صروفهاإِلَى وَجه من أَهْوى يَد النّسخ والمحو
وأبدت بوجهي طالعات أرى بهَاسِهَام أبي يحيى مسددة نحوي
فَذَاك سَواد الْحَظ ينْهَى عَن الْهوىوَهَذَا بَيَاض الوخط يَأْمر بالصحو
وَقَالَ ابْن الرُّومِي
أرى فضل مَال الْمَرْء دَاء لعرضهكَمَا أَن فضل الزَّاد دَاء لجسمه
فَلَيْسَ لداء الْعرض شَيْء كبذلهوَلَيْسَ لداء الْجِسْم شَيْء كحسمه
ألم بِهِ أَبُو الطّيب فَقَالَ
يتداوى من كَثْرَة المَال بالإقلالجودا كَأَن مَالا سقام
بعض مَا تكَرر فِي شعره من مَعَانِيه
قَالَ فِي سيف الدولة
وَأَنت الْمَرْء تمرضه الحشايالهمته وتشفيه الحروب
وَقَالَ يذكر الْحمى الَّتِي كَانَت تغشاه بِمصْر
وَمَا فِي طبه أَنِّي جوادأضرّ بجسمه طول الجمام
وَقَالَ يمدح بدر بن عمار
لَيْت الحبيب الهاجري هجر الْكرَىمن غير جرم واصلي صلَة الضنا
وَقَالَ يمدح طَاهِر بن الْحُسَيْن
فيا لَيْت مَا بيني وَبَين أحبتيمن الْبعد مَا بيني وَبَين المصائب
وَقَالَ يمدح المغيث بن بشر الْعجلِيّ
إِذا بدا حجبت عَيْنَيْك هيبتهوَلَيْسَ يَحْجُبهُ ستر إِذا احتجبا
وَقَالَ وَقد حجبه بدر عمار
أَصبَحت تَأمر بالحجاب لخلوةهَيْهَات لست على الْحجاب بِقَادِر
من كَانَ ضوء جَبينه ونوالهلم يحجبا لم يحتجب عَن نَاظر
فَإِذا احْتَجَبت فَأَنت غير محجبوَإِذا بطنت فَأَنت عين الظَّاهِر
وَقَالَ من قصيدة يمدحه بهَا
أَمِير أَمِير عَلَيْهِ الندىجواد بخيل بِأَن لَا يجودا
وَقَالَ
إِلَّا أَن الندى أضحى أَمِيراعلى مَال الْأَمِير أبي الْحُسَيْن
وَقَالَ يمدح بدر بن عمار
وَمَال وهبت بِلَا موعدوَقرن سبقت إِلَيْهِ الوعيدا
وَقَالَ من القصيدة الَّتِي كتبهَا إِلَى السُّلْطَان من حَبسه
لقد حَال بِالسَّيْفِ دون الْوَعيدوحالت عطاياه دون الوعود
وَقَالَ من قصيدة يمدح بهَا كافوارا
وَمَا رغبتي فِي عسجد أستفيدهوَلكنهَا فِي مفخر أستجده
وَقَالَ من قصيدة يمدح بهَا أَبَا العشائر
فسرت إِلَيْك فِي طلب الْمَعَالِيوَسَار سواي فِي طلب المعاش
وَقَالَ يمدح سعيد بن عبد الله
قد علم الْبَين منا الْبَين أجفاناتدمي وَألف فِي ذَا الْقلب أحزانا
وَقَالَ فِي خلاص أبي وَائِل
كَأَن الجفون على مقلتيثِيَاب شققْنَ على ثاكل
وَقَالَ يمدح بدر بن عمار
كَأَنَّك بالفقر تبغي الْغنىوبالموت فِي الْحَرْب تبغي الخلودا
وَقَالَ فِي الْحُسَيْن بن إِسْحَاق التنوخي
كَأَنَّك فِي الْإِعْطَاء لِلْمَالِ مبغضوَفِي كل حَرْب للمنية عاشق
وَقَالَ
الَّذِي زلت عَنهُ شرقا وغرباونداه مقابلي مَا يَزُول
وَقَالَ فِي سيف الدولة
وَمن فر من إحسانه حسدا لَهُتَلقاهُ مِنْهُ حَيْثُ مَا سَار نائل
وَقَالَ يمدح أَبَا أَيُّوب أَحْمد بن عمرَان
فَكَأَنَّمَا نتجت قيَاما تَحْتهموكأنما ولدُوا على صهواتها
وَقَالَ فِي الْحسن بن عبيد الله بن طغج
وَطعن غطاريف كَأَن أكفهمعرفن الردينيات قبل المعاصم
وَقَالَ يشكو الْحمى بِمصْر
جرحت مجرحا لم يبْق مِنْهُمَكَان للسيوف وللسهام
وَقَالَ فِي مرثية وَالِدَة سيف الدولة
رماني الدَّهْر بالأرزاء حَتَّىفُؤَادِي فِي غشاء من نبال
فصرت إِذا أصابتني سِهَامتَكَسَّرَتْ النصال على النصال
وَقَالَ يمدح أَبَا عَليّ هَارُون بن عبد الله الْكَاتِب
وشكيتي فقد السِّهَام لِأَنَّهُقد كَانَ لما كَانَ لي أَعْضَاء
وَقَالَ قبيل مسيره من مصر يهجو كافورا
لم يتْرك الدَّهْر من قلبِي وَمن كَبِدِيشَيْئا تتيمه عين وَلَا جيد
وَقَالَ يصف مَدِينَة مرعش
تصد الرِّيَاح الهوج عَنْهَا مَخَافَةوتفزع فِيهَا الطير أَن تلقط الحبا
وَقَالَ من قصيدة فِي مدح كافور
إِذا أتتها الرِّيَاح النكب فِي بلدفَمَا تهب بهَا إِلَّا بترتيب
وَقَالَ يمدح الْحسن بن عبيد الله بن طغج
إِذا ضوؤها لَاقَى من الطير فُرْجَةتَدور فَوق الْبيض مثل الدَّرَاهِم
وَقَالَ من كلمة يمدح فِيهَا عضد الدولة
وَألقى الشرق مِنْهَا فِي ثِيَابِيدنانيرا تَفِر من البنان
وَقَالَ يمدح أَبَا شُجَاع مُحَمَّد بن أَوْس
وَلَقَد بَكَيْت على الشَّبَاب ولمتيمسودة ولماء وَجْهي رونق
حذرا عَلَيْهِ قبل يَوْم فِرَاقهحَتَّى لكدت بِمَاء جفني أشرق
وَقَالَ وَقد أهداه عبيد الله بن خُرَاسَان هَدِيَّة
هَدِيَّة مَا رَأَيْت مهديهاإِلَّا رَأَيْت الْعباد فِي رجل
وَقَالَ يمدح بدر بن عمار
أحلما نرى أم زَمَانا جَدِيداأم الْخلق فِي شخص حَيّ أعيدا
وَمثله فِي الْحُسَيْن بن إِسْحَاق التنوخي
هِيَ الْغَرَض الْأَقْصَى ورؤيتك المنىومنزلك الدُّنْيَا وَأَنت الْخَلَائق
ثمَّ كَرَّرَه وَزَاد فِيهِ فَقَالَ من كلمة يمدح فِيهَا ابْن العميد
وَلَقِيت كل الفاضلين كَأَنَّمَارد الْإِلَه نُفُوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الْحساب مقدماوأتى فَذَلِك إِذْ أتيت مُؤَخرا
وَالْأَصْل فِيهِ قَول أبي نواس
لَيْسَ على الله بمستنكرأَن يجمع الْعَالم فِي وَاحِد
وَقَالَ
مَتى تخطي إِلَيْهِ الرجل سَالِمَةتستجمع الْخلق فِي تِمْثَال إِنْسَان
وَقَالَ فِي سيف الدولة
هُوَ الشجاع يعد الْبُخْل من جبنوَهُوَ الْجواد يعد الْجُبْن من بخل
وَقَالَ وَقد ضرب أَبُو العساكر خيمة على الطَّرِيق فَكثر سُؤَاله وغاشيته
فَقلت إِن الْفَتى شجاعتهتريه فِي الشُّح صُورَة الْفرق
وَالْأَصْل فِيهِ قَول أبي تَمام
أيقنت أَن من السماح شجاعةتدمى وَأَن من الشجَاعَة جودا
وَقَالَ يمدح أَبَا شُجَاع عضد الدولة
وَمن أعتاض مِنْك إِذا افترقناوكل النَّاس زور مَا خلاكا
وَقَالَ فِي مثله فتبرد وَبَالغ
إِنَّمَا النَّاس أَنْت وَمَا النَّاسبناس فِي مَوضِع مِنْك خَال
وَقَالَ فِي سيف الدولة
إِذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأَرْضوَمن فَوْقهَا والبأس وَالْكَرم الْمَحْض
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا
وَمَا أخصك فِي برْء بتهنئةإِذا سلمت فَكل النَّاس قد سلمُوا
وَقَالَ يمدح كافورا وَلم يلقه بعد
تجَاوز قدر الْمَدْح حَتَّى كَأَنَّهُبِأَحْسَن مَا يثنى عَلَيْهِ يعاب
وَقَالَ فِي عبد الله بن يحيى البحتري
وَعظم قدرك فِي الْآفَاق أوهمنيأَنِّي بقلة مَا أثنيت أهجوكا
وَقَالَ يعزي عضد الدولة وَقد مَاتَت عمته
وَكَانَ من عدد إحسانهكَأَنَّهُ أسرف فِي سبه
وَالْأَصْل فِي هَذَا قَول البحتري
جلّ عَن مَذْهَب المديح فقد كَاديكون المديح فِيهِ هجاء
وَقَالَ وَهُوَ مِمَّا سبق إِلَيْهِ
نَالَ الَّذِي نلْت مِنْهُ منيلله مَا تصنع الْخُمُور
وَقَالَ
أفيكم فَتى حَيّ فيخبر ناعبابِمَا شربت مشروبة الراح من ذهني
وَقَالَ يمدح سيف الدولة
عليم بأسرار الديانَات واللغىلَهُ خطرات تفضح النَّاس والكتبا
وَقَالَ فِي أبي العشائر عَليّ بن الْحُسَيْن
كَأَنَّك نَاظر فِي كل قلبفَمَا يخفى عَلَيْك مَحل غاش
وَقَالَ
ووكل الظَّن بالأسرار فَانْكَشَفَتْلَهُ سرائر أهل السهل والجبل
وَقَالَ لبدر بن عمار يمدحه
فَاغْفِر فدى لَك واحبني من بعْدهَالتخصني بعطية مِنْهَا أَنا
وَقَالَ
لَهُ أياد إِلَيّ سالفةأعد مِنْهَا وَلَا أعددها
وَقَالَ وَهُوَ من قلائده
خير أعضائنا الرؤس وَلَكِنفضلتها بقصدك الْأَقْدَام
وَقَالَ
وَإِن الْقيام الألى حولهلتحسد أرجلها الأرؤس
وَقَالَ من قصيدة فِي مدح سيف الدولة
وَمَا الْحسن فِي وَجه الْفَتى شرف لَهُإِذا لم يكن فِي فعله وَالْخَلَائِق
وَقَالَ فِي وصف الْخَيل
إِذا لم تشاهد غير حسن شياتهاوأعضائها فالحسن عَنْك مغيب
وَقَرِيب مِنْهُ قَوْله
يحب العاقلون على التصافيوَحب الْجَاهِلين على الوسام
وَقَالَ فِي معنى قد تصرفت فِيهِ الشُّعَرَاء
ذل من يغبط الذَّلِيل بعيشرب عَيْش أخف مِنْهُ الْحمام
وَقَالَ فِي صباه
عش عَزِيزًا أَو مت وَأَنت كريمبَين طعن القنا وخفق البنود
وَقَالَ لعَلي بن إِبْرَاهِيم التنوخي يمدحه
إِذا مَا لم تسر جَيْشًا إِلَيْهِمأسرت إِلَى قُلُوبهم الهلوعا
وَقَالَ
بعثوا الرعب فِي قُلُوب الأعاديفَكَأَن الْقِتَال قبل التلاقي
وَقَالَ
قد نَاب عَنْك شَدِيد الْخَوْف واصطنعتلَك المهابة مَا لَا يصنع البهم
وَقَالَ
أبصروا الطعْن فِي الْقُلُوب دراكاقبل أَن يبصروا الرماح خيالا
وَقَالَ
صِيَام بِأَبْوَاب القباب جيادهموأشخاصهم فِي قلب خائفهم تعدو
وَقَالَ
تغير عَنهُ على الغارات هيبتهوَمَاله بأقاصي الْبر أهمال
وَالْأَصْل فِيهِ قَول النَّبِي ﷺ (نصرت بِالرُّعْبِ) ثمَّ أَكثر النَّاس مِنْهُ وَمن أوجز مَا قَالُوا قَول عَليّ بن جبلة العكوك
غَدا مُجْتَمع الْعَزْملَهُ جند من الرعب
وَقَالَ أَبُو الطّيب
وأتعب خلق الله من زَاد همهوَقصر عَمَّا تشْتَهي النَّفس وجده
وَقَالَ
لحى الله ذِي الدُّنْيَا منَاخًا لراكبفَكل بعيد الْهم فِيهَا معذب
وَقَالَ
ومعال إِذا ادَّعَاهَا سواهُملَزِمته خِيَانَة السراق
وَقَالَ
مسكية النفحات إِلَّا أَنَّهَاوحشية بسواهم لَا تعبق
والآن حِين أذكر مَا ينعى على أبي الطّيب من معائب شعره ومقابحه
وَمن ذَا الَّذِي ترضي سجاياه كلهَاكفى الْمَرْء فضلا أَن تعد معائبه
ثمَّ أقفى على آثارها بمحاسنه وَسِيَاق بدائعه وفرائده
فَحسن دراري الْكَوَاكِب أَن ترىطوالع فِي داج من اللَّيْل غيهب
فَمِنْهَا قبح الْمطَالع
وَحقه الْحسن والعذوبة لفظا والبارعة والجودة معنى لِأَنَّهُ أول مَا يقرع الْأذن ويصافح الذِّهْن فَإِذا كَانَت حَاله على الضِّدّ مجه السّمع وزجه الْقلب وَنبت عَنهُ النَّفس وَجرى أَوله على مَا تَقوله الْعَامَّة أول الدن دردى
وَلأبي الطّيب ابتداءات لَيست لعمري من أَحْرَار الْكَلَام وغرره بل هِيَ كَمَا نعاها عَلَيْهِ العائبون مستشنعة لَا يرفع السّمع لَهَا حجابه وَلَا يفتح الْقلب لَهَا بَابه كَقَوْلِه
هذي برزت لنا فهجت رسيساثمَّ انصرفت وَمَا شفيت نسيسا
فَإِنَّهُ لم يرض بِحَذْف عَلامَة النداء من هذي وَهُوَ غير جَائِز عِنْد النَّحْوِيين حَتَّى ذكر الرسيس والنسيس فَأخذ بطرفي الثّقل وَالْبرد وَكَقَوْلِه
أوه بديل من قولتي واها
وَهُوَ برقية الْعَقْرَب أشبه مِنْهُ بافتتاح كَلَام فِي مُخَاطبَة ملك
وَكَقَوْلِه وَهُوَ مِمَّا تكلّف لَهُ اللَّفْظ المتعقد وَالتَّرْتِيب المتعسف لغير معنى بديع يَفِي شرفه وغرابته بالتعب فِي استخراجه وَلَا تقوم فَائِدَة الِانْتِفَاع بِهِ بِإِزَاءِ التأذي باستماعه
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمهبِأَن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
وَكَقَوْلِه فِي استفتاح قصيدة فِي مدح ملك يُرِيد أَن يلقاه بهَا أول لقية
كفى بك دَاء أَن ترى الْمَوْت شافياوَحسب المنايا أَن يكن أمانيا
وَفِي الِابْتِدَاء بِذكر الدَّاء وَالْمَوْت والمنايا مَا فِيهِ من الطَّيرَة الَّتِي تنفر مِنْهَا السوقة فضلا عَن الْمُلُوك
حكى الصاحب قَالَ ذكر الْأُسْتَاذ الرئيس يَوْمًا الشّعْر فَقَالَ وَإِن أول مَا يحْتَاج فِيهِ إِلَيْهِ حسن المطلع فَإِن ابْن أبي الشَّبَاب أَنْشدني فِي يَوْم نيروز قصيدة ابْتِدَاؤُهَا
أقبر وَمَا طلت ثراك يَد الطل
فتطيرت من افتتاحه بالقبر وتنغصت بِالْيَوْمِ وَالشعر فَقلت كَذَاك كَانَت حَال ابْن مقَاتل لما مدح الدَّاعِي بقوله
لَا تقل بشرى وَلَكِن بشريانغرَّة الدَّاعِي وَيَوْم المهرجان
فَإِنَّهُ نفر من قَوْله لَا تقل بشرى أَشد نفار وَقَالَ أعمى وتبتدئ بِهَذَا فِي يَوْم مهرجان
قَالَ الصاحب وَمن عنوان قصائده الَّتِي تحير الأفهام وتفوت الأوهام وَتجمع من الْحساب مَا لَا يدْرك بالأرتيماطيقي وبالأعداد الْمَوْضُوعَة للموسيقى
أحاد أم سداس فِي أحادلييلتنا المنوطة بالتنادي
وَهَذَا كَلَام الحكل ورطانة الزط وَمَا ظَنك بممدوح قد تشمر للسماع من مادحه فصك سَمعه بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ الملفوظة والمعاني المنبوذة فَأَي هزة تبقى هُنَاكَ وَأي أريحية تثبت هُنَا
وَقد خطأه فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى كثير من أهل اللُّغَة وَأَصْحَاب الْمعَانِي حَتَّى احْتِيجَ فِي الِاعْتِذَار لَهُ والنضح عَنهُ إِلَى كَلَام لَا يستأهله هَذَا الْبَيْت وَلَا يَتَّسِع لَهُ هَذَا الْبَاب
وَمن ابتداءاته البشعة الَّتِي تنكرهَا بديهة السماع قَوْله
ملث الْقطر أعطشها ربوعاوَإِلَّا فاسقها السم النجيعا
وَقَوله
أثلث فَإنَّا أَيهَا الطللنبكي وترزم تحتنا الْإِبِل
وَقَوله
بقائي شَاءَ لَيْسَ هم ارتحالاوَحسن الصَّبْر زموا لَا الرحالا
قَالَ الصاحب وَمن افتتاحاته العجيبة قَوْله لسيف الدولة فِي التسلية عِنْد الْمُصِيبَة
لَا يحزن الله الْأَمِير فإننيلآخذ من حالاته بِنَصِيب
قَالَ الصاحب لَا أَدْرِي لم لَا يحزن سيف الدولة إِذا أَخذ المتنبي بِنَصِيب من القلق
وَمِنْهَا إتباع الْفَقْرَة الغراء بِالْكَلِمَةِ العوراء
والإفصاح بذلك فِي شعره عَن كَثْرَة التَّفَاوُت وَقلة التناسب وتنافر الْأَطْرَاف وتخالف الأبيات وَمَا أَكثر مَا يحوم حول هَذِه الطَّرِيقَة وَيعود لهَذِهِ الْعَادة السَّيئَة وَيجمع بَين البديع النَّادِر والضعيف السَّاقِط
