تجاوز إلى المحتوى

وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه

المتنبيالطويلالعصر العباسي

اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه

عن القصيدة

«وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في ٤٢ بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الميم.

بحر الطويل: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن · قصائد أخرى رويّها الميم

من هذه القصيدة في كتب التراث

معنى قول المتنبي

كَئيباً تَوَقّاني العَواذِلُ في الهَوى

كَما يَتَوَقّى رَيِّضَ الخَيلِ حازِمُه

قال الواحدي في «شرح ديوان المتنبي»: معناه تباعدني وتجتنبني والريض الصعب الذي لم يرض والحازم الذي يشده بالحزام يقول العواذل اللاتي يعذلنني في الهوى يحذرن جانبي وابائي عليهن كما يحذر حازم الريض من الخيل جماحه أن يصيبه بعض أو رمح

شرح القصيدة بيتًا بيتًا
  1. ١

    وَفاؤُكُما كَالرَبعِ أَشجاهُ طاسِمُه

    بِأَن تُسعِدا وَالدَمعُ أَشفاهُ ساجِمُه

    الواحدي: أشجاه أشده شجوا من قولك شجاني هذا الأمر أي أحزنني والطاسم الطامس والدارس يخاطب خليليه اللذين عاهداه بأن يسعداه على البكاء عند ربع الأحبة يقول لهما وفاءكما بإسعادي مشبه بالربع ثم فسر وبين وجه الشبه فقال أشجى الربع طاسمه يعني أنه كلما تقادم عهده كان أشجى لزائره وأشد لحزنه لأنه لا يتسلى به المحب وأشفى الدمع للحزن أيضا ساجمة وهو الهاطل الجاري والمعنى أبكيا بدمعٍ ساجمٍ فإنه أشفى للغليل كما أن الربع أشجى لملحب إذا درس ووفاءهما بالاسعاد وهو الاعانة على البكاء والموافقة فيه هو البكاء فلذلك قال والجمع أشفاه ساجمه والمعنى أبكيا بدمع في غاية السجوم فهو أشفى للوجد فإن الربع في غاية الطسوم وهو أشجى للمحب وأراد بالوفاء ههنا البكاء لأنهما عاهداه على الإسعاد ووفاؤهما بذلك العهد أن يبكيا معه ومما يذكر في هذا البيت أنه شبه الوفاء بالربع وتم الكلام لأن قوله وفاؤكما كالربع مبتدأ وخبر وخبر المبتدأ يؤذن بتمام الكلام ولا يجوز أن يتعلق بالمبتدأ بعد الإخبار عنه شيء وقد قال بأن تسعدا ولا يجوز أن يتعلق بالوفاء ولكنه يتعلق بقولٍ يدل عليه قوله وفاؤكما فكأنه قال وفيتما بأن تسعدا وقال ابن جنى في معنى هذا البيت كنت أبكى الربع وحده فصرت أبكى وفاءكما معه ولذلك قال وفاءكما أي كلما ازددت بالربع ووفائكما وجدا ازددت بكاء هذا كلامه وعلى ما ذكر شبه وفاءهما بالربع لأنه يحتاج إلى البكاء على وفائهما وعلى الربع بدمع ساجم وذلك قوله والدمع اشفاه ساجمه والذي ذكرنا أولا أقرب من هذا الذي ذكره أبو الفتح وهو جائز يحتمله البيت ويروي والدمع بالكسر عطفا على الربع وعلى هذا التشبيه وقع بهما في حالتين يقول وفاؤكما كالربع الدارس في الأدواء إذا لم نجريا عليه الدمع الساجم وفي الشفاء إذا أجريتما عليه.

  2. ٢

    وَما أَنا إِلّا عاشِقٌ كُلُّ عاشِقٍ

    أَعَقُّ خَليلَيهِ الصَفِيَّينِ لائِمُه

    الواحدي: أخبر عن نفسه بالعشق بلفظ مؤكد لهذا الوصف ولو قال أنا عاشق جاز ولكن هذا أبلغ وأتم ثم ابتدأ فقال كل عاشق له خليلان صفيان فاعقهما في الخلة من لامه في هواه وفي هذا تعريض بالنهي عن اللوم يعني أن من لامني منكما على البكاء والجزع اعتقدت فيه العقوق فكان لائمكما اعقكما ومعنى الاعق ههنا العاق كقول الفرزدق، أن الذي سمك السماء بنى لنا، بيتاً دعائمه أعز وأطول، وكما قال جبان بن قرط، خالي بنو أوسٍ وخال سراتهم، أوس فأيهما أدق وألأم، أي فأيهما الدقيق واللئيم وليس يريد أن الدقة واللوم اشتملا عليهما معا ثم زاد أحدهما على صاحبه وقد يطلق هذا اللفظ وليس يراد به الاشتراك كقوله تعالى أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ولا خير في مستقر أهل النار ولا حسن كذلك جاز أن يقول أعق خليليه وإن لم يكن للممسك عن اللوم صفة عقوقٍ والرفع في كل عاشق رواية ابن جنى وقال ابن فورجة كل نصب على أنه المفعول من عاشق يريد أني أعشق كل عاشقٍ مصفٍ يعد خليله العاق من لامه في هواه

    العكبري: الْإِعْرَاب رِوَايَة أبي الْفَتْح وَبهَا قَرَأنَا الدِّيوَان على شَيْخي يرفع كل على انه قد تمّ الْكَلَام عِنْد قَوْله مَا أَنا إِلَّا عاشق ثمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ كل عاشق أَي كل عاشق حَاله وَأمره وروى أبن فورجه وَالْقَاضِي كلا بِالنّصب على انه مفعول لعاشق يُرِيد أَن أعشق كل عاشق وَقَالَ أَبُو الْفَتْح فِي هَذَا الْبَيْت سُؤال وَهُوَ لَا يُقَال أعق الرجلَيْن زيد حَتَّى يشتركا فِي صفة العقوق ثمَّ يزِيد زيدا على صَاحبه فَإِذا حكم لَهما أَنَّهُمَا صفيان ثمَّ لامه أَحدهمَا فقد زَالَ عَنهُ وصف الصفاء وَحصل لَهُ وصف العقوق قُلْنَا لَهُ جَازَ لَهُ ان يَأْتِي بِهَذَا اللَّفْظ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَصْحَاب الْجنَّة يَوْمئِذٍ خير مُسْتَقرًّا وَأحسن مقيلا﴾ وَقد علم أَن أَصْحَاب النَّار شَرّ وَلَا خير فِي مستقرهم وانهما لم يشتركا فِي الْخَيْرِيَّة فَهَذَا نَظِيره وَقد قَالَ حبَان بن قرط الْيَرْبُوعي وَكَانَ جاهليا (خالِي بَنوُ أوْسٍ وَخالُ سَرَاتِهم ... أوْسٌ فأُّيُهمُا أرَقُّ والأَمُ) يُرِيد فَأَيّهمَا الرَّقِيق اللَّئِيم وَلَيْسَ يُرِيد ان الرقة واللؤم اشتملا عَلَيْهِمَا مَعًا ثمَّ زَاد أَحدهمَا على صَاحبه وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ وَالْمعْنَى هَين عَلَيْهِ لانه تَعَالَى لَا يُوصف بَان بعض الْأَشْيَاء أَهْون عَلَيْهِ من بعض وَكَذَلِكَ أعق خَلِيله أَي الَّذِي يَسْتَحِيل عاقا فالأعق هُنَا بِمَعْنى الْعَاق كَقَوْل الفرزدق (بَيْتا دَعاِئمُهُ أعَزُّ وَأطْوْلُ ... )

  3. ٣

    وَقَد يَتَزَيّا بِالهَوى غَيرُ أَهلِهِ

    وَيَستَصحِبُ الإِنسانُ مَن لا يُلائِمُه

    الواحدي: التزيي تكلف الزي وهو اللباس والهيئة وفي هذا البيت تعريض بصاحبيه أنهما ليسا من أهل الهوى وان تكلفاه واتسما به يقول قد يتكلف الإنسان الهوى وليس من أهله وتعريض أيضا فيه باتهما ليسا من أهل الصحبة حيث قال قد يسأل الإنسان الصحبة من لا يكون موافقا له في احواله وهذا يدل على أن صاحبيه لم يفيا بما عاهدا من الإسعاد.

