١سربٌ محاسنه حرمت ذواتها
داني الصفات بعيد موصوفاتها
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فى موصوفاتها عَائِد على الصِّفَات وذواتها إِضَافَة ذُو وَذَوَات إِلَى الضَّمِير لَا يجيزها البصريون وَإِنَّمَا أجازها الْمبرد وسرب خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف تَقْدِيره هواى سرب الْغَرِيب السرب بِالْكَسْرِ الْقطعَة من الظباء والوحش والقطا والسربة بِالضَّمِّ الْقطعَة من هَؤُلَاءِ الْمَعْنى يَقُول هواى سرب حرمته أى حيل بينى وَبَينه وَهُوَ دانى الصِّفَات لِأَن وَصفه قَول وَأَنا قَادر عَلَيْهِ مَتى شِئْت إِلَّا أَن الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الصّفة وَهُوَ السرب وَيُرِيد بِهِ الْجَمَاعَة من النِّسَاء بعيد عَنى فَالْمَعْنى هَذَا السرب بعيد منى وَذكره حَاضر فَمَتَى مَا طلبت ذكره حضر
٢أوفى فكنت إذا رميت بمقلتي
بشراً رأيت أرق من عبراتها
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فى عبراتها للمقلة وَقَالَ الواحدى يجوز للبشر وَيُرِيد بالعبرات عرقهن الذى يسيل مِنْهُنَّ الْغَرِيب روى الخوارزمى نشزا بالنُّون والزاى الْمُعْجَمَة وَهُوَ مَا ارْتَفع من الأَرْض والنشور الِارْتفَاع وَمِنْه ﴿وَانْظُر إِلَى الْعِظَام كَيفَ ننشزها﴾ فى قِرَاءَة أهل الشَّام وَأهل الْكُوفَة نرفع بَعْضهَا إِلَى بعض وَقَوله أوفى أى أشرف من مَكَان عَال والبشر جمع بشرة وَهُوَ ظَاهر الْجلد الْمَعْنى يَقُول أشرف على هَذَا السرب من مَكَان عَال وَيجوز أَن يكن أشرفن عَلَيْهِ من هوادجهن فَيَقُول إِذا وَقع بصرى على بَشرَتهَا رَأَيْت أرق وألطف من عبرات المقلة قَالَ الواحدى على رِوَايَة الخوارزمى إِذا نظرت إِلَى النشز الذى أوفى السرب عَلَيْهِ رَأَيْته لطول الْبعد فى صُورَة السراب والسراب أرق من العبرات
٣لا سرت من إبل لو اني فوقها
لمحت حرارة مدمعي سماتها
العكبري: الْإِعْرَاب قَوْله لَو انى حرك الْوَاو الساكنة من لَو بحركة الْهمزَة وحذفها وَهُوَ كثير مُسْتَعْمل فى أشعارهم كبيت الحماسة (فَمنْ أنتمُ إنَّا نَسينا مَنَ انتمُ ... ) وَعَلِيهِ قِرَاءَة ورش عَن نَافِع حَيْثُ جَاءَ مثل هَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَو أَنا كتبنَا عَلَيْهِم﴾ و ﴿أَن أرضعيه﴾ ﴿وَمن أحسن قولا﴾ ﴿وَمن أصدق﴾ وحرارة مدمعى قَالَ ابْن جنى يُرِيد ذى مدمعى بِحَذْف الْمُضَاف يعْنى الدمع لِأَن المدمع مجْرى الدمع فى الْعين وَاللَّام فى لمحت جَوَاب لَو الْغَرِيب سماتها جمع سمة وهى الْعَلامَة الَّتِى تكون فى الْإِبِل الْمَعْنى يُرِيد أَنه لَو كَانَ فَوْقهَا لمحت حرارة دُمُوعه علائمها لِأَن دمع الْحزن حَار ودمع السرُور بَارِد وَمِنْه فى الدُّعَاء على الْإِنْسَان أسخن الله عينه أى أبكاه وجدا وحزنا ثمَّ دَعَا عَلَيْهَا فَقَالَ ﴿لاسرت من إبل﴾ لِأَنَّهَا فرقت بَينه وَبَين من يحب