فَبينا هُوَ يصوغ أَفْخَر حلي وينظم أحسن عقد وينسج أنفس وشي ويختال فِي حديقة ورد إِذا بِهِ وَقد رمى بِالْبَيْتِ والبيتين فِي إبعاد الِاسْتِعَارَة أَو تعويص اللَّفْظ أَو تعقيد الْمَعْنى إِلَى الْمُبَالغَة فِي التَّكَلُّف وَالزِّيَادَة فِي التعمق وَالْخُرُوج إِلَى الإفراط والإحالة والسفسفة والركاكة والتبرد والتوحش بِاسْتِعْمَال الْكَلِمَات الشاذة فمحا تِلْكَ المحاسن وكدر صفاءها وأعقب حلاوتها مرَارَة لَا مساغ لَهَا واستهدف لسهام العائبين وتحكك بألسنة الطاعنين فَمن متمثل بقول الشَّاعِر
أَنْت الْعَرُوس لَهَا جمال رائقلَكِنَّهَا فِي كل يَوْم تصرع
وَمن مشبه إِيَّاه بِمن يقدم مائدة تشْتَمل على غرائب المأكولات وبدائع الطَّيِّبَات ثمَّ يتبعهَا بِطَعَام وضر وشراب عكر أَو من يتبخر بالند المعشب المثلث الْمركب من الْعود الْهِنْدِيّ والمسك الأصهب والعنبر الْأَشْهب ثمَّ يرفقه بإرسال الرّيح الخبيثة ويفسده بالرائحة الردية أَو بِالْوَاحِدِ من عقلاء المجانين ينْطق بنوادر الْكَلم وطرائف الحكم ثمَّ يَعْتَرِيه سكرة الْجُنُون فَيكون أصلح أَحْوَاله وأمثل أَقْوَاله أَن يَقُول اعذروني فَإِن الْعذرَة متعذرة
فمما نشر أَبُو الطّيب من هَذَا النمط قَوْله
أتراها لِكَثْرَة العشاقتحسب الدمع خلقَة فِي المآقي
وَهُوَ ابْتِدَاء مَا سمع بِمثلِهِ وَمعنى تفرد بابتداعه ثمَّ شفعه بِمَا لَا يُبَالِي الْعَاقِل أَن يسْقطهُ من شعره فَقَالَ
كَيفَ ترثي الَّتِي ترى كل جفنراءها غير جفنها غير راقي
وَقَوله
ليَالِي بعد الظاعنين شكولطوال وليل العاشقين طَوِيل
يبن لي الْبَدْر الَّذِي لَا أريدهويخفين بَدْرًا مَا إِلَيْهِ وُصُول
وَمَا عِشْت من بعد الْأَحِبَّة سلوةولكنني للنائبات حمول
وَمَا شَرْقي بِالْمَاءِ إِلَّا تذكرالماء بِهِ أهل الخليط نزُول
يحرمه لمع الأسنة فَوْقهفَلَيْسَ لظمآن إِلَيْهِ سَبِيل
من قصيدة اخترع أَكثر مَعَانِيهَا وتسهل فِي ألفاظها فَجَاءَت مصنوعة ثمَّ اعترضته تِلْكَ الْعَادة المذمومة فَقَالَ
أغركم طول الجيوش وعرضهاعَليّ شروب للجيوش أكول
إِذا لم تكن لليث إِلَّا فريسةغذاه وَلم ينفعك أَنَّك فيل
ثمَّ أَتَى بِمَا هُوَ أَطَم مِنْهُ فَقَالَ وَذكر الصاحب أَنه من أوابده الَّتِي لَا يسمع طول الْأَبَد بِمِثْلِهَا
إِذا كَانَ بعض النَّاس سَيْفا لدولةفَفِي النَّاس بوقات لَهَا وطبول
فَإِن تكن الدولات قسما فَإِنَّهَالمن ورد الْمَوْت الزؤام تدول
قَالَ الصاحب قَوْله الدولات وتدول من الْأَلْفَاظ الَّتِي لَو رزق فضل السُّكُوت عَنْهَا لَكَانَ سعيدا
وَقَالَ من قصيدة جمع فِيهَا الشذرة والبعرة والدرة والآجرة
لَك يَا منَازِل فِي الْفُؤَاد منَازِلأقفرت أَنْت وَهن مِنْك أواهل
وَهَذَا ابْتِدَاء حسن وَمعنى لطيف ثمَّ قَالَ
وَأَنا الَّذِي اجتلب الْمنية طرفهفَمن المطالب والقتيل الْقَاتِل
وَهُوَ وَإِن كَانَ مأخوذا من قَول دعبل
لَا تطلبا بظلامتي أحداطرفِي وقلبي فِي دمي اشْتَركَا
فَإِنَّهُ آخذ بأطراف الرشاقة والملاحة ثمَّ اسْتمرّ فِي قصيدته فجَاء بالمتوسط المقارب والبديع النَّادِر والرديء النافر حَيْثُ قَالَ
وَلذَا اسْم أغطية الْعُيُون جفونهامن أَنَّهَا عمل السيوف عوامل
وَهَذَا معنى فِي نِهَايَة الْحسن واللطف لَو ساعده اللَّفْظ ثمَّ قَالَ
كم وَقْفَة سجرتك شوقا بَعْدَمَاغري الرَّقِيب بِنَا ولج العاذل
فَلم يحسن موقع قَوْله سجرتك أَي ملأتك هَكَذَا الرِّوَايَة بِالْجِيم وَلَو كَانَت بِالْحَاء من السحر لم يكن بَأْس ثمَّ قَالَ وملح
دون التعانق ناحلين كشكلتينصب أدفهما وَضم الشاكل
أَي قريب بَعْضنَا من بعض وَلم نتعانق خوف الرَّقِيب
ثمَّ قَالَ فَأحْسن غَايَة الْإِحْسَان
للهو آونة تمر كَأَنَّهَاقبل يزودها حبيب راحل
جمع الزَّمَان فَمَا لذيذ خَالصمِمَّا يشوب وَلَا سرُور كَامِل
حَتَّى أَبُو الْفضل بن عبد الله رُؤْيَتهالمنى وَهُوَ الْمقَام الهائل
قَالَ ابْن جني وَهَذَا خُرُوج غَرِيب ظريف حسن مَا أعرفهُ لغيره يَقُول إِن المنى رُؤْيَته إِلَّا أَن هيبته تهول
ثمَّ قَالَ فَجمع أوصافا فِي بَيت وَاحِد
للشمس فِيهِ وللرياح وللسحابوللبحار وللأسود شمائل
ثمَّ قَالَ وتحذق وتبرد
ولديه ملعقيان وَالْأَدب المفادوملحياة وملمات مناهل
وَإِنَّمَا ألم فِي صدر هَذَا الْبَيْت بقول أبي تَمام
نَأْخُذ من مَاله وَمن أدبه
ثمَّ قَالَ
عَلامَة الْعلمَاء واللج الَّذِيلَا يَنْتَهِي وَلكُل لج سَاحل
ثمَّ قَالَ فأحال
لَو طَابَ مولد كل حَيّ مثلهولد النِّسَاء وَمَا لَهُنَّ قوابل
قَالَ القَاضِي أَبُو الْحسن إِن طيب المولد لَا يسْتَغْنى بِهِ عَن الْقَابِلَة وَإِن اسْتغنى عَنْهَا كَانَ مَاذَا وَأي فَخر فِيهِ وَأي شرف ينَال بِهِ
ثمَّ توَسط وقارب فَقَالَ
ليزد بَنو الْحسن الشراف تواضعاهَيْهَات تكْتم فِي الظلام مشاعل
ستروا الندى ستر الْغُرَاب سفادهفَبَدَا وَهل يخفي الربَاب الهاطل
ثمَّ قَالَ وتوحش وَتبْغض مَا شَاءَ الْحَاسِد
جفخت وهم لَا يجفخون بهَا بهمشيم على الْحسب الْأَغَر دَلَائِل
يُرِيد بالجفخ الْفَخر والبذخ ثمَّ قَالَ
يَا افخر فَإِن النَّاس فِيك ثَلَاثَةمستعظم أَو حَاسِد أَو جَاهِل
أَي يَا هَذَا افخر فَحذف المنادى وتباغض وتبادى ثمَّ قَالَ
لَا تجسر الفصحاء تنشد هَهُنَاشعرًا وَلَكِنِّي الهزبر الباسل
ثمَّ قَالَ وأرسله مثلا سائرا وَأحسن جدا
وَإِذا أتتك مذمتي من نَاقصفَهِيَ الشَّهَادَة لي بِأَنِّي كَامِل
مَا نَالَ أهل الْجَاهِلِيَّة كلهمشعري وَلَا سَمِعت بسحري بابل
ثمَّ قَالَ وتعسف فِي اللَّفْظ
أما وحقك وَهُوَ غَايَة مقسمللحق أَنْت وَمَا سواك الْبَاطِل
الطّيب أَنْت إِذا أَصَابَك طيبهوَالْمَاء أَنْت إِذا اغْتَسَلت الْغَاسِل
وَتَقْدِير الْكَلَام الطّيب أَنْت طيبه إِذا أَصَابَك وَالْمَاء أَنْت غاسله إِذا اغْتَسَلت بِهِ وَإِنَّمَا ألم فِيهِ بقول الْقَائِل
وتزيدين طيب الطّيب طيباإِن تمسيه أَيْن مثلك أَيّنَا
وَقَالَ من قصيدة كهذه الَّتِي تقدّمت
قد علم الْبَين منا الْبَين أجفاناتدمى وَألف فِي ذَا الْقلب أحزانا
أملت سَاعَة سَارُوا كشف معصمهاليلبث الْحَيّ دون السّير حيرانا
بالواخدات وحاديها وَبِي قمريظل من وخدها فِي الخدر حشيانا
وحشيان بِالْحَاء الْمُهْملَة من الْغَرِيب الوحشي الَّذِي لَا يأنس بِهِ السّمع وَلَا يقبله الْقلب يُقَال حشى الرجل حشيا فَهُوَ حشيان إِذا أَخذه البهر
يَقُول إِذا وخدت الْإِبِل تَحت هَذَا الْقَمَر أَخذه البهر لترفه وَمن المؤدبين من يروي خشيانا بِالْخَاءِ مُعْجمَة من الخشية ثمَّ قَالَ وَأحسن ولطف وظرف
قد كنت أشْفق من دمعي على بَصرِيفاليوم كل عَزِيز بعدكم هانا
ثمَّ أَرَادَ أَن يزِيد على الشُّعَرَاء فِي وصف المطايا فَأتى كَمَا قَالَ الصاحب بأخزى الخزايا فَقَالَ
لَو اسْتَطَعْت ركبت النَّاس كلهمإِلَى سعيد بن عبد الله بعرانا
قَالَ الصاحب وَمن النَّاس أمه فَهَل ينشط لركوبها والممدوح لَعَلَّ لَهُ عصبَة لَا يُرِيد أَن يركبُوا إِلَيْهِ فَهَل فِي الأَرْض أفحش من هَذَا السخف وأوضع من هَذَا التبسط
ثمَّ أَرَادَ أَن يسْتَدرك هَذِه الطامة بقوله
فالعيس أَعقل من قوم رَأَيْتهمْعَمَّا يرَاهُ من الْإِحْسَان عميانا
وَقَالَ ثمَّ قَالَ وأجاد فِي مدح الممدوح
إِن كوتبوا أَو لقوا أَو حوربوا وجدوافِي الْخط وَاللَّفْظ والهيجاء فُرْسَانًا
كَأَن ألسنهم فِي النُّطْق قد جعلتعلى رماحهم فِي الطعْن خرصانا
كَأَنَّهُمْ يردون الْمَوْت من ظمأأَو ينشقون من الخطي ريحانا
ثمَّ قَالَ
خلائق لَو حواها الزنج لانقلبواظمي الشفاه جعاد الشّعْر غرانا
والزنجي لَا يُوجد إِلَّا جعد الشّعْر فَكيف يَنْقَلِبُون عَن الجعودة إِلَى الجعودة وَقد احْتج عَنهُ أَصْحَاب الْمعَانِي بِمَا يطول ذكره
وَالْعجب كل الْعجب من خاطر يقْدَح بِمثل قَوْله فِي قصيدة
وملمومة زرد ثوبهاوَلكنه بالقنا مخمل
يفاجئ جَيْشًا بهَا حِينهوينذر جَيْشًا بهَا القسطل
ثمَّ يتَصَوَّر فِي هَذَا الْكَلَام الغث الرث فيتبعه بِهِ حَيْثُ يَقُول
جعلتك فِي الْقلب لي عدَّةلِأَنَّك بِالْيَدِ لَا تجْعَل
وَلَو قَالَه بعض صبيان الْمكَاتب لاستحيا لَهُ مِنْهُ
وَمِنْهَا استكراه اللَّفْظ وتعقيد الْمَعْنى
وَهُوَ أحد مراكبه الخشنة الَّتِي يتسمنها وَيَأْخُذ عَلَيْهَا فِي الطّرق الوعرة فيضل ويضل ويتعب ويتعب وَلَا ينجح إِذْ يَقُول فِي وصف النَّاقة
فتبيت تسئد مسئدا فِي نيهاإسئادها فِي المهمه الأنضاء
وَتَقْدِيره فتبيت تسئد مسئد الأنضاء فِي نيها إسآدها فِي المهمه أَي كلما قطعت الأَرْض قطعت الأَرْض شحمها على احتذاء وَمِثَال هَذَا بِهَذَا وَيَقُول فِي الْمَدْح
أَنى يكون أَبَا البرايا آدموَأَبُوك والثقلان أَنْت مُحَمَّد
وَتَقْدِيره أَنى يكون آدم أَبَا البرايا وَأَبُوك مُحَمَّد وَأَنت الثَّقَلَان
وَقَالَ من نسيب قصيدة
إِذا عذلوا فِيهَا أجبْت بأنةحبيبتا قلبِي فُؤَادِي هيا جمل
أَرَادَ يَا حبيبتي ثمَّ أبدل الْيَاء من حبيبتي ألفا تَخْفِيفًا وقلبي مَنْصُوب لِأَنَّهُ بدل من حبيبتا وفؤادي بدل من قلبِي وَهَذَا كَقَوْلِك أخي سَيِّدي مولَايَ نِدَاء بعد نِدَاء وَيُقَال فِي النداء يَا زيد وأيا زيد وهيا زيد
وَأَشْبَاه هَذِه الأبيات كَثِيرَة فِي شعره كَقَوْلِه
لساني وعيني والفؤاد وهمتيأود اللواتي إِذا اسْمهَا مِنْك والشطر
وَقَوله
فَتى ألف جُزْء رَأْيه فِي زَمَانهأقل جزي بعضه الرَّأْي أجمع
وَقَوله
لَو لم تكن من ذَا الورى اللذ مِنْك هُوَعقمت بمولد نسلها حَوَّاء
وَهُوَ مِمَّا اعتل لَفظه وَلم يَصح مَعْنَاهُ فَإِذا قرع السّمع لم يصل إِلَى الْقلب إِلَّا بعد إتعاب الْفِكر وكد الخاطر وَالْحمل على القريحة ثمَّ إِن ظفر بعد العناء وَالْمَشَقَّة فقلما يحصل على طائل
وَمِنْهَا عسف اللُّغَة وَالْإِعْرَاب
وَهُوَ مِمَّا سبق إِلَى الْقُلُوب إِنْكَاره وَإِن كَانَ عِنْد المحتجين عَنهُ الِاعْتِذَار لَهُ والمناضلة دونه كَقَوْلِه
فدى من على الغبراء أَوَّلهمْ أَنالهَذَا الأبي الْمَاجِد الجائد القرم
وَلم يحك عَن الْعَرَب الجائد وَإِنَّمَا المحكى رجل جواد وَفرس جواد ومطر جواد
وَكَقَوْلِه
فأرحام شعر تتصلن لَدنهوأرحام مَال لَا تني تتقطع
وَتَشْديد النُّون من لدن غير مَعْرُوف فِي لُغَة الْعَرَب
وَكَقَوْلِه
شَدِيد الْبعد من شرب الشُّمُولترنج الْهِنْد أَو طلع النخيل
وَالْمَعْرُوف عِنْد الْعَرَب الأترج والترنج مِمَّا يغلط فِيهِ الْعَامَّة قَالَ الصاحب لَا أَدْرِي الاستهلال أحسن أم الْمَعْنى أبدع أَو قَوْله ترنج أفْصح
وَكَقَوْلِه
بَيْضَاء يمْنَعهَا تكلم دلهاتيها ويمنعها الْحيَاء تميسا
فنصب تميس مَعَ حذف أَن وَهُوَ ضَعِيف عَن أَكثر النَّحْوِيين
وَكَقَوْلِه
وتكرمت ركباتها عَن مبركتقعان فِيهِ لَيْسَ مسكا أذفرا
فَجمع الركبات ثمَّ انْتقل إِلَى التَّثْنِيَة فَقَالَ تقعان وَهُوَ ضَعِيف وَغير سديد فِي صناعَة الْإِعْرَاب
وَكَقَوْلِه
لَيْسَ إلاك يَا عَليّ همامسَيْفه دون عرضه مسلول
وَكَقَوْلِه
لم تَرَ من نادمت إِلَّا كَالَا لسوى ودك لي ذَا كَا
فوصل الضَّمِير بإلا وَحقه أَن ينْفَصل عَنهُ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿ضل من تدعون إِلَّا إِيَّاه﴾
وَكَقَوْلِه
لأَنْت أسود فِي عَيْني من الظُّلم
وَألف التَّعَجُّب لَا تدخل على أفعل وَإِنَّمَا يُقَال أَشد سوادا وَحُمرَة وخضرة وَكَقَوْلِه
جللا كَمَا بِي فليك التبريح
وَحذف النُّون من يكن إِذا اسْتَقْبلهَا الْألف وَاللَّام خطأ عِنْد النَّحْوِيين لِأَنَّهَا تتحرك إِلَى الْكسر وَإِنَّمَا تحذف اسْتِخْفَافًا إِذا سكنت وَكَقَوْلِه
أمط عَنْك تشبيهي بِمَا وَكَأَنَّهُ
والتشبيه بِمَا محَال
وَكَقَوْلِه
لعظمت حَتَّى لَو تكون أَمَانَةمَا كَانَ مؤتمنا بهَا جبرين
قَالَ الصاحب وقلب هَذِه اللَّام إِلَى النُّون أبْغض من وَجه الْمنون وَلَا أَحسب جِبْرَائِيل ﵇ يرضى مِنْهُ بِهَذَا الْمجَاز هَذَا على مَا فِي الْبَيْت من الْفساد والقبح
وَكَقَوْلِه
حملت إِلَيْهِ من ثنائي حديقةسَقَاهَا الحجا سقِِي الرياض السحائب
أَي سقِِي السحائب الرياض
وَمِنْهَا الْخُرُوج عَن الْوَزْن
كَقَوْلِه
تفكره علم ومنطقه حكموباطنه دين وَظَاهره ظرف
وَقد خرج فِيهِ عَن الْوَزْن لِأَنَّهُ لم يَجِيء عَن الْعَرَب مفاعيلن فِي عرُوض الطَّوِيل غير مصرع وَإِنَّمَا جَاءَ مفاعلن قَالَ الصاحب وَنحن نحاكمه إِلَى كل شعر للقدماء والمحدثين على بَحر الطَّوِيل فَمَا نجد لَهُ على خطئه مساعدا قَالَ القَاضِي أَبُو الْحسن وَقد عيب أَيْضا بقوله
إِنَّمَا بدر بن عمار سَحَابهطل فِيهِ ثَوَاب وعقاب
لِأَنَّهُ أخرج الرمل على فاعلاتن وأجرى جَمِيع القصيدة على ذَلِك فِي الأبيات غير المصرعة وَإِنَّمَا جَاءَ الشّعْر على فاعلن وَإِن كَانَ أَصله فِي الدائرة فاعلاتن