    العكبري: الْغَرِيب قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن قَوْله يتزيا هَل تعرفه فِي اللُّغَة أَو فِي كتاب قديم قَالَ لَا قلت فَكيف تقدم عَلَيْهِ قَالَ قد جرت بِهِ عَادَة الِاسْتِعْمَال قلت أترضى بِشَيْء تورده الْعَامَّة قَالَ مَا عنْدك فِيهِ قلت قِيَاسه يتزوى قَالَ من أَيْن لَك قلت لِأَنَّهُ من الزي وعينه وَاو وَأَصله زوى فَانْقَلَبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا وَلِأَنَّهَا أَيْضا سَاكِنة قبل الْيَاء وَدَلِيل ان عينه وَاو أَنهم لَا يَقُولُونَ لفُلَان زِيّ إِذا كَانَ لَهُ شَيْء وَاحِد يستحسن حَتَّى يجْتَمع لَهُ أَشْيَاء كَثِيرَة حَسَنَة فَحِينَئِذٍ يُقَال لَهُ زِيّ من زويت الأَرْض أَي جمعت وَقَالَ الآخر (زَوَي بَينَ عَيْنَيْهِ عَلىَّ المَحاجمُ ... ) فَقَالَ لي إِلَى هَذَا ذهبت فأصغى نَحوه وَقد ذكره صَاحب الْعين فَقَالَ تزيا فلَان بزِي حسن وزييته تزية بِوَزْن تَحِيَّة فَإِن ثَبت فَلَيْسَ يُنَاقض لما قلت أَنه يتزوي فَيجب أَن يكون قلب الْوَاو يَاء تَخْفِيفًا كَقَوْل الآخر (إنْ دَيَّمُوا جادَ وإنْ جادُوا وَبَيلْ ... ) وَهُوَ من دَامَ يَدُوم وَلَكِن لما رأى الديمة والديم بياء أنس بهَا وأخلد إِلَيْهَا لخفتها كَمَا قَالُوا فِي عيد أعياد وَفِي تحقيره عبيد وَهُوَ من عَاد يعود وَكَانَ قِيَاسه عُوَيْد وأعواد كَمَا قيل فِي تحقير ريح رويح فِي جمعهَا أَرْوَاح وَحكى اللحياني فِي نوادره ريح وأرواح فَهَذَا مِمَّا أجْرى مجْرى الْبَدَل اللَّازِم لخفة الْيَاء وَكَذَلِكَ يتزيا إِن كَانَ صَحِيحا من كَلَامهم فَهُوَ مِمَّا ألزم بدل الْيَاء من الْوَاو تخفيا وَلِأَنَّهُ قد أبدلها فِي زِيّ قصدا من طَرِيق الأشتقاق وَالْقِيَاس يَقْتَضِي أَن تكون عين الزي واوا فِي الأَصْل لِأَن بَاب طويت وَرويت مِمَّا عينه وَاو ولامه وياء أَكثر من بَاب حييت وعييت مِمَّا عينه ولامه ياءان فَلَمَّا اجْتمع الْقيَاس والاشتقاق على قَضِيَّة لزم قبُولهَا ورفض مَا عَداهَا وَخَالف وَضعهَا الْغَرِيب التزيي تكلّف الزي ويلائمه يُوَافقهُ الْمَعْنى يَقُول إِن صَاحِبيهِ ليسَا من أهل الْهوى فَإِن أقسما بِهِ وتكلفاه فقد يتَكَلَّف الْإِنْسَان الشَّيْء وَلَيْسَ هُوَ من أَهله وَقد يصاحب الْإِنْسَان من لم يُوَافقهُ فِي أَحْوَاله ويعرض بِأَن صَاحِبيهِ لم يفيا لَهُ بِمَا عاهداه عَلَيْهِ من الإسعاد بالبكاء وإنهما لم يَكُونَا من أَرْبَاب الْهوى وَلَا يعتقدانه

  4. ٤

    بَليتُ بِلى الأَطلالِ إِن لَم أَقِف بِها

    وُقوفَ شَحيحٍ ضاعَ في التَربِ خاتَمُه

    الواحدي: يدعو على نفسه بأن يبلى كما بلى الأطلال أن لم يطل وقوفه بها طول وقوف البخيل الذي ضاع خاتمه في التراب وأورد ابن جنى على هذا سؤالا فقال ليس في وقوف الشحيح على طلب الخاتم مبالغة يضرب بها المثل واجاب عن هذا بأن قال العرب كما تبالغ في وصف الشيء وتجوز الحد فقد تقتصر أيضا وتستعمل المقاربة قال وهذا بعينه قد جاء في الشعر الفصيح فضربت العرب المثل به في الحيرة وهو قول الراجز، فهن حيرى كمضلات الخدم، هذا كلامه وقال أبو الفضل العروضي لم يلتزم هذا السؤال بل نقول لم يرد أبو الطيب قدر وقوف الشحيح بل أراد صورة وقوفه فشبه هيئة وقوف نفسه بهيئة وقوف الشحيح وذلك أن الشحيح إذا طلب الخاتم احتاج إلى الأنحناء ليقع بصره على الخاتم ولو كان بدل الخاتم شيئا أعظم منه كالخلخال والسوار لكان يطلبه عن قيامٍ فلا يحتاج إلى الانحناء ولو كان صغيرا كالشذرة والدرة لكان يطلبه قاعدا فهو يقول أن لم أقف بها منحنيا لوضع اليد على الكبد والانطواء عليها كوقوف الشحيح الطالب الخاتم ويشهد بصحة هذا المعنى قول ابن هرمة يذم بخيلا، نكس لما أتيت سائله، وأعتل تنكيس ناظم الخرز، فشبه حالته وهيئته بهيئة من ينظم الخرز في الاطراق وتنكيس الرأس على أنا نقول أن التزمنا هذا السؤال قد يبلغ من قيمى الخاتم ما يحق للشحيح أن يطول وقوفه على طلبه فقد يكون حلقا يحبس به ويطلق ويقتل وربما كان خاتما لخزائن الأموال كثير معان سوى هذا انتهى كلامه ونقول أيضا في جواب هذا السؤال أن وقوف الشحيح وان كان لايطول كل الطول فقد يكون أطول من وقوف غيره فجاز ضرب المثل به كقول الشاعر، رب ليل أمد من نفس العاشق طولا قطعته بانتحاب، وقد علمنا أن اقصر ليل اطول من نفس العاشق ولكن لما كان نفس العاشق أمد من نفس غيره جاز ضرب المثل به وأن لم يبلغ النهاية في الطول وكذلك قول الآخر، وليل كظل الرمح قصر طوله، دم الزق عنا واصطفاق المزاهر، لما كان ظل الرمح أطول من ظل غيره جعله الغاية في الطول وذكر ابن فورجة ان بعضهم روى وقوف شجيج صاع في الترب خاتمه قال والشجيج الوتد الذي شج رأسه وصاع بمعنى تفرق أي صارت له عروق في الثرى وعلق وقد تورق الأوتاد وعمد الخيام وخاتمه بمعنى ثابته ومقيمه وهذا تكلف ولا يكون صاع بمعنى تفرق.

    العكبري: الْغَرِيب الأطلال جمع طلل وَهُوَ مَا شخص من آثَار الديار والشحيح الْبَخِيل والخاتم مَا يكون فِي الإصبع للرِّجَال وَالنِّسَاء من ذهب وَفِضة وَغَيرهمَا وَفِيه لُغَات خَاتم وَخَاتم بِفَتْح التَّاء وَكسرهَا وبالفتح قَرَأَ عَاصِم وَخَاتم النَّبِيين وخيتام وخاتام وَالْجمع خَوَاتِيم الْمَعْنى دَعَا على نَفسه بِأَن يبْلى بلَى الاطلال الدارسة ويتغير تغير الرسوم الْعَافِيَة إِن لم يقف بديار أحبته متوجعا لَهَا ومعتنيا بهَا وقُوف شحيح ضَاعَ خَاتمه فِي الترب وَاعْتمد الْخَاتم لانه صَغِير الجرم مُهِمّ الْأَمر فلصغره يخفى مَوْضِعه وَلَا هتمامه يحب تتبعه وَاشْترط ضيَاعه فِي التُّرَاب ليَكُون تطلبه فِيهِ وَهُوَ مَوضِع آثَار الديار ورسوم الأطلال وَقَالَ أَبُو الْفَتْح قد عيب عَلَيْهِ وَقَالَ لَيْسَ للفظ عَجزه جزالة لفظ صَدره وَلَيْسَ فِي وقُوف الشحيح على طلب خَاتمه مُبَالغَة يضْرب بهَا الْمثل وَقَالَ وَالْعرب تبالغ فِي وصف الشَّيْء وَتجَاوز الْحَد وَقد تقتصر أَيْضا وَيسْتَعْمل المقارنه وَهَذَا بِعَيْنِه قد جَاءَ فِي الشّعْر الفصيح قَالَ الراجز (هُنَّ حَياريَ كَمُضِلَاّتِ الخَدَمْ ... ) وَهِي جمع خدمَة وَهِي الخلخال وَقَالَ الْعَرُوضِي لَا عيب عَلَيْهِ لَان الشحيح إِذا طلب الْخَاتم احْتَاجَ إِلَى الانحناء ليقف بَصَره على الْخَاتم وَلَو كَانَ بدل الْخَاتم شَيْئا عَظِيما كالخلخال والسوار لَكَانَ يَطْلُبهُ من قيام فَلَا يحْتَاج إِلَى الانحناء ونو كَانَ صَغِيرا كالذرة لَكَانَ يَطْلُبهُ قَاعِدا مَكَانَهُ يَقُول إِن لم أَقف بهَا منحنيا لوضع الْيَد على الكبد والانطواء عَلَيْهَا كوقوف الشحيح الطَّالِب للخاتم وَيشْهد لصِحَّته قَول ابْن هرمة يذم بَخِيلًا (نَكَّسَ لمَّا أتَيْتُ سائِلَهُ ... وَاعْتَلَّ تَنْكِيسَ ناظمِ الخرَزِ) فَشبه هَيئته بهيئة من ينظم الخرز فِي الإطراق وينكس الرَّأْس على أَنا نقُول إِن إلتزامنا بِهَذَا السُّؤَال الْوَارِد قد يبلغ من قِيمَته الْخَاتم مَا يحِق للشحيح أَن يطول وُقُوفه على طلبه قَالَ الواحدي يُقَال فِي جَوَاب هَذَا السُّؤَال إِن وقُوف هَذَا الشحيح وَإِن كَانَ لَا يطول كل الطول فقد يكون أطول من وقُوف غَيره فَجَاز ضرب الْمثل بِهِ كَقَوْل الشَّاعِر (رُبَّ لَيْلٍ أمَدَّ منْ نَفَسِ العاشق ... ِ طُولاً قَطَعْتُهُ بانتْحابِ) وَقد علمنَا أَن سَاعَة من سَاعَات اللَّيْل تستغرق عدَّة أنفاس وَلكنه لما كَانَ نفس العاشق أطول من نفس غَيره جَازَ ضرب الْمثل بِهِ وَإِن لم يبلغ النِّهَايَة فِي الطول وكقول الآخر (وَلَيْلٍ كظِلّ الرُّمْحِ قَصَّر طُولَهُ ... دَمُ الزّقّ عَنَّا واصْطِفاقُ المزَاهِرِ) وَذَلِكَ لما كَانَ ظلّ الرمْح أطول من ظلّ غَيره جعله الْغَايَة فِي الطول وَقَالَ ابْن القطاع وَإِنَّمَا قَالَ رب ليل طَوِيل خَارج عَن الْمُعْتَاد رائد الطول زَاد على المُرَاد كزيادة نفس هَذَا العاشق وَطوله على نفس من لَيْسَ بعاشق وَهَذَا نِهَايَة فِي الْمُبَالغَة وروى ابْن فورجة شجيج ضَاعَ فِي الترب خَاتمه والشجيج الَّذِي شج رَأسه وَضاع بِمَعْنى تفرق أَي صَارَت لَهُ عروق فِي الثرى وَقد علق بهَا وَلَيْسَت هَذِه الروايه بِشَيْء قَالَ ابْن وَكِيع وَهَذَا مَأْخُوذ من قَول أبي نواس (كأّني مُرِيغٌ فِي الدّيارِ طَرِيدَةً ... أرَاها أمامِي مَرّةً وَوَرَائي)