٤وحملتُ ما حملت من هذي المها
وحملتَ ما حملت من حسراتها
العكبري: الْمَعْنى كل هَذَا دُعَاء على الْإِبِل يَقُول حملت مَا حملت من حسراتها وحملت أَنا مَا حملت من هَذِه المها وَهن بقر الْوَحْش شبههن بالمها لحسن عيونهن
٥إني على شغفي بما في خمرها
لأعف عما في سراويلاتها
العكبري: الْغَرِيب الْخمر جمع خمار وَهُوَ مَا تختمر بِهِ الْمَرْأَة أى تغطى بِهِ رَأسهَا وَأَصله التغطية مِنْهُ سميت الْخمر لِأَنَّهَا تستر الْعقل وتغطيه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَليَضْرِبن بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبهنَّ﴾ والسراويل وَاحِد السراويلات وَهُوَ يذكر وَيُؤَنث قَالَ سِيبَوَيْهٍ سَرَاوِيل وَاحِدَة وهى أَعْجَمِيَّة عربت فَأَشْبَهت من كَلَامهم مَالا ينْصَرف فى معرفَة وَلَا نكرَة فهى مصروفة فى النكرَة وَإِن سميت بهَا رجلا لم تصرفها وَكَذَلِكَ إِن حقرتها ١ اسْم رجل لِأَنَّهَا مؤنث على أَكثر من ثَلَاثَة أحرف مثل عنَاق وَمن النَّحْوِيين من لَا يصرفهَا أَيْضا فى النكرَة وَيَزْعُم أَنَّهَا جمع سروال وسروالة وينشد (علَيْهِ مِنَ اللُّؤْم سِرْوَالةٌ ... فلَيْس يرِقّ لمستَعطِفِ) ويحتج فى ترك صرفهَا بقول ابْن مقبل (أَتَى دُونها ذَب الرّيادِ كأنَّهُ ... فَتَى فارِسىّ فى سراويلَ رامحُ) الْمَعْنى قَالَ الصاحب ابْن عباد كَانَت الشُّعَرَاء تصل المآزر تَنْزِيها لألفاظها عَمَّا يستشنع حَتَّى تخطى هَذَا الشَّاعِر المطبوع إِلَى التَّصْرِيح وَكثير من العهر عندى أحسن من هَذَا العفاف قَالَ الواحدى قَالَ العروضى سَمِعت أَبَا بكر الشعرانى يَقُول هَذَا مِمَّا عابه الصاحب ابْن عباد على المتنبى وَإِنَّمَا قَالَ المتنبى (عَمَّا فى سرابيلاتها ... ) وَهُوَ جمع سربال وَهُوَ الْقَمِيص وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الخوارزمى يُرِيد أَنى مَعَ حبى لَو جودههن أعف عَن أبدانهن وَمثله لنفطويه (أهْوَى النِّساءَ وأهوَى أَن أُجالسها ... وَلَيْسَ لى فى خَنًا مَا بَيْننا وَطرُ)
٦أقبلتها غرر الجياد كأنما
أيدي بني عمران في جبهاتها
العكبري: الْإِعْرَاب الراكبين جدودهم يحْتَمل أَن يكون على قَول من قَالَ أكلونى البراغيث أى الَّذين ركبُوا جدودهم أمهاتها وَالْوَجْه أَن يكون الرَّاكِب جدودهم لَو اتزن لَهُ وَمَعْنَاهُ الَّذين ركب جدودهم كَمَا تَقول مَرَرْت بالقوم الْمَيِّت أخوفهم أى الَّذين مَاتَ أخوهم وَقَول أماتها يُقَال أمات فِيمَا لَا يعقل وَقد يُقَال بِالْعَكْسِ فيهمَا الْمَعْنى قَالَ الواحدى فِي معنى الْبَيْت إِن هَذِه الْخَيل تعرفهم ويعرفونها لِأَنَّهَا من نتائجها تناسلت