وَمِنْهَا اسْتِعْمَال الْغَرِيب الوحشي
وَإِذا كَانَ المتنبي من الْمُحدثين بل من العصريين وَجرى على رسومهم فِي اخْتِيَار الْأَلْفَاظ الْمُعْتَادَة المألوفة بَينهم بل رُبمَا انحط عَنْهُم بالركاكة والسفسفة ثمَّ تعاطى الْغَرِيب الوحشي والشاذ البدوي بل رُبمَا زَاد فِي ذَلِك على أقحاح الْمُتَقَدِّمين حصل كَلَامه بَين طرفِي نقيض وَتعرض لاعتراض الطاعنين
فَمن ذَلِك الْفَنّ الَّذِي يُنَادي على نَفسه ويقلق موقعه فِي شعره وَشعر غَيره من أَبنَاء عصره قَوْله
وَمَا أرْضى لمقلته بحلمإِذا انْتَبَهت توهمه ابتشاكا
والابتشاك الْكَذِب وَلم أسمع فِيهِ شعرًا قَدِيما وَلَا مُحدثا سوى هَذَا الْبَيْت وَقَوله فِي وصف الْغَيْث
لساحيه على الأجداث حفشكأيدي الْخَيل أَبْصرت المخالي
الساحي القاشر وَمِنْه سميت المسحاة لِأَنَّهَا تقشر وَجه الأَرْض والحفش مصدر حفش السَّيْل حفشا إِذا جمع المَاء من كل جَانب إِلَى مستنقع وَقَوله فِي وصف السَّيْف
ودقيق قدي الهباء أنيقمتوال فِي مستو هزهاز
قدي بِمَعْنى مِقْدَار يُقَال بَينهمَا قيد رمح وقدي رمح
وَقَوله
تطس الخدود كَمَا تطسن اليرمعا
تطسن أَي تدق واليرمع الْحِجَارَة الرخوة
وَقَوله
وَإِلَى حَصى أَرض أَقَامَ بهَابِالنَّاسِ من تقبيلها يلل
اليلل إقبال الْأَسْنَان وانعطافها على بَاطِن الْفَم وَلم أسمعهُ فِي غير شعره
وَقَوله
الشَّمْس تشرق والسحاب كنهورا
الكهنور الْقطع من السَّحَاب الْعَظِيمَة
وَقَوله
وَكَيف أستر مَا أوليت من حسنوَقد غمرت نوالا أَيهَا النال
والنال الْمُعْطِي
وَقَوله
أسائلها عَن المتديريها
قَالَ الصاحب لَفْظَة المتديريها لَو وَقعت فِي بَحر صَاف لكدرته وَلَو ألْقى ثقلهَا على جبل سَام لهده وَلَيْسَ للمقت فِيهَا نِهَايَة وَلَا للبرد مَعهَا غَايَة المتديروها المتخذوها دَارا قَالَ الصاحب وَمن أَطَم مَا يتعاطاه التفاصح بالألفاظ النافرة والكلمات الشاذة حَتَّى كَأَنَّهُ وليد خباء وغذي لبن لم يطَأ الْحَضَر وَلم يعرف الْمدر فَمن ذَلِك قَوْله
أيفطمه التوراب قبل فطامهويأكله قبل الْبلُوغ إِلَى الْأكل
وَلَيْسَ ذَلِك سائغا لمثله وَهُوَ وليد قَرْيَة ومعلم صبية
وَمن الجموع الغريبة الَّتِي يوردها قَوْله فِي جمع الأَرْض
أروض النَّاس من ترب وَخَوفوَأَرْض أبي شُجَاع من أَمَان
وَقَوله فِي جمع اللُّغَة
عليم بأسرار الديانَات واللغى
وَقَوله فِي جمع الدُّنْيَا
أعز مَكَان فِي الدنى سرج سابح
وَقَوله فِي جمع الْأَخ
كل آخائه كرام بني الدُّنْيَا
قَالَ الصاحب لَو وَقع الآخاء فِي رائية الشماخ لاستثقل فَكيف مَعَ أَبْيَات مِنْهَا
قد سمعنَا مَا قلت فِي الأحلاموأنلناك بدرة فِي الْمَنَام
وَالْكَلَام إِذا لم يتناسب زيفته جهابذته وبهرجته نقاده
وَمِنْهَا الركاكة والسفسفة بِأَلْفَاظ الْعَامَّة والسوقة ومعانيهم
كَقَوْلِه
رماني خساس النَّاس من صائب استهوَآخر قطن من يَدَيْهِ الجنادل
وَقَوله
وَإِن مَا ريتني فاركب حصاناوَمثله تَخِر لَهُ صَرِيعًا
وَقَوله
إِن كَانَ لَا يدعى الْفَتى إِلَّا كَذَارجلا فسم النَّاس طرا إصبعا
وَقَوله
قسا فالأسد تفزع من يَدَيْهِورق فَنحْن نفزع أَن يذوبا
وَقَوله
تألم درزه والدرز لينكَمَا يتألم العضب الصنيعا
وعَلى ذكر الدرز فقد حكى الصاحب فِي كتاب الروزنامجة من حَدِيث لَحْظَة الطولونية الْمُغنيَة مَا يشبه معنى هَذَا الْبَيْت وَهُوَ أَنه قَالَ سَمعتهَا تَقول يَا جَارِيَة عَليّ بالقميص الْمَعْمُول فِي النسج فقد آذَانِي نقل الدروز
وَقَوله
لسرى لِبَاسه خشن الْقطنومروي مرو لبس القرود
وَقَوله
مَا أنصف الْقَوْم ضبهوَأمه الطرطبه
رموا بِرَأْس أَبِيهوباكوا الْأُم غَلبه
وَقَوله
بَيَاض وَجه يُرِيك الشَّمْس طالعةودر لفظ يُرِيك الدّرّ مخشلبا
وَقَوله
إِن كَانَ مثلك كَانَ أَو هُوَ كَائِنفبرئت حِينَئِذٍ من الْإِسْلَام
قَالَ الصاحب حِينَئِذٍ هَهُنَا من عير منفلت
قَالَ وَمن رَكِيك صنعه فِي وصف شعره والزراية على غَيره قَوْله
إِن بَعْضًا من القريض هراءلَيْسَ شَيْئا وَبَعضه أَحْكَام
مِنْهُ مَا يجلب البراعة والذهنوَمِنْه مَا يجلب البرسام
وَقَالَ وَهَهُنَا بَيت نرضى باتباعه فِيهِ وَمَا ظَنك بمحكم مناويه ثِقَة بِظُهُور حَقه وإيراء زنده وَلَو لم يكن التَّحْكِيم بعد أبي مُوسَى من مُوجب الْعَزْم وَمُقْتَضى الحزم وَهُوَ
أطعناك طوع الدَّهْر يَا بن ابْن يُوسُفبشهوتنا والحاسدو لَك بالرغم
وَقَوله
تقضم الْجَمْر وَالْحَدِيد الأعاديدونه قضم سكر الأهواز
وَقَوله
فَكَأَنَّمَا حسب الأسنة حلوةأَو ظَنّهَا البرني والآزاذا
قَالَ الصاحب إِذا جمع السكر إِلَى البرني والأزاذ تمّ الْأَمر
قَالَ وَكَانَت الشُّعَرَاء تصف المآزر تَنْزِيها لألفاظها عَمَّا يستشنع ذكره حَتَّى تخطى هَذَا الشَّاعِر المطبوع إِلَى التَّصْرِيح الَّذِي لم يهتد لَهُ غَيره فَقَالَ
إِنِّي على شغفي بِمَا فِي خمرهالأعف عَمَّا فِي سراويلاتها
وَكثير من العهر أحسن من هَذَا العفاف
قَالَ القَاضِي وَمن أَمْثَاله العامية قَوْله
وكل مَكَان أَتَاهُ الْفَتىعلى قدر الرجل فِيهِ الخطى
وَمِنْهَا إبعاد الِاسْتِعَارَة وَالْخُرُوج بهَا عَن حَدهَا
كَقَوْلِه
مَسَرَّة فِي قُلُوب الطّيب مفرقهاوحسرة فِي قُلُوب الْبيض واليلب
وَقَوله
تجمعت فِي فؤادهم هممملْء فؤاد الزَّمَان إِحْدَاهَا
وَقَوله
لم يحك نائلك السَّحَاب وَإِنَّمَاحمت بِهِ فصبيبها الرحضاء
وَقَوله
إِلَّا يشب فَلَقَد شابت لَهُ كبدشيبا إِذا خضبته سلوة نصلا
وَقَوله
وَقد ذقت حلواء الْبَنِينَ على الصِّبَافَلَا تحسبني قلت مَا قلت عَن جهل
فَجعل للطيب وَالْبيض واليلب قلوبا وللسحاب حمى وللزمان فؤادا وللكبد شيبا وَهَذِه استعارات لم تجر على شبه قريب وَلَا بعيد وَإِنَّمَا تصح الِاسْتِعَارَة وتحسن على وَجه من الْوُجُوه الْمُنَاسبَة وطرق من الشّبَه والمقاربة
قَالَ الصاحب وَمَا زلنا نتعجب من قَول أبي تَمام
لَا تَسْقِنِي مَاء الملام فإننيصب قد استعذبت مَاء بُكَائِي
فخف علينا بحلواء الْبَنِينَ
وَمِنْهَا الاستكثار من قَول ذَا
قَالَ القَاضِي وَهِي ضَعِيفَة فِي صَنْعَة الشّعْر دَالَّة على التَّكَلُّف وَرُبمَا وَافَقت موضعا تلِيق بِهِ فاكتست قبولا فَأَما فِي مثل قَوْله
قد بلغت الَّذِي أردْت من الْبروَمن حق ذَا الشريف عليكا
وَإِذا لم تسر إِلَى الدَّار فِي وقتكذَا خفت أَن تسير إليكا
وَقَوله
لَو لم تكن من ذَا الورى اللذمنك هُوَعقمت بمولد نسلها حَوَّاء
وَقَوله
عَن ذَا الَّذِي حرم الليوث كَمَالهتنسى الفريسة خَوفه لجماله
وَقَوله
وَإِن بكينا لَهُ فَلَا عجبذَا الجزر فِي الْبَحْر غير مَعْهُود
وَقَوله
أَفِي كل يَوْم ذَا الدمستق مقدمقَفاهُ على الْإِقْدَام للْوَجْه لائم
وَقَوله
أَبَا الْمسك ذَا الْوَجْه الَّذِي كنت تائقاإِلَيْهِ وَذَا الْوَقْت الَّذِي كنت راجيا
وَقَوله
وأعجب من ذَا الهجر والوصل أعجب
وَقَوله
أُرِيد من زمني ذَا أَن يبلغنِيمَا لَيْسَ يبلغهُ فِي نَفسه الزَّمن
وَقَوله
يضاحك فِي ذَا الْيَوْم كل حَبِيبَة
فَهُوَ كَمَا ترَاهُ سخافة وَضعف وَلَو تصفحت شعره لوجدت فِيهِ أَضْعَاف مَا ذَكرْنَاهُ من هَذِه الْإِشَارَة وَأَنت لَا تَجِد فِي عدَّة دواوين جَاهِلِيَّة حرفا والمحدثون أَكثر استعانة بهَا لَكِن فِي الفرط والندرة أَو على سَبِيل الْغَلَط والفلتة
وَمِنْهَا الإفراط فِي الْمُبَالغَة وَالْخُرُوج فِيهِ إِلَى الإحالة
كَقَوْلِه
ونالوا مَا اشتهوا بالحزم هوناوصاد الْوَحْش نملهم دبيبا
وَقَوله
وَضَاقَتْ الأَرْض حَتَّى صَار هاربهمإِذا رأى غير شَيْء ظَنّه رجلا
فبعده وَإِلَى ذَا الْيَوْم لَو ركضتبِالْخَيْلِ فِي لَهَوَات الطِّفْل مَا سعلا
وَقَوله
وأعجب مِنْك كَيفَ قدرت تنشاوَقد أَعْطَيْت فِي المهد الكمالا
وَأقسم لَو صلحت يَمِين شَيْءلما صلح الْعباد لَهُ شمالا
وَقَوله
بِمن أضْرب الْأَمْثَال أم من أقيسهإِلَيْك وَأهل الدَّهْر دُونك والدهر
وَقَوله
وَلَو قلم ألقيت فِي شقّ رَأسهمن السقم مَا غيرت من خطّ كَاتب
وَقَوله
من بعد مَا كَانَ ليلِي لَا صباح لَهُكَأَن أول يَوْم الْحَشْر آخِره
فَهُوَ هما يستهجن فِي صَنْعَة الشّعْر على أَن كثيرا من النقدة لَا يرتضون هَذَا الإفراط كُله
وَمِنْهَا تَكْرِير اللَّفْظ فِي الْبَيْت الْوَاحِد من غير تَحْسِين
كَقَوْلِه
وَمن جَاهِل بِي وَهُوَ يجهل جَهلهويجهل علمي أَنه بِي جَاهِل
وَقَوله فِي هَذِه القصيدة
فقلقلت بالهم الَّذِي قلقل الحشاقلاقل عيس كُلهنَّ قلاقل
قَالَ الصاحب وَمَا زَالَ النَّاس يستبشعون قَول مُسلم
سلت وسلت ثمَّ سل سليلهافَأتى سليل سليلها مسلولا
حَتَّى جَاءَ هَذَا الْمُبْدع فَقَالَ
وأفجع من فَقدنَا من وجدنَاقبيل الْفَقْد مَفْقُود الْمِثَال
وأظن الْمُصِيبَة فِي الراثي أعظم مِنْهَا فِي المرثي وَقَوله
عظمت فَلَمَّا لم تكلم مهابةتواضعت وَهُوَ الْعظم عظما من الْعظم
قَالَ الصاحب وَمَا أحسن مَا قَالَ الْأَصْمَعِي لمن أنْشدهُ
فَمَا للنوى جد النَّوَى قطع النَّوَىكَذَاك النَّوَى قطاعة لوصال
لَو سلط الله تَعَالَى على هَذَا الْبَيْت شَاة فَأكلت هَذَا النَّوَى كُله
وَقَوله
وَلَا الضعْف حَتَّى يتبع الضعْف ضعفهوَلَا ضعف ضعف الضعْف بل مثله ألف
وَقَوله
وَلم أر مثل جيراني ومثليلمثلي عِنْد مثلهم مقَام
وَقَوله
الْعَارِض الهتن ابْن الْعَارِض الهتن ابْنالْعَارِض الهتن ابْن الْعَارِض الهتن
وَقَوله
وَإِنِّي وَإِن كَانَ الدفين حَبِيبهحبيب إِلَى قلبِي حبيب حَبِيبِي
وَقَوله
لَك الْخَيْر غَيْرِي رام من غَيْرك الْغنىوغيري بِغَيْر اللاذقية لَاحق
وَقَوله
ملولة مَا تدوم لَيْسَ لَهَامن ملل دَائِم بهَا ملل
وَقَوله
قبيل أَنْت أَنْت وَأَنت مِنْهُموَجدك بشر الْملك الْهمام
وَقَوله
وكلكم أَتَى مأتى أَبِيهفَكل فعال كلكُمْ عُجاب
وَقَوله
وَمَا أَنا وحدي قلت ذَا الشّعْر كُلهوَلَكِن شعري فِيك من نَفسه شعر
وَقَوله
إِنَّمَا النَّاس حَيْثُ أَنْت وَمَا النَّاسبناس فِي مَوضِع مِنْك خَالِي
وَقَوله
وَلَوْلَا تولى نَفسه حمل حملهعَن الأَرْض لانهدت وناء بهَا الْحمل
وَقَوله
وَنهب نفوس أهل النهب أولىبِأَهْل النهب من نهب القماش
وَقَوله
وَطعن كَأَن الطعْن لَا طعن عِنْده
وَقَوله
أرَاهُ صَغِيرا قدرهَا عظم قدرهفَمَا لعَظيم قدره عِنْده قدر
وَقَوله
جَوَاب مسائلي أَله نَظِيروَلَا لَك فِي سؤالك لَا ألالا
قَالَ الصاحب مَا قدرت أَن مثل هَذَا الْبَيْت يلج سمعا وَقد سَمِعت الفأفاء وَلم أسمع باللألاء حَتَّى رَأَيْت هَذَا الْمُتَكَلف المتعسف الَّذِي لَا يقف حَيْثُ يعرف
وَمِنْهَا إساءة الْأَدَب بالأدب
كَقَوْلِه
فغدا أَسِيرًا قد بللت ثِيَابهبِدَم وبل ببوله الأفخاذا
وَقَوله
وَمَا بَين كاذتي المستغيركَمَا بَين كاذتي البائل
وَقَوله
خف الله واستر ذَا الْجمال ببرقعفَإِن لحت حَاضَت فِي الْخُدُور الْعَوَائِق
وَيُقَال لما أنْكرت عَلَيْهِ حَاضَت غَيره فَجعله ذَابَتْ وَذكر الْبَوْل وَالْحيض مِمَّا لَا يحسن وُقُوعه فِي مُخَاطبَة الْمُلُوك والرؤساء
وأقبح موقعا من ذَلِك قَوْله فِي قصيدة يرثي بهَا أُخْت سيف الدولة ويعزيه عَنْهَا حَيْثُ يَقُول
وَهل سَمِعت سَلاما لي ألم بهَافقد أطلت وَمَا سلمت عَن كثب
وَمَا باله يسلم على حرم الْمُلُوك وَيذكر مِنْهُنَّ مَا يذكرهُ المتغزل فِي قَوْله
يعلمن حِين تحي حسن مبسمهاوَلَيْسَ يعلم إِلَّا الله بالشنب
وَكَانَ أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ يَقُول لَو عزاني إِنْسَان عَن حُرْمَة لي بِمثل هَذَا لألحقته بهَا وَضربت عُنُقه على قبرها قَالَ الصاحب وَلَقَد مَرَرْت على مرثية لَهُ فِي أم سيف الدولة تدل على فَسَاد الْحس على سوء أدب النَّفس وَمَا ظَنك بِمن يُخَاطب ملكا فِي أمه بقوله
بعيشك هَل سلوت فَإِن قلبِيوَإِن جانبت أَرْضك غير سالي
فيتشوق إِلَيْهَا ويخطئ خطأ لم يسْبق إِلَيْهِ وَإِنَّمَا يَقُول مثل ذَلِك من يرثي بعض أَهله فَأَما اسْتِعْمَاله إِيَّاه فِي هَذَا الْموضع فدال على ضعف الْبَصَر بمواقع الْكَلَام وَفِي هَذِه القصيدة
رواق الْعِزّ فَوْقك مسبطروَملك عَليّ ابْنك فِي كَمَال
وَلَعَلَّ لَفْظَة الاسبطرار فِي مراثي النِّسَاء من الخذلان الرَّقِيق الصفيق المتبر قَالَ وَلما أبدع فِي هَذِه القصيدة واخترع قَالَ
صَلَاة الله خالقنا حنوطعلى الْوَجْه المكفن بالجمال
فَلَا أَدْرِي هَذِه الِاسْتِعَارَة أحسن أم وَصفه وَجه وَالِدَة ملك يرثيها بالجمال أم قَوْله فِي وصف قرابتها وجواريها
أتتهن المصائب غافلاتفدمع الْحزن فِي دمع الدَّلال
وَمِنْهَا الْإِيضَاح عَن ضعف العقيدة ورقة الدّين