  5. ٥

    كَئيباً تَوَقّاني العَواذِلُ في الهَوى

    كَما يَتَوَقّى رَيِّضَ الخَيلِ حازِمُه

    الواحدي: الكئيب الحزين وهو حال من قوله أقف بها وتوقاني معناه تباعدني وتجتنبني والريض الصعب الذي لم يرض والحازم الذي يشده بالحزام يقول العواذل اللاتي يعذلنني في الهوى يحذرن جانبي وابائي عليهن كما يحذر حازم الريض من الخيل جماحه أن يصيبه بعض أو رمح

    العكبري: الْإِعْرَاب نصب كئيبا على الْحَال من قَوْله أَقف الْغَرِيب الكئيب الحزين والريض الصعب من الْخَيل وَهُوَ من الأضداد والريض الَّذِي لم تستحكم رياضته وَالَّذِي يشد حزامه ويتوقى مِنْهُ والريض الَّذِي قد ذلل والحازم الَّذِي يسوسه ويشد حزامه الْمَعْنى يَقُول العواذل توقاني إِذا وقفت فِي الرّبع كئيبا مَحْزُونا يُرِيد ان يتوقاه عاذله ويتخوف لائمه كَمَا يتوقى الَّذِي يحزم الريض من الْخَيل صولته ويتخوف نفرته

  6. ٦

    قِفي تَغرَمِ الأَولى مِنَ اللَحظِ مُهجَتي

    بِثانِيَةٍ وَالمُتلِفُ الشَيءَ غارِمُه

    الواحدي: يقول للحبيبة قفي ساعةً تغرم اللحظة الأولى مهجتي باللحظة الثانية والمعنى أني نظرت إليك نظرة أتلفتني فقفي لتغرم تلك النظرة مهجتي التي أتلفتها بنظرة ثانية تحييني وترد مهجتي يعني أنه أن نظر إليها ثانيا عاش وعادت حياته ثم قال ومن أتلف شيئا لزمه الغرم وتغرم في موضع الجزم جوابا للأمر بالوقوف والأولى في موضع الرفع لأنها هي الفاعلة وأخذ بعضهم هذا المعنى فقال، يا مسقما جسمي بأول نظرةٍ، في النظرة الأخرى إليك شفاءي، وروى الخوارزمي تغرمي بالياء وأصله تغرمين على مخاطبة الحبيبة والمهجة كناية عن الحبيبة يقول قفي يا مهجتي تغرمي النظرة الأولى التي حرمتنيها بنظرةٍ ثانيةٍ إليك فالأولى على هذه الرواية في موضع النصب بتغرمي ثم قال ومن أتلف شيئا غرمه أي أنت أتلفت عليّ النظرة التي رمتها منك أولا فاغرميها بنظر ثان والقول هو الأول

    العكبري: الْإِعْرَاب الأولى فاعلة ومهجتي فِي مَوضِع نصب بِوُقُوع الغرامة عَلَيْهَا وَقَالَ ابْن القطاع من روى تغرمي بِإِثْبَات الْيَاء كَانَ الأَصْل تغرمين فَحذف النُّون للجزم وَالْخطاب للمحبوبة والمهجة هِيَ المحبوبة فمهجتي فِي مَوضِع نصب بالنداء وَالْأولَى مَفْعُوله وَيكون الْمَعْنى قفى يَا مهجتي تغرمي الأولى الَّتِي حرمتنيها بنظرة ثَانِيَة إِلَيْك الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح قفي يَا محبوبة تغرم اللحظة الأولى الَّتِي لحظتك مهجتي بلحظة ثَانِيَة لِأَن الأولى قد أتلفت مهجتي فَوَجَبَ عَلَيْهَا الْغرم فَإِن لحظ ثَانِيَة عَاشَ فَتكون الأولى قد غرمت المهجة بِالثَّانِيَةِ ثمَّ ذكر الْحجَّة الْمُوجبَة أَن يُطَالب بالوقفة فَقَالَ والمتلف غَارِم وَهِي حُكُومَة بِحَق وَقَالَ الْخَطِيب لما نظر إِلَيْهَا نظرة اتلفت مهجته وَأَرَادَ أَن ينظر إِلَيْهَا أُخْرَى لترجع إِلَيْهِ نَفسه جعل الأولى كَأَنَّهَا الغارمة فِي الْحَقِيقَة لِأَنَّهَا سَبَب التّلف وَمثله لقطرب (أشْتاقُ بِالنَّظْرةِ الأُولى قَرينَتَها ... كأنَّنِي لمْ أُقدّم قبلَها نظَرَا) وَأخذ هَذَا الْمَعْنى بَعضهم فَقَالَ (يَا مُسْقِما جِسْمِي بأوَّلِ نَظْرَةٍ ... فِي النَّظْرةِ الأُخرَى إلَيْكَ شِفائي) وَقَالَ ابْن وَكِيع هَذَا الْبَيْت الخالد الْكَاتِب وَأَخذه أَبُو الطّيب مِنْهُ وَقَالَ الواحدي وَغَيره لَيْسَ هُوَ الخالد إِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذ من قَول أبي الطّيب

  7. ٧

    سَقاكِ وَحَيّانا بِكِ اللَهُ إِنَّما

    عَلى العيسِ نورٌ وَالخُدورُ كَمائِمُه

    الواحدي: جعل هؤلاء النسوة نورا في حسنهن وصفاء لونهن وطيب رائحتهن وجعل الخدور لهن بمنزلة الكمائم للنور ولما جعلهن نورا بنى على هذا اللفظ السقى والتحية فإن النور نضرته بالماء وجرت العادة بان يحيى بعض الناس بعضا بالأنوار والرياحين فيناوله شيئا منها ومعنى حيانا بك الله كفانا بكل الله تعالى وحيانا بك وقد كشف السريّ الموصلي عن هذا المعنى بقوله، حيى به الله عاشقيه فقد، أصبح ريحانةً لمن عشقا،

    العكبري: الْغَرِيب العيس الْإِبِل الْبيض والنور من الزهر مَا كَانَ أَبيض والزهر الْأَصْفَر والكمام أوعية الزهر والنور قبل أَن تنفتق الْمَعْنى إِنَّه دَعَا لَهَا بالسقيا ثمَّ دَعَا لنَفسِهِ أَن تكون تَحِيَّة لَهُ بعد سقياها وَجعل النِّسَاء الَّتِي فِي الْخُدُور نورا لحسنهن وصفاء لونهن وَطيب رائحتهن وَجعل الْخُدُور لَهُنَّ بِمَنْزِلَة الكمائم وَقَالَ الواحدي لما جَعلهنَّ نورا بني على هَذَا اللَّفْظ السقيا والتحية فَإِن النُّور تضرته بِالْمَاءِ وَخرجت الْعَادة بِأَن يحي بعض النَّاس بَعْضًا بالأنوار والرياحين فيناوله شَيْئا مِنْهَا وَمعنى أَحْيَانًا بك الله أَي لقاناك وحيانا بك وَقد كشف السّري الْموصِلِي عَن هَذَا الْمَعْنى بقوله (حَيّا بِهِ اللهُ عاشِقيِه فَقَدْ ... أصْبَحَ رَيحانَةً لِمَنْ عَشِقا)

  8. ٨

    وَما حاجَةُ الأَظعانِ حَولَكِ في الدُجى

    إِلى قَمَرٍ ما واجِدٌ لَكِ عادِمُه

    الواحدي: يقول أي حاجة لهؤلاء النسوة اللاتي معك في السفر إلى القمر بالليل فإن من وجدك لم يعدم القمر والمعنى أنها في الدجى تقوم مقام القمر وهو من قول البحتري، أضرت بضوء البدر والبدر طالع، وقامت مقام البدر لما تغيبا، وقول الآخر، إن بيتاً أنت ساكنه، غير محتاجٍ إلى السرج،

    العكبري: الْغَرِيب الأظعان جمع ظعن وهم الْقَوْم المرتحلون الْمَعْنى يَقُول لمن يحب لَا يحْتَاج السّفر إِلَى ضوء الْقَمَر بِاللَّيْلِ وَأَنت مَعَهم فَإِن من وَجدك لم يعْدم الْقَمَر وَإنَّك تقومين مقَام الْبَدْر إِذا غَابَ وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحتري (أضَرَّتْ بضَوْءِ البَدْرِ والبَدْرُ طالعٌ ... وقامَتْ مَقامَ البَدْرِ لمَّا تَغَيَّبا) وَمن قَول الآخر (إنَّ بَيْتا أنْتَ ساكِنُهُ ... غَيرُ مُحتاجٍ إِلَى السُّرُجِ)

  9. ٩

    إِذا ظَفِرَت مِنكِ العُيونُ بِنَظرَةٍ

    أَثابَ بِها مُعيِ المَطِيِّ وَرازِمُه

    الواحدي: الرازم والرازح الذي قد قام من الإعياء فلا يبرح والمعنى أن الإبل الرازحة التي كلت وعجزت عن المشي إذا نظرت إليك عاشت أنفسها وعادت قوتها فكيف بنا وهذا تأكيد للمعنى الأول في قوله تغرم الأولى البيت ويقال أثاب فلان إذا ثاب إليه جسمه وصلح بدنه ومعنى قوله العيون كل عين يقول إذا ظهرت للناظرين صلحت حال المطايا وهي لا تعقل بالنظر إليك فما الظن بنا وحياتنا برؤيتك وهذا كله معنى قول ابن جنى أن الإبل الرازحة إذا نظرت إليك عاشت أنفسها فكيف بنا وقال ابن فورجة إنما يعني بالمطي أصحابها والإبل لا فائدة لها في النظرإلى هذه المحبوبة وإن فاقت حسنا وجمالا وإنما ركابها يرون بذلك والقول ما قاله أبو الفتح لأن الإبل التي لا عقل لها يتاثر فيها النظر على مقتضى المبالغة والتعمق في المعنى لا على الحقيقة كعادة الشعراء في المبالغة وذكر المطي على اللفظ كتذكير النخل والسحاب وما اشبههما من الجمع