عِنْدهم فجدودهم كَانُوا يركبون أُمَّهَات هَذِه الْخَيل وَسِيَاق الأبيات قبله يدل على أَنه يصف خيل نَفسه لَا خيل بنى عمرَان وَهُوَ قَوْله أقبلتها وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يستقم هَذَا الْمَعْنى إِلَّا أَن يدع مُدع أَنه قَاتل على خيل الممدوح فَإِنَّهُم يقودون الْخَيل إِلَى الشُّعَرَاء قَالَ ابو فورجة والذى عندى أَنه يصف معرفتهم بِالْخَيْلِ وَلَا يعرفهَا إِلَّا من طَالَتْ ممارسته لَهَا وَالْخَيْل تعرفهم أَيْضا لانهم فرسَان وَهَذَا كَلَامه وَلم يُوضح مَا وَقع بِهِ الْإِشْكَال وَإِنَّمَا يَزُول الْإِشْكَال بِأَن يُقَال الْجِيَاد اسْم جنس ففى قَوْله غرر الْجِيَاد أَرَادَ جِيَاد نَفسه وَفِيمَا بعده أَرَادَ جِيَاد بنى عمرَان والجياد تعم الخيلين جَمِيعًا فَقَوله (والراكبين جدودهم ... ) مَعْنَاهُ أَنهم كَانُوا من ركاب الْخَيل فيريد أَنهم عريقون فى الفروسية طالما ركبُوا الْخَيل فَهَذِهِ الْخَيل مِمَّا ركب جدودهم أمهاتها وَيُشبه هَذَا الْمَعْنى قَول أَبى الْعَلَاء المعرى (يَابْنَ الأُلى غيرَ زَجْر الخَيْلِ مَا عَرَفُوا ... إذْ تَعْرِفُ العُرْبُ زجرْ الشاءِ والعَكَرِ ١)
٧الثابتين فروسةً كجلودها
في ظهرها والطعن في لباتها
العكبري: الْإِعْرَاب فروسة تَمْيِيز والثابتين فى مَوضِع خفض على النَّعْت أَو الْبَدَل من بنى عمرَان وَيجوز أَن يكون فى مَوضِع نصب على الْمَدْح وَمن روى والطعن بِالرَّفْع فالواو وَاو الْحَال أى يثبتون فى حَال الطعْن فى صدورها وَمن رَوَاهُ بالخفض فَمَعْنَاه يثبتون فى ظُهُورهَا ثُبُوت الطعْن تَقْدِيره كجلودها وكالطعن الْمَعْنى يُرِيد أَنهم يثبتون فى ظُهُور خيلهم كثبوت جلودها عَلَيْهَا فى حَال كَون الطعْن فى صدورها يصفهم بالإقدام والشجاعة وَقَالَ ابْن القطاع فى قَوْله (أقبلتها غُرر الْجِيَاد ... ) يَقُول جَعلتهَا تقبل غرر جيادها الَّتِى أوصلتهم إِلَى أعدائهم وشفت صُدُورهمْ مِنْهُم كَأَنَّهَا أيدى بنى عمرَان الْمُعْتَادَة التَّقْبِيل وَأَقْبَلت الرجل يَد فلَان جعلته يقبلهَا
٨فكأنها نتجت قياماً تحتهم
وكأنهم ولدوا على صهواتها
العكبري: الْغَرِيب الصهوة مقْعد الْفَارِس ونتجت النَّاقة على مَا لم يسم فَاعله تنْتج نتاجا وَقد نتجها أَهلهَا نتاجا قَالَ الْكُمَيْت (وَقَالَ المُذمِّر للناتجِين ... مَتى ذُمِّرت قَبْلىَ الأرْجُلُ) المذمر الذى يدْخل يَده فى حَيَاء النَّاقة لينْظر أذكر جَنِينهَا أم أُنْثَى سمى بذلك لِأَنَّهُ يضع يَده فى ذَلِك الْموضع فيعرفه يَقُول إِن التذمير فى الْأَعْنَاق لَا فى الأرجل وأنتجت الْفرس إِذا حَال نتاجها وَقَالَ يَعْقُوب إِذا استبان حملهَا وَكَذَلِكَ النَّاقة فهى نتوج وَلَا يُقَال منتج الْمَعْنى يُرِيد أَنه لشدَّة إلفهم للفروسية وَطول مراسهم تكون الْخَيل كَأَنَّهَا ولدت تَحْتهم وَكَأَنَّهُم ولدُوا عَلَيْهَا