على أَن الدّيانَة لَيست عيارا على الشُّعَرَاء وَلَا سوء الِاعْتِقَاد سَببا لتأخر الشَّاعِر وَلَكِن لِلْإِسْلَامِ حَقه من الإجلال الَّذِي لَا يسوغ الْإِخْلَال بِهِ قولا وفعلا ونظما ونثرا وَمن استهان بأَمْره وَلم يضع ذكره وَذكر مَا يتَعَلَّق بِهِ فِي مَوضِع اسْتِحْقَاقه فقد بَاء بغضب من الله تَعَالَى وَتعرض لمقته فِي وقته وَكَثِيرًا مَا قرع المتنبي هَذَا الْبَاب بِمثل قَوْله
يترشفن من فمي رشفاتهن فِيهِ أحلى من التَّوْحِيد
وَقَوله
ونصفي الَّذِي يكنى أَبَا الْحسن الْهوىوَنرْضى الَّذِي يُسمى الْإِلَه وَلَا يكنى
وَقَوله من قصيدة مدح بهَا الْعلوِي
وأبهر آيَات التهامي أَنهأبوكم وَإِحْدَى مالكم من مَنَاقِب
وَقَوله
تتقاصر الأفهام عَن إِدْرَاكهمثل الَّذِي الأفلاك فِيهِ والدنا
وَقد أفرط جدا لِأَن الَّذِي الأفلاك فِيهِ والدنا هُوَ علم الله ﷿
وَقَوله
النَّاس كالعابدين آلِهَةوَعَبده كالموحد اللاها
وَقَوله
لَو كَانَ علمك بالإله مقسمًافِي النَّاس مَا بعث الْإِلَه رَسُولا
أَو كَانَ لفظك فيهم مَا أنزل التَّوْرَاةوَالْفرْقَان والإنجيلا
وَقَوله
لَو كَانَ ذُو القرنين أعمل رَأْيهلما أَتَى الظُّلُمَات صرن شموسا
أَو كَانَ صَادف رَأس عازر سَيْفهفِي يَوْم معركة لأعيا عِيسَى
عازر اسْم الرجل الَّذِي أَحْيَاهُ الْمَسِيح ﵊ بِإِذن الله ﷿
أَو كَانَ لج الْبَحْر مثل يَمِينهمَا انْشَقَّ حَتَّى جَازَ فِيهِ مُوسَى
وَكَأن الْمعَانِي أعيته حَتَّى التجأ إِلَى استصغار أُمُور الْأَنْبِيَاء وَفِي هَذِه القصيدة
يَا من نلوذ من الزَّمَان بظلهأبدا ونطرد باسمه إبليسا
وَقَوله وَقد جَازَ حد الْإِسَاءَة
أَي مَحل أرتقيأَي عَظِيم أتقي
وكل مَا قد حلق اللهوَمَا لم يخلق
محتقر فِي همتيكشعرة فِي مفرقي
وقبيح بِمن أَوله نُطْفَة مذرة وَآخره جيفة قذرة وَهُوَ فِيمَا بَينهمَا حَامِل بَوْل وعذرة أَن يَقُول مثل هَذَا الْكَلَام الَّذِي لَا تسعه معذرة
وَمِنْهَا الْغَلَط بِوَضْع الْكَلَام فِي غير مَوْضِعه
كَقَوْلِه
أغار من الزجاجة وَهِي تجْرِيعلى شفة الْأَمِير أبي الْحُسَيْن
وَهَذِه الْغيرَة إِنَّمَا تكون بَين الْمُحب ومحبوبه كَمَا قَالَ أَبُو الْفَتْح كشاجم وَأحسن
أغار إِذا دنت من فِيهِ كأسعلى در يقبله الزّجاج
فَأَما الْأُمَرَاء والملوك فَلَا معنى للغيرة على شفاهها
وَكَقَوْلِه
وغر الدمستق قَول الوشاةإِن عليا ثقيل وصب
فَجعل الْأُمَرَاء يوشى بهم وَإِنَّمَا الوشاية السّعَايَة وَنَحْوهَا من الرّعية وَمن شَأْن الممدوح أَن يفضل على عدوه وَيجْرِي الْعَدو مجْرى بعض أَصْحَابه وَلَيْسَ فِي اللُّغَة أَن يُقَال وشى فلَان بالسلطان إِلَى بعض رَعيته
وَكَقَوْلِه فِي وصف الْحمى المعرقة
إِذا مَا فارقتني غسلتنيكأنا عاكفان على حرَام
وَلَيْسَ الْحَرَام أخص بالاغتسال مِنْهُ من الْحَلَال
وَكَقَوْلِه فِي وصف مهره
وَزَاد فِي الْأذن على الخرانق
وَأذن الْفرس يسْتَحبّ فِيهَا الدقة والانتصاب وتشبه بِطرف الْقَلَم وَأذن الأرنب على الضِّدّ من هَذَا الْوَصْف
وَمِنْهَا امْتِثَال أَلْفَاظ المتصوفة
وَاسْتِعْمَال كلماتهم المعقدة ومعانيهم المغلقة فِي مثل قَوْله فِي وصف فرس
وتسعدني فِي غمرة بعد غمرةسبوح لَهَا مِنْهَا عَلَيْهَا شَوَاهِد
وَقَوله
إِذا مَا الكأس أرعشت الْيَدَيْنِصحوت فَلم تحل بيني وبيني
وَقَوله
أفيكم فَتى حَيّ يُخْبِرنِي عنيبِمَا شربت مشروبة الراح من ذهني
وَقَوله
نَالَ الَّذِي نلْت مِنْهُ منيلله مَا تصنع الْخُمُور
وَقَوله
كبر العيان عَليّ حَتَّى إِنَّهصَار الْيَقِين من العيان توهما
وَقَوله
وَبِه يضن على الْبَريَّة لَا بهَاوَعَلِيهِ مِنْهَا لَا عَلَيْهَا يوسي
وَقَوله
وَلَوْلَا أنني فِي غير نوملَكُنْت أظنني مني خيالا
قَالَ الصاحب وَلَو وَقع قَوْله
نَحن من ضايق الزَّمَان لَهُ فِيكوخانته قربك الْأَيَّام
فِي عِبَارَات الْجُنَيْد والشبلى لتنازعته المتصوفة دهرا بَعيدا
وَمن أَشد مَا قَالَه فِي هَذَا الْمَعْنى قَوْله
وَلَكِنَّك الدُّنْيَا إِلَيّ حَبِيبَةفَمَا عَنْك لي إِلَّا إِلَيْك ذهَاب
وَمِنْهَا الْخُرُوج عَن طَرِيق الشّعْر إِلَى طَرِيق الفلسفة
كَقَوْلِه
ولجدت حَتَّى كدت تبخل حَائِلاللمنتهى وَمن السرُور بكاء
وَقَوله
والأسى قبل فرقة الرّوح عجزوالأسى لَا يكون قبل الْفِرَاق
وَقَوله
إلْف هَذَا الْهَوَاء أوقع فِي الْأَنْفسأَن الْحمام مر المذاق
وَقَوله
تخَالف النَّاس حَتَّى لَا اتِّفَاق لَهُمإِلَّا على شجب وَالْخلف فِي الشجب
فَقيل تخلص نفس الْمَرْء سَالِمَةوَقيل تشرك جسم الْمَرْء فِي العطب
وَقَوله
خلفت صفاتك فِي الْعُيُون كَلَامهكالخط يمْلَأ مسمعي من أبصرا
وَقَوله
تمتّع من سهاد أَو رقادوَلَا تَأمل كرى تَحت الرجام
فَإِن لثالث الْحَالين معنىسوى معنى انتباهك والمنام
قَالَ ابْن جني أَرْجُو أَن لَا يكون أَرَادَ بذلك أَن نومَة الْقَبْر لَا انتباه لَهَا
وَمِنْهَا استكراه التَّخَلُّص
قَالَ القَاضِي لَعَلَّك لَا تَجِد فِي شعره تخلصا مستكرها إِلَّا قَوْله
أحبك أَو يَقُولُوا جر نملثبيرا وَابْن إِبْرَاهِيم ريعا
فَأَما قَوْله
فأفنى وَمَا أفنته نَفسِي كَأَنَّمَاأَبُو الْفرج القَاضِي لَهُ دونهَا كَهْف
وَقَوله
لَو اسْتَطَعْت ركبت النَّاس كلهمإِلَى سعيد بن عبد الله بعرانا
وَقَوله
أعز مَكَان فِي الدنا سرج سابحوَخير جليس فِي الزَّمَان كتاب
وبحر أَبُو الْمسك الخضم الَّذِي لَهُعلى كل بَحر زخرة وعباب
فَهِيَ وَإِن لم تكن مستحسنة مختارة فَلَيْسَتْ بالمستهجن السَّاقِط
وَمِنْهَا قبح المقاطع
كَقَوْلِه بعد أَبْيَات أحسن فِيهَا غَايَة الْإِحْسَان وترقى الدرجَة الْعَالِيَة وَهِي
وَللَّه سر فِي علاك وَإِنَّمَاكَلَام العدا ضرب من الهذيان
أتلتمس الْأَعْدَاء بعد الَّذِي رَأَتْقيام دَلِيل أَو وضوح بَيَان
رَأَتْ كل من يَنْوِي لَك الْغدر يَبْتَلِيبغدر حَيَاة أَو بغدر زمَان
قضى الله يَا كافور أَنَّك وَاحِدوَلَيْسَ بقاض أَن يرى لَك ثَانِي
فَمَا لَك تخْتَار القسي والقسي وَإِنَّمَاعَن السعد ترمي دُونك الثَّقَلَان
وَمَا لَك تَعْنِي بالأسنة والقناوَجدك طعان بِغَيْر سِنَان
وَلم تحمل السَّيْف الطَّوِيل نجادهوَأَنت غَنِي عَنهُ بالحدثان
أرد لي جميلا جدت أَو لم تَجِد بِهِفَإنَّك مَا أَحْبَبْت فِي أَتَانِي
هَذَا الْبَيْت الَّذِي هُوَ عوذتها
لَو الْفلك الدوار أبغضت سَعْيهلعوقه شَيْء عَن الدوران
وَقَوله فِي قصيدة مِنْهَا
فِي خطه من كل قلب شَهْوَةحَتَّى كَأَن مداده الْأَهْوَاء
وَلكُل عين قُرَّة فِي قربهحَتَّى كَأَن مغيبه الأقذاء
هَذَا الْبَيْت الَّذِي جعله المقطع
لَو لم تكن من ذَا الورى اللذ مِنْك هُوَعقمت بمولد نسلها حَوَّاء
وَكَقَوْلِه فِي آخر القصيدة
خلت الْبِلَاد من الغزالة لَيْلهَافأعاضهاك الله كي لَا تحزنا
هَذَا آخر المقابح والمعائب وَأول المحاسن والروائع والبدائع والقلائد والفرائد الَّتِي زَاد فِيهَا على من تقدم وَسبق جَمِيع من تَأَخّر
فَمِنْهَا حسن الْمطَالع
كَقَوْلِه
فَدَيْنَاك من ربع وَإِن زدتنا كربافَإنَّك كنت الشرق للشمس والغربا
نزلنَا عَن الأكوار نمشي كَرَامَةلمن بَان عَنهُ أَن نلم بِهِ ركبا
وَقَوله
الرَّأْي قبل شجاعة الشجعانهُوَ أول وَهِي الْمحل الثَّانِي
فَإِذا هما اجْتمعَا لنَفس مرّةبلغت من العلياء كل مَكَان
وَقَوله
إِذا كَانَ مدح فالنسيب الْمُقدمأكل فصيح قَالَ شعرًا متيم
لحب ابْن عبد الله أولى فَإِنَّهُبِهِ يبْدَأ الذّكر الْجَمِيل وَيخْتم
وَقَوله
أَعلَى الممالك مَا يبْنى على الأسلوالطعن عِنْد محبيهن كالقبل
وَقَوله
فؤاد مَا تسليه المداموَعمر مثل مَا يهب اللئام
وَقَوله
أفاضل النَّاس أغراض لذا الزَّمنيَخْلُو من الْهم أخلاهم من الفطن
وَقَوله
الْيَوْم عهدكم فَأَيْنَ الْموعدهَيْهَات لَيْسَ ليَوْم عهدكم غَد
الْمَوْت أقرب مخلبا من بَيْنكُموالعيش أبعد مِنْكُم لَا تبعدوا
وَقَوله
الْمجد عوفي إِذْ عوفيت وَالْكَرموَزَالَ عَنْك إِلَى أعدائك الْأَلَم
وَمِنْهَا حسن الْخُرُوج والتخلص
كَقَوْلِه
مرت بِنَا بَين تربيها فَقلت لَهَامن أَيْن جانس هَذَا الشادن العربا
فاستضحكت ثمَّ قَالَت كالمغيث يرىلَيْث الشرى وَهُوَ من عجل إِذا انتسبا
وَقَوله
وغيث ظننا تَحْتَهُ أَن عَامِرًاعلا لم يمت أوفى السَّحَاب لَهُ قبر
وَقَوله
وَإِلَّا فخانتني القوافي وعاقنيعَن ابْن عبيد الله ضعف العزائم
إِذا صلت لم أترك مصالا لصائلوَإِن قلت لم أترك مقَالا لعالم
وَقَوله
نودعهم والبين فِينَا كَأَنَّهُقِنَا ابْن أبي الهيجاء فِي قلب فيلق
وَقَوله
نودعهم والبين فِينَا كَأَنَّهُقِنَا ابْن أبي الهيجاء فِي قلب فيلق
وَقَوله
ومقانب بمقانب غادرتهاأقوات وَحش كن من أقواتها
أقبلتها غرر الْبِلَاد كَأَنَّمَاأَيدي بني عمرَان فِي جبهاتها
وَقَوله
حدق يذم من القواتل غَيرهَابدر بن عمار بن إسماعيلا
وَقَوله
وَلَو كنت فِي أسر غير الْهوىضمنت ضَمَان أبي وَائِل
فدى نَفسه بِضَمَان النضاروَأعْطى صُدُور القنا الذابل
وَمِنْهَا النسيب بالأعرابيات
كَقَوْلِه
من الجآذر فِي زِيّ الأعاريبحمر الحلى والمطايا والجلابيب
إِن كنت تسْأَل شكا فِي معارفهافَمن بلاك بتسهيد وتعذيب
سوائر رُبمَا سَارَتْ هوادجهامنيعة بَين مطعون ومضروب
أَي لِكَثْرَة الرَّغْبَة فِيهِنَّ وَشدَّة الذب عَنْهُن والمحاربة دونهن
وَرُبمَا وخدت أَيدي الْمطِي بهَاعلى نجيع من الفرسان مصبوب
كم زروة لي فِي الْأَعْرَاب خافيةأدهى وَقد رقدوا من زورة الذيب
أزورهم وَسَوَاد اللَّيْل يشفع ليوأنثني وَبَيَاض الصُّبْح يغري بِي
قد وَقع التَّنْبِيه على حسن هَذَا الْبَيْت فِي شرف لَفظه وَمَعْنَاهُ وجودة تقسيمه وَكَونه أَمِير شعره
قد وافقوا الْوَحْش فِي سُكْنى مراتعهاوخالفوها بتقويض وتطنيب
فؤاد كل محب فِي بُيُوتهموَمَال كل أخيذ المَال محروب
مَا أوجه الْحَضَر المستحسنات بِهِكأوجه البدويات الرعابيب
حسن الحضارة مجلوب بتطريةوَفِي البداوة حسن غير مجلوب
أفدي ظباء فلاة مَا عرفن بهَامضغ الْكَلَام وَلَا صبغ الحواجيب
وَلَا برزن من الْحمام مائلةأوراكهن صقيلات العراقيب
وَمن هوى كل من لَيست مموهةتركت لون مشيبي غير مخضوب
وَمن هوى الصدْق فِي قولي وعادتهرغبت عَن شعر فِي الْوَجْه مَكْذُوب
وناهيك بِهَذِهِ الأبيات جزالة وحلاوة وَحسن معادن
وَله طريفة ظريفة فِي وصف البدويات قد تفرد بحسنها وأجاد مَا شَاءَ فِيهَا فَمِنْهَا قَوْله
هام الْفُؤَاد بأعرابية سكنتبَيْتا من الْقلب لم تضرب بهَا طنبا
مظلومة الْقد فِي تشبيهه غصنامظلومة الرِّيق فِي تشبيهه ضربا
وَقَوله
إِن الَّذين أَقمت وَاحْتَملُواأيامهم لديارهم دوَل
الْحسن يرحل كلما رحلوامَعَهم وَينزل حَيْثُمَا نزلُوا
فِي مقلتي رشأ تديرهمابدوية فتنت بهَا الْحلَل
تَشْكُو المطاعم طول هجرتهَاوصدودها وَمن الَّذِي تصل
وصفهَا بقلة الطّعْم وَهِي محمودة فِي نسَاء الْعَرَب
مَا أسأرت فِي الْقَعْب من لبنتركته وَهُوَ الْمسك وَالْعَسَل
قَالَت أَلا تصحو فَقلت لَهَاأعلمتني أَن الْهوى ثمل
وَقَوله
ديار اللواتي دارهن عزيزةبطول القنا يحفظن لَا بالتمائم
حسان التثني ينقش الوشي مثلهإِذا مسن فِي أجسادهن النواعم
ويبسمن عَن در تقلدن مثلهكَأَن التراقي وشحت بالمباسم
وَمِنْهَا حسن التَّصَرُّف فِي سَائِر الْغَزل
كَقَوْلِه
قد كَانَ يَمْنعنِي الْحيَاء من البكافَالْآن يمنعهُ البكا أَن يمنعا
حَتَّى كَأَن لكل عظم رنةفِي جلده وَلكُل عرق مدمعا
سفرت وبرقعها الْحيَاء بصفرةسترت محاسنها وَلم تَكُ برقعا
فَكَأَنَّهَا والدمع يقطر فَوْقهَاذهب بسمطي لُؤْلُؤ قد رصعا
كشفت ثَلَاث ذوائب من شعرهَافِي لَيْلَة فأرت ليَالِي أَرْبعا
واستقبلت قمر السَّمَاء بوجههافأرتني القمرين فِي وَقت مَعًا
وَهِي مِمَّا يتَغَنَّى بِهِ لرشاقتها وبلوغها كل مبلغ من حسن اللَّفْظ وجودة الْمَعْنى واستحكام الصَّنْعَة
وَكَقَوْلِه
أيدري الرّبع أَي دم أراقاوَأي قُلُوب هَذَا الركب شاقا
لنا ولأهله أبدا قُلُوبتلاقي فِي جسوم مَا تلاقى
مَعْنَاهُ ينظر إِلَى قَول ابْن المعتز
إِنَّا على البعاد والتفرقلنلتقي بِالذكر إِن لم نَلْتَقِي
وَمِنْهَا
فليت هوى الْأَحِبَّة كَانَ عدلافَحمل كل قلب مَا أطاقا
وَمِنْهَا
وَقد أَخذ التَّمام الْبَدْر فيهموَأَعْطَانِي من السقم المحاقا
وَبَين الْفَرْع والقدمين نوريَقُود بِلَا أزمتها النياقا
وطرف إِن سقى العشاق كأسابهَا نقص سقانيها دهاقا
وخصر تثبت الأحداق فِيهِكَأَن عَلَيْهِ من حدق نطاقا
وَقَوله
كَأَنَّمَا قدها إِذا انفتلتسَكرَان من خمر طرفها ثمل
يجذبها تَحت خصرها عجزكَأَنَّهُ من فراقها وَجل
وَقَوله
مثلت عَيْنك فِي حشاي جِرَاحَةفتشابها كلتاهما نجلاء
نفذت عَليّ السابري وَرُبمَاتندق فِيهِ الصعدة السمراء
وَكَقَوْلِه
كَأَن العيس كَانَت فَوق جفنيمناخات فَلَمَّا ثرن سالا
لبسن الوشي لَا متجملاتوَلَكِن كي يصن بِهِ الجمالا
وضفرن الغدائر لَا لحسنوَلَكِن خفن فِي الشّعْر الضلالا