    العكبري: الْغَرِيب ظَفرت فازت وأثاب رَجَعَ يُقَال ثاب إِلَيْهِ عقله وأثاب رَجَعَ والمطي جمع مَطِيَّة والرازمة من النوق أَو الرازم من الْإِبِل الَّذِي قَامَ من الإعياء وَأَقْعَدَهُ الهزال عَن الْمَشْي الْمَعْنى يَقُول الْإِبِل الَّتِي قد ضعفت وكلت وعجزت عَن الْمَشْي إِذا نظرت إِلَيْك رجعت قوتها وحركتها فَكيف بِنَا نَحن وَقَوله الْعُيُون يُرِيد كل عين يَقُول إِذا ظَهرت للناظرين صلحت حَال المطايا وَهِي لَا تعقل النّظر إِلَيْك فَكيف الظَّن بِنَا وحياتنا برؤيتك وَقَالَ ابْن فورجة إِنَّمَا يُرِيد أَصْحَابه وَالْإِبِل لَا فَائِدَة لَهَا فِي النّظر إِلَى هَذِه المحبوبة وَإِن فاقت حسنا وجمالا وَإِنَّمَا ركابهَا يسرون بذلك وَالْقَوْل هُوَ الأول وَهُوَ قَول أبي الْفَتْح وَجَمَاعَة لَان الْإِبِل الَّتِي لَا عقل لَهَا يُؤثر فِيهَا النّظر على مُقْتَضى الْمُبَالغَة والتعمق فِي الْمَعْنى لَا على الْحَقِيقَة وَهَذَا عَادَة الشُّعَرَاء فِي الْمُبَالغَة وَذكر الْمطِي على اللَّفْظ كتذكير النّخل والسحاب وَمَا أشبهه من الْجمع

  10. ١٠

    حَبيبٌ كَأَنَّ الحُسنَ كانَ يُحِبُّهُ

    فَآثَرَهُ أَو جارَ في الحُسنِ قاسِمُه

    الواحدي: يقول هذا الحبيب منفرد بالحسن لا حظ لغيره فيه فكأن الحسن أحبه فاستخلصه لنفسه دون غيره أو من قسم الحسن بين الناس جار فأعطاه جميع الحسن وحرمه غيره من الناس

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول هَذَا حبيب متفرد بالْحسنِ لَيْسَ لغيره فِيهِ حَظّ فَكَأَن الْحسن أحبه واستخلصه لنَفسِهِ دون غَيره أَو الَّذِي قسم الْحسن بَين النَّاس جَار عَلَيْهِم فَأعْطَاهُ الْحسن كُله وَحرمه غَيره

  11. ١١

    تَحولُ رِماحُ الخَطِّ دونَ سِبائِهِ

    وَتُسبى لَهُ مِن كُلِّ حَيٍّ كَرائِمُه

    الواحدي: ذكر أنه منيع عزيز يحفظ بالرماح فلا يقع عليه سباء لأن رماح قومه تمنع دون ذاك كما قال، بصم القنا يحفظن لا بالتمائم، وكرائم كل حيٍّ تسبى له وتجبى إليه ليخدمنه ويروى تجول بالجيم والحاء أشبه بالمعنى.

    العكبري: الْغَرِيب الْخط مَوضِع بِالْيَمَامَةِ وتنسب إِلَيْهِ الرماح الخطية والحي الْجَمَاعَة من النَّاس النازلين بالبادية والكرائم جمع كَرِيمَة الْمَعْنى يَقُول هَذَا حبيب عَزِيز لَا تصل رماح الْخط إِلَيْهِ بل تسبى لَهُ الْكِرَام من الْأَحْيَاء فَتكون لَهُ خدما وَالْمعْنَى أَن هَذِه المحبوبة من قوم أعزه لَا يطْمع عَدو أَن يُغير فيهم وَلَا يعتصم كرائم غَيرهم مِنْهُم وَأَنَّهَا تأمن السَّبي ويسبى لَهَا كرائم الْأَحْيَاء وَمَا أحسن مَا ألم بِهَذَا الْمَعْنى أَبُو الْغَنَائِم ابْن الْمعلم الوَاسِطِيّ فِي قَوْله (نُثَلَّمُ دُون البِيضِ بِيضَ صَوَارِمٍ ... وَنْحطِمُ دُونَ السُّمْرِ سُمْراً عَوَاليا)

  12. ١٢

    وَيُضحي غُبارُ الخَيلِ أَدنى سُتورِهِ

    وَآخِرُها نَشرُ الكِباءِ المُلازِمُه

    الواحدي: الكباء العود الذي يتبخر به ونشره رائحته يقو لأدنى ستر إليك أيها الطالب الوصول إليه غبار الخيل وأبعد ستر عنك نشر الكباء الذي يلزمه يريد أن دخان العود الذي يتبخر به كثر عنده حتى قد صار كالحجاب بينه وبين من يطلبه ويروي أولها نشر الكباء يعني أول ستر دونها مما يليها ويمكن أن يقلب هذا فيقال أدنى سترٍ إليها من الستور دونها غبار الخيل وأبعد سترٍ عنها نشر الكباء يعني أن غبار الخيل كثر حتى وصل إليها فصار أدنى ستر منها دونها وكذلك أرتفع دخان العود حتى تباعد منها الدخان فصار آخر ستر دونها وهذا اشبه بطريقة المتنبي في أيثاره المبالغة.

    العكبري: الْغَرِيب الكباء الْعود الَّذِي يتبخر بِهِ ونشره فوحه قَالَ امْرُؤ الْقَيْس (وَباناً وأُلْوِياً منْ الهِنْدِ ذَاكِيا ... وَرَنْداً وَلُبْنى وَالكِباءَ المُقَتَّترا) الْمَعْنى يَقُول أدنى ستورها مِمَّن أرادها غُبَار خُيُول قَومهَا وَأقر بهَا مِنْهَا دُخان بخورها فقد وصفهَا بأشد المنعة وَذكر أَنَّهَا فِي غَايَة النِّعْمَة قَالَ الواحدي إِن دُخان الْعود الَّذِي يتبخر بِهِ كثير عِنْده حَتَّى صَار كالحجاب بَينه وَبَين من يَطْلُبهُ قَالَ ويروي وأولها نشر الكباء وَالْمعْنَى وَأول ستر دونهَا مِمَّا يَليهَا وَيُمكن أَن يقلب هَذَا فَيُقَال أدنى ستر إِلَيْهَا من الستور دونهَا غُبَار الْخَيل وَأبْعد ستر عَنْهَا نشر الكباء يَعْنِي أَن غُبَار الْخَيل كثير حَتَّى وصل إِلَيْهَا فَصَارَ أدنى ستر مِنْهَا دونهَا وَكَذَلِكَ ارْتَفع دُخان الْعود حَتَّى يتباعد مِنْهَا الدُّخان فَصَارَ آخر ستر دونهَا قَالَ وَهَذَا أشبه بطريقة المتنبي فِي إِيثَار الْمُبَالغَة

  13. ١٣

    وَما اِستَغرَبَت عَيني فِراقاً رَأَيتُهُ

    وَلا عَلَّمَتني غَيرَ ما القَلبُ عالِمُه

    الواحدي: يذكر كثرة ما لقي من صروف الدهر وما مني به من فراق الأحبة حتى لا يستغرب فراقا رآه ولا تريه عينه شيئا لم يعلمه قلبه والمصراع الأول من قول طفيل، وما أنا بالمستنكر البين إنني، بذي لطف الجيران قدما مفجع، والثاني من قول عديّ بن الرقاع، وعرفت حتى لست أسأل عالما، عن حرف واحدةٍ لكي أزدادها، ومثله لأبي الطيب، عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا، فلما دهتني لم تزدني بها علما، ومثله للأعور الشني، لقد أصبحت ما أحتاج فيما، بلوت من الأمور إلى السؤال،

    العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَنه قد عرف صروف الدَّهْر وانه لم يستغرب مَا طرقه بِهِ الدَّهْر من فِرَاق الحبيب وَلَا غَيره لما عرف وابتلى بِهِ من حوادث الْأَيَّام وفجائعها وَإنَّهُ إِنَّمَا علم بِمَا علم وطرق بِمَا عهد وَالْمعْنَى يُرِيد أَنه لَا يستغرب فراقا وَلَا تريه عينه شَيْئا لم يره قلبه والمصراع الأول من قَول طفيل (وَما أَنا بِالمُسْتَنْكِرِ البَين إنَّنِي ... بِذِي لَطَفِ الجِيرانِ قِدْما مُفَجَّعُ) والمصراع الثَّانِي من قَول عدي بن الرّقاع (وَعَلمْتُ حَتى لَسْتُ أسْألُ عالِما ... عَنْ حَرْفِ واحِدةٍ لِكيْ أزْدَادَها) وَمثله لِلْأَعْوَرِ الشني (لَقَدْ أصْبَحْتُ مَا أحْتاجُ فِيما ... بَلَوْتُ منَ الأُمُورِ إِلَى السُّؤالِ) وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الْملك بن الزيات (وَما اسْتَغْرَبْتُ بَيْسا مِنْ حَبِيبٍ ... فأنْكِرهُ بعَيْنٍ أوْ بِقَلْبِ) وَقَالَ ابْن الرُّومِي (وَما أحْدثَ العَصْرانِ شَيْئا نَكَرْتُهُ ... هُما الوَاهِبانِ السَّالبِانِ هُما هُما)

