تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب المبدأ والخروج والنهاية

قيل لبعض الحذاق بصناعة الشعر: لقد طار اسمك واشتهر، فقال: لأنني أقللت الحز، وطبقت المفصل، وأصبت مقاتل الكلام، وقرطست نكت الأغراض بحسن الفواتح والخواتم ولطف الخروج إلى المدح والهجاء، وقد صدق، لأن حسن الافتتاح داعية الانشراح، ومطية النجاح، ولطافة الخروج إلى المديح، سبب ارتياح الممدوح، وخاتمة الكلام أبقى في السمع، وألصق بالنفس؛ لقرب العهد بها؛ فإن حسنت حسن، وإن قبحت قبح، والأعمال بخواتيمها، كما قال رسول الله ﷺ.

وبعد، فإن الشعر قفل أوله مفتاحه، وينبغي للشاعر أن يجود ابتداء شعره؛ فإنه أول ما يقرع السمع، وبه يستدل على ما عنده من أول وهلة، وليجتنب " ألا " و " خليلي " و " قد " فلا يستكثر منها في ابتدائه؛ فإنها من علامات الضعف والتكلان، إلا للقدماء الذين جروا على عرق، وعملوا على شاكلة، وليجعله حلواً سهلاً، وفخماً جزلاً، فقد اختار الناس كثيراً من الابتداءات أذكر منها ههنا ما أمكن ليستدل به، نحو قول امرئ القيس:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.

وهو عندهم أفضل ابتداء صنعه شاعر؛ لأنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في مصراع واحد، وقوله:

ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي.

ومثله قول القطامي واسمه عمير بن شييم التغلبي:

إنا محيوك فاسلم أيها الطلل.

وكقول النابغة:

كليني لهم يا أميمة ناصبوليل أقاسيه بطيء الكواكب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

وقوله:

كتمتك ليلاً بالجمومين ساهراًوهمين هماً مستكناً وظاهراً
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كتمتك ليلاً بالجمومين ساهرا»

وهذا بعض ما اختير للقدماء.. ومما اختير لهم في الرثاء قول أوس بن حجر:

أيتها النفس أجملي جزعاإن الذي تحذرين قد وقعا
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «أمسى سمير قد بان فانقطعا»

ومما اختير للمحدثين قول بشار بن برد:

أبي طلل بالجزع أن يتكلما.

وهو عندهم أفضل ابتداء صنعه محدث، وقول أبي نواس:

لمن دمن تزداد طيب نسيمعلى طول ما أقوت وحسن رسوم

وقوله:

رسم الكرى بين الجفون محيلعفى عليه بكى عليك طويل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «رسم الكرى بين الجفون محيل»

وقوله:

أعطتك ريحانها العقاروحان من ليلنا انسفار

وقوله:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراءٌوداوني بالتي كانت هي الداء
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع عنك لومي فإن اللوم إغراء»

وما أشبه ذلك مما لو تقصيته لطال وكثر..

وليرغب عن التعقيد في الابتداء؛ فإنه أول العي، ودليل الفهة، فقد حكى أن دعبل بن علي الخزاعي ورد حمص فقصد دار عبد السلام بن رغبان ديك الجن، فكتم نفسه عنه خوفاً من قوارصه ومشارته، فقال: ما له يستتر وهو أشعر الجن والإنس؟ أليس هو الذي يقول؟:

بها غير معذول فداو خمارهاوصل بعشيات الغبوق ابتكارها
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «بها غير معذول فداو خمارها»
ونل من عظيم الردف كل عظيمةإذا ذكرت خاف الحفيظان نارها

فظهر إليه، واعتذر له، وأحسن نزله، ثم تناشدا فأنشد ديك الجن ابتداء قصيدة:

كأنها ما كأنه خلل الخلة وقف الهلوك إذ بغما
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «كأنها ما كأنه خلل الخلة»

فقال له دعبل: أمسك، فوالله ما ظننتك تتم البيت إلا وقد غشي عليك، أو تشكيت فكيك، ولكأنك في جهنم تخاطب الزبانية، أو قد تخبطك الشيطان من المس، وإنما أراد الديك أن يهول عليه، ويقرع سمعه، عسى أن يروعه ويردعه، فسمع منه ما كره أن يسمعه، ولعمري ما ظلمه دعبل، ولقد أبعد مسافة الكلام، وخالف العادة، وهذا بيت قبيح من جهات: منها إضمار ما لم يذكر قبل، ولا جرت العادة بمثله فيعذر، ولا كثر استعماله فيشتهر، مع إحالة تشبيه على تشبيه، وثقل تجانسه الذي هو حشو فارغ، ولو طرح من البيت لكان أحزم، واستدعى قافيته لا لشيء إلا لفساد المعنى واستحالة التشبيه، ما الذي يريد ب " بغامه " في تشبيهه الوقف وهو السوار ولم كان وقف الهلوك خاصة؟ ومعنى البيت أن عشيقته كأنها في جيدها وعينها الغزال الذي كأنه بين نبات الخلة سوار الجارية الحسنة المشي المتهالكة فيه وقيل: الهلوك البغي الفاجرة فما هذا كله؟ وأي شيء تحته؟ ومثله قول محمد بن عبد الملك الزيات يصف ناقته أول قصيدة مدح بها الحسن بن سهل:

