ســـربٌ مـــحـــاســـنــه حــرمــت ذواتــهــا
الشاعر: المتنبي · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في 81 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف التاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ســـربٌ مـــحـــاســـنــه حــرمــت ذواتــهــا — دانــي الصــفــات بـعـيـد مـوصـوفـاتـهـا
أوفــى فــكــنــت إذا رمــيــت بـمـقـلتـي — بـــشـــراً رأيــت أرق مــن عــبــراتــهــا
يــســتــاق عــيــســهــم أنـيـنـي خـلفـهـا — تـــتـــوهــم الزفــرات زجــر حــداتــهــا
وكـــأنـــهـــا شـــجـــرٌ بـــدت لكـــنـــهــا — شــجــرٌ جــنــيــت المـوت مـن ثـمـراتـهـا
لا ســرت مــن إبــل لو انــي فــوقــهــا — لمــحــت حــرارة مــدمــعــي ســمــاتــهــا
وحــمــلتُ مــا حــمــلت مـن هـذي المـهـا — وحــمــلتَ مــا حــمــلت مــن حــســراتـهـا
إنــي عــلى شــغــفــي بـمـا فـي خـمـرهـا — لأعـــف عـــمـــا فـــي ســـراويـــلاتــهــا
وتـــرى المـــروة والفـــتـــوة والأبــو — ة فــــي كــــل مـــليـــحـــةٍ ضـــراتـــهـــا
هـــن الثـــلاث المـــانـــعــاتــي لذتــي — فـي خـلوتـي لا الخـوف مـن تـبـعـاتـهـا
ومــطــالبٍ فــيــهــا الهــلاك أتـيـتـهـا — ثــبــت الجــنــان كــأنــنــي لم آتــهــا
ومـــقـــانـــبٍ بـــمــقــانــبٍ غــادرتــهــا — أقـــوات وحـــش كـــن مـــن أقـــواتـــهــا
أقــبــلتــهــا غــرر الجــيــاد كــأنـمـا — أيــدي بــنــي عــمــران فـي جـبـهـاتـهـا
الثـــابـــتـــيـــن فــروســةً كــجــلودهــا — فــي ظــهــرهــا والطــعــن فـي لبـاتـهـا
العــارفــيــن بــهــا كــمــا عــرفــتـهـم — والراكـــبـــيـــن جـــدودهــم أمــاتــهــا
فــكــأنــهــا نــتــجـت قـيـامـاً تـحـتـهـم — وكـــأنـــهــم ولدوا عــلى صــهــواتــهــا
إن الكــــرام بــــلا كـــرامٍ مـــنـــهـــم — مــثــل القــلوب بــلا ســويــداواتــهــا
تــلك النـفـوس الغـالبـات عـلى العـلا — فــالمــجــد يــغـلبـهـا عـلى شـهـواتـهـا
ســقـيـت مـنـابـتـهـا التـي سـقـت الورى — بــيــدي أبــى أيــوب خــيــر نــبــاتـهـا
ليـــس التـــعــجــب مــن مــواهــب مــاله — بــل مــن ســلامــتــهــا إلى أوقــاتـهـا
عــجــبــاً له حــفــظ العــنــان بــأنـمـلٍ — مــا حـفـظـهـا الأشـيـاء مـن عـاداتـهـا
لو مــر يــركــض فــي ســطــور كــتــابــه — أحــصــى بــحــافــر مــهــره مــيـمـاتـهـا
يــضــع الســنــان بـحـيـث شـاء مـجـاولاً — حـــتـــى مـــن الآذان فـــي أخــراتــهــا
تــكــبــو وراءك يــا بــن أحــمــد قــرحٌ — ليـــســـت قـــوائمـــهـــن مـــن آلاتــهــا
رعــد الفــوارس مــنــك فــي أبــدانـهـا — أجــرى مــن العــســلان فــي قـنـواتـهـا
لا خـــلق أســـمـــح مـــنـــك إلا عـــارفٌ — بــك راء نــفــسـك لم يـقـل لك هـاتـهـا
غـــلت الذي حـــســـب العـــشــور بــآيــةٍ — تـــرتـــيــلك الســورات مــن آيــاتــهــا