وَمِنْهَا حسن التَّشْبِيه بِغَيْر أَدَاة التَّشْبِيه
كَقَوْلِه
بَدَت قمرا ومالت غُصْن بَانوفاحت عنبرا ورنت غزالا
وَقَوله
ترنو إِلَيّ بِعَين الظبي مجهشةوتمسح الطل فَوق الْورْد بالعنم
وَقَوله
قمرا ترى وسحابتين بِموضعمن وَجهه وَيَمِينه وشماله
وَقَوله
أعارني سقم عَيْنَيْهِ وحملنيمن الْهوى ثقل مَا تحوي مآزره
وَقَوله
عرفت نَوَائِب الْحدثَان حَتَّىلَو انتسبت لَكُنْت لَهَا نَقِيبًا
وَقَوله
فَأتيت معتزما وَلَا أَسدومضيت مُنْهَزِمًا وَلَا وعل
وَقَوله فِي وصف الْخَيل
خرجنَا من النَّقْع فِي عَارضوَمن عرق الركض فِي وابل
وَقَوله
وجياد يدخلن فِي الْحَرْب أعراءويخرجن من دم فِي جلال
واستعار الْحَدِيد لونا وَألقىلَونه فِي ذوائب الْأَطْفَال
وَمِنْهَا الإبداع فِي سَائِر التشبيهات والتمثيلات
كَقَوْلِه
وَإِن نهاري لَيْلَة مدلهمةعلى مقلة من فقدكم فِي غياهب
بعيدَة مَا بَين الجفون كَأَنَّمَاعقدتم أعالي كل هدب بحاجب
ذكر ابْن جني أَنه مثل قَول بشار
جَفتْ عَيْني عَن التغميض حَتَّىكَأَن جفونها عَنْهَا قصار
وَذكر القَاضِي أَنه مَأْخُوذ من قَول الطرمي فِي رطاناته
ورأسي مَرْفُوع إِلَى النَّجْم كَأَنَّمَاقفاي إِلَى صلبي بخيط مخيط
وَقَوله
كَأَن رقيبا مِنْك سد مسامعيعَن العذل حَتَّى لَيْسَ يدخلهَا العذل
كَأَن سهاد الْعين يعشق مقلتيفبينهما فِي كل هجر لنا وصل
وَقَوله
رَأَيْت الحميا فِي الزّجاج بكفهفشبهتها بالشمس فِي الْبَدْر فِي الْبَحْر
وَقَوله فِي الْحمى
وزائرتي كَأَن بهَا حَيَاءفَلَيْسَ تزور إِلَّا بالظلام
بذلت لَهَا المطارف والحشايافعافتها وباتت فِي عِظَامِي
وَقَوله فِي وصف الظبي
أغناه حسن الْجيد عَن لبس الحلىوَعَادَة العري عَن التفضل
كَأَنَّهُ مضمخ بصندل
وَقَوله فِي سرعَة الأوبة وتقليل اللّّبْث
وَمَا أَنا غير سهم فِي هَوَاءيعود وَلم يجد فِيهِ امتساكا
قَالَ ابْن جنى قد اخْتلف أهل النّظر فِي هَذَا الْموضع فَقَالَ قوم إِن السهْم وَالْحجر وَنَحْوهمَا إِذا رمي بِهِ صعدا فتناهى صُعُوده كَانَت لَهُ فِي آخر ذَلِك لبثة مَا ثمَّ يتصوب منحدرا
وَقَالَ آخَرُونَ لَا لبثة لَهُ هُنَاكَ وَإِنَّمَا أول وَقت انحداره وَقت صُعُوده
وَقَوله وَهُوَ أحسن مَا قيل فِي وصف محنة نهكت صَاحبهَا واشتدت بِهِ ثمَّ عَاد إِلَى حَال السَّلامَة وَقد هذبته تِلْكَ الْحَال وزادته صفاء وسهولة
وربتما شفيت غليل صَدْرِيبسير أَو مقَام أَو حسام
وَضَاقَتْ خطة فَخرجت مِنْهَاخُرُوج الْخمر من نسج الْفِدَام
وَقَوله وَهُوَ مِمَّا لم يسْبق إِلَيْهِ
كريم نفضت النَّاس لما لَقيتهكَأَنَّهُمْ مَا جف من زَاد قادم
وَكَاد سروري لَا يَفِي بندامتيعلى تَركه فِي عمري المتقادم
وَقَوله وَهُوَ من بدائعه
رَضوا بك كالرضا بالشيب قسراوَقد وَخط النواصي والفروعا
وَقَوله فِي وصف الشّعْر
إِذا خلعت على عرض لَهُ حللاوَجدتهَا مِنْهُ فِي أبهى من الْحلَل
بِذِي الغباوة من إنشادها ضَرَركَمَا تضر ريَاح الْورْد بالجعل
وَذَلِكَ أَن الْجعل إِذا طرح عَلَيْهِ الْورْد غشى عَلَيْهِ
وَمِنْهَا التَّمْثِيل بِمَا هُوَ من جنس صناعته
كَقَوْلِه
وَإِنَّمَا نَحن فِي جيل سواسيةشَرّ على الْحر من سقم على الْبدن
حَولي بِكُل مَكَان مِنْهُم خلقتخطي إِذا جِئْت فِي استفهامها بِمن
من إِنَّمَا يستفهم بهَا عَمَّن يعقل يَقُول هَؤُلَاءِ كَالْبَهَائِمِ فقولك لَهُم من أَنْتُم خطأ إِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يُقَال لَهُم مَا أَنْتُم لِأَن مَوضِع مَا لما لَا يعقل ويحكى أَن جَرِيرًا لما قَالَ
يَا حبذا جبل الريان من جبلوحبذا سَاكن الريان من كَانَا
قَالَ الفرزدق وَلَو كَانَ ساكنه قرودا فَقَالَ لَهُ جرير لَو أردْت هَذَا لَقلت مَا كَانَا وَلم أقل من كَانَا وَكَقَوْلِه
نتاج رَأْيك فِي وَقت على عجلكَلَفْظِ حرف وعاه سامع فهم
وَقَوله
من اقْتضى بسوى الْهِنْدِيّ حَاجتهأجَاب كل سُؤال عَن هَل بلم
وَقَوله
أمضى إِرَادَته فَسَوف لَهُ قدواستقرب الْأَقْصَى فثم لَهُ هُنَا
سَوف للاستقبال وَقد مَوْضُوعه للمضي ومقاربة الْحَال يَقُول إِذا نوى أمرا فَكَأَنَّمَا يسابق نِيَّته وَقَوله
دون التعانق ناحلين كشكلتينصب أدقهما وَضم الشاكل
وَقَوله
وَلَوْلَا كونكم فِي النَّاس كَانُواهراء كَالْكَلَامِ بِلَا معَان
وَقَوله
قُشَيْر وبلعجان فِيهَا خُفْيَةكراءين فِي أَلْفَاظ ألثغ نَاطِق
وَقَوله
إِذا كَانَ مَا تنويه فعلا مضارعامضى قبل أَن تلقى عَلَيْهِ الجوازم
الْمُضَارع مَا كَانَ فِي أَوله إِحْدَى الزَّوَائِد الْأَرْبَع مثل أقوم ونقوم وَتقوم وَيقوم يَقُول إِذا نَوَيْت فعلا أوقعته قبل فَوته
وَقبل أَن يُقَال لم يفعل وَأَن يفعل وَقَوله
وَكَانَ ابْنا عَدو كاثراهلَهُ يآءي حُرُوف أنيسيان
أنيسيان تَصْغِير إِنْسَان وتحقيره وإنسان عدد حُرُوفه خَمْسَة وَهُوَ اسْم مكبر فَإِذا صغرته زِدْت عَلَيْهِ ياءين فزادت حُرُوفه وَنقص مَعْنَاهُ فكذاك إِذا كَانَ لعَدوه ابْنَانِ فكاثره بهما فيكونان زائدين فِي عدده وَلَكِن ناقصين لسقوطهما وتخلفهما
وَمِنْهَا الْمَدْح الموجه
كَالثَّوْبِ لَهُ وَجْهَان مَا مِنْهُمَا إِلَّا حسن كَقَوْلِه
نهبت من الْأَعْمَار مَا لَو حويتهلهنئت الدُّنْيَا بأنك خَالِد
قَالَ ابْن جني لَو لم يمدح أَبُو الطّيب سيف الدولة إِلَّا بِهَذَا الْبَيْت وَحده لَكَانَ قد بَقِي فِيهِ مَا لَا يخلقه الزَّمَان وَهَذَا هُوَ الْمَدْح الموجه لِأَنَّهُ بنى الْبَيْت على ذكر كَثْرَة مَا استباحه من أَعمار أعدائه ثمَّ تَلقاهُ من آخر الْبَيْت بِذكر سرُور الدُّنْيَا بِبَقَائِهِ واتصال أَيَّامه وَكَقَوْلِه
عمر الْعَدو إِذا لاقاه فِي رهجأقل من عمر مَا يحوي إِذا وهبا
مَال كَأَن غراب الْبَين يرقبهفَكلما قيل هَذَا مجتد نعبا
وَقَوله
تشرق تيجانه بغرتهإشراق أَلْفَاظه بمعناها
وَقَوله
تشرق أعراضهم وأوجهمكَأَنَّمَا فِي نُفُوسهم شيم
وَقَوله
إِلَى كم ترد الرُّسُل فِيمَا أَتَوا لَهُكَأَنَّهُمْ فِيمَا وهبت ملام
وَقَوله
يخيل لي أَن الْبِلَاد مسامعيوَأَنِّي فِيهَا مَا تَقول العواذل
وَقَوله
كَأَن ألسنهم فِي النُّطْق قد جعلتعلى رماحهم فِي الطعْن خرصانا
وَمِنْهَا حسن التَّصَرُّف فِي مدح سيف الدولة بِجِنْس السيفية
كَقَوْلِه
لقد رفع الله من دولةلَهَا مِنْك يَا سيفها منصل
وَقَوله
لَوْلَا سمي سيوفه ومضاؤهلما سللن لَكِن كالأجفان
وَقَوله
عزاءك سيف الدولة المقتدى بِهِفَإنَّك نصل والشدائد للنصل
وَقَوله
يُسمى الحسام وَلَيْسَت من مشابهةوَكَيف يشْتَبه المخدوم والخدم
كل السيوف إِذا طَال الضراب بهَايَمَسهَا غير سيف الدولة السأم
وَقَوله
تهاب سيوف الْهِنْد وَهِي حدائدفَكيف إِذا كَانَت نزارية عربا
وَقَوله
تحير فِي سيف ربيعَة أَصلهوطابعه الرَّحْمَن وَالْمجد صاقل
وَقَوله
قلد الله دولة سيفها أَنْتحساما بالمكرمات محلى
فَإِذا اهتز للندى كَانَ بحراوَإِذا اهتز للعدا كَانَ نصلا
وَقَوله
وَأَنت حسام الْملك وَالله ضَاربوَأَنت لِوَاء الدّين وَالله عَاقد
وَقَوله
لقد سل سيف الدولة الْمجد معلمافَلَا الْمجد مخفيه وَلَا الضَّرْب ثالمه
على عاتق الْملك الْأَغَر نجادهوَفِي يَد جَبَّار السَّمَوَات قائمه
وَإِن الَّذِي سمى عليا لمنصفوَإِن الَّذِي سَمَّاهُ سَيْفا لظالمه
وَمَا كل سيف يقطع الْهَام حَدهوتقطع لزبات الزَّمَان مكارمه
وَقَوله
إِن الْخَلِيفَة لم يسمك سَيْفهحَتَّى بلاك فَكنت عين الصارم
وَإِذا تتوج كنت درة تاجهوَإِذا تختم كنت فص الْخَاتم
وَقَوله
من للسيوف بِأَن تكون سميهافِي أَصله وفرنده ووفائه
طبع الْحَدِيد فَكَانَ من أجناسهوَعلي المطبوع من آبَائِهِ
وَمِنْهَا الإبداع فِي سَائِر مدائحه
كَقَوْلِه
ملك سِنَان قناته وبنانهيتباريان دَمًا وَعرفا ساكبا
يستصغر الْخطر الْكَبِير لوفدهويظن دجلة لَيْسَ تَكْفِي شاربا
كالبدر من حَيْثُ الْتفت رَأَيْتهيهدي إِلَى عَيْنَيْك نورا ثاقبا
كَالشَّمْسِ فِي كبد السَّمَاء وضوؤهايغشى الْبِلَاد مشارقا ومغاربا
كالبحر يقذف للقريب جواهراجودا وَيبْعَث للبعيد سحائبا
وَقَوله
لَيْسَ التَّعَجُّب من مواهب مَالهبل من سلامتها إِلَى أَوْقَاتهَا
عجبا لَهُ حفظ الْعَنَان بأنملمَا حفظهَا الْأَشْيَاء من عاداتها
لَو مر يرْكض فِي سطور كِتَابهأحصى بحافر مهره ميماتها
كرم تبين فِي كلامك ماثلاوَيبين عتق الْخَيل فِي أصواتها
أعيا زوالك عَن مَحل نلتهلَا تخرج الأقمار من هالاتها
فِيهِ مدح وَمثل مَضْرُوب وتشبيه نَادِر
ذكر الْأَنَام لنا فَكَانَ قصيدةأَنْت البديع الْفَرد من أبياتها
وَهَذَا البديع الْفَرد من أَبْيَات هَذِه القصيدة وَكَقَوْلِه
وَمَا زلت حَتَّى قادني الشوق نَحوهيسايرني فِي كل ركب لَهُ ذكر
وأستكبر الْأَخْبَار قبل لِقَائِهفَلَمَّا الْتَقَيْنَا صغر الْخَبَر الْخَبَر
هَذَا ضد قَوْلهم تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ
أزالت بك الْأَيَّام عتبي كَأَنَّمَابنوها لَهَا ذَنْب وَأَنت لَهَا عذر
وَكَقَوْلِه
أَلا أَيهَا المَال الَّذِي قد أبادهتعز فَهَذَا فعله بِالْكَتَائِبِ
لَعَلَّك فِي وَقت شغلت فُؤَادهعَن الْجُود أَو أكثرت جَيش محَارب
وَقَوله
بعثوا الرعب فِي قُلُوب الأعاديفَكَأَن الْقِتَال قبل التلاقي
وتكاد الظبا لما عودوهاتنتضي نَفسهَا إِلَى الْأَعْنَاق
كل ذمر يزِيد فِي الْمَوْت حسناكبدور تَمامهَا فِي المحاق
كرم خشن الجوانب مِنْهُمفَهُوَ كَالْمَاءِ فِي الشفار الرقَاق
ومعال إِذا ادَّعَاهَا سواهُملَزِمته جِنَايَة السراق
وَكَقَوْلِه
خير أعضائنا الرُّءُوس وَلَكِنفضلتها بقصدك الْأَقْدَام
وَكَقَوْلِه
قوم بُلُوغ الْغُلَام عِنْدهمطعن نحور الكماة لَا الْحلم
كَأَنَّمَا يُولد الندى مَعَهملَا صغر عاذر وَلَا هرم
إِذا توَلّوا عَدَاوَة كشفواوَإِن توَلّوا صَنِيعَة كتموا
تظن من فقدك اعتدادهمبِأَنَّهُم أنعموا وَمَا علمُوا
إِن برقوا فالحتوف حَاضِرَةأَو نطقوا فَالصَّوَاب وَالْحكم
أَو شهدُوا الْحَرْب لاقحا أخذُوامن مهج الدارعين مَا احتكموا
أَو حلفوا بالغموس واجتهدوافَقَوْلهم خَابَ سائلي الْقسم
أَو ركبُوا الْخَيل غير مسرجةفَإِن أَفْخَاذهم لَهَا حزم
تشرق أعراضهم وأوجههمكَأَنَّهَا فِي نُفُوسهم شيم
أعيذكم من صروف دهركمفَإِنَّهُ فِي الْكِرَام مُتَّهم
وَكَقَوْلِه
النَّاس مَا لم يروك أشباهوالدهر لفظ وَأَنت مَعْنَاهُ
والجود عين وَأَنت ناظرهوالبأس بَاعَ وَأَنت يمناه
يَا راحلا كل من يودعهمُودع دينه ودنياه
إِن كَانَ فِيمَا ترَاهُ من كرمفِيك مزِيد فزادك الله
وَكَقَوْلِه
تمشي الْكِرَام على آثَار غَيرهموَأَنت تخلق مَا تَأتي وتبتدع
من كَانَ فَوق مَحل الشَّمْس مَوْضِعهفَلَيْسَ يرفعهُ شَيْء وَلَا يضع
وَكَقَوْلِه
فَلَمَّا رَأَوْهُ وَحده دون جَيْشهدروا أَن كل الْعَالمين فضول
وَكَقَوْلِه
وأوردهم صدر الحصان وسيفهفَتى بأسه مثل الْعَطاء جزيل
جواد على العلات بِالْمَالِ كُلهوَلكنه بالدارعين بخيل
وَكَقَوْلِه
أرى كل ذِي ملك إِلَيْك مصيرهكَأَنَّك بَحر والملوك جداول
إِذا أمْطرت مِنْهُم ومنك سَحَابَةفوابلهم طل وطلك وابل
وَقَوله
ودانت لَهُ الدُّنْيَا فَأصْبح جَالِساوأيامه فِيمَا يُرِيد قيام
وكل أنَاس يتبعُون إمَامهمْوَأَنت لأهل المكرمات إِمَام
وَرب جَوَاب عَن كتاب بعثتهوعنوانه للناظرين قتام
وَكَقَوْلِه
هم المحسنون الْكر فِي حومة الوغىوَأحسن مِنْهُم كرهم فِي المكارم
وَلَوْلَا احتقار الْأسد شبهتها بهموَلكنهَا مَعْدُودَة فِي البهايم
وَكَقَوْلِه
أغر أعداؤه إِذا سلمُوابالهرب استكثروا الَّذِي فعلوا
إِنَّك من معشر إِذا وهبوامَا دون أعمارهم فقد بخلوا
كَتِيبَة لست رَبهَا نفلوبلدة لست حليها عطل
وَكَقَوْلِه
لَو كفر الْعَالمُونَ نعْمَتهلما عدت نَفسه سجاياها
كَالشَّمْسِ لَا تبتغي بِمَا صنعتمَنْفَعَة عِنْدهم وَلَا جاها
وَكَقَوْلِه
فَجَاءَت بِنَا إِنْسَان عين زَمَانهوخلت بَيَاضًا خلفهَا ومآقيا
وَهَذَا أحسن مَا يمدح بِهِ ملك أسود وَلَا نِهَايَة لحسنه وَشرف مَعْنَاهُ وجودة تشبيهه وتمثيله
ترفع عَن عون المكارم فعلهفَمَا يفعل الفعلات إِلَّا عذاريا
أَبَا كل طيب لَا أَبَا الْمسك وَحدهوكل سَحَاب لَا أخص الغواديا
يدل بِمَعْنى وَاحِد كل فاخروَقد جمع الرَّحْمَن فِيك المعانيا
ألم فِيهِ يَقُول أبي نواس
كَأَنَّمَا أَنْت شَيْءحوى جَمِيع الْمعَانِي
وَمِنْهَا مُخَاطبَة الممدوح من الْمُلُوك بِمثل مُخَاطبَة المحبوب وَالصديق مَعَ الْإِحْسَان والإبداع
وَهُوَ مَذْهَب لَهُ تفرد بِهِ واستكثر من سلوكه اقتدارا مِنْهُ وتبحرا فِي الْأَلْفَاظ والمعاني ورفعا لنَفسِهِ عَن دَرَجَة الشُّعَرَاء وتدريجا لَهَا إِلَى مماثلة الْمُلُوك فِي مثل قَوْله لكافور
وَمَا أَنا بالباغي على الْحبّ رشوةضَعِيف هوى يَبْغِي عَلَيْهِ ثَوَاب
وَمَا شِئْت إِلَّا أَن أدل عواذليعلى أَن رَأْيِي فِي هَوَاك صَوَاب