  14. ١٤

    فَلا يَتَّهِمني الكاشِحونَ فَإِنَّني

    رَعَيتُ الرَدى حَتّى حَلَت لي عَلاقِمُه

    الواحدي: يقول لا يتهمني الأعداء بالخوف من الردى والجزع من الفراق فإني قد ذقت المرارات حتى أعتدت ذوقها فلا استمرها والعلقم أشد الأشياء مرارةً وهو لا يحلو لأحد ولكن من اعتاد ذوقه لم يصعب عليه مرارته فكأنه قد حلا له ومعنى رعيت الردى رعيت أسباب الردى من المخاوف والمهالك وكنى بالعلاقم عن المرارات ولهذا قال رعيت لأن العلقم مما يرعى والمعنى أني لا أجزع من الفراق وأن عظم أمره واشتدت مرارته لاعتيادي ذلك كقول الآخر، وفارقت حتى ما أبالي من النوى، وإن بان جيران عليّ كرامُ، وقول المؤرخ، روعت بالبين حتى لا أراع له، وبالمصائب في أهلي وجيران، وهذا المعنى ظاهر في قول الخريمي، لقد وقرتني الحادثات فما أرى لنازلةٍ من ريبها أتوجع،

    العكبري: الْغَرِيب الكاشحون جمع كاشح وَهُوَ الَّذِي يضمر لَك الْعَدَاوَة والعلاقم جمع عَلْقَمَة وَهِي المرارة قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته وَقت الْقِرَاءَة عَلَيْهِ مَا وَجه التُّهْمَة فِي هَذَا الْمَوْضُوع قَالَ أَن يَظُنُّوا بِي جزعا الْمَعْنى يُرِيد لَا يتهمني الْأَعْدَاء بالخوف من الردي والجزع من الْفِرَاق فَإِنِّي قد اعْتدت ذوق المرارات فَلَا أستمرها فقد حلالي أمرهَا وَمن اعْتَادَ ذوق العلاقم حلا لَهُ العلاقم ورعيت الردي يُرِيد أَسبَاب الردى وَالْمعْنَى لَا أجزع من الْفِرَاق وَإِن عظم أمره واشتدت مرارته لِأَنِّي اعْتدت ذَلِك كَقَوْل الآخر (وَفارَقْتُ حَتى لَا أُبالي مِنَ النَّوَى ... وَإنْ بانَ جِيرَانٌ عَلىِّ كِرامُ) وَقَالَ المؤرخ (رُوّعْتُ بالْبَيْنِ حَتى مَا أُراعُ لَهُ ... وَبالمَصائبِ فِي أهْلِي وَجِيراني) وَهَذَا من قَول الخزيمي (لَقَدْ وَقَرَتَنْي الحَادِثاتُ فَما أُرَى ... لنازِلَةٍ مِنْ رَيْبِها أتَوَجَّعُ) وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ من قَول أَوْس بن حجر (لَا تُجْزِعَنِّي بالفرَاقِ فَإنَّني ... لَا تَسْتهِل مِنْ الفِرَاقِ شُئُوِنِي)

  15. ١٥

    مُشِبُّ الَّذي يَبكي الشَبابَ مُشيبُهُ

    فَكَيفَ تَوَقّيهِ وَبانيهِ هادِمُه

    الواحدي: يقول الذي يجزع على فقد الشباب إنما أشابه من اشبه والشيب حصل من عند من حصل منه الشباب فلا سبيل إلى التوقي من المشيب لأن امره بيد غيره

    العكبري: الْغَرِيب أشب يشب فَهُوَ مشب وتوقاه حذره الْمَعْنى الَّذِي يجزع على فقد الشَّبَاب إِنَّمَا أشابه من أشبه فالشيب حضل مِمَّن عِنْده الشَّبَاب فَلَا سَبِيل إِلَى التوقي مِنْهُ لِأَن أمره بيد غَيره فَإِنَّمَا يهدم مَا بناه وَيَأْخُذ مَا أعطَاهُ قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ مَأْخُوذ من قَول ابْن الرُّومِي (تُضَعْضِعُهُ الأوْقاتُ وَهْيَ بَقاؤُهُ ... وَتَغْتالُهُ الأقْوَاتُ وَهْيَ لَهُ طُعْمُ) (إذَا مَا رَأيْتَ الشَّيْءَ يُبْلِيه عُمْرُهُ ... وَيُفْنِيِهِ أنْ يَبْقَى فَفي دَائِهِ عُقْمُ) الضَّمِير فِي توقيه للباكي وَفِي بانيه وهادمه للشباب

  16. ١٦

    وَتَكمِلَةُ العَيشِ الصَبا وَعَقيبُهُ

    وَغائِبُ لَونِ العارِضينِ وَقادِمُه

    الواحدي: يقول تمام العيش هو الصبي اولا ثم ما يتعقبه من بلوغ الأشد حتى يكون يافعا ومترعرعا إلى أن يختلف إلى عارضيه لونا بياضٍ وسوادٍ وغائب لون العارضين هو البياض والقادم هو السواد السابق إلى العارض ويجوز أن يريد بالقادم الشيب من قدم يقدم إذا ورد وبالغائب السواد ال١ي غاب بقدوم البياض ويجوز أ، يكون غائب لون العارضين لون البشرة حين يغيب عنها سواد الشعر وبياضه والقادم هو لون الشعر من سوادٍ الشعر النابت وهذا هو الأولى لأنه يجعل تمام العيش أن يكون الإنسان صبيا ثم مترعرعا ثم يافعا ثم نبت شعره فيكون شابا ولم يجعل الشيب من تكملة العيش لأن، من شاب في الناس مات حيا، يمشي على الأرض مشى هالك، لو كان عمر الفتى حسابا، لكان في شيبه فذلك، وبيت المتنبي من قول ابن الرومي، سلبت سواد العارضين وقبله، بياضهما المحمود إذا أنا أمرد،

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول قَالَ الواحدي تَمام الْعَيْش هُوَ الصِّبَا أَولا ثمَّ مَا يتعقبه من بُلُوغ الأشد حَتَّى يكون يافعا مترعرعا إِلَى أَن يخْتَلف إِلَى عارضيه لونا بَيَاض وَسَوَاد وغائب لون العارضين هُوَ الْبيَاض والقادم هُوَ السوَاد السَّابِق إِلَى الْعَارِض وَيجوز أَن يكون غَائِب لون العارضين لون الْبشرَة حَتَّى يغيب عَنْهُمَا سَواد الشّعْر وبياضه والقادم هُوَ لون الشّعْر من بَيَاض وَسَوَاد وَيجوز أَن يُرِيد بالقادم الشيب من قدم يقدم إِذا ورد وبالغائب السوَاد الَّذِي غَابَ بقدوم الْبيَاض وَيجوز أَن يُرِيد بالغائب لون جلد الْعَارِض الْمُسْتَتر بالشعر وبالقادم سَواد الشّعْر النَّابِت وَهَذَا هُوَ الأولى لِأَنَّهُ يَجْعَل تَمام الْعَيْش أَن يكون الْإِنْسَان صَبيا ثمَّ مترعرعا يافعا ثمَّ ينْبت شعره فَيكون شَابًّا وَلم يَجْعَل الشيب من تَكْمِلَة الْعَيْش لِأَن من شَاب فقد مَاتَ قَالَ (مَنْ شابَ قَدْ ماتَ وَهْوَ حَتّى ... يَمْشِي عَلى الأرْضِ مَشْيَ هالِكْ) وَبَيت المتنبي من قَول ابْن الرُّومِي (سُلِبْتُ سَوَادَ العارِضينَ وَقَبْلَهُ ... بَياضَهما المْحمُودَ إِذْ أَنا أمْرَدُ)

  17. ١٧

    وَما خَضَبَ الناسُ البَياضَ لِأَنَّهُ

    قَبيحٌ وَلَكِن أَحسَنُ الشَعرِ فاحِمُه

    الواحدي: يقول البياض في الشعر حسن ولم يخضب البياض لأنه مستقبح ولكن السواد أحسن منه فالخاضب إنما يطلب الأحسن من لوني الشعر.

    العكبري: الْغَرِيب الفاحم الْأسود الشَّديد السوَاد قَالَ الواحدي الْبيَاض فِي الشّعْر حسن وَلم يخضب الْبيَاض لِأَنَّهُ مستقبح وَلَكِن السوَاد أحسن مِنْهُ فالخاضب إِنَّمَا يطْلب الْأَحْسَن من لون الشّعْر قَالَ أَبُو الْفَتْح ذكر أَن الشيب لم يخضب لِأَنَّهُ قَبِيح وَلَكِن سَواد الشّعْر أحسن وَالْإِنْسَان إِذا شَاب علم أَنه كَبِير السن فزهد فِيهِ فَإِذا خضب ظهر للغواني أَنه شَاب فرغبن فِيهِ وَجَاء فِي الحَدِيث عَلَيْكُم بالخضاب فَإِنَّهُ زِينَة لنسائكم وهيبة لعدوكم وَسُئِلَ بعض الصَّحَابَة هَل خضب رَسُول الله فَقَالَ لم يكن بِهِ من الشيب مَا يُوجب الخضاب وَقيل أَن عبد الْمطلب بن هَاشم نزل بِبَعْض الْمُلُوك فَأمر الْملك بخضابه فَقَالَ عبد الْمطلب (فَلوْ دامَ لِي هذَا المَشيبُ رَضيِتُهُ ... وَكانَ بَدِيلا مِنْ شَبابٍ قَد انْصرَم) قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول ابْن الرُّومِي (إنَّ خَيْراً مِنَ الشَّبابِ بَنُو الفَياَّضِ ... للِمُشترِي أوِ المُعْتاضِ)

  18. ١٨

    وَأَحسَنُ مِن ماءِ الشَبيبَةِ كُلِّهِ

    حَيا بارِقٍ في فازَةٍ أَنا شائِمُه

    الواحدي: أراد بماء الشبيبة نضارتها وحسنها والبارق السحاب ذو البرق والفازة شراع ديباج نصب لسيف الدولة والشائم الناظر إلى البرق يرجو المطر يقول أحسن من الشباب مطر سحاب بارق أنا أنظر إليه يعني سيف الدولة جعله مطر سحاب لجوده وعموم نفعه وكنى بالشيم عن تعليق رجائه به بنتظار جوده وجمع له في هذا البيت بين ضروب من المدح الحسن والجود واستحقاق التأميل.