كـــرمٌ تـــبــيــن فــي كــلامــك مــاثــلاً — ويــبــيــن عـتـق الخـيـل فـي أصـواتـهـا
أعــــيـــا زوالك عـــن مـــحـــلٍّ نـــلتـــه — لا تــخــرج الأقــمــار مــن هــالاتـهـا
"لا تــعــذل المــرض الذي بــكــ، شــائقٌ — أنــــت الرجــــال وشـــائقٌ عـــلاتـــهـــا"
فــإذا نــوت ســفــراً إليــك ســبـقـنـهـا — فــأضــفــت قــبــل مــضـافـهـا حـالاتـهـا
ومــنــازل الحــمـى الجـسـوم فـقـل لنـا — مــا عــذرهــا فــي تــركـهـا خـيـراتـهـا
أعــجــبــتــهــا شــرفـاً فـطـال وقـوفـهـا — لتـــأمـــل الأعـــضـــاء لا لأذاتـــهـــا
وبــذلت مــا عــشــقــتــه نــفــســك كــله — حــــتــــى بـــذلت لهـــذه صـــحـــاتـــهـــا
حــق الكــواكــب أن تــعــودك مــن عــلو — وتـــعـــودك الآســاد مــن غــابــاتــهــا
"والجــن مــن ســتــراتـهـا، والوحـش مـن — فــلواتــهــا والطــيــر مــن وكـنـاتـهـا"
ذكــر الأنــام لنــا فــكــان قــصــيــدةً — كــنــت البـديـع الفـرد مـن أبـيـاتـهـا
فــي النــاس أمــثــلةٌ تـكـون حـيـاتـهـا — كــمــمــاتــهــا ومــمـاتـهـا كـحـيـاتـهـا
هــبــتُ النــكــاح حــذار نــسـلٍ مـثـلهـا — حــتــى وفــرت عــلى النـسـاء بـنـاتـهـا
فــــاليــــوم صـــرت إلى الذي لو أنـــه — مــلك البــريــة لاســتــقــل هــبــاتـهـا
مـــســـتــرخــصٌ نــظــرٌ إليــه بــمــا بــه — نـــظـــرت وعــثــرة رجــله بــديــاتــهــا
"@ أطـاعـن خـيـلاً مـن فـوارسـهـا الدهر — وحـيـداً، ومـا قـولي كـذا ومـعي الصبر"
وأشـــجـــع مــنــي كــل يــومٍ ســلامــتــي — ومــا ثــبــتــت إلا وفـي نـفـسـهـا أمـر
تــمــرســت بــالآفــات حــتــى تـركـتـهـا — تــقــول: أمـات المـوت أم ذعـر الذعـر
وأقــــدمـــت إقـــدام الأتـــي كـــأن لي — سـوى مـهـجـتـي أو كـان لي عـنـدها وتر
ذر النـفـس تـأخـذ وسـعـهـا قـبل بينها — فــمــفــتــرقٌ جــاران دارهــمــا العـمـر
ولا تــحــســبــن المــجــد زقـاً وقـيـنـةً — فما المجد إلا السيف والفتكة البكر
وتــضــريــب أعــنــاق المـلوك وأن تـرى — لك الهـبـوات السـود والعـسـكـر المجر
وتــركــك فــي الدنــيــا دويـاً كـأنـمـا — تــداول ســمــع المــرء أنـمـله العـشـر
إذا الفـضـل لم يـرفـعـك عـن شكر ناقصٍ — عـلى هـبـةٍ فـالفـضـل فـيـمـن له الشـكر
ومـن يـنـفـق السـاعـات فـي جـمـع مـاله — مــخــافــة فــقــرٍ فــالذي فـعـل الفـقـر
عــــلي لأهــــل الجــــور كــــل طـــمـــرةٍ — عــليــهــا غــلامٌ مــلء حــيـزومـه غـمـر
يـــديـــر بــأطــراف الرمــاح عــليــهــم — كـئوس المـنـايـا حيث لا يشتهى الخمر
وكـم مـن جـبـالٍ جـبـت تـشـهـد أنـني ال — جــبــال وبــحــرٍ شــاهــدٍ أنـنـي البـحـر
وخــرقٍ مــكــان العـيـس مـنـه مـكـانـنـا — مـن العـيـس فـيه: واسط الكور والظهر
يـــخـــدن بــنــا فــي جــوزه وكــأنــنــا — عـــلى كـــرةٍ أو أرضــه مــعــنــا ســفــر
ويـــومٍ وصـــلنـــاه بـــليـــلٍ كـــأنــمــا — عــلى أفــقــه مــن بــرقــه حــللٌ حــمــر