كأنها حين تناءى خطوهاأخنس مطوى الشوى يرعى القلل
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة

فالعيب الأول في مخالفة العادة لازم له، ومع ذلك قوله " حين تناءى خطوها " مقصر بها، وهو يقدر أن يقول " حين تدانى خطوها " وخالف جميع الشعراء بذلك؛ لأنهم إنما يصفون الناقة بالظليم والحمار والثور بعد الكلال غلواً في الوصف ومبالغة، هذا هو الجيد، فإن لم يفعلوا لم يذكروا أنها بذلت جهدها، واستفرغت جميع ما عندها، بل يدعون التأويل محتملاً للزيادة، ثم قال " يرعى القلل " والثور لا يرعى قلل الجبال، وإنما ذلك الوعل؛ فإنه لا يسهل، والثور في السهول والدماث ومواضع الرمال، إلا أن يريد قلل النبات أي أعاليه، فربما أن تكون القلل نبتاً بعينه أو مكاناً فقد يمكن، وما سمعت بهما.

ومن الشعراء من يقطع المصراع الثاني من الأول إذا ابتدأ شعراً، وأكثر ما يقع ذلك في النسيب، كأنه يدل بذلك على وله وشدة حال، كقول أبي الطيب:

جللاً كما بي فليك التبريحأغذاء ذا الرشا الأغن الشيح؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

فهذا اعتذار من اعتذر له، ولو وقع مثل هذا في الرثاء والتفجع لكان موضعه أيضاً، وكذلك عند العظائم من الأمور والنوازل الشديدة.

وليحترس مما تناله فيه بادرة، أو يقع عليه مطعن؛ فإن أبا تمام امتدح أبا دلف بحضرة من كان يكرهه، فافتتح ينشد قصيدته المشهورة: على مثلها من أربع وملاعب وكانت فيه حبسة شديدة فقال الرجل: " لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " فدهش أبو تمام حتى تبين ذلك عليه، على أنه غير مأخوذ بما قيل،

ولا هو مما يدخل عليه عيباً، ولا يلزمه ذنباً على الحقيقة، إلا أن الحوطة والتحفظ من خجلة البادرة أفضل وأهيب، والتفريط أرذل وأخذل.

ودخل جرير على عبد الملك بن مروان فابتدأ ينشده: أتصحو أم فؤادك غير صاحٍ فقال له عبد الملك: " بل فؤادك يا بن الفاعلة " كأنه استثقل هذه المواجهة وإلا فقد علم أن الشاعر إنما خاطب نفسه.

ومن هذه الجهة بعينها عابوا على أبي الطيب قوله لكافور أول لقائه مبتدئاً، وإن كان إنما يخاطب نفسه لا كافوراً:

كفى بك داءً أن ترى الموت شافياًوحسب المنايا أن يكن أمانيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

فالعيب من باب التأدب للملوك، وحسن السياسة لازم لأبي الطيب في هذا الابتداء، لا سيما وهذا النوع أعني جودة الابتداء من أجل محاسن أبي الطيب، وأشرف مآثر شعره إذا ذكر الشعر.

ودخل ذو الرمة على عبد الملك بن مروان، فاستنشده شيئاً من شعره، فأنشده قصيدته: ما بال عينك منها الماء ينسكب وكانت بعين عبد الملك ريشة وهي تدمع أبداً، فتوهم أنه خاطبه أو عرض به، فقال: وما سؤالك عن هذا يا جاهل؟!! فمقته وأمر بإخراجه.

وكذلك فعل ابنه هشام بأبي النجم وقد أنشده في أرجوزة:

والشمس قد كادت ولما تفعلكأنها في الأفق عين الأحول

وكان هشام أحول، فأمر به فحجب عنه مدة، وقد كان قبل ذلك من خاصته: يسمر عنده، ويمازحه.

وإنما يؤتى الشاعر في هذه الأشياء؛ إما من غفلة في الطبع وغلظ، أو من

استغراق في الصنعة وشغل هاجس بالعمل يذهب مع حسن القول أين ذهب.

والفطن الحاذق يختار للأوقات ما يشاكلها، وينظر في أحوال المخاطبين؛ فيقصد محابهم، ويميل إلى شهواتهم وإن خالفت شهوته، ويتفقد ما يكرهون سماعه فيجتنب ذكره.. ألا ترى أن بعض الملوك قال لأحد الشعراء وقد أورد بيتاً ذكر فيه: " لو خلد أحد بكرم لكنت مخلداً بكرمك " وقال كلاما نحو هذا، فقال الملك: إن الموت حق، وإن لنا منه نصيباً، غير أن الملوك تكره ذكر ما ينكد عيشها، وينغص لذتها، فلا تأتنا بشيء مما نكره ذكره..