٩تلك النفوس الغالبات على العلا
فالمجد يغلبها على شهواتها
العكبري: الْمَعْنى يَقُول هم يغلبُونَ النَّاس على الْعلَا ويغلبهم الْمجد فيحول بَينهم وَبَين مَا يشتهون من الشَّهَوَات المركبة فى بنى آدم مِمَّا يشين ويعيب
١٠سقيت منابتها التي سقت الورى
بيدي أبى أيوب خير نباتها
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فى نباتها يعود على المنابت وَالْبَاء فى قَوْله بيدى مُتَعَلق بسقيت الْمَعْنى يرْوى بيدى وبندى بالنُّون لما جعلهَا منابت دَعَا لَهَا بالسقيا وَجعل أَبَا أَيُّوب الممدوح خير نباتها يُرِيد أَن نَفسه أشرف النُّفُوس الْمَذْكُورَة وَجعل النَّبَات يسقى المنابت إغرابا فى الصَّنْعَة وتغلغلا وَقَلْبًا للْعَادَة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لَا أَزَال الله ظله عَن أَهله وَذَوِيهِ وَقَالَ ابْن فورجة لَيْسَ الْغَرَض أَن يَدْعُو لِقَوْمِهِ بإفضاله عَلَيْهِم وَلَكِن الْغَرَض تَعْظِيم شَأْنه وعطائه كَأَنَّهُ لَو دَعَا أَن يسقيهم الْغَيْث كَانَ دون سقيا ندى أَبى أَيُّوب وَلما جعل قومه منابت دَعَا لَهُم بالسقيا لِأَن المنابت محتاجة إِلَى السقيا وَمثل هَذَا اسْتِعَارَة
١١عجباً له حفظ العنان بأنملٍ
ما حفظها الأشياء من عاداتها
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد حفظ الْعَنَان بِالْإِضَافَة ويروى حفظ على الماضى يتعجب مِنْهُ عجبا كَيفَ حفظ الْعَنَان بأنمل مَا عَادَتهَا تحفظ شَيْئا
١٢يضع السنان بحيث شاء مجاولاً
حتى من الآذان في أخراتها
العكبري: الْمَعْنى من روى مجاولا مفاعلا فَمن الجولان وَمن روى محاولا بِالْحَاء فَمن المحاولة وهى الطّلب وَهَذَا وصف لَهُ بالحذق والثقافة فى الطعْن يَقُول من حذفه بالطعن يقدر أَن يضع السنان فى ثقب الْأذن
١٣تكبو وراءك يا بن أحمد قرحٌ
ليست قوائمهن من آلاتها
العكبري: الْإِعْرَاب من آلاتها الْهَاء عَائِدَة على وَرَاءَك ووراء من الأضداد بِمَعْنى خَلفك وَبِمَعْنى أمامك قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ملك﴾ أى أمامهم الْغَرِيب الْقرح جمع قارح وَجمع قارحة قوارح وَهُوَ مَا أَتَى عَلَيْهِ خمس سِنِين وَهُوَ عِنْدهَا يستكمل قوته وشدته والوراء يذكر وَيُؤَنث وتأنيثه أَكثر وتصغيره وريئة بِالْهَاءِ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو تبعتك هَذِه الْقرح لكبت وَرَاءَك وَلم تحملهَا قَوَائِمهَا لصعوبة مسالكك وَقَالَ الواحدى يجوز أَن تكون الْهَاء عَائِدَة إِلَى الْقرح أى أَنَّهَا إِذا تبعتك لم تعنها قَوَائِمهَا فَلَيْسَتْ من آلاتها وَهَذَا مثل يُرِيد أَن الْكِبَار والفحول إِذا راموا لحاقك فى مدى الْكَرم عثروا وكبوا وَلم يلحقوك وَالْمعْنَى أَن سَبِيلك فى الْعلَا يخفى على من تبعك فيعثر وَإِن كَانَ قَوِيا كالقارح من الْخَيل وَقَالَ ابْن القطاع الْمَعْنى لَيست قَوَائِم هَذِه الْخَيل من الْآلَات وَرَاءَك أى لَيست مِمَّا يكون خَلفك فتطردك
