١إِثلِث فَإِنّا أَيُّها الطَلَلُ
نَبكي وَتُرزِمُ تَحتَنا الإِبلُ
الواحدي: أثلث أي كن ثالثا من قولهم ثلثت الرجلين أثلثهما إذا صرت ثالثهما والأرزام حنين الناقة يقول للطلل كن ثالثنا في البكاء على فقد الأحبة فإنا نبكي والإبل ترزم بحنين كالبكاء ومن هذا قول التهامي، بكيت فحنت ناقتي فأجابها، صهيل جوادي حين لاحت ديارها،
٢أَولا فَلا عَتبٌ عَلى طَلَلِ
إِنَّ الطُلولَ لِمِثلِها فُعُلُ
الواحدي: أو ل تبك فلا عتب عليك في ترك البكاء فإن الطلول فاعلة لمثل هذه الفعلة من ترك المساعدة على البكاء لأنه ليس من عادتها البكاء
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَا عتب عَلَيْك فِي ترك الْبكاء فَإِن الطلول لَيْسَ من عَادَتهَا الْبكاء فَهِيَ فاعلة لمثل هَذِه الفعلة فِي ترك المساعدة على الْبكاء يعذرهُ فِي ترك الْبكاء
٣لَو كُنتَ تَنطِقُ قُلتَ مُعتَذِراً
بي غَيرُ ما بِكَ أَيُّها الرَجُلُ
الواحدي: يقول للطلل لو كنت ذا نطق لاعتذرت في ترك البكاء بما ذكر في قوله
٤أَبكاكَ أَنَّكَ بَعضُ مَن شَغَفوا
لَم أَبكِ أَنِّيَ بَعضُ مَن قَتَلوا
الواحدي: أي لقلت لي الذي بي أكثر مما بك لأنهم شغفوك حبا فأذهبوا قلبك وقتلوني بارتحالهم عني والقتيل لا يقدر على البكاء
٥إِنَّ الَّذينَ أَقَمتَ وَاِحتَمَلوا
أَيّامُهُم لِدِيارِهِم دُوَلُ
الواحدي: هذا من كلام الطلل أيضا يقول إن الذين ارتحلوا وأقمت بعدهم أو أقمت على خطاب المتنبي ديارهم تعمر بنزولهم أيام مقامهم وتخرب بارتحالهم هذا معنى قوله أيامهم لديارهم دول
العكبري: الْإِعْرَاب إِن الَّذين يجوز أَن يكون من كَلَام الطلل مُتَّصِلا بالْكلَام المحكي عَنهُ وَلَا يمْتَنع أَن يكون من خطاب أبي الطّيب لَهُ فَيجوز ضم التَّاء وَفتحهَا من أَقمت الْغَرِيب الدول جمع دولة وَهِي مُدَّة مقَام الْأَحِبَّة فِي الطلل الْمَعْنى يَقُول للطلل إِن الَّذين رحلوا عَنْك وبعدوا بجماعتهم أيامهم للديار الَّتِي يحلونها والمنازل الَّتِي يتخيرونها دوَل سرُور مُسْتَقْبلَة وَأَيَّام جذل مستأنفة وَالَّذِي صرف عَنْك من ذَلِك يوحشك وَمَا منعته مِنْهُم لَا محَالة يؤلمك
٦الحُسنُ يَرحَلُ كُلَّما رَحَلوا
مَعَهُم وَيَنزِلُ حَيثُما نَزَلوا
العكبري: الْمَعْنى يَقُول الْحسن يرحل مَعَ الَّذين هاجنا الْحزن لرحيلهم وَينزل مَعَهم بِالْمَكَانِ الَّذِي ينزلونه فَلَا يفارقهم انقياد لأمرهم وَلَا يتَأَخَّر عَنْهُم كلفا بهم
٧في مُقلَتي رَشَأٍ تُديرُهُما
بَدَوِيَّةٌ فُتِنَت بِها الحِلَلُ
الواحدي: يقول الحسن في مقلتين مستعارتين من رشأ تديرهما امرأة بدوية صارت الحلل وهم القوم الذين حلوا معها مفتونين بها لحسنها
العكبري: الْإِعْرَاب الظّرْف يتَعَلَّق بِمَا قبله يُرِيد أَن الْحسن فِي مقلتي رشأ يرحل برحيله الْغَرِيب الرشأ ولد الظبية الصَّغِير وَالْحلَل جمع حلَّة وَهِي الْقَوْم المجتمعون فِي بيُوت مجتمعة للنزول والبدوية الساكنة البدو والبداوة بِالْفَتْح وَالْكَسْر الْإِقَامَة فِي الْبَادِيَة وَهِي خلاف الْحَاضِرَة وَقَالَ ثَعْلَب لَا أعرف الْفَتْح إِلَّا عَن أبي زيد وَحده وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ بداوي الْمَعْنى يُرِيد أَن الْحسن يرحل فِي مقلتين مستعارتين من ظَبْي صَغِير تديرهما امْرَأَة سَاكِنة البدو وَقد فتنت بهما أهل الْحلَل الَّذين حلوا مَعهَا يُرِيد أَن الْجَمِيع الْحسن الَّذِي أرفع فِي وَصفه وَأَطْنَبَ فِيمَا اجتلب من ذكره فِي مقلتي ظَبْي تديرهما سَاحِرَة الطّرف ناعمة ظَاهِرَة الظّرْف تفتن من رَآهَا
٨تَشكو المَطاعِمُ طولَ هِجرَتِها
وَصُدودِها وَمَنِ الَّذي تَصِلُ
الواحدي: يريد أنها قتين قليلة الطعم وذلك يحمد في النساء فالمطاعم وهي الأطعمة تشكو أنها هجرتها ثم قال ومن تواصله هذه أي أن هجرت الطعام فإنها لا تواصل أحدا والهجر من عادتها
العكبري: الْإِعْرَاب روايتنا فِي صدودها بِالنّصب والجر عَن شَيْخي فالنصب عطف على طول والجر عطف على هجرتهَا الْمَعْنى يَقُول إِن المطاعم وَهِي الْأَطْعِمَة تَشْكُو قلَّة رغبتها فِيهَا وَهُوَ حميد فِي النِّسَاء وَدَلِيل على الخفر يُرِيد أَنَّهَا قَليلَة الْأكل ثمَّ قَالَ إِن هجرت الطَّعَام فَإِن من عاداتها الهجر فَإِنَّهَا لَا تواصل أحدا وَمن الَّذِي تواصله مَعَ موضعهَا من الْجَلالَة والرفعة والمنعة
٩ما أَسأَرَت في القَعبِ مِن لَبَنٍ
تَرَكَتهُ وَهوَ المِسكُ وَالعَسَلُ
الواحدي: الذي أبقته من شرابها في القدح من اللبن تركته مسكا وعسلا يريد عذوبة ريقها وطيب نكهتها وإن سورها كالمسك والعسل وما مبتدأ وتركته الخبر كما تقول زيد ضربه عمرو