وَأعلم قوما خالفوني فشرقواوغربت أَنِّي قد ظَفرت وخابوا
إِذا نلْت مِنْك الود فَالْمَال هَينوكل الَّذِي فَوق التُّرَاب تُرَاب
وَقَوله لَهُ وَقد أهداه مهْرا أسود
فَلَو لم تكن فِي مصر مَا سرت نَحْوهَابقلب المشوق المستهام المتيم
وَقَوله لِابْنِ العميد يودعه
تفضلت الْأَيَّام بِالْجمعِ بَيْننَافَلَمَّا حمدنا لم تدمنا على الْحَمد
فجد لي بقلب إِن رحلت فإننيمخلف قلبِي عِنْد من فَضله عِنْدِي
وَقَوله لعضد الدولة
أروح وَقد ختمت على فُؤَادِيبحبك أَن يحل بِهِ سواكا
فَلَو أَنِّي اسْتَطَعْت حفظت طرفِيفَلم أبْصر بِهِ حَتَّى أراكا
من قصيدة تشْتَمل على أَبْيَات من هَذَا الطّراز سأكتبها فِي آخر الْبَاب
وَكَقَوْلِه لسيف الدولة
مَا لي أكتم حبا قد بَرى جَسَدِيوتدعي حب سيف الدولة الْأُمَم
إِن كَانَ يجمعنا حب لغرتهفليت أَنا بِقدر الْحبّ نقتسم
يَا أعدل النَّاس إِلَّا فِي معاملتيفِيك الْخِصَام وَأَنت الْخصم وَالْحكم
إِذا رَأَيْت نيوب اللَّيْث بارزةفَلَا تَظنن إِن اللَّيْث يبتسم
أُعِيذهَا نظرات مِنْك صَادِقَةأَن تحسب الشَّحْم فِيمَن شحمه ورم
وَمَا انْتِفَاع أخي الدُّنْيَا بناظرهإِذا اسْتَوَت عِنْده الْأَنْوَار وَالظُّلم
يَا من يعز علينا أَن نفارقهموأجداننا كل شَيْء بعدكم عدم
مَا كَانَ أخلقنا مِنْكُم بتكرمةلَو أَن أَمركُم من أمرنَا أُمَم
إِن كَانَ سركم مَا قَالَ حاسدنافَمَا لجرح إِذا أرضاكم ألم
وبيننا لَو رعيتم ذَاك معرفَةإِن المعارف فِي أهل النهى ذمم
كم تطلبون لنا عَيْبا فيعجزكموَيكرهُ الله مَا تأتون وَالْكَرم
مَا أبعد الْعَيْب وَالنُّقْصَان من شرفيأَنا الثريا وذان الشيب والهرم
لَيْت الْغَمَام الَّذِي عِنْدِي صواعقهيزيلهن إِلَى من عِنْده الديم
أرى النَّوَى تقتضيني كل مرحلةلَا تستقل بهَا الوخادة الرَّسْم
لَئِن تركنَا ضميرا عَن ميامنناليحدثن لمن ودعتهم نَدم
إِذا ترحلت عَن قوم وَقد قدرُواأَلا تفارقهم فالراحلون هم
شَرّ الْبِلَاد بِلَاد لَا صديق بهَاوَشر مَا يكْسب الْإِنْسَان مَا يصم
وَشر مَا قنصته راحتي قنصشهب البزاة سَوَاء فِيهِ والرخم
وَهِي على براعتها واستقلال أَكثر أبياتها بأنفسها تكَاد تدخل فِي بَاب إساءة الْأَدَب بالأدب وَقد تقدم ذكره
وَمِنْهَا اسْتِعْمَال أَلْفَاظ الْغَزل والنسيب فِي أَوْصَاف الْحَرْب وَالْجد
وَهُوَ أَيْضا مِمَّا لم يسْبق إِلَيْهِ وَتفرد بِهِ وَأظْهر فِيهِ الحذق بِحسن النَّقْل وأعرب عَن جودة التَّصَرُّف والتلعب بالْكلَام كَقَوْلِه
أَعلَى الممالك مَا يَبْنِي على الأسلوالطعن عِنْد محبيهن كالقبل
وَقَوله وَهُوَ من فرائده
شُجَاع كَأَن الْحَرْب عاشقة لَهُإِذا زارها فدته بِالْخَيْلِ وَالرجل
وَكَقَوْلِه
وَكم رجال بِلَا أَرض لكثرتهمتركت جمعهم أَرضًا بِلَا رجل
مَا زَالَ طرفك يجْرِي فِي دِمَائِهِمْحَتَّى مَشى بك مشي الشَّارِب الثمل
وَكَقَوْلِه
والطعن شزر وَالْأَرْض واجفةكَأَنَّمَا فِي فؤادها وَهل
قد صبغت خدها الدِّمَاء كَمَايصْبغ خد الخريدة الخجل
وَالْخَيْل تبْكي جلودها عرقابأدمع مَا تسحها مقل
وَكَقَوْلِه
تعود أَن لَا تقضم الْحبّ خيلهإِذا الْهَام لم ترفع جنوب العلائق
وَلَا ترد الغدران إِلَّا وماؤهامن الدَّم كالريحان تَحت الشقائق
وَكَقَوْلِه
فأتتك دامية الأظل كَأَنَّمَاحذيت قَوَائِمهَا العقيق الأحمرا
وَإِذا الحمائل مَا يخدن بنفنفإِلَّا شققْنَ عَلَيْهِ بردا أخضرا
وَكَقَوْلِه
قد سودت شجر الْجبَال شُعُورهمْفَكَأَن فِيهِ مسفة الْغرْبَان
وَجرى على الْوَرق النجيع القانيفَكَأَنَّهُ النارنج فِي الأغصان
وَكَقَوْلِه
حمى أَطْرَاف فَارس شمرييحض على التباقي فِي التفاني
بِضَرْب هاج أطراب المناياسوى ضرب المثالث والمثاني
كَأَن دم الجماجم فِي العناصيكسا الْبلدَانِ ريش الحيقطان
فَلَو طرحت قُلُوب الْعِشْق فِيهَالما خَافت من الحدق الحسان
وَكَقَوْلِه
كرعن بسبت فِي إِنَاء من الْورْد
وَمِنْهَا حسن التَّقْسِيم
حكى أَبُو الْقَاسِم الْآمِدِيّ فِي كتاب الموازنة بَين شعري الطائيين قَالَ سمع بعض الشُّيُوخ من نقدة الشّعْر قَول الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف
وصالكم هجر وحبكم قلىوعطفكم صد وسلمكم حَرْب
وَأَنْتُم بِحَمْد الله فِيكُم فظاظةوكل ذَلُول من مراكبكم صَعب
فَقَالَ وَالله هَذَا أحسن من تقسيمات إقليدس وَقَول أبي الطّيب المتنبي فِي هَذَا الْفَنّ أولى بِهَذَا الْوَصْف
ضَاقَ الزَّمَان وَوجه الأَرْض عَن ملكملْء الزَّمَان وملء السهل والجبل
فَنحْن فِي جذل وَالروم فِي وَجلوَالْبر فِي شغل وَالْبَحْر فِي خجل
وَكَقَوْلِه
الدَّهْر معتذر وَالسيف منتظروأرضهم لَك مصطاف ومرتبع
للسبي مَا نكحوا وَالْقَتْل مَا ولدُواوالنهب مَا جمعُوا وَالنَّار مَا زرعوا
وَقَوله
فَلم يخل من نصر لَهُ من لَهُ يَدوَلم يخل من شكر لَهُ من لَهُ فَم
وَلم يخل من أَسْمَائِهِ عود مِنْبَروَلم يخل دِينَار وَلم يخل دِرْهَم
وَقَوله
قَلِيل عائدي سقم فُؤَادِيكثير حاسدي صَعب مرامي
عليل الْجِسْم مُمْتَنع الْقيامشَدِيد السكر من غير المدام
وَقَوله
بِمصْر مُلُوك لَهُم مَا لَهُوَلَكنهُمْ مَا لَهُم همه
فأجود من جودهم بخلهوَأحمد من حمدهم ذمه
وأشرف من عيشهم مَوتهوأنفع من وجدهم عَدمه
وَقَوله
لم نفتقد بك من مزن سوى لثقوَلَا من الْبَحْر غير الرّيح والسفن
وَلَا من اللَّيْث إِلَّا قبح منظرهوَمن سواهُ سوى مَا لَيْسَ بالْحسنِ
وَقَوله
يجل عَن التَّشْبِيه لَا الْكَفّ لجةوَلَا هُوَ ضرغام وَلَا الرَّأْي مخذم
وَلَا جرحه يؤسى وَلَا غوره يرىوَلَا حَده ينبو وَلَا يتثلم
محلك مَقْصُود وشانيك مفحموَمثلك مَفْقُود ونيلك خضرم
وَقَوله
أَذمّ إِلَى هَذَا الزَّمَان أهيلهفأعلمهم فدم وأحزمهم وغد
وَأكْرمهمْ كلب وأبصرهم عَموأسهدهم فَهد وأشجعهم قرد
وَقَوله
وغناك مَسْأَلَة وطيشك نفحةورضاك فيشلة وَرَبك دِرْهَم
وَقَوله
عَرَبِيّ لِسَانه فلسفيرَأْيه فارسية أعياده
وَقَوله
سقتني بهَا القطربلي مليحةعلى كَاذِب من وعدها ضوء صَادِق
سهاد لأجفان وشمس لناظروسقم لأبدان ومسك لناشق
وأغيد يهوى نَفسه كل عَاقلعفيف ويهوى جِسْمه كل فَاسق
وَمِنْهَا حسن سِيَاقَة الْأَعْدَاد
كَقَوْلِه
على ذَا مضى النَّاس اجْتِمَاع وَفرْقَةوميت ومولود وَقَالَ ووامق
وَقَوله
أَلا أَيهَا السَّيْف الَّذِي لَيْسَ مغمداوَلَا فِيهِ مرتاب وَلَا مِنْهُ عَاصِم
هَنِيئًا لضرب الْهَام وَالْمجد والعلاوراجيك وَالْإِسْلَام أَنَّك سَالم
وَقَوله
لَا يستحي أحد يُقَال لَهُفضلوك آل بويه أَو فضلوا
قدرُوا عفوا وعدوا وفوا سئلواأغنوا علوا اعلوا ولوا عدلوا
وَقَوله من قصيدة يمدح بهَا سيف الدولة
وَرب جَوَاب عَن كتاب بعثتهوعنوانه للناظرين قتام
حُرُوف هجاء النَّاس فِيهِ ثَلَاثَةجواد ورمح ذابل وحسام
لما سمى الْجَيْش جَوَابا جعل حُرُوفه جوادا ورمحا وحساما اقتدارا واتساعا فِي الصَّنْعَة وَقَوله
ومرهف سرت بَين الجحفلين بِهِحَتَّى ضربت وموج الْمَوْت يلتطم
فالخيل وَاللَّيْل والبيداء تعرفنِيوَالسيف وَالرمْح والقرطاس والقلم
قَالَ ابْن جني قد سبق النَّاس إِلَى ذكر مَا جمعه فِي هَذَا الْبَيْت وَلَكِن لم يجْتَمع مثله فِي بَيت مَا علمت وَقد قَالَ البحتري
اطلبا ثَالِثا سواي فَإِنِّيرَابِع العيس والدجى والبيد
وَهَذَا اللَّفْظ عذب وَلَكِن لَيْسَ فِيهِ جَمِيع مَا فِي بَيت المتنبي وَقَوله
أَنْت الْجواد بِلَا من وَلَا كدروَلَا مطال وَلَا وعد وَلَا مذل
وَقَوله
بِي حر شوق إِلَى ترشفهاينْفَصل الصَّبْر حِين يتَّصل
فالثغر وَالْفَجْر والمخلخل والمعصمدائي والفاحم الرجل
وَقَوله
وَلَكِن بالفسطاط بحرا أزرتهحَياتِي ونصحي والهوى والقوافيا
وَقَوله
أَمينا وإخلافا وعذرا وخسةوجبنا أشخصا لحت لي أم مخازيا
وَمِنْهَا إرْسَال الْمثل فِي أَنْصَاف الأبيات
كَقَوْلِه
مصائب قوم عِنْد قوم فَوَائِد
وَقَوله
وَمن قصد الْبَحْر اسْتَقل السواقيا
وَقَوله
وَخير جليس فِي الزَّمَان كتاب
وَقَوله
إِن المعارف فِي أهل النهى ذمم
وَقَوله
وَرُبمَا صحت الْأَجْسَام بالعلل
وَقَوله
وَفِي الْمَاضِي لمن بَقِي اعْتِبَار
وَقَوله
وتأبى الطباع على النَّاقِل
وَقَوله
وَمَنْفَعَة الْغَوْث قبل العطب
وَقَوله
هَيْهَات تكْتم فِي الظلام مشاعل
وَقَوله
ومخطئ من رميه الْقَمَر
وَقَوله
وَمَا خير الْحَيَاة بِلَا سرُور
وَقَوله
بجبهة العير يفدى حافر الْفرس
وَقَوله
وَلَا رَأْي فِي الْحبّ للعاقل
وَقَوله
وَلَكِن طبع النَّفس للنَّفس قَائِد
وَقَوله
وَلَيْسَ يَأْكُل إِلَّا الْمَيِّت الضبع
وَقَوله
كل مَا يمنح الشريف الشريف
وَقَوله
والجوع يُرْضِي الْأسود بالجيف
وَقَوله
وَمن فَرح النَّفس مَا يقتل
وَقَوله
ويستصحب الْإِنْسَان من لَا يلائمه
وَقَوله
إِن النفيس غَرِيب حَيْثُمَا كَانَا
وَقَوله
فَمن الرديف وَقد ركبت غضنفرا
وَقَوله
إِذا عظم الْمَطْلُوب قل المساعد
وَقَوله
وَمن يسد طَرِيق الْعَارِض الهطل
وَقَوله
وَأدنى الشّرك فِي نسب جوَار
وَقَوله
وَفِي عنق الْحَسْنَاء يستحسن العقد
وَقَوله
لَا تخرج الأقمار من هالاتها
وَقَوله
إِن النُّفُوس عدد الْآجَال
وَقَوله
وَلَكِن صدم الشَّرّ بِالشَّرِّ أحزم
وَقَوله
أَنا الغريق فَمَا خوفي من البلل
وَقَوله
أَشد من السقم الَّذِي أذهب السقما
وَقَوله
فَإِن الرِّفْق بالجاني عتاب
وَقَوله
إِن الْقَلِيل من الحبيب كثير
وَقَوله
بغيض إِلَيّ الْجَاهِل المتعاقل
وَقَوله
وَلَيْسَ كل ذَوَات المخلب السَّبع
وَقَوله
وللسيوف كَمَا للنَّاس آجال
وَقَوله
فِي طلعة الشَّمْس مَا يُغْنِيك عَن زحل
وَقَوله
فَأول قرح الْخَيل المهار
وَقَوله
وَالْبر أوسع وَالدُّنْيَا لمن غلبا
وَقَوله
لَيْسَ التكحل فِي الْعَينَيْنِ كالكحل
وَقَوله
وَيبين عتق الْخَيل فِي أصواتها
وَمِنْهَا إرْسَال المثالين فِي مصراعي الْبَيْت الْوَاحِد
كَقَوْلِه
وكل امْرِئ يولي الْجَمِيل محببوكل مَكَان ينْبت الْعِزّ طيب
وَقَوله
فِي سَعَة الْخَافِقين مُضْطَربوَفِي بِلَاد من أُخْتهَا بدل
وَقَوله
الْحبّ مَا منع الْكَلَام الألسناوألذ شكوى عاشق مَا أعلنا
وَقَوله
ذل من يغبط الذَّلِيل بعيشرب عَيْش أخف مِنْهُ الْحمام
من يهن يسهل الهوان عَلَيْهِمَا لجرح بميت إيلام
وَقَوله
كفى بك دَاء أَن ترى الْمَوْت شافياوَحسب المنايا أَن يكن أمانيا
وَقَوله
أفاضل النَّاس أغراض لذا الزَّمنيَخْلُو من الْهم أخلاهم من الفطن
وَقَوله
وأتعب من ناداك من لَا تجيبهوأغيظ من عاداك من لَا تشاكل
وَقَوله
لَا تشتر العَبْد إِلَّا والعصا مَعَهإِن العبيد لأنجاس مناكيد
وَقَوله
إِذْ أَنْت أكرمت الْكَرِيم ملكتهوَإِن أَنْت أكرمت اللَّئِيم تمردا
وَوضع الندى فِي مَوضِع السَّيْف بالعلامُضر كوضع السَّيْف فِي مَوضِع الندى
وَمَا قتل الْأَحْرَار كالعفو عَنْهُموَمن لَك بِالْحرِّ الَّذِي يحفظ اليدا
وقيدت نَفسِي فِي ذراك محبَّةوَمن وجد الْإِحْسَان قيدا تقيدا
وَمِنْهَا إرْسَال الْمثل والاستملاء وَالْمَوْعِظَة وشكوى الدَّهْر وَالدُّنْيَا وَالنَّاس وَمَا يجرى مجْراهَا
كَقَوْلِه
وَمَا الْجمع بَين المَاء وَالنَّار فِي يَديبأصعب من أَن أجمع الْجد والفهما
وَقَوله
يخفي الْعَدَاوَة وَهِي غير خُفْيَةنظر الْعَدو بِمَا أسر يبوح
وَقَوله
وَالْأَمر لله رب مُجْتَهدمَا خَابَ إِلَّا لِأَنَّهُ جَاهد
وَقَوله
إِلَيْك فَإِنِّي لست مِمَّن إِذا اتَّقىعضاض الأفاعي نَام فَوق العقارب
وَقَوله
خير الطُّيُور على الْقُصُور وشرهايأوي الخراب ويسكن الناووسا
وَقَوله
لَيْسَ الْجمال لوجه صَحَّ مارنهأنف الْعَزِيز بِقطع الْعِزّ يجتدع
وَقَوله
وَلَيْسَ يَصح فِي الأفهام شَيْءإِذا احْتَاجَ النَّهَار إِلَى دَلِيل
قَالَ ابْن جني هَذَا كَمَا يَقُول أهل الجدل من شكّ فِي المشاهدات فَلَيْسَ بكامل الْعقل
وَقَوله
وَقد يتزيا بالهوى غير أَهلهويستصحب الْإِنْسَان من لَا يلائمه
وَقَوله
وَمَا تَنْفَع الْخَيل الْكِرَام وَلَا القناإِذا لم يكن فَوق الْكِرَام كرام
وَقَوله
مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُتجْرِي الرِّيَاح بِمَا لَا تشْتَهي السفن
وَقَوله
وَأحب أَنِّي لَو هويت فراقكمفارقته والدهر أَخبث صَاحب
وَقَوله
من خص بالذم الْفِرَاق فإننيمن لَا يرى فِي الدَّهْر شَيْئا يحمد
وَقَوله
وَمن نكد الدُّنْيَا على الْحر أَن يرىعدوا لَهُ مَا من صداقته بُد
وَقَوله
وَإِذا كَانَت النُّفُوس كبارًاتعبت فِي مرادها الْأَجْسَام
وَقَوله
تلف الَّذِي اتخذ الشجَاعَة جنَّةوعظ الَّذِي اتخذ الْفِرَار خَلِيلًا
وَقَوله
فَإِن يكن الْفِعْل الَّذِي سَاءَ وَاحِدًافأفعاله اللَّاتِي سررن أُلُوف
وَقَوله
وَإِذا خفيت على الغبي فعاذرأَن لَا تراني مقلة عمياء
وَقَوله
إِن كنت ترْضى بِأَن يُعْطوا الجزي بذلوامِنْهَا رضاك وَمن للعور بالحول
وَقَوله