وليـــلٍ وصـــلنـــاه بـــيـــومٍ كـــأنــمــا — عــلى مــتــنــه مــن دجــنــه حــللٌ خـضـر
"وغــيــثٍ ظــنــنــا تــحــتــه أن عــامــراً — عـلا لم يـمـتـ، أو في السحاب له قبر"
أو ابـن ابـنـه البـاقـي عـلي بن أحمدٍ — يــجــود بــه لو لم أجــز ويــدي صــفــر
وإن ســـحـــابـــاً جـــوده مـــثـــل جــوده — ســحــابٌ عــلى كــل الســحــاب له فــخــر
فــتــىً لا يــضــم القــلب هـمـات قـلبـه — ولو ضــمــهــا قــلبٌ لمــا ضــمــهـا صـدر
ولا يــنــفــع الإمــكــان لولا سـخـاؤه — وهـل نـافـعٌ لولا الأكـف القنا السمر
قــرانٌ تــلاقــي الصــلت فــيــه وعـامـرٌ — كــمــا يـتـلاقـى الهـنـدوانـي والنـصـر
فــجــاءا بــه صــلت الجــبـيـن مـعـظـمـاً — تــرى النــاس قــلاً حــوله وهــم كــثــر
مــفــدى بــآبــاء الرجــال ســمــيــدعــاً — هـــو الكـــرم المــد الذي مــاله جــزر
ومــا زلت حــتـى قـادنـي الشـوق نـحـوه — يـــســـايــرنــي فــي كــل ركــبٍ له ذكــر
وأســتــكــبــر الأخــبــار قــبـل لقـائه — فـلمـا التـقـيـنـا صـغـر الخـبَـرَ الخبر
إليــك طــعــنــاً فــي مــدى كــل صــفـصـفٍ — بـــكـــل وآةٍ كـــل مـــا لقـــيـــت نــحــر
إذا ورمـــت مـــن لســعــةٍ مــرحــت لهــا — كــأن نــوالاً صــر فــي جـلدهـا النـبـر
فـجـئناك دون الشمس والبدر في النوى — ودونــك فــي أحــوالك الشــمـس والبـدر
كــأنــك بــرد المــاء لا عــيــش دونــه — ولو كـنـت بـرد المـاء لم يـكـن العشر
دعـانـي إليـك العـلم والحـلم والحـجا — وهـذا الكـلام النـظـم والنائل النثر
ومــا قــلت مــن شــعــرٍ تــكـاد بـيـوتـه — إذا كـتـبـت يـبـيـض مـن نـورهـا الحـبر
كــأن المــعــانـي فـي فـصـاحـة لفـظـهـا — نــجــوم الثــريــا أو خــلائقـك الزهـر
وجــنــبــنــي قـرب السـلاطـيـن مـقـتـهـا — ومـا يـقـتـضـيـنـي مـن جـمـاجمها النسر
وأنــي رأيــت الضــر أحــســن مــنــظــراً — وأهــون مــن مــرأى صــغــيــرٍ بــه كـبـر
لســانــي وعــيــنــي والفــؤاد وهــمـتـي — أود اللواتـي ذا اسـمـهـا منك والشطر
ومــا أنـا وحـدي قـلت ذا الشـعـر كـله — ولكــن لشــعــري فـيـك مـن نـفـسـه شـعـر
ومـاذا الذي فـيـه مـن الحـسـن رونـقـاً — ولكــن بــدا فــي وجـهـه نـحـوك البـشـر
وإنــــي ولو نـــلت الســـمـــاء لعـــالمٌ — بــأنــك مــا نــلت الذي يــوجـب القـدر
"أزالت بــك الأيــام عــتــبــي كــأنـمـا — بــنــوهــا لهـا ذنـبٌـ، وأنـت لهـا عـذر"
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف التاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- خمرها: خمر: خامَرَ الشيءَ: قَارَبَهُ وَخَالَطَهُ؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: هامَ الفُؤادُ بِذِكْراها وخامَرَهُ ... مِنْهَا، عَلَى عُدَواءِ الدَّارِ. تَسْقِيمُ وَرَجُلٌ خَمِرٌ: خَالَطَهُ دَاءٌ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأُراه عَلَى النّ …