    العكبري: الْغَرِيب مَاء الشبيبة نضارتها والحيا مَقْصُورَة الْمَطَر وَالْخصب وَهُوَ الَّذِي تحيا بِهِ الأَرْض والبارق السَّحَاب ذُو الْبَرْق اللامع والشائم الَّذِي يرقب مَوضِع الْغَيْث والفازة الْقبَّة والخيمة وَكَانَ سيف الدولة فِي خيمة من ديباج قد وصفهَا أَبُو الطّيب فِي هَذِه القصيدة وتشيب إِلَى الْمَدْح بِأَحْسَن تشبب قَالَ إِن أحسن من مَاء الشبيبة الَّذِي اجْتمع النَّاس على الكلف بوقته ولاأسف لفقده جود يشبه الْغَيْث بكثرته لملك يخلف السَّحَاب بكرمه نرقبه من قبَّة وتنتجعه فِي فازة وَأَشَارَ بذلك إِلَى كرم سيف الدولة قد جمع لَهُ فِي الْبَيْت بَين ضروب وَمن الْمَدْح ثمَّ وصف الْقبَّة فَقَالَ عَلَيْهَا رياض الْبَيْت

  19. ١٩

    عَلَيها رِياضٌ لَم تَحُكها سَحابَةٌ

    وَأَغصانُ دَوحٍ لَم تَغَنَّ حَمائِمُه

    العكبري: الْغَرِيب الرياض جمع رَوْضَة وَهِي الَّتِي ينبتها الْغَيْث وفيهَا الأزهار والدوح جمع دوحة وَهِي الشَّجَرَة الْعَظِيمَة من أَي الْأَشْجَار كَانَت والحمائم جمع حمامة الْمَعْنى شبه أَبْوَابهَا بِقطع الرياض إِلَّا أَن زهراتها مِمَّا لم تحكه أَي تنسجه وتصنعه أَيدي السَّحَاب وأغصان شَجَرهَا مُخَالفَة لأغصان سَائِر الْأَشْجَار لِأَنَّهَا لَا تتغنى عَلَيْهَا حمامها وَلَا تتجاوب طيورها فَأَوْمأ بِهَذَا الِاشْتِرَاط إِلَى أَنَّهَا صُورَة ممثلة وصناعات مؤلفة وَهَذَا نوع بديع من أَنْوَاع الْإِيمَاء وَالْإِشَارَة

  20. ٢٠

    وَفَوقَ حَواشي كُلِّ ثَوبٍ مُوَجَّهٍ

    مِنَ الدُرِّ سِمطٌ لَم يُثَقِّبهُ ناظِمُه

    الواحدي: يصف تلك الفازة بأنها مصورة بصورة رياضٍ وأشجارٍ غير أنها ليست مما انبتته السحاب وحاكته وأغصان تلك الأشجار لا تتغنى حمائمها لأنها صور غير ذات روح

    العكبري: الْغَرِيب الموجه من كل شَيْء ذُو الْوَجْهَيْنِ والسمط السلك وَقيل أَرَادَ بالسمط الدَّوَائِر الْبيض على حَاشِيَة تِلْكَ الأثواب الَّتِي اتَّخذت مِنْهَا الْخَيْمَة شبهها بالدر لبياضها إِلَّا أَنه من نظمه لم يثقبه لِأَنَّهُ لَيْسَ بدر حَقِيقِيّ الْمَعْنى يَقُول كل ثوب يسْتَقْبل من هَذِه الفازة فَوق حَوَاشِيه سموط لآلي تَجْتَمِع غير مثقوبة وتتألف غير منظومة يومىء بِهَذَا الاشتراط إِلَى أَنَّهَا لآلي ممثلة لَا حَقِيقِيَّة وَهُوَ من البديع

  21. ٢١

    تَرى حَيَوانَ البَرِّ مُصطَلِحاً بِها

    يُحارِبُ ضِدٌّ ضِدَّهُ وَيُسالِمُه

    الواحدي: هذه الفازة كانت مصورة باجناس الحيوان يقول تراها مصطلحة بهذه الفازة وعادتها التفارس والتهارش وهي مصالحة لأنها نقوش وأراد بالمحاربة أنها نقشت في صورة المحارب ومعنى المسالمة أنها جماد لا روح فيها فتقاتل.

  22. ٢٢

    إِذا ضَرَبَتهُ الريحُ ماجَ كَأَنَّهُ

    تَجولُ مَذاكيهِ وَتَدأى ضَراغِمُه

    الواحدي: المذاكي المسنة من الخيل وتدأى معناه تختل يقال دأوت له ودأيت أدأى أي ختلته وروى بالذال ومعناه تطرده يقال ذأي الإبل ذأوا إذا طردها يقول إذا طربت الريح هذا الثوب تحرك كأنه يموج وكأن الخيل التي صورت عليه جائلة وكأن أسوده تختل الظباء لتصيدها وتطردها لتدركها

    العكبري: الْغَرِيب المذاكي المسنة من الْخَيل دأيت الرجل أد أَي لَهُ دأبا إِذا ختلته مثل أدوات لَهُ ودأوت لَهُ لُغَة فِي دأيت ودأي الذِّئْب ليَأْخُذ الغزال وَرُوِيَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة من ذأي الْإِبِل إِذا طردها وساقها والضراغم جمع ضرغام وَهُوَ الْأسد الْمَعْنى يَقُول إِذا ضربت الرّيح هَذَا الثَّوْب تحرّك حَتَّى كَأَنَّهُ يموج وَكَأن الْخَيل الَّتِي صورت عَلَيْهِ جائلة وَكَأن أسواد تختل الظباء لتصيدها وتطردها لتدركها

  23. ٢٣

    وَفي صورَةِ الرومِيِّ ذي التاجِ ذِلَّةٌ

    لِأَبلَجَ لا تيجانَ إِلّا عَمائِمُه

    العكبري: الْغَرِيب صُورَة الرُّومِي كَانَ قد صور فِي الْخَيْمَة صُورَة ملك الرّوم والأبلج هُوَ النَّفْي مَا بَين الحاجبين وَهُوَ من صفة السَّادة والتيجان لملوك الْأَعَاجِم والعمائم للْعَرَب وَفِي كَلَامهم الْقَدِيم العمائم تيجان الْعَرَب وَالسُّيُوف أرديتها والحبا جدرانها الْمَعْنى يَقُول صُورَة ملك الرّوم على هَذَا الثَّوْب ساجد لسيف الدولة وَقد خضع لَهُ وتذلل على عَادَته وَإِن كَانَ متوجا فَإِن التيجان فِي الْحَقِيقَة والعمائم الَّتِي على رَأس سيف الدولة وَإِن أرفع الرَّأْي رَأْي من تكون لَهُ الْغَلَبَة وتعرف مِنْهُ الْقُدْرَة وروى الواحدي لأباخ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ المتكبر الْعَظِيم فِي نَفسه بَلخ بِالْكَسْرِ وتبلخ أَي تكبر فَهُوَ أبلخ بَين البلخ قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ عكس قَول ابْن الرُّومِي (رُؤُوسٌ مَرَائِيسٌ قَدِيما تعمَّمتْ ... لَعَمْركَ بِالتِّيجان لَا بِالعَمائم)

  24. ٢٤

    تُقَبِّلُ أَفواهُ المُلوكِ بِساطَهُ

    وَيَكبُرُ عَنها كُمُّهُ وَبَراجِمُه

    الواحدي: يقول الملوك يخدمونه بتقبيل بساطه ولا يبلغون أن يقبلوا كمه أو يده لأنه اعظم شأنا من ذلك.

    العكبري: الْغَرِيب الْكمّ كم الثَّوْب وَهُوَ الَّذِي تخرج مِنْهُ الْيَد والبراجم الْأَصَابِع وَهِي رُؤُوس السلاميات من ظَاهر الْكَفّ وَقيل عروق ظَاهر الْكَفّ وَقيل عظامها والبراجم بطن من تَمِيم وَمن أمثالهم إِن الشقي وَافد البراجم وَقيل جمع برجمة وَهِي النواشر من مفاصل الْأَصَابِع الْمَعْنى يَقُول الْمُلُوك يخدمونه ويقبلون بساطه بأفواههم عِنْدَمَا يقعون لَهُ سجدا لأَنهم لَا يقدرُونَ على تَقْبِيل كمه وَيَده لارتفاعه وعلو مَكَانَهُ لانه أعظم شَأْنًا من ذَلِك فهم يستغنون عَن تَقْبِيل كمه بتقبيل بساطه إعظاما لقدره واعترافا لفضله

  25. ٢٥

    قِياماً لِمَن يَشفي مِنَ الداءِ كَيُّهُ

    وَمَن بَينَ أُذنَي كُلِّ قَرمٍ مَواسِمُه

    الواحدي: قياما مصدر لم يذكر فعله كأنه قال قاموا قياما يريد أنهم قاموا بين يديه وكنى بالكي عن ضربه وطعنه ولذعة حربه وبالداء عن غوائل الاعداء ومعنى البيت أنه يرد بالطعن والضرب من عصاه إلا طاعته كما يرد من به داء إلى الصحة بالكي والمواسم جمع الميسم وهو ما يوسم به ويقال أيضا المباسم بالباء على لفظ المبسم وهذا مثل يضرب به يريد أن كل ملك عظيم قد ذلك له وبان عليه أثر قهره إياه

    العكبري: الْإِعْرَاب قيَاما مصدر لم يذكر فعله وَهُوَ حَال من الْمُلُوك الْغَرِيب القرم السَّيِّد والمواسم جمع ميسم وَهُوَ الَّذِي يوسم بِهِ الْمَعْنى يُرِيد انهم قيام بَين يَدَيْهِ أذلاء وكنى بالكي عَن طعنه وضربه بالداء عَن غوائل الْأَعْدَاء فَهُوَ يرد بالطعن وَالضَّرْب من عَصَاهُ إِلَى طَاعَته كَمَا يرد من بِهِ دَاء إِلَى الصِّحَّة بالكي وَهَذَا مثل ضربه يُرِيد أَن كل ملك عَظِيم قد ذلله وَبَان عَلَيْهِ أثر قهره إِيَّاه

  26. ٢٦

    قَبائِعُها تَحتَ المَرافِقِ هَيبَةً

    وَأَنفَذُ مِمّا في الجُفونِ عَزائِمُه

    الواحدي: القبائع جمع القبيعة وهي حديدة فوق مقبض السيف ولم يجر لها ذكر يقول قاموا عنده متكئين على قبائع سيوفهم هيبةً له وتعظيما ثم قال عزائمه أنفذ من نصال السيوف وهي ما في الجفون.