العكبري: الْإِعْرَاب الْجُمْلَة الابتدائية فِي مَوضِع الْحَال من تركته وَمَا أسأرت بِمَعْنى الَّذِي وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره تركتهه كَقَوْلِك مَا ضربه زيد عَمْرو الْغَرِيب السؤر مَا أبقاه الشَّارِب لغيره وَالْجمع الإسار وَإِذا شربت فأسئر أَي أبق والنعت مِنْهُ سآر على غير قِيَاس وَقِيَاسه مسئر وَنَظِيره أجْبرهُ فَهُوَ جَبَّار قَالَ الأخطل (وشارِبٍ مُربِحٍ بالكأسِ نادمَنِي ... لَا بالحصُورِ وَلَا فِيها بسَئَّارِ) يُرِيد لَا يسئر كثيرا وَأدْخل الْبَاء فِي الْخَبَر لانه ذهب بِلَا مَذْهَب لَيْسَ لمضارعته لَهُ فِي النَّفْي والقعب قدح من خشب مقعر وحافر مقعب مشبه بِهِ وَالْجمع قعبة الْمَعْنى يَقُول الَّذِي أبقته فِي الْقدح من شرابها تركته مسكا وَعَسَلًا يُرِيد عذوبة رِيقهَا وَطيب نكهتها وان سؤرها كالمسك فِي أرجه وفوحه وَالْعَسَل فِي حلاوته وطيبه وَفِيه نظر إِلَى قَول جميل (فَلَو تَفَت فِي البَحْرِ وَالبَحْرُ مالِحٌ ... لَعادَ أُجاجُ البَحْرِ مِن رِيقِها عَذْبا)
١٠قالَت أَلا تَصحو فَقُلتُ لَها
أَعلَمتِني أَنَّ الهَوى ثَمَلُ
الواحدي: أي قالت لي عاذلةً على العشق ألا تصحو من بطالتك فقلت لها أخبرتني في فحوى كلامك حين أمرتني بالصحو أن الهوى سكر لأن الصحو لا يكون من غير السكر وهذا إشارة إلى أنه كان غافلا عن حال نفسه لشدة هيمانه وإنها نبهته على أنه سكران من الهوى
العكبري: الْغَرِيب الثمل السَّكْرَان والثمل السكر الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَت لي عاذلتي على الْعِشْق أَلا تصحو من بطالتك فَقلت لَهَا أَخْبَرتنِي فِي فحوى كلامك حِين أَمرتنِي بالصحو إِن الْهوى سكر لَان الصحو لَا يكون من غير السكر وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه كَانَ غافلا عَن حَال نَفسه لشدَّة هيمانه وَإِنَّمَا نبهته على أَنه سَكرَان من الْهوى انْتهى كَلَامه وَالْمعْنَى قلت لَهَا إِن الْهوى سكر يغلب على الْعقل والمبتلى بِهِ لَا يصغي إِلَى الْمَلَامَة والعذل
١١لَو أَنَّ فَنّاخُسرَ صَبَّحَكُم
وَبَرَزتِ وَحدَكِ عاقَهُ الغَزَلُ
الواحدي: صبحكم أتاكم صباحا للغارة قال ابن جنى ما أحسن ما كنى عن الانهزام بقوله عاقه الغزل قال ابن فورجة لو كانت هذه إحدى السعالي لما هزمت أحدا فكيف عضد الدولة وما وجه الهزيمة عمن توصف بالحسن وقال فيها بدوية فتنت بها الحلل وإنما هذا وصف لعضد الدولة بالرغبة عن النساء والتوفر على الجد ثم لما بالغ في الوصف هذا وأراد الخلوص من الغزل إلى المدح أتى بالغاية في ذكر حسنها حتى لو أن عضد الدولة مع جده وتوفره على تدبير الملك تعرضت له هذه المرأة لقدحت في قلبه غزلا عاقه عن الرجوع عنها ألا تراه يقول بعده ما كنت فاعلةً وضيفكم البيت فكيف يضاف المنهزم وإنما غلط لما سمع قوله وتفرقت عنكم كتائبه وإنما تتفرق حينئذٍ عنهم لتوفرها على الغزل واللهو ولذة الظفر بالحبيب
العكبري: الْغَرِيب فناخسر من أَسمَاء الدليم وَهُوَ اسْم عضد الدولة وصبحكم أَتَاكُم صباحا للغارة يُقَال صبحهمْ وصبحهم مشددا ومخففا إِذا أَتَاهُم صباحا للغارة قَالَ الشَّاعِر (ونْحنُ صبَحْنا آل نجْران غَارة ... تمِيم بْن مُرّ والرّماح الدَّواعسا) تَمِيم بن مر بدل من غَارة والرماح معطوفة عَلَيْهِ والغزل الكلف بِأُمُور النِّسَاء الْمَعْنى يَقُول لَو أصبح أَرْضك هَذَا الممدوح مَعَ عفته وجده فِي الْأُمُور واعتبرنا جيشان بجيوشه وبرزت لَهُ وَحدك لعافه غزل الْحبّ عَمَّا استظهر بِهِ من الجموع للحرب قَالَ أَبُو الْفَتْح مَا أحسن مَا كنى عَن الْهَزِيمَة بقوله عاقه الْغَزل وَقَالَ ابْن فورجة لَو كَانَت هَذِه إِحْدَى السعالي لما هزمت أحد فَكيف عضد الدولة وَمَا وَجه الْهَزِيمَة عَمَّن تُوصَف بالْحسنِ وَيُقَال فِيهَا بدوية فتنت بهَا الْحلَل وَإِنَّمَا هَذَا وصف لعضد الدولة بالرغبة عَن النِّسَاء والتوفر على الْجد ثمَّ لما بَالغ فِي وصف هَذِه وَأَرَادَ الْخُرُوج إِلَى الْمَدْح أَتَى بالغاية فِي ذكر حسنها حَتَّى لَو أَن عضد الدولة مَعَ توفره وجده على تَدْبِير الْملك لَو تعرضت لَهُ هَذِه الْمَرْأَة لقدحت فِي قلبه غزلا عاقه عَن الرُّجُوع عَنْهَا أَلا ترَاهُ يَقُول بعده مَا كنت فاعلة وضيفكم وَكَيف يُضَاف المنهزم وَإِنَّمَا غلط أَبُو الْفَتْح لما سمع قَوْله وَتَفَرَّقَتْ عَنْكُم كتائبه وَإِنَّمَا تتفرق عَنْكُم حِينَئِذٍ عَنْهُم لتوفرها على الْغَزل وَاللَّهْو وَلَذَّة الظفر بالحبيب
١٢وَتَفَرَّقَت عَنكُم كَتائِبُهُ
إِنَّ المِلاحَ خَوادِعٌ قُتُلُ