١٤رعد الفوارس منك في أبدانها
أجرى من العسلان في قنواتها
العكبري: الْغَرِيب الرَّعْد جمع رعدة والعسلان الِاضْطِرَاب والقنوات جمع قناة الْمَعْنى يُرِيد أَن الارتعاد فى أبدان الفوارس من خوفك أظهر وأجرى من الاهتزاز فى رماحهم
١٥لا خلق أسمح منك إلا عارفٌ
بك راء نفسك لم يقل لك هاتها
العكبري: الْإِعْرَاب قَوْله (لَا خلق ... ) ذهب البصريون إِلَى أَن الكنكرة الَّتِى مَعَ لَا مَبْنِيَّة على الْفَتْح كَقَوْلِك لَا رجل فى الدَّار وَتَقْدِيره لَا من رجل فَلَمَّا حذفت من من اللَّفْظ وَركبت مَعَ لَا تَضَمَّنت معنى الْحَرْف فَوَجَبَ أَن يبْنى وبنيت على حَرَكَة لِأَن لَهَا حَالَة تمكن قبل الْبناء وبنيت على الْفَتْح لِأَنَّهُ أخف الحركات وَذهب أَصْحَابنَا إِلَى أَنَّهَا نكرَة معربة مَنْصُوبَة بِلَا وَحجَّتنَا أَنه اكْتفى بهَا عَن الْفِعْل لِأَن التَّقْدِير فى قَوْلك لَا رجل فى الدَّار أى لَا أجد رجلا فاكتفوا بِلَا من الْفِعْل الْعَامِل كَقَوْلِك إِن قُمْت قُمْت وَإِلَّا فَلَا تَقْدِيره وَإِن لم تقم فَلَا أقوم فَلَمَّا اكتفوا بِلَا من الْفِعْل الْعَامِل نصبوا النكرَة بِهِ وحذفوا التَّنْوِين بِنَاء على الْإِضَافَة وَوجه آخر أَن لَا تكون بِمَعْنى غير كَقَوْلِك زيد لَا عَاقل وَلَا جَاهِل أى غير عَاقل وَغير جَاهِل فَلَمَّا جَاءَت هُنَا بِمَعْنى لَيْسَ نصبوا بهَا ليخرجوها من معنى غير إِلَى معنى لَيْسَ وَوجه آخر إِنَّمَا أعملوها النصب لأَنهم لما أولوها بالنكرة وَمن شَأْن النكرَة أَن يكون خَبَرهَا قبلهَا نصبوا بهَا من غير تَنْوِين لما حدث فِيهَا من التَّغْيِير كَمَا رفعوا المنادى بِغَيْر تَنْوِين لما حدث فِيهِ من التَّغْيِير وَرَاء مقلوب رأى كَمَا يُقَال ناء ونأى وَمثله (عَليل راءَ رُؤْيا فَهُوَ يَهْذِى ... بِمَا قَدْ رَاء مِنْهَا فى المنامِ) وهات كلمة تسْتَعْمل فى الْأَمر فهى على فَاعل فى الماضى يُقَال هاتى يهاتى فَهُوَ مهات والمصدر المهاتاة مثل المعاداة فَيُقَال هَات كَمَا يُقَال عَاد من عاديت وللاثنين هاتيا وللجمع هاتوا وللمرأة هاتى بِإِثْبَات الْيَاء وللمرأتين هاتيا وللجمع هَاتين الْمَعْنى يَقُول لَا أحد أسمح مِنْك إِلَّا رجلا رآك فعرفك فَلم يَسْأَلك بِأَن تهب لَهُ نَفسك وَمثله (وَلَو لم يكُن فى كفِّهِ غير نَفسه ... لجادَ بهَا فلْيَتَّقِ الله سائلُهْ)
١٦غلت الذي حسب العشور بآيةٍ
ترتيلك السورات من آياتها