فآجرك الْإِلَه على مَرِيضبعثت بِهِ إِلَى عِيسَى طَبِيبا
وَقَوله
إِذا أَتَت الْإِسَاءَة من لئيموَلم ألم الْمُسِيء فَمن ألوم
وَقَوله
وَإِذا أتتك مذمتي من نَاقصفَهِيَ الشَّهَادَة لي بِأَنِّي فَاضل
وَقَوله
إِذا مَا قدرت على نطقةفَإِنِّي على تَركهَا أقدر
وَقَوله
وَاحْتِمَال الْأَذَى ورؤية جانيهغذَاء تضوى بِهِ الْأَجْسَام
وَقَوله
وتوهموا اللّعب الوغى والطعن فِي الهيجاءغير الطعْن فِي الميدان
وَقَوله
وَإِذا مَا خلا الجبان بِأَرْضطلب الطعْن وَحده والنزالا
وَقَوله
وَمن الْخَيْر بطء سيبك عنيأسْرع السحب فِي الْمسير الجهام
وَقَوله
وَلَيْسَ الَّذِي يتبع الوبل رائداكمن جَاءَهُ فِي دَاره رائد الوبل
وَقَوله
أبلغ مَا يطْلب النجاح بِهِ الطَّبْعوَعند التعمق الزلل
وَقَوله
كم مخلص وَعلا فِي خوض مهلكةوقتلة قرنت بالذم فِي الْجُبْن
وَقَوله
وَمَا قلت للبدر أَنْت اللجينوَلَا قلت للشمس أَنْت الذَّهَب
وَمن ركب الثور بعد الْجوادأنكر أظلافه والغبب
وَقَوله
فقر الجهول بِلَا قلب إِلَى أدبفقر الْحمار بِلَا رَأس إِلَى رسن
لَا يعجبن مضيما حسن بزتهوَهل يروق دَفِينا جودة الْكَفَن
وَقَوله
إِذا مَا النَّاس جربهم لَبِيبفَإِنِّي قد أكلتهم وذاقا
فَلم أر ودهم إِلَّا خداعاوَلم أر دينهم إِلَّا نفَاقًا
وَقَوله
ذَرِينِي أنل مَا لَا ينَال من الْعلَافصعب العلافي الصعب والسهل فِي السهل
تريدين لقيان الْمَعَالِي رخيصةوَلَا بُد دون الشهد من إبر النَّحْل
وَقَوله
تمن يلذ المستهام بِمثلِهِوَإِن كَانَ لَا يُغني فتيلا وَلَا يجدي
وغيظ على الْأَيَّام كالنار فِي الحشاوَلكنه غيظ الْأَسير على الْقد
وَقَوله
ومكائد السُّفَهَاء وَاقعَة بهموعداوة الشُّعَرَاء بئس المقتني
لعنت مقاربة اللَّئِيم فَإِنَّهَاضيف يجر من الندامة ضيفنا
وَقَوله
وَمَا الْخَيل إِلَّا كالصديق قَليلَةوَإِن كثرت فِي عين من لَا يجرب
إِذا لم تشاهد غير حسن شياتهاوأعضائها فالحسن عَنْك مغيب
وَقَوله
تصفو الْحَيَاة لجَاهِل أَو غافلعَمَّا مضى مِنْهَا وَمَا يتَوَقَّع
وَلمن يغالط فِي الْحَقَائِق نَفسهويسومها طلب الْمحَال فتطمع
كَأَنَّهُ مَأْخُوذ من قَول لبيد
أكذب النَّفس إِذا حدثتهاإِن صدق النَّفس يزري بالأمل
وَكَقَوْلِه
وأتعب خلق الله من زَاد همهوَقصر عَمَّا تشْتَهي النَّفس وجده
فَلَا ينحلل فِي الْمجد مَالك كُلهفينحل مجد كَانَ بِالْمَالِ عقده
وَدبره تَدْبِير الَّذِي الْمجد كَفهإِذا حَارب الْأَعْدَاء وَالْمَال زنده
فَلَا مجد فِي الدُّنْيَا لمن قل مَالهوَلَا مَال فِي الدُّنْيَا لمن قل مجده
إِذا كنت فِي شكّ من السَّيْف فابلهفإمَّا تنفيه وَإِمَّا تعده
وَمَا الصارم الْهِنْدِيّ إِلَّا كَغَيْرِهِإِذا لم يُفَارِقهُ النجاد وغمده
وَقَوله
إِنَّمَا تنجح الْمقَالة فِي الْمَرْءإِذا وَافَقت هوى فِي الْفُؤَاد
وَإِذا الْحلم لم يكن فِي طباعلم يحلم تقادم الميلاد
إِنَّمَا أَنْت وَالِد وَالْأَب الْقَاطِعأحنى من وَاصل الْأَوْلَاد
وَقَوله
وَمَا الْحسن فِي وَجه الْفَتى شرفا لَهُإِذا لم يكن فِي فعله وَالْخَلَائِق
وَمَا بلد الْإِنْسَان غير الْمُوَافقوَلَا أَهله الأدنون غير الأصادق
وجائزة دَعْوَى الْمحبَّة والهوىوَإِن كَانَ لَا يخفى كَلَام الْمُنَافِق
وَمَا يوجع الحرمان من كف حارمكَمَا يوجع الحرمان من كف رَازِق
وَقَوله
إِنَّمَا أنفس الأنيس سِبَاعيتفارسن جهرة واغتيالا
من أطَاق التمَاس شَيْء غلاباواقتسارا لم يلتمسه سؤالا
كل غاد لحَاجَة يتَمَنَّىأَن يكون الغضنفر الرئبالا
وَقَوله
لَوْلَا الْمَشَقَّة سَاد النَّاس كلهمالْجُود يفقر والإقدام قتال
وقلما يبلغ الْإِنْسَان غَايَتهمَا كل مَاشِيَة بِالرجلِ شملال
إِنَّا لفي زمن ترك الْقَبِيح بِهِمن أَكثر النَّاس إِحْسَان وإجمال
ذكر الْفَتى عمره الثَّانِي وَحَاجتهمَا قاته وفضول الْعَيْش أشغال
وَقَوله
يرى الْجُبَنَاء أَن الْعَجز حزموَتلك خديعة الطَّبْع اللَّئِيم
وكل شجاعة فِي الْمَرْء تغنيوَلَا مثل الشجَاعَة فِي الْحَكِيم
قيل لَهُ أَنى يكون الشجاع حكيما فَقَالَ هَذَا عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه
وَكم من عائب قولا صَحِيحاوآفته من الْفَهم السقيم
وَلَكِن تَأْخُذ الأذهان مِنْهُعلى قدر القرائح والعلوم
وَقَوله
وَلَقَد رَأَيْت الحادثات فَلَا أرىيققا يُمِيت وَلَا سوادا يعْصم
والهم يخترم الجسيم نحافةويشيب نَاصِيَة الصَّبِي ويهرم
ذُو الْعقل يشقى فِي النَّعيم بعقلهوأخو الْجَهَالَة فِي الشقاوة ينعم
لَا يخدعنك من عَدو دمعهوَارْحَمْ شبابك من عَدو يرحم
لَا يسلم الشّرف الرفيع من الْأَذَىحَتَّى يراق على جوانبه الدَّم
قَالَ ابْن جني أشهد بِاللَّه لَو لم يقل غير هَذَا الْبَيْت لتقدم بِهِ أَكثر الْمُحدثين
وَهَذِه الأبيات كلهَا غرر وفرائد لَا يصدر مثلهَا إِلَّا عَن فضل باهر وقدرة على الإبداع ظَاهِرَة
وَالظُّلم من شيم النُّفُوس فَإِن تَجِدذَا عفة فلعلة لَا يظلم
وَمن البلية عذل من لَا يرعويعَن جَهله وخطاب من لَا يفهم
وَمن الْعَدَاوَة مَا ينالك نَفعهوَمن الصداقة مَا يضر ويؤلم
وَقَوله
أرى كلنا يَبْغِي الْحَيَاة لنَفسِهِحَرِيصًا عَلَيْهَا مستهاما بهَا صبا
فحب الجبان النَّفس أوردهُ التقىوَحب الشجاع النَّفس أوردهُ الحربا
وَيخْتَلف الرزقان وَالْفِعْل وَاحِدإِلَى أَن ترى إِحْسَان هَذَا لذا ذَنبا
وَقَوله
وفيك إِذا جنى الْجَانِي أَنَاةتظن كَرَامَة وَهِي احتقار
بَنو كَعْب وَمَا أثرت فيهميَد لم يدمها إِلَّا السوار
بهَا من قطعه ألم وَنقصوفيهَا من جلالته افتخار
لَهُم حق بشركك فِي نزاروَأدنى الشّرك فِي نسب جوَار
لَعَلَّ بنيهم لبنيك جندفَأول قرح الْخَيل المهار
وَمَا فِي سطوة الأرباب عيبوَلَا فِي ذلة العبدان عَار
وَقَوله
من اقْتضى بسوي الْهِنْدِيّ حَاجتهأجَاب كل سُؤال عَن هَل بلم
وَلم تزل قلَّة الْإِنْصَاف قَاطِعَةبَين الرِّجَال وَإِن كَانُوا ذَوي رحم
هون على بصر مَا شقّ منظرهفَإِنَّمَا يقظات الْعين كَالْحلمِ
لَا تشكون إِلَى خلق فتشمتهشكوى الجريح إِلَى الْغرْبَان والرخم
وَكن على حذر للنَّاس تسترهوَلَا يغرنك مِنْهُم ثغر مبتسم
وَقت يضيع وَعمر أَنْت مدَّتهفِي غير أمته من سَائِر الْأُمَم
أَتَى الزَّمَان بنوه فِي شبيبتهفسرهم وأتيناه على الْهَرم
وَقَوله
الرَّأْي قبل شجاعة الشجعانهُوَ أول وَهِي الْمحل الثَّانِي
فَإِذا هما اجْتمعَا لنَفس مرّةبلغت من العلياء كل مَكَان
ولربما طعن الْفَتى أقرانهبِالرَّأْيِ قبل تطاعن الأقران
لَوْلَا الْعُقُول لَكَانَ أدنى ضيغمأدنى إِلَى شرف من الْإِنْسَان
وَقَوله يمدح كافورا
لحا الله ذِي الدُّنْيَا منَاخًا لراكبفَكل بعيد الْهم فِيهَا معذب
أَلا لَيْت شعري هَل أَقُول قصيدةوَلَا أشتكي فِيهَا وَلَا أتعتب
وَبِي مَا يذود الشّعْر عني أَقَلهوَلَكِن قلبِي يَا ابْنة الْقَوْم قلب
أما تغلط الْأَيَّام فِي بِأَن أرىبغيضا تنائي أَو حبيبا تقرب
وَقَوله يمدحه أَيْضا
أبي خلق الدُّنْيَا حبيبا تديمهفَمَا طلبي مِنْهَا حبيبا ترده
وأسرع مفعول فعلت تغيراتكلّف شَيْء فِي طباعك ضِدّه
وَقَوله يمدحه أَيْضا
إِذا سَاءَ فعل الْمَرْء ساءت ظنونهوَصدق مَا يعتاده من توهم
وعادي محبيه يَقُول عداتهوَأصْبح فِي ليل من الشَّك مظلم
وَمِنْهَا
وَمَا كل هاو للجميل بفاعلوَلَا كل فعال لَهُ بمتمم
وَمِنْهَا
فَأحْسن وَجه فِي الورى وَجه محسنوأيمن كف فيهم كف منعم
وأشرفهم من كَانَ أشرف همهوَأكْثر إقداما على كل مُعظم
لمن تطلب الدُّنْيَا إِذا لم ترد بهَاسرُور محب أَو مساءة مجرم
وَقَوله يمدح المغيث بن عَليّ الْعجلِيّ
فؤاد مَا تسليه المداموَعمر مثل مَا يهب اللئام
ودهر ناسه نَاس صغَاروَإِن كَانَت لَهُم جثث ضخام
وَمَا أَنا مِنْهُم بالعيش فيهموَلَكِن مَعْدن الذَّهَب الرغام
وَشبه الشَّيْء منجذب إِلَيْهِوأشبهنا بدنيانا الطغام
وَلَو لم يعل إِلَّا ذُو مَحلتَعَالَى الْجَيْش وانحط القتام
وَلَو حيّز الْحفاظ بِغَيْر عقلتجنب عنق صيقله الحسام
وَقَوله
أبدا تسترد مَا تهب الدُّنْيَافيا لَيْت جودها كَانَ بخلا
فكفت كَون فرحة تورث الْغموخل يُغَادر الوجد خلا
وَهِي معشوقة على الْغدر لَا تحفظعهدا وَلَا تتمم وصلا
كل دمع يسيل مِنْهَا عَلَيْهَاوبفك الْيَدَيْنِ عَنْهَا تخلى
أَي كل من أبكته الدُّنْيَا فَإِنَّمَا يبكي لفوت شَيْء مِنْهَا وَلَا يخليها الْإِنْسَان إِلَّا قسرا بفك يَدَيْهِ
وَفِي هَذِه القصيدة
شيم الغانيات فِيهَا فَلَا أَدْرِيلذا أنث اسْمهَا النَّاس أم لَا
ولذيذ الْحَيَاة أنفس فِي النَّفسوأشهى من أَن يمل وَأحلى
وَإِذا الشَّيْخ قَالَ أُفٍّ فَمَا ملحَيَاة وَإِنَّمَا الضعْف ملا
آلَة الْعَيْش صِحَة وشبابفَإِذا وليا عَن الْمَرْء ولى
وَمِنْهَا افتضاضه أبكار الْمعَانِي فِي المراثي والتعازي
كَقَوْلِه
سَالم أهل الوداد بعدهمْيسلم للحزن لَا لتخليد
أَي إِذا مَاتَ الصّديق يسلم صديقه للحزن لَا للخلود لِأَن كلا ميت
فَمَا ترجى الخلود من زمنأَحْمد حاليه غير مَحْمُود
أَي أَحْمد حاليك أَن تبقى مَعَ صديقك وَهُوَ مَعَ ذَلِك غير مَحْمُود لتعجيل الْحزن وانتظار الْأَجَل
وَقَوله
الْمجد أخسر والمكارم صَفْقَةمن أَن يعِيش بهَا الْكَرِيم الأروع
وَالنَّاس أنزل فِي زَمَانك منزلامن أَن تعايشهم وقدرك أرفع
قبحا لوجهك يَا زمَان فَإِنَّهُوَجه لَهُ من كل قبح برقع
أيموت مثل أبي شُجَاع فاتكويعيش حاسده الْخصي الأوكع
وَقَوله
عدمته وَكَأَنِّي سرت أطلبهفَمَا تزيدني الدُّنْيَا على الْعَدَم
من لَا يشابهه الْأَحْيَاء فِي شيمأَمْسَى يشابهه الْأَمْوَات فِي الرمم
أحسن وَالله أبدع مَا شَاءَ
وَقَوله
وَقد فَارق النَّاس الْأَحِبَّة قبلنَاوأعيا دَوَاء الْمَوْت كل طَبِيب
سبقنَا إِلَى الدُّنْيَا فَلَو عَاشَ أَهلهَامنعنَا بهَا من جيئة وذهوب
تَملكهَا الْآتِي تملك سالبوفارقها الْمَاضِي فِرَاق سليب
هَذَا كَقَوْل بَعضهم فِي الموعظة وَإِن مَا فِي أَيْدِيكُم أسلاب الهالكين ويستخلفها الْبَاقُونَ كَمَا تَركهَا الماضون
علينا لَك الإسعاد إِن كَانَ نَافِعًابشق قُلُوب لَا بشق جُيُوب
فَرب كئيب لَيْسَ تندى جفونهوَرب كثير الدمع غير كئيب
وللواجد المكروب من زفراتهسُكُون عزاء أَو سُكُون لغوب
وَقَوله
مَا كنت أَحسب قبل دفنك فِي الثرىأَن الْكَوَاكِب فِي التُّرَاب تغور
مَا كنت آمل قبل نَعشك أَن أرىرضوى على أَيدي الرِّجَال تسير
خَرجُوا بِهِ وَلكُل باك خَلفهصعقات مُوسَى يَوْم دك الطّور
حَتَّى أَتَوا جدثا كَأَن ضريحهفِي كل قلب موحد محفور
كفل الثَّنَاء لَهُ برد حَيَاتهلما انطوى فَكَأَنَّهُ منشور
وَقَوله فِي تَعْزِيَة سيف الدولة عَن أُخْته
ولعمري لقد شغلت المنايابالأعادي فَكيف يطلبن شغلا
وَكم انتشت بِالسُّيُوفِ من الدَّهْرأَسِيرًا وبالنوال مقلا
خطْبَة للحمام لَيْسَ لَهَا ردوَإِن كَانَت الْمُسَمَّاة ثكلا
وَإِذا لم تَجِد من النَّاس كفواذَات خدر أَرَادَت الْمَوْت بعلا
هَذَا أحسن مَا قيل فِي مرثية حرم الْمُلُوك
وَقَوله فِي مرثية طِفْل لسيف الدولة وتعزيته عَنهُ
فَإِن تَكُ فِي قبر فَإنَّك فِي الحشاوَإِن تَكُ طفْلا فالأسى لَيْسَ بالطفل
وَمثلك لَا يبكي على قدر سنهوَلَكِن على قدر المخيلة وَالْفضل
عزاءك سيف الدولة المقتدى بِهِفَإنَّك نصل والشدائد للنصل
وَلم أر أعصى فِيك للحزن عِبْرَةوَأثبت عقلا والقلوب بِلَا عقل
تخون المنايا عَهده فِي سليلهوتنصره بَين الفوارس وَالرجل
وَيبقى على مر الْحَوَادِث صبرهويبدو كَمَا يَبْدُو الفرند على الصقل
وَمَا الْمَوْت إِلَّا سَارِق رق شخصهيصول بِلَا كف وَيسْعَى بِلَا رجل
يرد أَبُو الشبل الْخَمِيس عَن ابْنهويسلمه عِنْد الْولادَة للنمل
إِذا مَا تَأَمَّلت الزَّمَان وَصَرفهتيقنت أَن الْمَوْت ضرب من الْقَتْل
وَمَا الدَّهْر أهل أَن يؤمل عِنْدهحَيَاة وَأَن يشتاق فِيهِ إِلَى النَّسْل
وَقَوله
نَحن بَنو الدُّنْيَا فَمَا بالنانعاف مَا لَا بُد من شربه
تبخل أَيْدِينَا بأرواحناعلى زمَان هن من كَسبه
فَهَذِهِ الْأَرْوَاح من جوهوَهَذِه الْأَجْسَام من تربه
لَو فكر العاشق فِي مُنْتَهىحسن الَّذِي يسبيه لم يسبه
لم ير قرن الشَّمْس فِي شرقهفشكت الْأَنْفس فِي غربه
يَمُوت راعي الضَّأْن فِي جَهلهموتَة جالينوس فِي طبه
وَرُبمَا زَاد على عمرهوازداد فِي الْأَمْن على سربه
وَغَايَة المفرط فِي سلمهكغاية المفرط فِي حربه
فَلَا قضى حَاجته طَالبفُؤَاده يخْفق من رعبه
وَمِنْهَا الايجاع فِي الهجاء
كَقَوْلِه
إِن أوحشتك الْمَعَالِيفَإِنَّهَا دَار غربه
أَو آنستك المخازيفَإِنَّهَا لَك نسبه
وَقَوله
إِنِّي نزلت بكذابين ضيفهمعَن الْقرى وَعَن الترحال مَحْدُود
جود الرِّجَال من الْأَيْدِي وجودهممن اللِّسَان فَلَا كَانُوا وَلَا الْجُود
مَا يقبض الْمَوْت نفسا من نُفُوسهمإِلَّا وَفِي يَده من نتنها عود