العكبري: الْغَرِيب الْكَتَائِب جمع كَتِيبَة وَهِي جمَاعَة من الْخَيل الْمَعْنى يَقُول لتفرقت كتائبه عَنْكُم ويئست عَمَّا تحاوله مِنْكُم والملاح خوادع الْعُقُول والكلف بِهن من أَسبَاب الذهول
١٣ما كُنتِ فاعِلَةً وَضَيفُكُمُ
مَلِكُ المُلوكِ وَشَأنُكِ البَخَلُ
الواحدي: يقول ما كنت تفعلين وقد أتاكم ملك الملوك ضيفا وأنت بخيلة يعني بالطعام والقرى والبخل والجبن من خير أخلاق النساء وهما من شر أخلاق الرجال
العكبري: الْمَعْنى يَقُول مَا كنت فاعلة وضيفك ملك الْمُلُوك وَسيد السادات وسبيل من حل بِهِ أَن يظْهر إجلاله وإعظامه وَأَن يلْتَزم مبرته وإكرامه وشأنك الْإِعْرَاض وَالْبخل وخلقك التثاقل والكسل
١٤أَتُمَنِّعينَ قِرىً فَتَفتَضِحي
أَم تَبذُلينَ لَهُ الَّذي يَسَلُ
العكبري: الْغَرِيب الْقرى مَا يتَكَلَّف للضيف من الطَّعَام وَغَيره الْمَعْنى يَقُول أَكنت تمنعين من قراه فتفتضحى فِي فعلك أم تسمحين بذلك فتخرجي عَن الْمَعْهُود من أَمرك
١٥بَل لا يَحُلُّ بِحَيثُ حَلَّ بِهِ
بُخلٌ وَلا جَورٌ وَلا وَجَلُ
العكبري: الْغَرِيب الْجور خلاف الْعدْل وَأَصله الْميل عَن الْحق وَعَن الطَّرِيق والوجل وَالْخَوْف الْمَعْنى يَقُول لَا يحل بِحَيْثُ حل من مَنَازِله وَلَا يصير فِيمَا يسْتَقرّ بِهِ من موَاضعه بخل وَلَا وَجل يعْتَرض فِيمَا بسط الله لَهُ من الدعة والأمن
١٦مَلِكٌ إِذا ما الرُمحُ أَدرَكَهُ
طَنَبٌ ذَكَرناهُ فَيَعتَدِلُ
الواحدي: الطنب الأعوجاج أي لاستقامته واعتداله في الأمور إذا ذكر اسمه اعتدل الرمح المعوجُّ
العكبري: الْغَرِيب الطنب اعوجاج فِي الرمْح الْمَعْنى يَقُول لاستقامته واعتداله فِي الْأُمُور إِذا ذكرنَا اسْمه اعتدل لَهُ الرمْح المعوج
١٧إِن لَم يَكُن مَن قَبلَهُ عَجَزوا
عَمّا يَسوسُ بِهِ فَقَد غَفَلوا
الواحدي: أي الملوك الذين كانوا قبله أن لم يكونوا عاجزين عما يسوس به الناس من العدل والإنصاف وكف الظالم فقد غفلوا عن ذلك حين لم يسيروا سيرته
العكبري: الْمَعْنى يَقُول أَنه سَاس الْملك وَأحسن سياسته وعمرت الأَرْض بِهِ أحسن عمَارَة وأربى فِي إحاطته على الْمُلُوك الَّذين كَانُوا قبله وَزَاد على سير الْحُكَمَاء الْأَوَّلين فَإِن لم يكن من قبله من الْمُلُوك عجز عَمَّا أبداه فِي السياسة وَأظْهر فقد قصر فِي أَن أهمل ذَلِك وأغفله وَالْمعْنَى غفلوا عَن ذَلِك حَيْثُ لم يَسِيرُوا فِي الرَّغْبَة بسيرته الْكَرِيمَة
١٨حَتّى أَتى الدُنيا اِبنُ بَجدَتِها
فَشَكا إِلَيهِ السَهلُ وَالجَبَلُ
الواحدي: يقال فلان ابن بحدةِ هذا الأمر إذا كان عالما به يقول حتى ملك الدنيا عضد الدولة وهو عالم بها وبضبط أمورها وسياسة أهلها فشكا إليه سهل الدنيا وجبلها
العكبري: الْغَرِيب ابْن بجدتها عَالم بدخلها وَمَا يشكل من أمورها يُقَال هُوَ عَالم بيجدة أَمرك بِفَتْح الْبَاء وَبِضَمِّهَا وبضم الْبَاء وَالْجِيم أَيْضا أَي بدخلة أَمرك يُقَال عِنْده بجدة ذَلِك أَي علمه وَيُقَال للْعَالم بالشَّيْء هُوَ ابْن بجدته الْمَعْنى يَقُول حَتَّى ملك الدُّنْيَا عضد الدولة وَكَانَ عَالما بهَا وبضبط أمورها وسياسة أَهلهَا فَشَكا إِلَيْهِ سهلها وجبلها فدبر أَمر الدُّنْيَا الرئيس الْجَلِيل الْبَصِير بمصالحها لما شكا إِلَيْهِ السهل والجبل مَا لحقهما من الْخلَل
١٩شَكوى العَليلِ إِلى الكَفيلِ لَهُ
أَن لا تَمُرَّ بِجِسمِهِ العِلَلُ
الواحدي: أي كما يشكو العليل إلى الطبيب الذي يضمن له أن يشفيه من كل داءٍ وعلة حتى لا تعاوده علة والمعنى أن الدنيا بما كان فيها من الاضطراب والفساد كأنها كانت شاكيةً إلى عضد الدولة وهو بقصده تسكين الفتنة وحسن السياسة كأنه ضامنُ أن لا يعاود الدنيا ما شكته وأصل هذا من قول الآخيلية، إذا هبط الحجاجُ أرضا مريضةً،
٢٠قالَت فَلا كَذَبَت شَجاعَتُهُ
أَقدِم فَنَفسُكَ ما لَها أَجَلُ
الواحدي: أي قالت له شجاعته أقدم وقوله فلا كذبت دعاء اعترض به بين الفعل والفاعل أي لا كانت كاذبةً فيما قالت والمعنى أن شجاعته زينت له الأقدام وصورت له أن أحداً لا يقدم عليه فهو باقٍ بوقاية شجاعته
العكبري: الْغَرِيب فَلَا كذبت دُعَاء اعْتِرَاض بَين الْفِعْل وَالْفَاعِل الْمَعْنى يَقُول قَالَت شجاعته أَقْدَام فَمَا لنَفسك أجل تخشاه كآجال النَّاس وَقَوله لَا كذبت قَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ دُعَاء لَهُ بِالْبَقَاءِ هَذَا كَلَامه وَالْمعْنَى قَالَت شجاعته فِيمَا مثلته لنَفسِهِ وانعقدت عَلَيْهِ حَقِيقَة أمره من الجراءة أَقْدَام فَلَا أكذبها الله فِيمَا ضمنته لَهُ من الْفَوْز وصدقها فِيمَا حسنته عِنْده من الْإِقْدَام أَي أقدم فالسلامة مَضْمُونَة لَك وَأَشْجَع فالغلبة مقرونة بك فأجلك مُؤخر لَا تحذره وَالْمَكْرُوه مَصْرُوف عَنْك فَلَا تتوقعه