    العكبري: الْإِعْرَاب القبائع جمع قبيعة وَهِي قبيعة السَّيْف وَهِي الحديدة الَّتِي فَوق مقبض السَّيْف وَأَرَادَ قبائع سيوف الْمُلُوك فَحذف الْمُضَاف الْمَعْنى كني عَن السيوف وَلم يجر لَهَا ذكر وَهُوَ كثير فِي كَلَامهم وَالْكتاب الْعَزِيز يَقُول قَامُوا عِنْده متكئين على قبائع سيوفهم هَيْبَة لَهُ وتعظيما لَهُ وعزائمه إِذا عزم على الْأُمُور كَانَت أمضي من السيوف والجفون أغمدة السيوف وَاحِدهَا جفن

  27. ٢٧

    لَهُ عَسكَراً خَيلٍ وَطَيرٍ إِذا رَمى

    بِها عَسكَراً لَم يَبقَ إِلّا جَماجِمُه

    الواحدي: يقول له عسكران خيله والطير التي تطير معها للوقوع على القتلى فإذا رمى عسكرا بعسكره لم يبق إلا عظام الجماجم لأن عسكر الخيل يقتلهم وعسكر الطير يأكلهم والطير في بها يعود إلى الخيل والطير جميعا

    العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي بهَا للخيل وَالطير فَلَمَّا جعلهَا جمَاعَة كني عَنْهَا بِلَفْظ الْجمع وَلم يكن عَنْهَا بالتثنية للعسكرين الْغَرِيب الجماجم جمع جمجمة وَهِي عظم الرَّأْس الْمَعْنى يَقُول ان الطير تصْحَب عسكره اعتيادا لِكَثْرَة وقائعها لتأكل من لُحُوم الْقَتْلَى فَكَأَنَّهَا من عديد حشمه فَإِذا رمي عسكرا بخيله وطيره أهلكه وَهُوَ من قَول النَّابِغَة (إِذا مَا غَزَوْا فِي الجَيْشِ حَلِّقَ فْوقَهمْ ... عَصائِبُ طَيرٍ تَهْتَد بعَصائِبِ) وَقَالَ ابْن وَكِيع لَا ادري كَيفَ خص الجماجم بِالْبَقَاءِ دون سَائِر الْعِظَام وَلَا أعرف للخيل فِي هَذَا معنى بل للطير لِأَنَّهَا لَا تَأْكُل عِظَام الْمَوْتَى وَذَلِكَ أَن الْخَيل إِذا حملت من عَلَيْهَا أهلكوا من وقف وَالطير تاكلهم فَلَا تدع إِلَّا الْعِظَام للوحش وَخص الجماجم من بَين الْعِظَام لِأَنَّهَا اكبر عظم فِي الْإِنْسَان وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى إِنَّهُم كَانُوا يقتلُون وَيَأْسِرُونَ فَكَانُوا يَأْخُذُونَ رُؤُوس الْقَتْلَى يجعلونها فِي أَعْنَاق الأساري فَلهَذَا لم تبْق إِلَّا الجماجم

  28. ٢٨

    أَجِلَّتُها مِن كُلِّ طاغٍ ثِيابُهُ

    وَمَوطِئُها مِن كُلِّ باغٍ مَلاغِمُه

    الواحدي: الملاغم ما حول الفم وهي موضع اللغام يقول أجلة خيلة ثياب كل طاغٍ من ملوك الروم ومواطىء حوافرها وجه كل باغ منهم.

  29. ٢٩

    فَقَد مَلَّ ضَوءُ الصُبحِ مِمّا تُغيرُهُ

    وَمَلَّ سَوادُ اللَيلِ مِمّا تُزاحِمُه

    الواحدي: أراد ما تغير فيه فحذف الجار ووصل الهاء كقول الراجز، في ساعةٍ تحبها الطعاما، أي تحب فيها الطعام وكانوا يغيرون وقت الصبح ليتغفلوا القوم ولذلك كانوا يقولون عند الغارة وا صباحاه يقول لكثرة غاراتك في وقت الصبح قد مل الصبح منها ومل الليل من مزاحمتك أياه وهو أن يبلغ كل موضع يبلغه الليل هذا هو المعنى المعروف لهذا البيت والتاء في تغيره وتزاحمه يجوز أن تكون للخطاب ويجوز أن تكون للخيل وقيل في معنى هذا البيت تغيره تحمله على الغيرة مما يزيد على بياضه بريق اسلحتك وتزاحم الليل فتذهب ظلمته بضوء أسلحتك.

    العكبري: الْإِعْرَاب أَرَادَ تغير فِيهِ فَحذف الظّرْف وأوصل الْفِعْل كَقَوْل الراجز (قَدْ صُبِحَتْ بِصَبْحِها السًّلامُ ... بِكَبدِ يَتْبَعُها سنامُ) (فِي ساعةٍ يُحيبُّها الطَّعامُ ... ) يُرِيد يحب فِيهَا وكقولهم أَقمت ثَلَاثًا مَا أذوقهن طَعَاما أَي أذواق فِيهِنَّ وَالضَّمِير فِي تزاحمه مفعول بِهِ وَلَيْسَت فِي معنى تزاحم فِيهِ لِأَنَّهُ يتَعَدَّى بِنَفسِهِ الْمَعْنى يُرِيد أَنه كَانَ يُغير عِنْد الصُّبْح وَهُوَ عَادَة الْعَرَب فِي غاراتها لليغفلوا الْقَوْم وَكَانُوا يَقُولُونَ عِنْد الْغَارة واصباحاه فَيَقُول قد مل الصُّبْح وسئم وضجر مِمَّا تغير فِيهِ وَكَذَا اللَّيْل من مزاحمتك هُوَ أَنَّك تبلغ كل مَوضِع يبلغهُ اللَّيْل وَقَالَ الواحدي تغير وتزاحمه يجوز أَن يكون للخطاب وَيجوز أَن يكون للخيل وَقيل فِي معنى الْبَيْت تغيره تحمله على الْغيرَة بِمَا يزِيد على بياضه بريق أسلحتك وتزاحم اللَّيْل فتذهب ظلمته بضوء أسلحتك وَقَالَ ابْن الإفليلي تزاحم اللَّيْل بغبار خيلك فَكَأَنَّهُ ليل آخر

  30. ٣٠

    وَمَلَّ القَنا مِمّا تَدُقُّ صُدورَهُ

    وَمَلَّ حَديدُ الهِندِ مِمّا تُلاطِمُه

    الواحدي: يقول ملت رماح الأعداء من دقك أعاليها وملت سيوفهم من ملاطمتك إياها وأراد بالملاطمة مقابلتها بالترسة والمجان فذلك ملاطمة بينهما ويجوز أن يريد رماح خيله وسيوفها على ان ترفع الصدور يقول ملت رماحك من كثرة ما تدق صدورها اعداءك وملت سيوفك من الشيء الذي تلاطمه لكثرة وقعها عليه.

  31. ٣١

    سَحابٌ مِنَ العِقبانِ يَزحَفُ تَحتَها

    سَحابٌ إِذا اِستَسقَت سَقَتها صَوارِمُه

    الواحدي: جعل العقبان التي تطير فوق خيله سحابا وجعل خيله أيضا سحابا لما فيها من بريق الأسلحة وصب الدماء وصوت الأبطال وجعل الأسفل يسقي الأعلى أغرابا في الصنعة وهذا المعنى وهو صحبة الطير للجيش كثير في الشعر قال الأفوه الأودى، وترى الطير على آثارنا، رأى عين ثقة أن ستمار، معناه تعطى الميرة بما تجد من لحوم القتلى ومثله قول النابغة، إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم، عصائب طير تهتدى بعصائب، وقال أبو نواس، تتأيّا الطير غدوته، ثقة بالشبع من جزره، وبيت المتنبي من قول أبي تمام، وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى، بعقبان طير في الدماء نواهل، أقامت من الرايات حتى كأنها، من الجيش إلا أنها لم تقاتل،