العكبري: الْغَرِيب يُقَال غلت فى الْحساب الْخَاصَّة وَهُوَ مثل غلط وهما من مخرج وَاحِد والعشور أعشار الْقُرْآن والترتيل التَّبْيِين والتحسين وَحسب يحْسب بِالضَّمِّ من الْحساب وَحسب يحْسب من الظَّن بِفَتْح الْمُسْتَقْبل وكسره وَكسر الماضى لَا غير وَقَرَأَ عَاصِم وَابْن عَامر وَحَمْزَة يحْسب فى جَمِيع الْقُرْآن بِالْفَتْح الْمَعْنى يَقُول تجويدك التِّلَاوَة إِحْدَى آياتها فالذى يحْسب الْقُرْآن معْجزَة وَاحِدَة غلط فَمن سمع ترتيلك الْقِرَاءَة وَحسن بيانك وَلم يعده آيَة فَهُوَ غالط بِآيَة لِأَن ترتيلك فى الإعجاز مثلهَا فَوَجَبَ إِلْحَاقه بِهِ حَتَّى يُقَال فى الْقُرْآن معجز وترتيلك معجز فهما معجزتان
١٧كرمٌ تبين في كلامك ماثلاً
ويبين عتق الخيل في أصواتها
العكبري: الْغَرِيب الْعتْق الْكَرم وعتقت فرس فلَان تعْتق عتقا إِذا سبقت فنجت وأعتقها هُوَ أعجلها وأنجاها وَفُلَان معتاق الوسيقة إِذا طرد طريدة أنجاها وَسبق بهَا قَالَ الْهُذلِيّ (حامى الحَقيقة نَسَّال الوَديقة مِعتاق ... الوَسيقة لَا نِكْسٌ وَلَا وانِى) الْمَعْنى يَقُول إِذا سمع أحد كلامك عرف كرمك كَمَا أَن الْفرس الْكَرِيم إِذا صَهل عرف عتقه بصهيله وَيُرِيد أَن كلامك أَمر بالعطاء ووعد بِالْإِحْسَانِ وَمَا أشبه هَذَا وَهُوَ مِمَّا يدل على كرمه
١٨"لا تعذل المرض الذي بكــ، شائقٌ
أنــــت الرجــــال وشائقٌ علاتها"
العكبري: الْإِعْرَاب الرِّجَال مَنْصُوب بشائق وَهُوَ اسْم فَاعل يعْمل عمل الْفِعْل وَالْمعْنَى أَنَّك تشوق الرِّجَال إِلَى زيارتك وَتَشَوُّقِ علاتها مَعهَا وَالتَّقْدِير أَنْت شائق الرِّجَال وعلاتها مَعَهم الْمَعْنى شائق أَنْت إِلَى كل شئ وَيُقَال شاقه إِذا حمله على الشوق فَأَنت شائق إِلَى كل أحد فالمرض إِذا أَصَابَك غير ملوم فى إصابتك لِأَن كل النَّاس يشتاقون إِلَى زيارتك لما يسمعُونَ من أَعَاجِيب أخبارك فتشوق الرِّجَال إِلَى قصدك وَتَشَوُّقِ أمراضها مَعهَا فقد شقَّتْ الْمَرَض حَتَّى زارك فَلَا ينبغى لنا أَن نشكوه ونعذله لِأَنَّهُ اشتاق إِلَى زيارتك وَذَلِكَ أَنه كَانَ مرض وَدخل عَلَيْهِ يمدحه بِهَذِهِ القصدة وَالْبَيْت قلق السبك
١٩فإذا نوت سفراً إليك سبقنها
فأضفت قبل مضافها حالاتها
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فى سبقتها ومضافها وحالاتها رَاجع إِلَى الرِّجَال الْمَعْنى يَقُول إِذا أَرَادَ الرِّجَال سفرا إِلَيْك سبقتها بِإِضَافَة أحوالها قبل إضافتك إِيَّاهَا وَإِنَّمَا يُرِيد إِقَامَة الْعذر للمرض الذى نزل بِهِ قَالَ ابْن فورجة النَّاس يروون سبقتها بِالتَّاءِ وَالصَّوَاب بالنُّون لِأَن الْمَعْنى إِذا نَوَت الرِّجَال السّفر إِلَيْك سبقت العلات الرِّجَال وجاءتك قبلهَا وَيصِح بِالتَّاءِ على تمحل وَهُوَ أَن يُقَال سبقت إضافتها بِإِضَافَة حالاتها فَيكون من بَاب حذف الْمُضَاف وَيُرِيد بالحالات حالات مرضهم الذى ذكره وَقَالَ ابْن القطاع مَعْنَاهُ إِذا نَوَت الرِّجَال سفرا إِلَيْك أَعدَدْت لَهَا أمورا فكأنك ضيقت أحوالها قبل نُزُولهَا بك