ومن المشهور أن النعمان بن المنذر رأى شجرة ظليلة ملتفة الأغصان، في مرج حسن كثير الشقائق، وكان معجباً بها، وإليه أضيفت " شقائق النعمان " فنزل وأمر بالطعام والشراب فأحضر، وجلس للذته، فقال له عدي بن زيد العبادي وكان كاتبه: أتعرف أبيت اللعن ما تقول هذه الشجرة؟ فقال: وما تقول؟ قال: تقول:

رب ركب قد أناخوا حولنايشربون الخمر بالماء الزلال
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
عطف الدهر عليهم فتوواوكذاك الدهر حال بعد حال
من رآنا فليوطن نفسهإنما الدنيا على قرب زوال

كأنه قصد موعظته، فتنغص عليه ما كان فيه، وأمر بالطعام والشراب فرفعا من بين يديه، وارتحل من فوره، ولم ينتفع بنفسه بقية يومه وليلته، وكانا جميعاً نصرانيين؛ فهذا شأن الملوك قديماً وحديثاً.

ومن هذه الجهة أكثر الناس من الدعاء لهم بطول العمر، حتى بلغوا بهم ما لا يمكن، فقالوا: عش أبداً، واسلم مدى الدهر، وابق بقاء الزمان، ودم مدة الأيام.

واعترض النقاد في ذلك واختلفوا بحسب ما ينتحل كل واحد منهم في قول أبي نواس للأمين:

يا أمين الله عش أبدأدم على الأيام والزمن
أنت تبقى والفناء لنافإذا أفنيتنا فكن
للشاعر عبد الهادي السودي، اقرأ القصيدة

وفي كثير من مثله. وإذا خرج الكلام عن حد الإمكان فإنما يراد به بلوغ الغاية لا غير ذلك. ومن قبيح ما وقع لأبي نواس الذي أساء فيه أدبه، وخالف فيه مذهبه؛ أن بعض بني برمك بنى داراً استفرغ فيها مجهوده، وانتقل اليها، فصنع أبو نواس في ذلك الحين أو قريباً منه قصيدة يمدحه بها يقول أولها:

أربع البلى، إن الخشوع لبادعليك، وإني لم أخنك ودادي
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أربع البلى إن الخشوع لباد»

وختمها أو كاد بقوله:

سلام على الدنيا إذا ما فقدتمبني برمك من رائحين وغادي
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أربع البلى إن الخشوع لباد»

فتطير منها البرمكي، واشمأز حتى كلح وظهرت الوجمة عليه، ثم قال: نعيت إلينا أنفسنا يا أبا نواس، فما كانت إلا مديدة حتى أوقع بهم الرشيد وصحت الطيرة.. وزعم قوم أن أبا نواس قصد التشاؤم لهم لشيء كان في نفسه من جعفر، ولا أظن ذلك صحيحاً؛ لأن القصيدة من جيد شعره الذي لا أشك أنه يحتفل له، اللهم إلا أن يصنع ذلك حيلة منه، وستراً على ما قصد إليه بذلك.

وللشعراء مذاهب في افتتاح القصائد بالنسيب؛ لما فيه من عطف القلوب، واستدعاء القبول بحسب ما في الطباع من حب الغزل، والميل إلى اللهو والنساء، وإن ذلك استدراج إلى ما بعده.

ومقاصد الناس تختلف: فطريق أهل البادية ذكر الرحيل والانتقال، وتوقع البين، والإشفاق منه، وصفة الطلول والحمول، والتشوق بحنين الإبل ولمع البروق ومر النسيم، وذكر المياه التي يلتقون عليها والرياض التي يحلون بها من خزامى، وأقحوان، وبهار، وحنوة، وظيان، وعرار، وما أشبهها من زهر البرية الذي تعرفه العرب. وتنبته الصحاري والجبال وما يلوح لهم من النيران في الناحية التي بها أحبابهم، ولا يعدون النساء إذا تغزلوا ونسبوا، فإذا وقع مثل قول طرفة:

وفي الحي أحوى ينفض المردشادنمظاهر سمطى لؤلؤ وزبرجد

فإنما هو كناية بالغزل عن المرأة.

وأهل الحاضرة يأتي أكثر تغزلهم في ذكر الصدود، والهجران، والواشين، والرقباء، ومنعة الحرس والأبواب، وفي ذكر الشراب والندامى، والورد والنسرين والنيلوفر، وما شاكل ذلك من النواوير البلدية، والرياحين البستانية، وفي تشبيه التفاح والتحية به، ودس الكتب، وما شاكل ذلك مما هم به منفردون.. وقد ذكروا الغلمان تصريحاً، ويذكرون النساء أيضاً: منهم من سلك في ذلك مسلك الشعراء اقتداء بهم، واتباعاً لما ألفته طباع الناس معهم، كما يذكر أحدهم الإبل، ويصف المفاوز على العادة المعتادة، ولعله لم يركب جملاً قط، ولا رأى ما وراء الجبانة، ومنهم من يكون قوله في النساء اعتقاداً منه، وإن ذكر فجرياً على عادة المحدثين وسلوكاً لطريقتهم؛ لئلا يخرج عن سلك أصحابه، ويدخل في غير سلكه وبابه، أو كناية بالشخص عن الشخص لرقته، أو حب رشاقته.. وهذا مما لا يطلب عليه شاهد لكثرته، إلا أني أتلمح في هذا المكان بقول أبي نواس:

علي عين وأذن من مذكرةموصولة بهوى اللوطي والغزل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا ربع شغلك إني عنك في شغل»
كلاهما نحوها سام بهمتهعلى اختلافهما في موضع العمل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا ربع شغلك إني عنك في شغل»

والعادة أن يذكر الشاعر ما قطع من المفاوز، وما أنضى من الركاب، وما تجشم من هول الليل وسهره، وطول النهار وهجيره، وقلة الماء وغؤوره، ثم يخرج إلى مدح المقصود؛ ليوجب عليه حق القصد، وذمام القاصد، ويستحق منه المكافأة.

وكانوا قديماً أصحاب خيام: ينتقلون من موضع إلى آخر؛ فلذلك أول ما تبدأ أشعارهم بذكر الديار، فتلك ديارهم، وليست كأبنية الحاضرة؛ فلا معنى لذكر الحضري الديار إلا مجازاً؛ لأن الحاضرة لا تنسفها الرياح، ولا يمحوها المطر، إلا أن يكون ذلك بعد زمان طويل لا يمكن أن يعيشه أحد من أهل الجيل، وأحسب ما استعمله المولدون المحدثون ما ناسب قول علي بن العباس الرومي:

سقى الله قصراً بالرصافة شاقنيبأعلاه قصري الدلال رصافي
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «سقى الله قصرا بالرصافة شاقني»
أشار بقنيان من الدر قمعتيواقيت حمراً فاستباح عفافي

وكانت دوابهم الإبل لكثرتها، وعدم غيرها، ولصبرها على التعب وقلة الماء والعلف فلهذا أيضاً حضوها بالذكر دون غيرها ولم يكن أحدهم يرضى بالكذب فيصف ما ليس عنده كما يفعل المحدثون؛ ألا ترى أن امرأ القيس لما كان ملكاً كيف ذكر خيل البريد والفرانق يعني البريد على أنه لم يستغن عن ذكر الإبل للعادة التي جرت على ألسنتهم، فقال يصف رحيله إلى قيصر ملك الروم:

إذا قلت روحنا أرن فرانقعلى جلعد واهي الأباجل أبترا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»
على كل مقصوص الذنابي معاودبريد السري بالليل من خيل بربرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»
إذا زعته من جانبيه كليهمامشى الهيدبي في دفه ثم فرفرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»
أقب كسرحان الغضا متمطرترى الماء من أعطافه قد تحدرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لكَ شوقٌ بعدما كان أقصر»

وكانت الخيل البربرية تهلب أذنابها كالبغال؛ لتدخل مداخلها في خدمة البريد، وليعلم أنها للملك. وقال الفرزدق:

راحت بمسلمة البغال عشيةفأرعى فزارة لا هناك المرتع
للشاعر عبد الرحمن بن حسان الأنصاري، اقرأ القصيدة

لما كان الذي راحت به البغال أميراً يذكر رحيله وقد عزل.

وقال ابن ميادة في ابن هبيرة لما كان أميراً أيضاً:

جاءت به معتجراً ببردهسفواء تردى بنسيج وحده
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

تقدح قيس كلها بزنده

إلا أن منهم من خالف هذا كله فوصف أنه قصد الممدوح راجلاً: إما إخباراً بالصدق، وإما تعاطي صعلكة ورجلة..

قال أبو نواس للفضل بن يحيى بن خالد:

إليك أبا العباس من بين من مشىعليها امتطينا الحضرمي الملسنا
قلائص لم تعرف حنيناً على طلاًولم تدر ما قرع الفنيق ولا الهنا

فذكر أن قلائصهم التي امتطوها إليه نعالهم، فأخرجه كما ترى مخرج اللغز، وأتبعه أبو الطيب فقال:

لا ناقتي تحمل الرديف، ولابالسوط يوم الرهان أجهدها
شراكها كورها، ومثفرهازمامها، والشسوع مقودها

وقال كرة أخرى في مثل ذلك يتشكى:

وحبيت من خوص الركاب بأسودمن دارش فغدوت أمشي راكبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

وقال أيضاً يتصعلك ويتفقر:

ومهمه جبته على قدميتعجز عنه العرامس الذلل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»
بصارمي مرتد، بمخبرتيمجتزئ؛ بالظلام مشتمل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

ولو شاء قائل أن يقول: إن أبا نواس لم يرد ما ذهب إليه أبو الطيب، لكن أراد أنه معه في بلدة واحدة قصده في حاجته محتذياً نعليه؛ لكان ذلك أظهر وجهاً، ما لم يكن الحضرمي من الجلود مخصوصاً به المسافر دون الحاضر، وظاهر الكلام أن مقصد الشاعرين واحد.

وقد ذكر أبو الطيب الخيل أيضاً في كثير من شعره، وكان يؤثرها على الإبل؛ لما يقوم في نفسه من التهيب بذكر الخيل، وتعاطي الشجاعة، فقال يذكر قدومه إلى مصر على خوف من سيف الدولة:

ويوم كليل العاشقين كمنتهأراقب فيه الشمس أيان تغرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وعيني إلى أذني أغر كأنهمن الليل باق بين عينيه كوكب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
له فضلة عن جسمه في إهابهتجيء على صدر رحيب وتذهب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
شققت به الظلماء أدني عنانهفيطغى، وأرخيه مراراً فيلعب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وأصرع أي الوحش قفيته بهوأنزل عنه مثل حين أركب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وما الخيل إلا كالصديق قليلةوإن كثرت في عين من لا يجرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
إذا لم تشاهد غير حسن شياتهاوأعضاءها فالحسن عنك مغيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

وليس في زماننا هذا ولا من شرط بلدنا خاصة شيء من هذا كله، إلا ما لا يعد قلة؛ فالواجب اجتنابه، إلا ما كان حقيقة، لا سيما إذا كان المادح من سكان بلد الممدوح: يراه في أكثر أوقاته، فما أقبح ذكر الناقة والفلاة حينئذ!.

وقد قلت أنا وإن لم أدخل في جملة من تقدم، ولا بلغت خطته من قصيدة اعتذرت بها إلى مولانا خلد الله أيامه من طول غيبة غبتها عن الديوان:

إليك يخاض البحر فعماً كأنهبأمواجه جيش إلى البر زاحف
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
ويبعث خلف النجح كل منيفةتريك يداها كيف تطوى التنائف
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
من الموجفات اللاء يقذفن بالحصىويرمى بهن المهمه المتقاذف
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
يطير اللغام الجعد عنها كأنهمن القطن أو ثلج الشتاء ندائف
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
وقد نازعت فضل الزمام ابن نكبةهو السيف لا ما أخلصته المشارف
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
فكيف تراني لو أعنت على الغنىبجد، وإني للغنى لمشارف
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
وقد قرب الله المسافة بينناوأنجزني الوعد الزمان المساوف
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
ولولا شقائي لم أغب عنك ساعةولا رام صرفي عن جنابك صارف
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
ولكنني أخطأت رشدي فلم أصبوقد يخطئ الرشد الفتى وهو عارف
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

فذكرت قرب المسافة بيني وبينه حوطة وإخباراً أن خوض البحر وجوب الفلاة من صفة غيري من القصاد والغرباء والمنتجعين من الأمصار.

ومن قصيدة صنعتها بديهة بالمهدية ساعة وصول إليه أدام الله عزه عن اقتراح بعض شعراء وقتنا هذا:

وذيال له رجل طحونلما نزلت به، ويد زجوج
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
يطير بأربع لا عيب فيهالظهران الصفا منها عجيج
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
خرجت به عن الأوهام سبقاوقل له عن الوهم الخروج
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
إلى الملك المعز أبي تميمأمر بمن سواه فلا أعيج
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

ومن أخرى في معنى التفقر والرحلة:

وماء بعيد الغور كالنجم في الدجىوردت طروقاً أو وردت مهجرا
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
على قدم أخت الجناح وأخمصيخال حصى المعزاء جمراً مسعرا
فريداً من الأصحاب صلتاً من الكساكما أسلم الغمد الحسام المذكرا
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

ومن الشعراء من لا يجعل لكلامه بسطاً من النسيب، بل يهجم على ما يريده مكافحة، ويتناوله مصافحة، وذلك عندهم هو: الوثب، والبتر، والقطع، والكسع، والاقتضاب، كل ذلك يقال.. والقصيدة إذا كانت على تلك الحال بتراء كالخطبة البتراء والقطعاء، وهي التي لا يبتدئ فيها بحمد الله ﷿ على عادتهم في الخطب. قال أبو الطيب:

إذا كان مدح فالنسيب المقدمأكل فصيح قال شعراً متيم؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

فأنكر النسيب، وزعموا أن أول من فتح هذا الباب وفتق هذا المعنى أبو نواس بقوله:

لا تبك ليلى، ولا تطرب إلى هندواشرب على الورد من حمراء كالورد
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند»

وقوله وهو عند الحاتمي فيما روى عن بعض أشياخه أفضل ابتداء صنعه شاعر من القدماء والمحدثين:

صفة الطلول بلاغة القدمفاجعل صفاتك لابنة الكرم
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «صفة الطلول بلاغة القدم»

ولما سجنه الخليفة على اشتهاره بالخمر، وأخذ عليه أن لا يذكرها في شعره قال:

أعر شعرك الأطلال والمنزل القفرافقد طالما أزرى به نعتك الخمرا
دعاني إلى نعت الطلول مسلطتضيق ذراعي أن أرد له أمرا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أعر شعرك الأطلال والدمن القفرا»
فسمعاً أمير المؤمنين وطاعةوإن كنت قد جشمتني مركباً وعرا

فجاهر بأن وصفه الأطلال والقفر إنما هو من خشية الإمام، وإلا فهو عنده فراغ وجهل، وكان شعوبي اللسان، فما أدري ما وراء ذلك، وإن في اللسان وكثرة ولعه بالشيء لشاهداً عدلاً لا ترد شهادته. وقد قال أبو تمام:

لسان المرء من خدم الفؤاد.

ومن عيوب هذا الباب أن يكون النسيب كثيراً والمدح قليلاً، كما يصنع بعض أهل زماننا هذا، وسنبين وجه الحكم والصواب من هذا في باب المدح إن شاء الله تعالى.

ومن الشعراء من لا يجيد الابتداء، ولا يتكلف له، ثم يجيد باقي القصيدة وأكثرهم فعلاً لذلك البحتري: كان يصنع الابتداء سهلاً، ويأتي به عفواً، وكلما تمادى قوي كلامه، وله من جيد الابتداء كثير؛ لكثرة شعره، والغالب عليه ما قدمت، غير أن القاضي الجرجاني فضله بجودة الاستهلال وهو الابتداء على أبي تمام وأبي الطيب، وفضلهما عليه بالخروج والخاتمة، ولست أرى لذلك وجهاً، إلا كثرة شعره كما قدمت؛ فإنه لو حاسبهما ابتداء

جيداً بابتداء مالأربى عليهما وقصرا عن عذره.. فأما الحاتمي فإنه يغض من أبي عبادة غضاً شديداً، ويجور عليه جوراً بيناً لا يقبل منه ولا يسلم إليه.

وكان أبو تمام فخم الابتداء، له روعة، وعليه أبهة، كقوله:

الحق أبلج والسيوف عوارفحذار من أسد العرين حذار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»

وقوله:

السيف أصدق إنباء من الكتبفي حده الحد بين الجد واللعب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

وقوله:

أصغى إلى البين مغتراً فلا جرما

وقوله:

يا ربع لو ربعوا على ابن هموم

والغالب عليه نحت اللفظ، وجهارة الابتداء..

وكان أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي يفضل ابتداءات البحتري جداً، وهو الذي وضع كتاب الموازنة والترجيح بين الطائيين، ونوه فيه بالبحتري أعظم تنويه.. ومن جيد ابتداءاته قوله:

عارضننا أصلاً فقلنا الربربحتى أضاء الأقحوان الأشنب
للشاعر البحتري، من قصيدة «عارضننا أصلا فقلنا الربرب»

وقوله:

ما على الركب من وقوف الركابفي مغاني الصبا ورسم التصابي؟؟
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما على الركب من وقوف الركاب»

وقوله:

ضمان على عينيك أني لا أسلو

وقوله:

ترى عنده علم بشجوى وأدمعيوأني متى أسمع بذكراه أجزع؟

وأما الخروج فهو عندهم شبيه بالاستطراد، وليس به؛ لأن الخروج إنما هو أن تخرج من نسيب إلى مدح أو غيره بلطف تحيل، ثم تتمادى فيما خرجت إليه كقول حبيب في المدح:

صب الفراق علينا، صب من كثبعليه إسحاق يوم الروع منتقما
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أصغى إلى البين مغترا فلا جرما»
سيف الإمام الذي سمته هيبتهلما تخرم أهل الأرض مخترما

ثم تمادى في المدح إلى آخر القصيدة.

وكقول أبي عبادة البحتري:

سيقت رباك بكل نوء عاجلمن وبله حقاً لها معلوما
ولو أنني أعطيت فيهن المنىلقيتهن بكف إبراهيما

وأكثر الناس استعمالاً لهذا الفن أبو الطيب؛ فإنه ما يكاد يفلت له، ولا يشذ عنه، حتى ربما قبح سقوطه فيه، نحو قوله:

ها فانظري أو فظني بي تري حرقاًمن لم يذق طرفاً منها فقد وألا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»
عل الأمير يرى ذلي فيشفع ليإلى التي تركتني في الهوى مثلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

فقد تمنى أن يكون له الأمير قواداً، وليس هذا من قول أبي نواس:

سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالدهوانا؛ لعل الفضل يجمع بيننا

في شيء؛ لأن أبا نواس قال " يجمع بيننا " ثم اتبع ذلك ذكر المال والسخاء به، فقال:

أمير رأيت المال في نعمائهمهيناً ذليل النفس بالضيم موقنا

فكأنه أشار إلى أن جمعه بينهما بالمال خاصة: يفضل عليه، ويجزل عطيته، فيتزوجها أو يتسرى بها، وأبو الطيب قال: " يشفع " والشفاعة رغبة وسؤال، ثم أتبع بيته بما هو مقو لمعناه في القيادة فقال:

أيقنت أن سعيداً طالب بدميلما بصرت به بالرمح معتقلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

فدل على أنه يشفع، فإن أجيب إلى مساعدة أبي الطيب فذاك، وإلا رجع إلى القهر..

والذي يشاكل قول أبي نواس قوله:

أحب التي في البدر منها مشابهوأشكو إلى من لا يصاب له شكل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عزيز أسى من داؤه الحدق النجل»

فلفظة الشكوى تحمل عنه كما حملن عن أبي نواس ومما سقط فيه وإن كان مليح المظهر قوله يخاطب امرأة نسب بها:

لو أن فناخسر صبحكموبرزت وحدك عاقه الغزل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
وتفرقت عنه كتائبهإن الملاح خوادع قتل
ما كنت فاعلة وضيفكمملك الملوك وشأنك البخل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
أتمنعين قرى فتفتضحيأم تبذلين له الذي يسل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
بل لا يحل بحيث حل بهبخل ولا جور ولا وجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

فحتم على فناخسرو بأن الغزل يعوقه، ولأن كتائبه تتفرق عنه، وجعله يسأل هذه المرأة، وتشكك هل تمنعه أم تبذل له، ثم أوجب أن البخل لا يحل بحيث حل؛ فأوقعه تحت الزنى أو قارب ذلك، ولعل هذا كان اقتراحاً من فناخسرو؛ وإلا فما يجب أن يقابل من هو ملك الملوك بمثل هذا، وما أسرع ما انحط أبو الطيب: بينا هو يسأل الأمير أن يشفع له إلى عشيقته صار يشفع للأمير عندها..

والاستطراد: أن يبني الشاعر كلاماً كثيراً على لفظة من غير ذلك النوع، يقطع عليها الكلام، وهي مراده دون جميع ما تقدم، ويعود إلى كلامه الأول، وكأنما عثر بتلك اللفظة عن غير قصد ولا اعتقاد نية، وجل ما يأتي تشبيهاً، وسيرد عليك في بابه مبيناً إن شاء الله تعالى..

ومن الناس من يسمي الخروج تخلصاً وتوسلاً، وينشدون أبياتاً منها:

إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعهفليس به بأس ولو كان من جرم
ولو أن جرماً أطعموا شحم جفرةلبانوا بطاناً يضرطون من الشحم

وأولى الشعر أن يسمى تخلصاً ما تخلص فيه الشاعر من معنى إلى معنى، ثم عاد إلى الأول وأخذ في غيره. ثم رجع إلى ما كان فيه. كقول النابغة الذبياني آخر قصيدة اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر:

وكفكفت مني عبرة فرددتهاإلى النحر منها مستهل ودامع
على حين عاتبت المشيب على الصباوقلت ألما أصح والشيب وازع؟!!
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

ثم تخلص إلى الاعتذار فقال:

ولكن هما دون ذلك شاغلمكان الشغاف تبتغيه الأصابع
وعيد أبي قابوس في غير كنههأتاني ودوني راكس فالضواجع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

ثم وصف حاله عندما سمع من ذلك فقال:

فبت كأني ساورتني ضئيلةمن الرقش في أنيابها السم ناقع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»
يسهد في ليل التمام سليمهالحلي النساء في يديه قعاقع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»
تناذرها الراقون من سوء سمهاتطلقه طوراً، وطوراً تراجع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

فوصف الحية والسليم الذي شبه به نفسه ما شاء، ثم تخلص إلى الاعتذار الذي كان فيه فقال:

أتاني أبيت اللعن أنك لمتنيوتلك التي تستك منها المسامع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

ويروى وخبرت خير الناس أنك لمتني ثم اطرد له ما شاء من تخلص إلى تخلص، حتى انقضت القصيدة وهو مع ما أشرت إليه غير خاف إن شاء الله تعالى.

وقد يقع من هذا النوع شيء يعترض في وسط النسيب من مدح من يريد الشاعر مدحه بتلك القصيدة، ثم يعود بعد ذلك إلى ما كان فيه من النسيب، ثم يرجع إلى المدح، كما فعل أبو تمام وإن أتى بمدحه الذي تمادى فيه منقطعاً، وذلك قوله في وسط النسيب من قصيدة له مشهورة:

ظلمتك ظالمة البريء ظلوموالظلم من ذي قدرة مذموم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أسقى طلولهم أجش هزيم»
زعمت هواك عفا الغداة كما عفتمنها طلول باللوى ورسوم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أسقى طلولهم أجش هزيم»
لا، والذي هو عالم أن النوىأجل وأن أبا الحسين كريم
ما زلت عن سنن الوداد ولا غدتنفسي على ألف سواك تحوم

ثم قال بعد ذلك:

لمحمد بن الهيثم بن شبابةمجد إلى جنب السماك مقيم

ويسمى هذا النوع الإلمام.

وكانت العرب لا تذهب هذا المذهب في الخروج إلى المدح، بل يقولون عند فراغهم من نعت الإبل وذكر القفار وما هم بسبيله: دع ذا وعد عن ذا ويأخذون فيما يريدون أو يأتون بأن المشددة ابتداء للكلام الذي يقصدونه، فإذا لم يكن خروج الشاعر إلى المدح متصلاً بما قبله ولا منفصلاً بقوله دع ذا وعد عن ذا ونحو ذلك سمي طفراً وانقطاعاً.. وكان البحتري كثيراً ما يأتي به نحو قوله:

لولا الرجاء لمت من ألم الهوىلكن قلبي بالرجاء موكل
إن الرعية لم تزل في سيرةعمرية مذ ساسها المتوكل
للشاعر البحتري، اقرأ القصيدة

ولربما قالوا بعد صفة الناقة والمفازة " إلى فلان قصدت " و " حتى نزلت بفناء فلان " وما شاكل ذلك.

وأما الانتهاء فهو قاعدة القصيدة، وآخر ما يبقى منها في الأسماع، وسبيله أن يكون محكماً: لا تمكن الزيادة عليه، ولا يأتي بعده أحسن منه، وإذا كان أول الشعر مفتاحاً له وجب أن يكون الآخر قفلاً عليه.

وقد أربى أبو الطيب على كل شاعر في جودة فصول هذا الباب الثلاثة، إلا أنه ربما عقد أوائل الأشعار ثقة بنفسه، وإعراباً عن الناس، كقوله أول قصيدة:

وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمهبأن تسعد والدمع أشفاه ساجمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

فإن هذا يحتاج الأصمعي إلى أن يفسر معناه.

ويقع له في الخروج ما كان تركه أولى به، وأشعر له، وإنما أدخله فيه حب الإغراب في باب التوليد، حتى جاء بالغث البارد، والبشع المتكلف، نحو قوله:

أحبك أو يقولوا جر نملثبيراً، وابن إبراهيم ريعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

فهذا من البشاعة والشناعة بحيث لا يخفى على أحد، وما أظنه سرق هذا المعنى الشريف إلا من كذبة كذبها أبو العباس الصيمري عن لسان رجل زعم أنه قال: رأيت رجلاً نام ويده غمرة فجره النمل ثلاثة فراسخ، فقد جعل أبو الطيب مكان الرجل جبلاً، وإن أعلمنا الإغراق في مراده ولفظه.. قال:

أعز مكان في الدنا سرج سابحوخير جليس في الزمان كتاب
وبحر أبو المسك الخضم الذي لهعلى كل بحرٍ زخرة وعباب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يريد وخير بحر أبو المسك، وهذه غاية التصنع والتكلف.

ومن العرب من يختم القصيدة فيقطعها والنفس بها متعلقة، وفيها راغبة مشتهية، ويبقى الكلام مبتوراً كأنه لم يتعمد جعله خاتمة: كل ذلك رغبة في أخذ العفو، وإسقاط الكلفة، ألا ترى معلقة امرئ القيس كيف ختمها بقوله يصف السيل عن شدة المطر:

كأن السباع فيه غرقى غديةبأرجائه القصوى أنابيش عنصل

فلم يجعل لها قاعدة كما فعل غيره من أصحاب المعلقات، وهي أفضلها.

وقد كره الحذاق من الشعراء ختم القصيدة بالدعاء لأنه من عمل أهل الضعف، إلا للملوك؛ فإنهم يشتهون ذلك كما قدمت، ما لم يكن من جنس قول أبي الطيب يذكر الخيل لسيف الدولة:

فلا هجمت بها إلا على ظفرٍولا وصلت بها إلا إلى أمل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فإن هذا شبيه ما ذكر عن بغيض: كان يصابح الأمير فيقول: لا صبح الله الأمير بعافية، ويسكت ثم يقول: إلا مساه بأكثر منها، ويماسيه فيقول: لا مسى الله الأمير بنعمة، ويسكت ثم يقول: إلا وصبحه بأتم منها، أو نحو هذا، فلا يدعو له حتى يدعو عليه؛ ومثل هذا قبيح، لا سيما عن مثل أبي الطيب.

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.