    العكبري: الْغَرِيب العقبان جمع عِقَاب وَهُوَ طَائِر كَبِير مَعْرُوف من الْجَوَارِح وَأَنت السَّحَاب الثَّانِي وَذكر الْأَخير الأول وَذَلِكَ أَن كل جمع بَينه وَبَين واحده الْهَاء يجوز تذكيره وتأنيثه فَذكر الثَّانِي وَأَنت الأول أَخذ بالأمرين وَلَو قَالَ تَحْتَهُ لما تغير الْوَزْن وَيجوز أَن يكون التَّأْنِيث لجمع العقبان والصوارم جمع صارم وَهُوَ السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى أَنه جعل الطير الَّتِي تطير فَوق عسكره سحابا وَجعل جَيْشه سحابا لما فِيهِ من بريق الأسلحة وصب الدِّمَاء وَصَوت الْأَبْطَال وَجعل الْأَسْفَل يسْقِي الْأَعْلَى إغرابا فِي الصَّنْعَة شبه العقبان بسحب يظل الجيوش ويزحف تحتهَا سَحَاب يُرِيد الْجَيْش إِذا استسقت العقبان بِطَلَب الدَّم سقتها صوارمه لِأَنَّهَا تقتل الْأَعْدَاء فَتَشرب العقبان دِمَاء الْقَتْلَى هَذَا قَول أبي الْفَتْح وَنَقله الواحدي حرفا فحرفا انْتهى كَلَامهمَا وتعنت قوم على أبي الطّيب مِمَّن هُوَ مقصر فِي معرفَة تدقيق الْمعَانِي بأمرين أَحدهمَا قَالَ إِن السَّحَاب لَا يسْقِي مَا فَوْقه وَالْآخر أَن الطير لَا تستقي وَإِنَّمَا تستطعم أما إسقاء السَّحَاب مَا فَوْقه فَهُوَ الَّذِي أغرب بِهِ فَإِنَّهُ لم يَجْعَل الْجَيْش سحابا فِي الْحَقِيقَة فَيمْتَنع إسقائه لما فَوْقه وَإِنَّمَا أَقَامَهُ مقَام السَّحَاب لِأَنَّهُ طبق الأَرْض لكثرته وتزاحمه وغطاها كَمَا يُغطي السَّحَاب السَّمَاء وَقد فعلت الْعَرَب ذَلِك فِي أشعارها وَلما جعله يَسْتَسْقِي فيسقي مَعَ أَن الطير لَا تصيب من الْقَتْلَى مَا تصيبه وَهِي فِي الجو وَإِذا كَانَت تهبط إِلَى الأَرْض حَتَّى تقع على الْقَتْلَى فالسحاب الساقي عَال عَلَيْهَا وَأما استسقاء الطير فجار على عَادَة الْعَرَب فِي أشعارها فِي اسْتِعْمَال هَذِه اللَّفْظَة تَعْظِيمًا لقدر المَاء كَقَوْل عَلْقَمَة بن عَبده (وَفِي كُلّ حَىّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَة ... فَحَقّ لِشأسٍ مِنْ نَداَكَ ذَنُوبُ) وَكَانَ ملك الشَّام قد أسر أَخَاهُ شأسأ فَبعث إِلَيْهِ بِهَذِهِ الأبيات يطْلب مِنْهُ أَن يفكه وأصل الذُّنُوب الدَّلْو الْعَظِيمَة إِذا كَانَ فِيهَا المَاء وَقد قَالَ رؤبة (يَا أُيها المَائحُ دَلْوي دُونكا ... إنّي رَأيْتُ النَّاسَ يَحمَدُونكا) وهما لم يستسقيا مَاء فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا أَحدهمَا إستطلق أَسِيرًا وَالْآخر طلب عَطاء كثيرا وَأما قَوْله فِي صُحْبَة الطير لحبشة فَهُوَ كثير فِي الأشعارهم قَالَ الأفوه الأودي (وَتَرىَ الطَّيْرَ عَلى آثارِنا ... رَأيَ عَينٍ ثِقَةً أنْ سَمُّارُ) مَعْنَاهُ تُعْطِي الْميرَة بِمَا تَجِد من لُحُوم الْقَتْلَى قَالَ النَّابِغَة (إذَا مَا غَزَوْا بالجَيشِ حِلقَّ فوْقَهمْ ... عَصائِبُ طَيرٍ تَهْتَدي بِعَصائبِ) وَقَالَ أَبُو نواس (يَتَأيَّا الطَّيْرُ غَدْوتَهُ ... ثِقَةً بالشِّبَعِ مِنْ جَزَرِهْ) وَبَيت أبي الطّيب مَنْقُول من قَول حبيب (وَقَدْ ظُلِّلَتْ عِقْبانُ أعْلامِهِ ضُحىً ... بِعِقْبان طَيرٍ فِي الدّماءِ نَوَاهِلِ) (أقامَتْ مَعَ الرَّاياتِ حَتَّى كَأنَّها ... مِنْ الجَيْشِ إلَاّ أَّنها لمْ تُقاتِلِ)

  32. ٣٢

    سَلَكتُ صُروفَ الدَهرِ حَتّى لَقَيتُهُ

    عَلى ظَهرِ عَزمٍ مُؤيَداتٍ قَوائِمُه

    الواحدي: أي خضت حوادث الدهر حتى لقيت سيف الدولة يصف كثرة ما عانى من الحوادث حتى بلغه وجعل عزمه مركوبه لأنه بعزمه يسافر واستعار له ظهرا لما كان محمول عزمه ولما استعار له الظهر استعار له القوائم وجعلها مؤيدات مقويات من آيده إذا قواه

    العكبري: الْغَرِيب المؤيدات القويات يُقَال أيدته قويته وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿ذَا الأيد إِنَّه أواب﴾ يُرِيد الْقُوَّة الْمَعْنى يصف كَثْرَة مَا لَقِي من صروف الدَّهْر وتقلبه وشدته حَتَّى لَقِي سيف الدولة وَجعل عزمه مركوبا لَهُ لِأَنَّهُ لَا يُسَافر إِلَّا بعزمه وَلما جعله مركوبا جعل لَهُ ظهرا وقوائم وَجعلهَا مؤيدات قويات وَهَذَا كُله على سَبِيل الِاسْتِعَارَة

  33. ٣٣

    مَهالِكَ لَم تَصحَب بِها الذِئبَ نَفسُهُ

    وَلا حَمَلَت فيها الغُرابَ قَوادِمُه

    الواحدي: نصب مهالك كأنه أبدلها من الصروف وليس إنتصابها على البدل لأنها لا تكون من صروف الدهر في شيء ولكنها منتصبة بفعل دل عليه معنى الكلام كأنه قال قطعت مهالك لو سلكها الذئب لم تصحبه روحه لأنه يموت فيها جرعا وكذلك الغراب لا يقطعها وخص هذين لأنهما يألفان القفار والمواضع البعيدة من الناس ولهذا يقال لهما الأصرمان وإذا لم يقطعاها فغيرهما أعجز

    العكبري: الْإِعْرَاب نصب مهالك بِفعل دلّ عَلَيْهِ الْكَلَام تَقْدِيره قطعت مهالك وَقد قَالَ قوم هِيَ بدل من صروف وَلَا يجوز ذَلِك لِأَنَّهَا لَيست من صروف الدَّهْر فِي شَيْء الْغَرِيب القوادم صُدُور ريش الْجنَاح من الطَّائِر أَربع فِي كل جنَاح الْمَعْنى يَقُول قطعت إِلَى لِقَاء سيف الدولة مهالك لَو قطعهَا الذِّئْب لما صحبته نَفسه لشدَّة الْخَوْف لِأَنَّهُ يَمُوت خوفًا فِيهَا والغراب لَو سلكها لم تصحبه قوادمه وَلم يقدر على الطيران وَخص الْغُرَاب وَالذِّئْب لِأَنَّهُمَا يألفان الْأَمْكِنَة الْبَعِيدَة عَن النَّاس وَإِذا كَانَا عاجزين عَن قطع هَذِه المهالك فغيرهما أعجز عَن قطعهَا

  34. ٣٤

    فَأَبصَرتُ بَدراً لا يَرى البَدرُ مِثلَهُ

    وَخاطَبتُ بَحراً لا يَرى العِبرَ عائِمُه

    الواحدي: يقول أبصرت من سيف الدولة بدرا في الصباحة والطلاقة لا يرى بدر السماء مثله مع اطلاعه على الدنيا كلها وخاطبت منه بحرا لا يرى السابح فيه ساحله

    العكبري: الْغَرِيب عبر النَّهر شطه والعائم السابح الْمَعْنى يَقُول أَبْصرت بَدْرًا إِذا طلع الْبَدْر لم ير تَحْتَهُ مثله فاستعار الرُّؤْيَة للبدر قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو قَالَ لَا يرى الْبَدْر مثله على أَن يكون مثله فَاعِلا لَكَانَ جيدا وَالْمعْنَى يَقُول أَبْصرت من سيف الدولة فِي الْحسن والصباحة والطلاقة بَدْرًا لَا يرى بدر التَّمام مثله مَعَ اطِّلَاعه على الدُّنْيَا كلهَا وخاطبت مِنْهُ بحرا لَا يرى السابح فِيهِ ساحله يُرِيد بدر كرم وَمولى نعم يستعظم الْبَدْر أمره ويصغر دونه وَلَا يعْهَد مثله وَفِيه نظرا إِلَى قَول الشَّاعِر (وَإنَّ منَّا أُناسا لَوْ أعانُهمُ ... دَهْرٌ رَأيْتَ بُحوُرا مَا لَها طَرَفُ) وَقَول البحتري (وَمَنْ يَرَ جَدْوَى يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدٍ ... يَرَ البَحْرَ لمْ يَجْمَعَ جَنابَيْهِ ساحلٌ) إِلَّا ان أَبَا الطّيب زَاد عَلَيْهِمَا بالبدر وجزالة اللَّفْظ

  35. ٣٥

    غَضِبتُ لَهُ لَمّا رَأَيتُ صِفاتِهِ

    بِلا واصِفٍ وَالشِعرُ تَهذي طَماطِمُه

    الواحدي: الطماطم جمع الطمطم وهو الذي لا يفصح يقول لما رأيت صفاته لا واصف لها مع كثرة طماطم الشعر يعني الشعراء الذين يمدحونه فغضبت لأجله وسبب غضبه قصور شعرائه عن بلوغ وصفه

    العكبري: الْغَرِيب الطماطم جمع طمطم وَهُوَ الَّذِي لَا يفصح يُقَال رجل طمطم بِالْكَسْرِ إِذا كَانَ فِي لِسَانه عجمة لَا يفصح وطمطماني بِالضَّمِّ وطماطم وَقَالَ عنترة (تأوى لَهُ قلص النعام كَمَا أوت ... حزق يَمَانِية لأعجم طمطم) وَقَالَ كثير (وَمُقَرَبَةٌ دُهْمٌ وَكُمْتٌ كَأَّنَها ... طَماطُم يُوفُونَ الوَقارَ عنادِلُ) الْمَعْنى يَقُول لما رَأَيْت صِفَاته وَهِي كَثِيرَة جليلة غضِبت لكثرتها بِلَا واصف من شعرائه الَّذين يمدحونه لقصورهم عَن وصفهَا فَلَمَّا رَأَيْت الشُّعَرَاء مقصرين عَن وصفهَا فِي الْمَدْح جِئْت إِلَيْهِ ليعلم مَكَاني فِي الْمَدْح وَشبه مَا كَانَ مدح بِهِ الممدوح بالطماطم الَّتِي هِيَ أصوت لَا تفهم لأَنهم لَا يحسنون أَن يمدحوه وَلَا أَن يَأْتُوا بأوصافه على الاسْتقَامَة

هذه القصيدة بشرح الواحدي، والعكبري

أبيات مشهورة منها(٦)
التعليقات(٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.