٢٠وبذلت ما عشقته نفسك كله
حــــتــــى بذلت لهذه صحاتها
العكبري: الْمَعْنى يَقُول مَا من شئ عشقته إِلَّا بذلته حَتَّى بذلت جسمك لهَذِهِ الْعلَّة يُرِيد أَنَّك لَا تمسك شَيْئا بل تبذل كل شئ تحبه
٢١حق الكواكب أن تعودك من علو
وتعودك الآساد من غاباتها
العكبري: الْإِعْرَاب الْجِنّ رفع لعطفه على الآساد وَرَوَاهُ بَعضهم بالخفض فَيكون عطفا على الْكَوَاكِب الْغَرِيب السترات جمع ستْرَة والوكنات جمع وكنة وهى اسْم لكل عش ووكر وهى مَوَاضِع الطير والوكن بِالْفَتْح عش الطَّائِر فى جبل أَو جِدَار والوكر مثله وَقَالَ الأصمعى الوكن مأوى الطَّائِر فى غير عش والوكر بالراء مَا كَانَ فى عش وَقَالَ أَبُو عَمْرو الوكنة والأكنة بِالضَّمِّ مواقع الطير حَيْثُمَا وَقعت وَالْجمع وكنات ووكنات ووكن كركبة وَركب ووكن الطَّائِر بيضه يكنه وَكُنَّا أى حضنه وتوكن أى تمكن الْمَعْنى يُرِيد أَن الْأَجْنَاس كلهَا من الْحَيَوَان تتألم لألمك لعُمُوم نفعك لَهَا فَلَو أَنَّهَا تقدر على المجئ إِلَى زيارتك لجاءتك عَائِدَة لَك
٢٢ذكر الأنام لنا فكان قصيدةً
كنت البديع الفرد من أبياتها
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَن الْأَنَام كلهم إِذا ذكرت مناقبهم مَعَ مناقبكم كَانَت مناقبكم تزين الدَّهْر وَأَهله كَمَا أَن الْبَيْت البديع فى القصدة يزينها وَهُوَ مثل هَذَا الْبَيْت لِأَنَّهُ بَيت بديع فى حسنه وَمَعْنَاهُ
٢٣في الناس أمثلةٌ تكون حياتها
كمماتها ومماتها كحياتها
العكبري: الْإِعْرَاب تَدور صفة لأمثلة وحياتها ابْتِدَاء وَالْكَاف فى قَوْله كمماتها فى مَوضِع رفع لِأَنَّهُ خبر الْمُبْتَدَأ الْغَرِيب أَمْثِلَة جمع مِثَال الْمَعْنى يُرِيد أَنهم أشبه النَّاس وَلَيْسوا بناس وَلَا خير فيهم فَلَا فرق بَين حياتهم ومماتهم وَقَوله تَدور تنْتَقل من حَال إِلَى حَال
٢٤فــــاليــــوم صرت إلى الذي لو أنه
ملك البرية لاستقل هباتها
العكبري: الْغَرِيب الْبَريَّة الْخلق وَأَصله الْهَمْز وَالْجمع البرايا والبريات وَقد همز البريئة نَافِع وَابْن ذكْوَان فى رِوَايَة عَن ابْن عَامر وَقَالَ الْفراء الْبَريَّة إِن أخذت من البرى وَهُوَ التُّرَاب فأصله غير الْهَمْز تَقول براه الله يبروه بروا أى خلقه والهبات جمع هبة الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَت الْبَريَّة كلهَا مملوكين لَهُ ثمَّ وهبهم لاستقل هباتها وَمن روى وهب الْبَريَّة يُرِيد أَنه لوعم الْبَريَّة بالعطايا لاستقلها
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.