٢١فَهُوَ النِهايَةُ إِن جَرى مَثَلٌ
أَو قيلَ يَومَ وَغىً مَنِ البَطَلُ
الواحدي: يقول هو النهاية في الشجاعة عند ضرب المثل وعند الدعاء إلى البراز
العكبري: الْمَعْنى يَقُول هُوَ النِّهَايَة عِنْد ضرب الْمثل فِي الشجَاعَة إِذا ضرب الْمثل بإعلام الشجعان وهتف فِي الْحَرْب بأبطال الفرسان فَهُوَ شُجَاع الَّذِي لَا يعدل أحدبه والبطل الَّذِي لَا تخضع رِقَاب الْأَبْطَال إِلَّا لَهُ
٢٢عُدَدُ الوُفودِ العامِدينَ لَهُ
دونَ السِلاحِ الشَكلُ وَالعَقلُ
الواحدي: يقول الوفود الذين يأتونه لا يأتونه بسلاحٍ لأنه لا مطمع فيه بالسلاح ولكن عددهم التي يحتاجون إليها شكل الخيل وعقل الإبل وهي جمع شكال وعقال
العكبري: الْغَرِيب الْوُفُود جمع وَافد وهم الَّذين يفدون على الْمُلُوك للعطاء والشكل جمع شكال وَهُوَ مَا يَجْعَل فِي قَوَائِم الْفرس وَالْعقل جمع عقال وَهُوَ مَا يرْبط بِهِ يَد الْبَعِير الْمَعْنى يَقُول الْوُفُود الَّذين يفدون عَلَيْهِ لَيْسَ مَعَهم سلَاح لِأَنَّهُ لَا مطمع فِيهِ بِالسِّلَاحِ وَلَكِن ترد عَلَيْهِ زواره وَمَعَهُمْ الشكل للخيل وَالْعقل لِلْإِبِلِ فيظفرون ببغيتهم هَذَا كَلَام أبي الْفَتْح وَنَقله الواحدي وَالْمعْنَى أَنهم قد غنوا عَن تحمل السِّلَاح فِي الْبِلَاد لما شملها من الدعة وَمَا عَمها من السّكُون والأمنة وَأَنَّهُمْ لَا يحملون مَعَهم إِلَّا الشكل وَالْعقل متيقنين لما يختارون من هباته من الْخَيل وَالْإِبِل فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى غير ذَلِك
٢٣فَلِشُكلِهِم في خَيلِهِ عَمَلٌ
وَلِعُقلِهِم في بُختِهِ شُغُلُ
الواحدي: أي أنه يعطيهم الجياد حتى يشكلوها بشكلهم والجمال حتى يعقلوها بعقلهم
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِن الْوُفُود القادمين إِلَيْهِ قد ظنونهم بِمَا شملهم من الْفضل وتتابع عِنْدهم من الْإِحْسَان والبذل فللشكل الَّتِي جلبوها عمل فِي خيله وللعقل الَّتِي حملوها تصرف فِي بخته وَالْبخْت الْإِبِل العجمية وَهِي غير الْعَرَبيَّة وَهِي صُورَة على الْبرد والمطر غير صابرة على الْحر والعطش
٢٤تُمسي عَلى أَيدي مَواهِبِهِ
هِيَ أَو بَقِيَّتُها أَوِ البَدَلُ
الواحدي: يقول تملك مواهبه ما له من الخيل والنعم فهي تمسي على أيدي مواهبه أي تلى أمرها وتتصرف فيها أو بقيتها يعني ما فضل منها من قوم آخرين أو بدلها من العين والورق يريد أن جميع ماله في تصرف مواهبه
العكبري: الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح تلى مواهبه أَمر خيله وَإِبِله كَمَا يُقَال فلَان على يَدي عدل أَي قد ملك أمره عَلَيْهِ فَصَارَ أَحَق بِهِ مِنْهُ وَهِي يَعْنِي الْإِبِل وَالْخَيْل وَمَا بَقِي مِنْهَا بعد مَا وهبه لقوم آخَرين أَو الْبَدَل عينا أَو وَرقا وَقَالَ الْخَطِيب خيله وَإِبِله الَّتِي تأخذها الْوُفُود ثَلَاثَة أَصْنَاف فإمَّا أَن تكون موفورة قد كَانَ قبلهَا غَيرهَا فَهِيَ تسلم إِلَيْهِم وَإِمَّا أَن تكون قد بقيت مِنْهَا بَقِيَّة فهم المحكومون فِيهَا وَإِمَّا أَن تكون استبدال غَيرهَا فهم يَأْخُذُونَ الْبَدَل وَقَالَ المعري يهب أَوَائِل خيله وَإِبِله لأوائل الْوُفُود وبقيتها لمن يُفِيد بعد فَإِذا لم يبْق شَيْء وهب فِي الْوَقْت بدلهَا من الْعين وَالْوَرق وَقَالَ الواحدي تملك مواهبه مَاله من الْخَيل وَالنعَم فَهِيَ أَي الْخَيل تمسي على أَيدي مواهبه أَي تلى أمرهَا وتتصرف فِيهَا أَو بقيتها يَعْنِي مَا فضل مِنْهَا من قوم آخَرين أَو بدلهَا من الْعين وَالْوَرق يُرِيد أَن جَمِيع مَاله فِي تصرف مواهبه وَالْمعْنَى أَن تِلْكَ الْخَيل وَالْبخْت تمسي مَقْبُوضَة من قاصديه محوزة فِي تملك مؤمليه وَأَصله إِلَيْهِم على أَيدي مواهبه وَمَا بَقِي من حمل مواهبه فَإِن سبق إِلَى بَعْضهَا المتقدمون من عفاته والأولون من وفوده كَانَ لمن تلاهم من قصاده مَا بَقِي من حملهَا أَو مَا يعتاضه من بذل بدلهَا
٢٥يَشتاقُ مِن يَدِهِ إِلى سَبَلٍ
شَوقاً إِلَيهِ يَنبُتُ الأَسَلُ
الواحدي: السبل المطر ويريد به العطاء هاهنا يقول الناس يشتاقون إلى عطاء يده والرماح تنبت شوقا إلى أن تباشر يده أي ليطعن بها ويستعملها في الحرب وتقدير اللفظ ينبت الأسلُ شوقا إليه إي الممدوح ولكنه قدم وأخر والبيت مختل النظم
العكبري: الْغَرِيب السبل بِالتَّحْرِيكِ الْمَطَر وَهُوَ بَين السَّحَاب وَالْأَرْض حِين يخرج من السَّحَاب وَلم يصل إِلَى الأَرْض والأسل الرماح الْمَعْنى يَقُول النَّاس مشتاقون إِلَى عَطاء يَده والرماح تنْبت شوقا إِلَى أَن يُبَاشِرهَا ويستعملها فِي الْحَرْب وَفِي الْبَيْت التَّقْدِيم وَتَأْخِير يُرِيد ينْبت الأسل شوقا إِلَى الممدوح يُرِيد إِلَى مباشرتها بِيَدِهِ يَعْنِي يشتاق إِلَى سبل يَده الَّتِي تنسكب بِالنعَم وَتفِيض بالآلاء والمنن وينبت الأسل رَغْبَة فِيمَا يتَّصل بذلك البل من الحكم وَمَا يتَصَرَّف بِهِ فِي الْحَرْب وَالسّلم وَفِيه تَنْبِيه على انه جواد شُجَاع
٢٦سَبَلٌ تَطولُ المَكرُماتُ بِهِ
وَالمَجدُ لا الحَوذانُ وَالنَفَلُ
الواحدي: لما سمى عطاءه سبلا قال هو سبل ينبت المكرمات والمجد لا النبات وأجناسه مما ذكر
العكبري: الْإِعْرَاب روى من سبل بِالْحجرِ أبدله من الأول وَمن رَفعه جعله خير أبتداء مَحْذُوف الْغَرِيب الحواذن نبت وَالنَّفْل نبت طيب الرّيح قَالَ الْقطَامِي (ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِها الحادِي وَجَنَّبّها ... بَطْنَ الَّتِي بَطْنُها الحواذِنُ وَالنَّفلُ) الْمَعْنى يَقُول هُوَ مطر ينْبت بِهِ الْكَرم وَالْمجد وَيكثر عَلَيْهِ الشُّكْر وَالْحَمْد وَلَيْسَ ينْبت بِهِ الحواذن وَالنَّفْل وَلَا يرتعيه الشَّاء وَالْإِبِل
٢٧وَإِلى حَصى أَرضٍ أَقامَ بِها
بِالناسِ مِن تَقبيلِها يَلَلُ
الواحدي: اليلل قصر الأسنان يقال رجل أيل وأكس وهو ضد الأروق ومنه قول لبيد، يكلح الأروق منهم والأيل، يقول ويشتاق إلى حصى أرض أقام بها ولكثرة ما قبل الناس تلك الحصى حدث بهم اليلل وقصرت اسنانهم واخطأ ابن جنى في تفسير اليلل وفي معنى البيت وإذا رجعت إلى كتابه وقفت على خطأٍ فيهما
العكبري: الْغَرِيب اليلل قصر الْأَسْنَان الْعليا وَيُقَال انعطافها إِلَى دَاخل الْفَم رجل إيل وَامْرَأَة يلاء وَرِجَال يل وَنسَاء يل قَالَ لبيد (رَقَميَّاتٌ عَلَيْها ناهِضٌ ... تُكْلِحُ الأرْوَقَ مِنْهُمْ وَالأيَلُ) والأروق الَّذِي تطول ثناياه الْعليا السُّفْلى الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح فيهم يال من كَثْرَة مَا قببل النَّاس حَصى الأَرْض الَّتِي أَقَامَ بهَا بَين يَدَيْهِ كَأَنَّهُمْ قد حدث فيهم أنحاء وانعطاف إِلَى ذَلِك الْحَصَى كَمَا تنعطف الْأَسْنَان على بَاطِن الْفَم وَقَالَ الواحدي بعد نقل كَلَام أَبُو الْفَتْح أَخطَأ ابْن جنى فِي تَفْسِير اليلل بالانعطاف وَقد ذكر الْجَوْهَرِي فِي صحاحه مثل مَا ذكر أَبُو الْفَتْح وَإِلَى عطف على إِلَى الأول
٢٨إِن لَم تُخالِطهُ ضَواحِكُهُم
فَلِمَن تُصانُ وَتُذخَرُ القُبَلُ
الواحدي: يقول إن لم تخالط الأسنان حصى أرضه عند التقبيل فلمن تصان القبل يعني أنها تستحق التقبيل
العكبري: الْغَرِيب الضاحك جمعهَا ضواحك وَهِي الَّتِي بَين الأنياب والأضراس وَهِي ارْبَعْ ضواحك الْمَعْنى يَقُول إِن لم تخالط الْأَسْنَان حَصى أرضه عِنْد الْقبل فَلِمَنْ تصان الْقبل يُرِيد أَنه يسْتَحق التَّقْبِيل إعظاما لَهُ وإجلالا لقدره
٢٩في وَجهِهِ مِن نورِ خالِقِهِ
قَدَرٌ هِيَ الآياتُ وَالرُسُلُ
الواحدي: يقول على وجهه نورٌ من الله تعالى ذلك النور قدر من الله يعني أنه يدل على قدرته وتلك القدر تقوم مقام الآيات والرسل بما فيها من الإعجاز وظهور الصنع
العكبري: الْغَرِيب قَوْله هِيَ الْآيَات وَالرسل كَقَوْلِهِم أَبُو يُوسُف أَبُو حنفية وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ الْمَعْنى يَقُول على وَجهه من نور خالقه قدره تدل على الإعجاز كَمَا تدل الْآيَات وَفِيه إِشَارَة إِلَى بَيته فِي بدر بن عمار (لَوْ كانَ عِلْمُكَ بِالإلَهِ مُقسَّما ... فِي النَّاسِ مَا بَعَثَ الإلهُ رَسُولا) وَالْمعْنَى أَن الله ألْقى على وَجه هَذَا الممدوح من الْإِشْرَاق والبهجة والإجلال والمحبة مَا فِيهِ دَلِيل بَين على الْقُدْرَة وتصديق لما أخْبرت بِهِ من الرُّسُل عَن الله تَعَالَى من بَالغ الْحِكْمَة
٣٠وَإِذا القُلوبُ أَبَت حُكومَتَهُ
رَضِيَت بِحُكمِ سُيوفِهِ القُلَلُ
الواحدي: وإذا لم تقبل القلوب ما يحكم به ضرب رؤوس اولائك الذين يأبون حكمه فكأنها رضيت بحكم سيوفه
العكبري: الْغَرِيب القلل جمع قلَّة وَهِي الرؤوس الْمَعْنى يَقُول إِذا أَبَت قُلُوب الْأَعْدَاء مَا يحكم بِهِ رضيت رؤوسهم أَن تصيبهم سيوفه
٣١وَإِذا الخَميسُ أَبى السُجودَ لَهُ
سَجَدَت لَهُ فيهِ القَنا الذُبُلُ
الواحدي: أي إذا عصاه جيشٌ فلم يخضعوا له خفض رماحه لطعنهم بها وذلك سجود القنا
العكبري: الْغَرِيب الذبل الْيَابِسَة الدقاق الْمَعْنى إِذا عَصَاهُ جَيش فَلم يخفضوا لَهُ خفض أسنته لطعنهم بهَا يَعْنِي إِذا الْجَيْش توقف أَهله عَن أَن يسجدوا لَهُ سُجُود الإعصار ويعترفوا بِطَاعَتِهِ اعْتِرَاف الأقدار حكمت لَهُ رماحه بِمَا يُريدهُ ويرغبه وانقادت لأوامره فِيمَا قَصده
٣٢أَرَضيتَ وَهشُوَذانُ ما حَكَمَت
أَم تَستَزيدُ لِأُمِّكَ الهَبَلُ
العكبري: الْغَرِيب وهسوذان هُوَ ابْن مُحَمَّد كَانَ قد هَزَمه أَبُو عضد الدولة بالطرم وَهُوَ مَوضِع فِي عراق الْعَجم والهبل الثكل تَقول الْعَرَب لأم فلَان الهبل الْمَعْنى يَقُول أرضيت يَا هوسوذان مَا حكمت بِهِ سيوف ركن الدولة واسْمه الْحسن بن بويه وَفِي حكمت ضمير يعود على السيوف أم تستزيد لأصحابك وَلَك من الْقَتْل والخزي والذل الثكل لأمك وَالصغَار لمثلك
٣٣وَرَدَت بِلادَكَ غَيرَ مُعمَدَةٍ
وَكَأَنَّها بَينَ القَنا شُعَلُ
العكبري: الْغَرِيب شعل جمع شعلة وَهِي القبس من النَّار الْمَعْنى يَقُول وَردت بلادك سيوفه مصلته ومعملة غير ممسكة فَكَأَنَّهَا بَين الرماح شعل نَار مضطرمة وسرج تضيء متقدة وَقد احسن فِي التَّشْبِيه
٣٤وَالقَومُ في أَعيانِهِم خَزَرٌ
وَالخَيلُ في أَعيانِها قَبَلُ
الواحدي: الخرز ضيق العين والقبل في الخيل أن تقبل إحدى عينيه على الأخرى وإنما تفعل ذلك الخيل لعزة أنفسها ومنه قول الخنساء، ولما أن رأيت الخيل قبلا، قال ابن جنى يقول القوم ترك وخيلهم عزيزة الأنفس أي أتوك عليها قال ابن فورجة كيف خص الترك بالذكر ولم يذكر سائر اجناس العسكر سيما وأكثرهم ديلمٌ والممدوح ديلمي وذهب عليه أن الغضبان يتخازر وقد سمع من ذكر خزر الغضبان ما لا يحصى كقوله، خزرٌ عيونهم إلى أعدائهم، وقول آخر، وفلأنظرن إلى الجمال وأهلها، وإلى مثابرها بطرفٍ أخزرِ،
العكبري: الْغَرِيب الخرز ضيق الْعين والقبل إقبال إِحْدَى الْعَينَيْنِ على الْأُخْرَى وَذَلِكَ تَفْعَلهُ الْخَيل لعزة أَنْفسهَا والأعيان جمع عين تَقول أعين وأعيان وعيون قَالَ يزِيد بن عبد المدان (ولَكِننَّيِ أغْدُوا عَلَّى مُفاضَةٌ ... دِلاصٌ كَأعْيانِ الجَرادِ المُنَظَّمِ) وَقَالَ الآخر (وَقَدْ أرُوعُ فُؤادَ الغانِيات بِهِ ... حَتَّى يَملْنَ بِأجْيادِ وَأعْيانِ) الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح الْقَوْم ترك وخيلهم عزيزة الْأَنْفس أَي أتوك عَلَيْهَا قَالَ ابْن فورجة كَيفَ خص التّرْك بِالذكر دون سَائِر أَجنَاس الْعَسْكَر سِيمَا وَأَكْثَرهم دَيْلَم والممدوح ديلمي وَذهب إِلَى أَن الغضبان يتخارز وَقد سمع من ذكر خرز الغضبان مَا لَا يحصي كَقَوْلِه (خُزرٌ عُيُونهُم إِلَى أَعْدَائِهم ... ) وَكَقَوْلِه (فَلأنْظُرنَّ إِلَى الجِبالِ وَأهْلِها ... وَإلى مَنابِرها بِطرْفِ أخْزَرِ)
٣٥فَأَتَوكَ لَيسَ بِمَن أَتَوا قِبَلٌ
بِهِم وَلَيسَ بِمَن نَأَوا خَلَلُ
الواحدي: يقول أتاك قومه وليس لك بهم طاقة وليس بالقوم الذين بعدوا عنهم وانفصلوا من جملتهم خللٌ بخروجهم من بينهم يريد كثرة عسكر عضد الدولة
العكبري: الْغَرِيب الْخَال الاختلال الْمَعْنى يُرِيد أَتَاك قومه وَلَيْسَ لَك بهم طَاقَة وَلَيْسَ بهم من الْقَوْم الَّذين بعدوا مِنْهُم وانفصلوا من جُمْلَتهمْ اختلال يُرِيد كَثْرَة عَسْكَر أبي عَليّ الْحسن أبي عضد الدولة وَذَلِكَ ان جمَاعَة من عَسْكَر أبي عضد الدولة انفصلوا عَنهُ ومضوا إِلَى وهسوذان وَلم يلْحق عَسْكَر ركن الدولة بهم اختلال وَأَرَادَ لمن أَتَوْهُ فَحذف عائده وَمن نأوا عَنهُ فَحذف عائده وَالْمعْنَى أَنه أَرَادَ أَن عَسْكَر ركن الدولة كَبِير لَا يخْتل بِمن مضى عَنهُ
٣٦لَم يَدرِ مَن بِالرَيِّ أَنَّهُمُ
فَصَلوا وَلا يَدري إِذا قَفَلوا
الواحدي: أي لكثرة جيوشه بالري لم يعلموا خروج هؤلاء ولا رجوعهم إليه حين رجعوا
العكبري: الْغَرِيب الرّيّ مَدِينَة مَعْرُوفَة مَا بَين أَرض فَارس وخراسان وَكَانَت قَاعِدَة ركن الدولة وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا رازي والفصل الْخُرُوج من قَاعِدَة الِاسْتِقْرَار إِلَى الْعَدو والقفول الرُّجُوع عَن الْعَدو والغزو الْمَعْنى يَقُول لِكَثْرَة جيوشه بِالريِّ لم يشعروا بِخُرُوج هَؤُلَاءِ وَلَا رجوعهم إِلَيْهِم يُرِيد أَنهم لم يعلمُوا بالجيش الَّذِي هزم وهسوذان لقلتهم فِي الْجَيْش وَلَا علمُوا أَنهم قَفَلُوا إِلَيْهِ
٣٧فَأَتَيتَ مُعتَزِماً وَلا أَسَدٌ
وَمَضَيتَ مُنهَزِماً وَلا وَعِلُ
الواحدي: يقول أقبلت إلى الحرب ولا أسد يقدم اقدامك ومضيت منهزما ولا وعل ينهزم إنهزامك فحذف الخبرين للعلم بهما
العكبري: الْغَرِيب الوعل التيس الْبري الْمَعْنى يَقُول أَقبلت إِلَى الْحَرْب كالأسد تقدم إقدامه ومضيت مُنْهَزِمًا وَلَا وعل ينهزم انهزامك فَحذف الْخَبَرَيْنِ للْعلم بهما
٣٨تُعطي سِلاحَهُمُ وَراحَهُمُ
ما لَم تَكُن لِتَنالَهُ المُقَلُ
الواحدي: يقول تعطي سلاحهم أرواح عسكرك وأكفهم الأموال والأثاث والكراع والسلب التي لا تنالها الأعين لكثرتها قال ابن جنى قوله وراحهم جفاء في اللفظ على المخاطب ونيل منه قال ابن فورجة أي جفاء في هذا رحم الله من عرفنا ذلك على أن بعضهم قال أراد صفعهم أياه باكفهم وبوده وطوبى له لو رضوا بذلك منه ويقال نال منه أي شتمه
العكبري: الْغَرِيب راحهم جمع رَاحَة وَهِي رَاحَة الْكَفّ والمقل جمع مقلة الْمَعْنى يَقُول لَو هسوذان تُعْطِي سِلَاحهمْ واكفهم فِي قتل جيشك وبلوغ المُرَاد من تَفْرِيق جمعك مَا لم تكن الْعُيُون تطمح إِلَى رُؤْيَة مثله وَلَا النُّفُوس تطمع بادراك نيله
٣٩أَسخى المُلوكِ بِنَقلِ مَملَكَةٍ
مَن كادَ عَنهُ الرَأسُ يَنتَقِلُ
الواحدي: يقول أجود الملوك بترك مملكته ونقلها إلى من يغصبها منه من خاف انتقال الرأس عنه والمعنى أنك خفت أن يقطع رأسك فسخوت بمملكتك لئلا ينتقل الرأس عنك قال ابن جنى لو قال بترك مملكة كان أوجه إلا أنه اخترا النقل لقوله آخرا ينتقل
العكبري: الْمَعْنى يَقُول أَحَق الْمُلُوك بترك مملكة ونقلها إِلَى من يغضبها مِنْهُ من خَافَ أَن تنْتَقل الرَّأْس عَنهُ وَإنَّك خفت أَن يقطع رَأسك فنجوت لِئَلَّا ينْتَقل الرَّأْس عَنْك قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو قَالَ بترك مملكة لَكَانَ أوجه إِلَّا انه اخْتَار النَّقْل لقَوْله آخرا ينْتَقل
٤٠لَولا الجَهالَةُ ما دَلَفتَ إِلى
قَومٍ غَرِقتَ وَإِنَّما تَفَلوا
الواحدي: يقول لولا جهلك لما غزوت قوما تنهزم عنهم بأدنى حرب منهم فرب لهذا مثلا بالغرق والتفل والمعنى أنهم لكثرتهم لو بزقوا عليك لغرقوك ويقال دلف إليه إذا دنى منه
٤١لا أَقبَلوا سِرّاً وَلا ظَفِروا
غَدراً وَلا نَصَرَتهُمُ الغِيَلُ
الواحدي: يعني أن جيشه لا يأتون أحدا في خفيةٍ ليظفروا غدوا وليغتالوا عدوهم وأنهم لا يحتاجون في قتل اعدائهم وقهرهم إلى الغدر والاغتيال
العكبري: الْغَرِيب الغيل جمع غيلَة وَهُوَ الْقَتْل على غَفلَة الْمَعْنى يُرِيد أَن جَيْشه لَا يأْتونَ أحدا فِي خُفْيَة ليظهروا غدرا وليغتالوا عدوهم فانهم لَا يَحْتَاجُونَ فِي قهر عدوهم إِلَى الْغدر والاغتيال وَالْمعْنَى لَا يقصدون الْأَعْدَاء سرا ومخاتلة وَلَا يظفرون بهم غدرا ومحادعة
٤٢لا تَلقَ أَفرَسَ مِنكَ تَعرِفُهُ
إِلّا إِذا ضاقَت بِكَ الحِيَلُ
الواحدي: يقول العقل أن لا تعارض من هو أقوى منك إلا إذا اضطررت إلى ذلك والمعنى أنه يلومه في اختياره الحرب في ابتداء الأمر وهو يعلم أنهم أقوى منه
العكبري: الْمَعْنى يُخَاطب وهسوذان لَا تلق أَفرس مِنْك على ظُهُور الْخَيل وأنفذ مِنْك فِي شَدَائِد الْحَرْب إِلَّا إِذا ضَاقَتْ الْحِيَل بك وانقطعت طرق النجَاة دُونك يعرض بوهسوذان أَنه تعرض لِحَرْب ركن الدولة وَابْنه وَهُوَ عَاجز عَن حربهما
٤٣لا يَستَحي أَحَدٌ يُقالُ لَهُ
نَضَلوكَ آلُ بُوَيهِ أَو فَضَلوا
الواحدي: يقال استحى يستحي بمعنى استحيا يستحيي ونضلوك غلبوك في النضال يقال تناضل الرجلان فنضل أحدهما صاحبه إذا غلبه وكان أكثر إصابةً منه وأتى بعلامة الجمع في نضلوك والفعل مقدم على الفاعل على لغة من يقول أكلوني البراغيث يقول من كان مغلوبا بآل بويه لا يستحيي من ذلك لانهم يغلبون كل أحد
العكبري: الْغَرِيب اسْتَحى يستحي بِمَعْنى استحيا ونضلوك غلبوك والتناضل الْمُسَابقَة فِي الرَّمْي نضل الرجل إِذا ظهر عَلَيْهِ بِكَثْرَة الرَّمْي الْإِعْرَاب نضلوك أَتَى بعلامة الْجمع قبل الْفَاعِل على لُغَة أكلوني البراغيث وَيجوز أَن يكون بَدَلا من الضَّمِير كَقِرَاءَة حَمْزَة وَالْكسَائِيّ إِمَّا يبلغان عنْدك الْكبر أَحدهمَا واستحى أَرَادَ استحيا فَحذف أجدى الياءين الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ بمستح من كَانَ مَغْلُوبًا بآل بويه لأَنهم يغلبُونَ كل أحد فَلَا يستحي من قيل لَهُ فضلوك واستولوا عَلَيْك وغلبوك فيعترف بالتقصير عَنْهُم وَيجْعَل الإذعان وَسِيلَة فِي أَن يَأْخُذ يحظه مِنْهُم
٤٤قَدَروا عَفَوا وَعَدوا وَفَوا سُئِلوا
أَغنَوا عَلَوا أَعلَوا وَلَو عَدَلوا
الواحدي: يقول لما قدروا عفوا فهم يعفون عن قدرةٍ ولما وعدوا وفوا بذلك الذي وعدوا ولما سئلوا أغنوا من سألهم ولما علوا اعلوا أولياؤهم ولما ولوا الناس عدلوا فيما بينهم
العكبري: الْمَعْنى يَقُول هم يعفون عَن قدرَة لما قدرُوا وَاعْفُوا وَلما عدوا وفوا بِالَّذِي وعدوه فِيمَا بَينهم وَلما سئلوا أغنوا من سَأَلَهُمْ وَلما علوا أعلوا أولياءهم وَلما ولوا النَّاس عدلوا فِيمَا بَينهم وَالْمعْنَى يُرِيد إِن بنى يويه قدرُوا بِعظم المملكة فعفوا وحمدت قدرتهم ووعدوا من انقادلهم بسعة الإفضال فوفوا وأنجزوا عدتهمْ وسئلوا التشريف بسلطانهم والمشاركة فِي أَمْوَالهم فأغنوا وشرفوا سائلهم وعلت أَحْوَالهم فِي الْملك وجلالة الْأَمر فأعلوا قدر المتصلين بهم وَرفعُوا منَازِل المؤملين لَهُم واتصلت بهم ولَايَة أُمُور النَّاس فشملوهم بِالْإِحْسَانِ والمعدلة ودبروا أُمُورهم فعمهم ذَلِك التَّدْبِير بِالْمَصْلَحَةِ فَمن خالفهم فَهُوَ ظَالِم وَمن ناصبهم فَهُوَ شَدِيد الاغترار بهم
٤٥فَوقَ السَماءِ وَفَوقَ ما طَلَبوا
فَإِذا أَرادوا غايَةً نَزَلوا
الواحدي: يقول هم فوق كل درجة ورتبة وفوق كل طلبة وحاجة وإ ذا أرادوا غايةَ أمرٍ نزلوا إليها من علو يعني ما كان غايةً عند الناس وإلا فهم وراء كل غاية
العكبري: الْإِعْرَاب الظّرْف يتَعَلَّق بِمَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ الْكَلَام أَي علت مَنَازِلهمْ فَوق السَّمَاء الْمَعْنى يَقُول هم قوم علو فَوق السَّمَاء وَفَوق مَا يطْلبُونَ من الْمَعَالِي فَإِذا أَرَادوا غَايَة لَا يصل إِلَيْهَا سواهُم نزلُوا إِلَيْهَا من مَرَاتِبهمْ إِذا كَانَت أشرف مَا يَلْتَمِسُونَ أَي هم وَرَاء كل غَايَة
٤٦قَطَعَت مَكارِمُهُم صَوارِمَهُم
فَإِذا تَعَذَّرَ كاذِبٌ قَبِلوا
الواحدي: تعذر بمعنى تكلف العذر ومنه قول امرء القيس، ويوما على ظهرِ الكثيبِ تعذرت، يقول كرمهم غلب غضبهم وكفهم عن استعمال السيوف وإذا اعتذر إليهم كاذب قبلوا عذره تكرما
العكبري: الْغَرِيب تعذر تكلّف الْعذر يُقَال تعذر وَاعْتذر وَعذر وَعذر وَمثلهَا ارتدف وردف وخصم واختصم وخصم واهتدى وَهدى وَهدى الْمَعْنى يَقُول كرمهم غلب غضبهم وكفهم عَن اسْتِعْمَال السيوف فالكاذب لكرمهم وحلمهم إِذا اعتذر إِلَيْهِم قبلوا عذره يُرِيد أَن سيوفهم حكمت عَلَيْهَا مكارمهم لشمُول عُقُولهمْ وَعُمُوم فَضلهمْ
٤٧لا يَشهُرونَ عَلى مُخالِفِهِم
سَيفاً يَقومُ مَقامَهُ العَذَلُ
الواحدي: يقول إذا انكف المخالف بالعذل لم يستعملوا معه السيف يعني لا يعجلون إلى الحرب إنما يقدمون الوعيد واللوم يصفهم بالحلم
٤٨فَأَبوا عَلِيٍّ مَن بِهِ قَهَروا
وَأَبو شُجاعٍ مَن بِهِ كَمَلوا
الواحدي: أبو عليّ هو ركن الدولة أبو عضد الدولة أي به قهروا الملوك
العكبري: الْغَرِيب كمل فِيهِ ثَلَاث لُغَات فتح الْعين وَضمّهَا وَكسرهَا وَالْكَسْر أقلهَا وَيُقَال تَكَامل وَأَبُو عَليّ هُوَ الْحسن بن بويه ركن الدولة وَالِد عضد الدولة وَأَبُو شُجَاع هُوَ فَنًّا خسر عضد الدولة الْمَعْنى يَقُول أَبُو عَليّ هُوَ الَّذِي قهر الْمُلُوك وسادهم فَهُوَ الَّذِي ظفرهم بالمملكة وَتمّ لَهُم الْكَمَال بِابْنِهِ أبي شُجَاع فَبِأَي على قهروا أعداءهم بقوته وأذلوا من خالفهم برفعته واستظهروا على مطاولهم بجلالة قدره وبأبي شُجَاع كملت لَهُم مملكتهم واستنبات على من خالفهم قوتهم وبلغوا بِهِ أرادتهم
٤٩حَلَفَت لِذا بَرَكاتُ غُرَّةِ ذا
في المَهدِ أَن لا فاتَهُم أَمَلُ
الواحدي: يقول لما ولد عضد الدولة علم أبوه أن الآمال انحازت إليهم وحصلت لهم فكأن وجهه وهو في المهد كفيل لهم بجميع الآمال وروى ابن جنى بركات نعمةِ ذا والمعنى أن بركات النعمة بأبي شجاع حلفت لأبي عليّ أن الآمال لا يفوته شيء منها ويجوز أن يريد بالنعمة نعمة أبيه أبي عليّ أي ما يملكه من العدة والعتاد تكفل لأبي شجاعٍ بإدراك الآمال ويروي نغمة ذا والمعنى أن أباه عرف بنغمته لما ولد أنه يدرك به الآمال كلها وقال يعزى أبا شجاع عضد الدولة بعمته
العكبري: الْغَرِيب الْغرَّة الطلعة وَالْوَجْه وَالصُّورَة وَمِنْه حَدِيث الْجَنِين قضى فِيهِ رَسُول الله بغرة عبد أَو أمة وروى نَغمَة يُرِيد بَرَكَات نَغمَة أبي شُجَاع وَهُوَ الصَّوْت الْمَعْنى يَقُول حَلَفت لركن الدولة بَرَكَات غرَّة ابْنه عضد الدولة وَهُوَ مُسْتَقر فِي مهده فِي النِّهَايَة من صغر سنه بِمَا ظهر من شَوَاهِد الْبركَة والنجابة ومحايل الإقبال والسعادة أَنه لَا يفوت الْوَالِد وَولده وَمن لَاذَ بهما من أهل وَأَصْحَاب مَا يؤماون وَلَا يعجزهم مَا يحاولون وَالْمعْنَى أَن أَبَاهُ لما ولد ابْنه علم أَن الآمال انْحَازَتْ عَلَيْهِم وحصلت لَهُم فَكَأَن وَجهه وَهُوَ فِي المهد كفل لَهُم إِدْرَاك جَمِيع الآمال وَأَن لَا يعجزهم عَن بُلُوغهَا حَال
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.