يَعْنِي الْعود الَّذِي يتَنَاوَلهُ المعالج للشَّيْء القذر ليَكُون وَاسِطَة بَينه وَبَين يَده
وَقَوله
العَبْد لَيْسَ لحر صَالح بِأَخلَو أَنه فِي ثِيَاب الْحر مَوْلُود
لَا تشتر العَبْد إِلَّا والعصا مَعَهإِن العبيد لأنجاس مناكيد
من علم الْأسود المخصي مكرمَةأقومه الْبيض أم آباؤه الصَّيْد
أم أُذُنه فِي يَد النخاس داميةأم قدره وَهُوَ بالفلسين مَرْدُود
وَذَاكَ أَن الفحول الْبيض عاجزةعَن الْجَمِيل فَكيف الخصية السود
كَأَنَّهُ من قَول أبي عَليّ الْبَصِير
عجز الرَّاكِب الْبَصِير وَأولىمِنْهُ بِالْعَجزِ راجل مكفوف
وَقَوله
فَلَا ترج الْخَيْر عِنْد امْرِئمرت يَد النخاس فِي رَأسه
وَقَوله
أخذت بمدحه فَرَأَيْت لهوامقالي للأحيمق يَا حَكِيم
وَلما أَن هجوت رَأَيْت عيامقالي لِابْنِ آوى يَا حَلِيم
فَهَل من غادر فِي ذَا وَهَذَافمدفوع إِلَى السقم السقيم
وَقَوله
لقد كنت أَحسب قبل الْخصيبِأَن الرُّءُوس مقرّ النهى
فَلَمَّا نظرت إِلَى عقلهرَأَيْت النهى كلهَا فِي الخصى
وَقَوله يهجو إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن كيغلغ
يمشي بأَرْبعَة على أعقابهتَحت العلوج وَمن وَرَاء يلجم
وجفونه مَا تَسْتَقِر كَأَنَّهَاكطروفة أَو فت فِيهَا حصرم
وتراه أَصْغَر مَا ترَاهُ ناطقاوَيكون أكذب مَا يكون وَيقسم
وَإِذا أَشَارَ مكلما فَكَأَنَّهُقرد يقهقه أَو عَجُوز تلطم
يقلي مُفَارقَة الأكف قذالهحَتَّى يكَاد على يَد يتعمم
وَمِنْهَا إبراز الْمعَانِي اللطيفة فِي معَارض الْأَلْفَاظ الرشيقة الشَّرِيفَة وَالرَّمْز بالطرف وَالْملح
كَقَوْلِه فِي الْجمع بَين مدح سيف الدولة وَقد فَارقه وَبَين مدح كافور وَقد قَصده فِي بَيت وَاحِد
فِرَاق وَمن فَارَقت غير مذمموَأم وَمن يممت حير ميمم
ثمَّ قَالَ معرضًا بِسيف الدولة
وَمَا منزل اللَّذَّات عِنْدِي بمنزلإِذا لم أبجل عِنْده وَأكْرم
رحلت فكم باك بأجفان شادنعَليّ وَكم باك بأجفان ضيغم
المصراع الثَّانِي تَصْدِيق لقَوْله
ليحدثن لمن ودعتهم نَدم
وَمَا ربة القرط الْمليح مَكَانَهُبأجزع من رب الحسام المصمم
فَلَو كَانَ مَا بِي من حبيب مقنععذرت وَلَكِن من حبيب معمم
وَهَذَا أَيْضا مِمَّا نبهت عَلَيْهِ من إجرائه الممدوح من الْمُلُوك مجْرى المحبوب فِي كثير من شعره
رمى وَاتَّقَى رمي وَمن دون مَا اتَّقىهوى كاسر كفي وقوسي وأسهمي
وَكَقَوْلِه فِي مدح كافور والتعريض بالقدح فِي سيف الدولة
قَالُوا هجرت إِلَيْهِ الْغَيْث قلت لَهُمإِلَى غيوث يَدَيْهِ والشآبيب
إِلَى الَّذِي تهب الدولات رَاحَتهوَلَا يمن على آثَار موهوب
وَلَا يروع بمغرور بِهِ أحداوَلَا يفزع موفورا بمنكوب
يَا أَيهَا الْملك الغاني بِتَسْمِيَةفِي الشرق والغرب عَن نعت وتلقيب
يَعْنِي أَنا مستغن بشهرته عَن لقب كلقب سيف الدولة
أَنْت الحبيب وَلَكِنِّي أعوذ بِهِمن أَن أكون محبا غير مَحْبُوب
وَهَذَا أَيْضا من ذَاك
وَقَوله من قصيدة لسيف الدولة بعد مَا فَارق حَضرته يعرض باستزادة يَوْمه وشكر أمسه وَهُوَ من فرائده
وَإِن فارقتني أمطارهفَأكْثر غدرانها مَا نضب
وَإِنِّي لَأَتبع تذكارهصَلَاة الْإِلَه وَسقي السحب
وَمِنْهَا فِي التَّعْرِيض بكافور
وَمن ركب الثور بعد الْجوادأنكر أظلافه والغبب
وَقَوله فِي هز كافور والتعريض باستزادته
أَبَا الْمسك هَل فِي الكأس فضل أنالهفَإِنِّي أُغني مُنْذُ حِين وتشرب
يَقُول مديحي إياك يطربك كَمَا يطرب الْغناء الشَّارِب فقد حَان أَن تسقيني من فضل كأسك
وهبت على مِقْدَار كفي زَمَاننَاوَنَفْسِي على مِقْدَار كفيك تطلب
وَقَوله أَيْضا فِي التَّعْرِيض بالاستزادة
أرى لي بقربي مِنْك عينا قريرةوَإِن كَانَ قربا بالبعاد يشاب
وَهل نافعي أَن ترفع الْحجب بَيْننَاوَدون الَّذِي أملت مِنْك حجاب
أقل سلامي حب مَا خف عَنْكُموأسكت كَيْمَا لَا يكون جَوَاب
وَفِي النَّفس حاجات وفيك فطانةسكوتي بَيَان عِنْدهَا وخطاب
وَكَقَوْلِه فِي وصف الْفرس
وَيَوْم كليل العاشقين كمنتهأراقب فِيهِ الشَّمْس أَيَّانَ تغرب
وعيني إِلَى أُذُنِي أغر كَأَنَّهُمن اللَّيْل بَاقٍ بَين عَيْنَيْهِ كَوْكَب
أَي كَأَنَّهُ قِطْعَة من اللَّيْل وَكَأن الْغرَّة فِي وَجهه كَوْكَب وعينه إِلَى أُذُنه لِأَنَّهُ كامن لَا يرى شَيْئا فَهُوَ ينظر إِلَى أُذُنِي فرسه فَإِن رَآهُ قد توجس بهما تأهب فِي أمره وَأخذ لنَفسِهِ وَذَلِكَ أَن أذن الْفرس تقوم مقَام عَيْنَيْهِ وَتقول الْعَرَب أذن الوحشي أصدق من عَيْنَيْهِ
لَهُ فضلَة عَن جِسْمه فِي إهابهتَجِيء على صدر رحيب وَتذهب
شققت بِهِ الظلماء أدنى عنانهفيطغى وأرخيه مرَارًا فيلعب
أَي إِذا جذبت عنانه طَغى بِرَأْسِهِ لطماحه وَعزة نَفسه وَإِذا أرخيت عنانه لعب بِرَأْسِهِ
وأصرع أَي الْوَحْش قفيته بِهِوَأنزل عَنهُ مثله حِين أركب
وَكَقَوْلِه فِي التوديع
وَإِنِّي عَنْك بعد غَد لغادوقلبي فِي فنائك غير غاد
محبك حَيْثُ مَا اتجهت ركابيوضيفك حَيْثُ كنت من الْبِلَاد
وَكَقَوْلِه
سر حَيْثُ شِئْت يحله النواروَأَرَادَ فِيك مرادك الْمِقْدَار
وَإِذا ارتحلت فشيعتك سَلامَةحَيْثُ اتجهت وديمة مدرار
وأراك دهرك مَا تحاول فِي العداحَتَّى كَأَن صروفه أنصار
أَنْت الَّذِي بجح الزَّمَان بِذكرِهِوتزينت بحَديثه الأسمار
وَكَقَوْلِه فِي اللطف بِالصديقِ والعنف بالعدو
إِنِّي لأجبن عَن فِرَاق أحبتيوتحس نَفسِي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب العداة جَرَاءَةويلم بِي عتب الصّديق فأجزع
وَكَقَوْلِه فِي حسن الْكِنَايَة
تَشْتَكِي مَا اشتكيت من ألم الشوقإِلَيْنَا والشوق حَيْثُ النحول
وَإِنَّمَا كنى عَن تكذيبها وَلم يُصَرح بِهِ أَي أَنا أشتكي الشوق ونحولي يدل على ذَلِك وَهِي غير ناحلة فَلَيْسَتْ مشتاقة
وَكَقَوْلِه
أَبيض مَا فِي تاجه ميمونهعفيف مَا فِي ثَوْبه مأمونه
أَي عفيف الْفرج فكنى بِهِ
وَكَقَوْلِه فِي حسن الحشو
صلى عَلَيْك الله غير مُودعوَسَقَى ثرى أَبَوَيْك صوب غمام
غير مُودع حَشْو وَلكنه حسن
وَكَقَوْلِه
ويحتقر الدُّنْيَا احتقار مجربيرى كل مَا فِيهَا وحاشاك فانيا
سُبْحَانَ الله مَا أحسن الحشو بقوله وحاشاك وَكَقَوْلِه
إِذا خلت مِنْك حمص لَا خلت أبدافَلَا سَقَاهَا من الوسمي باكره
وَكَقَوْلِه فِي العيادة
لَا نعذل الْمَرَض الَّذِي بك شائقأَنْت الرِّجَال وشائق علاتها
ومنازل الْحمى الجسوم فَقل لنامَا عذرها فِي تَركهَا خيراتها
أَي لَا عذر للحمى فِي تَركهَا جسمك إِذْ هُوَ أفضل الجسوم
وَكَقَوْلِه
قصدت من شرقها وَمَغْرِبهَاحَتَّى اشتكتك الْبِلَاد والسبل
لم تبْق إِلَّا قَلِيل عَافِيَةقد وفدت تجتديكها الْعِلَل
وَقَوله
تجشمك الزَّمَان هوى ووداوَقد يُؤْذى من المقت الحبيب
وَكَيف تعلك الدُّنْيَا بِشَيْءوَأَنت لعِلَّة الدُّنْيَا طَبِيب
وَكَيف تنوبك الشكوى بداءوَأَنت المستجار لما يَنُوب
وَكَقَوْلِه فِي التهنئة وَهِي تهنئة سيف الدولة
الْمجد عوفي إِذْ عوفيت وَالْكَرموَزَالَ عَنْك إِلَى أعدائك الْأَلَم
وَمَا أخصك فِي برْء بتهنئةإِذا سلمت فَكل النَّاس قد سلمُوا
وَكَقَوْلِه
إِنَّمَا التهنئات للأكفاءوَلمن يدني من الْبعدَاء
وَأَنا مِنْك لَا يهنئ عُضْوبالمسرات سَائِر الْأَعْضَاء
وَكَقَوْلِه
الصَّوْم وَالْفطر والأعياد وَالْعصرمنيرة بك حَتَّى الشَّمْس وَالْقَمَر
مَا الدَّهْر عنْدك إِلَّا رَوْضَة أنفيَا من شمائله فِي دهره زهر
مَا يَنْتَهِي لَك فِي أَيَّامه كرمفَلَا انتهي لَك فِي أعوامه عمر
فَإِن حظك من تكرارها شرفوحظ غَيْرك مِنْهَا النّوم والسهر
وَكَقَوْلِه
تغير حللي والليالي بِحَالِهَاوشبت وَمَا شَاب الزَّمَان الغرانق
وَكَقَوْلِه
تسود الشَّمْس منا بيض أوجهناوَلَا تسود بيض الْعذر واللمم
وَكَانَ حَالهمَا فِي الحكم وَاحِدَةلَو احتكمنا من الدُّنْيَا إِلَى حكم
وَقَوله
مشب الَّذِي يبكي الشَّبَاب مشيبهفيكف توقيه وبانيه هادمه
وَمَا خضب النَّاس الْبيَاض لِأَنَّهُقَبِيح وَلَكِن أحسن الشّعْر فاحمه
وَمِنْهَا حسن المقطع
كَقَوْلِه
قد شرف الله أَرضًا أَنْت ساكنهاوَشرف النَّاس إِذْ سواك إنْسَانا
قَالَ ابْن جني لَا يُعجبنِي قَوْله سواك إنْسَانا لِأَنَّهُ لَا يَلِيق بشرف أَلْفَاظه وَلَو قَالَ أنشاك أَو نَحْو ذَلِك لَكَانَ أليق بِالْحَال
قلت أَنا وَلَو قَالَ غير مَا قَالَه لم يكن فصيحا شريفا
لِأَن فِي الْقُرْآن ﴿ثمَّ سواك رجلا﴾ وَلَا أفْصح وَلَا أشرف مِمَّا ينْطق بِهِ كتاب الله عز ذكره وَكَقَوْلِه
سما بك همي فَوق الهمومفلست أعد يسارا يسارا
وَمن كنت بحرا لَهُ يَا عَليّلم يقبل الدّرّ إِلَّا كبارًا
وَكَقَوْلِه يمدح سيف الدولة
أنلت عِبَادك مَا أملواأنالك رَبك مَا تَأمل
وَكَقَوْلِه فِي المغيث بن عَليّ الْعجلِيّ
وَأعْطيت الَّذِي لم يُعْط خلقعَلَيْك صَلَاة رَبك وَالسَّلَام
ذكر آخر شعره وَأمره
لما أنجحت سفرته وربحت تِجَارَته بِحَضْرَة عضد الدولة
وَوصل إِلَيْهِ من صلَاته أَكثر من مِائَتي دِرْهَم استأذنه فِي الْمسير عَنْهَا ليقضي حوائج فِي نَفسه ثمَّ يعود إِلَيْهَا فَأذن لَهُ وَأمر بِأَن تخلع عَلَيْهِ الْخلْع الْخَاصَّة ويقاد إِلَيْهِ الحملان الْخَاص وتعاد صلته بِالْمَالِ الْكثير فامتثل ذَلِك وأنشده أَبُو الطّيب الكافية الَّتِي هِيَ آخر شعره وَفِي أضعافها كَلَام جرى على لِسَانه كَأَنَّهُ ينعي فِيهِ نَفسه وَإِن لم يقْصد ذَلِك فَمِنْهُ قَوْله
فَلَو أَنِّي اسْتَطَعْت خفضت طرفِيفَلم أبْصر بِهِ حَتَّى أراكا
وَهَذِه لَفْظَة يتطير مِنْهَا وَمِنْه
إِذا التوديع أعرض قَالَ قلبِيعَلَيْك الصمت لَا صاحبت فاكا
وَلَوْلَا أَن أَكثر مَا تمنىمعاودة لَقلت وَلَا مناكا
أَي لَو أَن أَكثر مَا تمنى قلبِي أَن يعاودك لقله لَهُ وَلَا بلغت أَنْت أَيْضا منتك وَهَذَا أَيْضا من ذَاك وَمِنْه
قد استشفيت من دَاء بداءوأقتل مَا أعلك مَا شفاكا
أَي قد أضمرت يَا قلب شوقا إِلَى أهلك وَكَانَ ذَلِك دَاء لَك فاستشفيت مِنْهُ بِأَن فَارَقت عضد الدولة ومفارقته دَاء لَك أَيْضا أعظم من دَاء شوقك إِلَى أهلك وَهَذَا شبه قَول النَّبِي ﷺ (كفى بالسلامة دَاء) وَقَول حميد بن ثَوْر
وحسبك دَاء أَن تصح وتسلما
وأقتل مَا أعلك مَا شفاكا من أَلْفَاظ الطَّيرَة أَيْضا وَمِنْه
وَكم دون الثوية من حَزِينيَقُول لَهُ قدومي ذَا بذاكا
الثوية من الْكُوفَة يَقُول لَهُ قدومي ذَا بِذَاكَ أَي هَذَا الْقدوم بِتِلْكَ الْغَيْبَة وَهَذَا السرُور بذلك الْحزن لم يقل إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمِنْه
وَمن عذب الرضاب إِذا انخنايقبل رَحل تروك والوراكا
تروك اسْم نَاقَة لم ير مثلهَا لعضد الدولة أَمر لَهُ بهَا والوراك شَيْء يَتَّخِذهُ الرَّاكِب كالمخدة تَحت وركه
يحرم أَن يمس الطّيب بعدِيوَقد عبق العبير بِهِ وصاكا
وَهَذَا أَيْضا من تِلْكَ الْأَلْفَاظ وَمِنْه
وَفِي الأحباب مُخْتَصّ بوجدوَآخر يَدعِي مَعَه اشتراكا
إِذا اشتبهت دموع فِي خدودتبين من بَكَى مِمَّن تباكى
وَهَذَا أَيْضا من ذَاك وَمِنْه
فزل بعد عَن أَيدي ركابلَهَا وَقع الأسنة فِي حشاكا
هَذِه اسْتِعَارَة حَسَنَة لِأَنَّهُ خَاطب الْبعد وَجعل لَهُ حَشا وَمِنْه
وأيا شِئْت يَا طرقي فكونيأذاة أَو نجاة أَو هَلَاكًا
جعل قافية الْبَيْت الْهَلَاك فَهَلَك وَذَلِكَ أَنه ارتحل عَن شيراز بِحسن حَال ووفور مَال فَلَمَّا فَارق أَعمال فَارس حسب أَن السَّلامَة تستمر بِهِ كاستمرارها فِي مملكة عضد الدولة وَلم يقبل مَا أُشير بِهِ عَلَيْهِ من الِاحْتِيَاط باستصحاب الخفراء والمبذرقين فَجرى مَا هُوَ مَشْهُور من خُرُوج سَرِيَّة من الْأَعْرَاب عَلَيْهِ ومحاربتهم إِيَّاه وَتكشف الْوَقْعَة عَن قَتله وَابْنه محسد وَنَفر من غلمانه وفاز الْأَعْرَاب بأمواله وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَخمسين وثلثمائة
أَنْشدني أَبُو الْقَاسِم المظفر بن عَليّ الطبسي الْكَاتِب لنَفسِهِ فِي مرثية المتنبي
لَا رعى الله سرب هَذَا الزَّمَانإِذْ دهانا فِي مثل ذَاك اللِّسَان
مَا رأى النَّاس ثَانِي المتنبيأَي ثَان يرى لبكر الزَّمَان
كَانَ من نَفسه الْكَبِيرَة فِي جَيشوَفِي كبرياء ذِي سُلْطَان
كَانَ فِي لَفْظَة نَبيا وَلَكِنظَهرت معجزاته فِي الْمعَانِي
فصل وَقد جمح بِي الْقَلَم فِي إشباع هَذَا الْبَاب وتذييله وتصييره كتابا بِرَأْسِهِ فِي أَخْبَار أبي الطّيب وَالِاخْتِيَار من أشعاره والتنبيه على محاسنه ومساويه وَقد كَانَ بعض الأصدقاء سَأَلَني عمل ذَلِك وَله الْآن فِيهِ كِفَايَة وَبِه غنية فَإِن أحب إِفْرَاده عَن الْأَبْوَاب كَانَ كتابا على حِدة وَإِن نشط لانتساخ الْجَمِيع تضاعفت الْفَوَائِد لَدَيْهِ وانثالت القلائد عَلَيْهِ بِمَشِيئَة الله وإرادته
وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وصلواته على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع