تجاوز إلى المحتوى

إذا كان مدح فالنسيب المقدم

المتنبيالطويلالعصر العباسي

اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه

عن القصيدة

«إذا كان مدح فالنسيب المقدم» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في ٤٢ بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الميم.

بحر الطويل: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن · قصائد أخرى رويّها الميم

من هذه القصيدة في كتب التراث

معنى قول المتنبي

إِذا كانَ مَدحٌ فَالنَسيبُ المُقَدَّمُ

أَكُلُّ فَصيحٍ قالَ شِعراً مُتَيَّمُ

قال الواحدي في «شرح ديوان المتنبي»: يقول الشعر وهو متيم بالحب حتى يبدأ بالنسيب يعني ليس الأمر على هذا فلا نستمر على هذه العادة

شرح القصيدة بيتًا بيتًا
  1. ١

    إِذا كانَ مَدحٌ فَالنَسيبُ المُقَدَّمُ

    أَكُلُّ فَصيحٍ قالَ شِعراً مُتَيَّمُ

    الواحدي: المألوف من عادة الشعراء تقديم النسيب في شعرهم كلما مدحوا فأنكر المتنبي هذه العادة وقال أكل فصيح يقول الشعر وهو متيم بالحب حتى يبدأ بالنسيب يعني ليس الأمر على هذا فلا نستمر على هذه العادة

    العكبري: ١ الْغَرِيب النسيب نسب الرجل بِالْمَرْأَةِ ينْسب بِالْكَسْرِ إِذا شَبَّبَ بهَا والتشبيب هُوَ الْغَزل وَهُوَ أول مَا يعْمل الشَّاعِر ثمَّ يَأْتِي بعده بالمدح الْمَعْنى يَقُول من عَادَة الشُّعَرَاء تَقْدِيم النّسَب فِي أشعارهم فَأنْكر أَبُو الطّيب هَذِه الْعَادة وَقَالَ أكل فصيح يَقُول الشّعْر هُوَ متيم بالحب حَتَّى يبْدَأ بالنسيب فَلَيْسَ الْأَمر على هَذَا فَلَا تمّ هَذِه الْعَادة يَقُول مَا كل فصيح عاشق وَلَا كل شَاعِر سلف متيم وَلَكِن آخِرهم فِي ذَلِك يَتْلُو أَوَّلهمْ حَتَّى كَانَ مَا يتو اصفونه من الْحبّ قد جَعَلُوهُ فَاتِحَة الشّعْر فَإِذا كَانَ هَذَا فوَاللَّه

  2. ٢

    لَحُبُّ اِبنِ عَبدِ اللَهِ أَولى فَإِنَّهُ

    بِهِ يُبدَءُ الذِكرُ الجَميلُ وَيُختَمُ

    الواحدي: يقول حبه أولى من حب غيره فإنه إذا جرى الذكر الجميل كان هو أولا وآخرا يعني لا يذكر غيره بما يذكر هو به من الجميل ومن كان بهذه الصفة كان أولى بالحب من النساء اللاتي ينسب بهن الشعراء

    العكبري: الْغَرِيب ابْن عبد الله هُوَ عَليّ بن عبد الله بن حمدَان سيف الدولة الْمَعْنى يَقُول حبه أولى من حب غَيره فَإِنَّهُ إِذا جرى الذّكر الْجَمِيل كَانَ هُوَ أَولا وآخرا فَلَا يذكر إِلَّا هُوَ وَإِذا كَانَ بِهَذِهِ الصّفة كَانَ أولى بالحب من النِّسَاء اللَّاتِي يشبب بِهن الشُّعَرَاء

  3. ٣

    أَطَعتُ الغَواني قَبلَ مَطمَحِ ناظِري

    إِلى مَنظَرٍ يَصغُرنَ عَنهُ وَيَعظُمُ

    الواحدي: يقول كنت متيما بالنساء وحبهن قبل أن أتعرض للأمور العالية فلما قصدتها تركتهن وقوله إلى منظر يعني إلى معالي الأمور هذا قول ابن جنى وروايته على هذا التفسير وأعظم وقال ابن جنى جعل نفسه تعظم عن المعالي وأنكر ابن فورجة روايته وتفسيره وقال المعنى كنت أرغب في النساء قبل إلتقائي لسيف الدولة فلما نظرت إلى منظره يصغرن عنه أي يصغر منظرهن عنه ويعظم هذا المنظر عن منظرهن لأن هذا ملك وسلطان وهن لهو وغزل

  4. ٤

    تَعَرَّضَ سَيفُ الدَولَةِ الدَهرَ كُلَّهُ

    يُطَبِّقُ في أَوصالِهِ وَيُصَمِّمُ

    الواحدي: والتصميم المضي في الضرب وإنما وصفه بهما لأنه جعله سيفا ويقال سيف مطبق وهو الذي إذا أصاب المفصل قطعه وسيف مصمم إذا كان ماضيا في الضريبة

    العكبري: الْإِعْرَاب حذف مفعول جزى للْعلم بِهِ وَالْمَفْعُول كثيرا مَا يحذف من الْكَلَام الْغَرِيب الْغمر المَاء الْكثير وغمره المَاء يغمره علاهُ والغمر الرجل الْجواد وَكَذَلِكَ الْفرس الْجواد وَرجل غمر الرِّدَاء إِذا كَانَ سخيا والغمرة الشدَّة وَجَمعهَا غمر والغمر بِالضَّمِّ الرجل الذى لم يجرب الْأُمُور والغمر بِالْكَسْرِ الحقد والغل والغمر أَيْضا الْعَطش وَجمعه أغمار وَقَالَ العجاج (حَتَّى إِذا مَا بلت الأغمارا ... ريا وَلَّما يَقْصَع الأصرارا) الْمَعْنى يَقُول سيف الدولة هُوَ سيفى أصُول بِهِ على أعدائى وَهُوَ دولتى الَّتِى أصُول بهَا

  5. ٥

    فَجازَ لَهُ حَتّى عَلى الشَمسِ حُكمُهُ

    وَبانَ لَهُ حَتّى عَلى البَدرِ مَيسَمُ

    الواحدي: يقول فحكمة جائز حتى على الشمس وأما الميسم فقال ابن جنى هو الحسن قال والمعنى ظهر حسنه حتى على البدر أي أنه أحسن منه قال العروضي وإن جاز أخذ الميسم من الوسامة فأخذه من الوسم أولى لكون المعنى موافقا للمصراع الأول يقول كل شيء موسوم بأنه له وتحت قهره وأمره حتى البدر وأشار بالميسم على البدر إلى ما فيه من السواد الذي هو أثر المحو

    العكبري: الْغَرِيب الميسم الْحسن قَالَ الراجز (لَوْ قُلْتُ مَا فِي قَوْمها لمْ تَيْثَمِ ... يَفْضُلها فِي حَسَب وَمَيْسمِ) الْمَعْنى يَقُول حكمه جَائِز حَتَّى على الشَّمْس وَظهر حسنه حَتَّى على الْبَدْر أَي ظهر أَنه أحسن مِنْهُ قَالَ الواحدى قَالَ الْعَرُوضِي إِن جَازَ أَخذ الميسم من الوسامة فَأَخذه من الوسم أولى ليَكُون الْمَعْنى مُوَافقا للمصراع الأول يُرِيد أَن كل شَيْء موسم بَان أَنه لَهُ وَتَحْت قهره حَتَّى الْبَدْر وَأَشَارَ بالميسم إِلَى مَا فِي وَجهه من السوَاد الَّذِي هُوَ كأثر المحو قَالَ ابْن الإفليلى أَرَادَ الْبَدْر وَالشَّمْس وَالْعرب تفعل مثل ذَلِك تذكر وَاحِدًا وتريد ضِدّه أَو صَاحبه

  6. ٦

    كَأَنَّ العِدا في أَرضِهِم خُلَفاؤهُ

    فَإِن شاءَ حازوها وَإِن شاءَ سَلَّموا

    الواحدي: يقول اعداؤه من الملوك كأنهم خلفاؤه حيثما كانوا من الأرض استخلفهم على حفظها فإن شاء تركهم عليها وإن شاء اجلاهم عنها فيخرجون ويسلمون أرضهم إليه.

    العكبري: الْغَرِيب العدا جمع عَدو والحليف الصاحب وَهُوَ الَّذِي يحالف الْقَوْم ليمنعوه من عدوه على رِوَايَة من روى بِالْحَاء الْمُهْملَة وَلَيْسَت بِشَيْء وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة بِالْحَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ جمع خَليفَة تَقول خَليفَة وخلفاء وخلائف جَاءُوا بِهِ على الأَصْل مثل كَرِيمَة وكرائم وَقَالُوا خلفاء مَعَ أَن فِيهِ الْهَاء وفعيلة بِالْهَاءِ لَا تجمع على فعلاء لِأَنَّهُ لَا يَقع إِلَّا على مُذَكّر فجمعوه على إِسْقَاط الْهَاء فَصَارَ مثل ظريف وظرفاء الْمَعْنى يُشِير بِهَذَا إِلَى أَن تصرف أعَاد بِهِ فِي الْبِلَاد بأَمْره فَإِن أعرض عَنْهُم اسْتَمْتعُوا بِالْبَقَاءِ فِيهَا وَإِن عزلهم سلمُوا إِلَيْهِ بِالْخرُوجِ فَجعل أعاديه من الرّوم وَغَيرهم خلفاءه فِي بِلَادهمْ وعماله فِي قواعدهم فهم عاجزون عَن التَّعَرُّض لحربه

  7. ٧

    وَلا كُتبَ إِلّا المَشرَفِيَّةُ عِندَهُ

    وَلا رُسُلٌ إِلّا الخَميسُ العَرَمرَمُ

    الواحدي: يقول يرسل إلى أحد رسولا غير الجيش ولا كتاب له إلا السيف يعني لا يستدعي منهم حاجة بالرسول والكتاب إنما يبعث إليهم الجيش ليجلوهم عن أماكنهم.

    العكبري: الْغَرِيب المشرفية السيوف تنْسب إِلَى مَوضِع تطبع فِيهِ السيوف وَهِي المشارف وَالْخَمِيس الْجَيْش الْعَظِيم والعرمرم الْكثير الْمَعْنى يَقُول لَا يُرْسل إِلَى أحد رَسُولا إِلَّا الْجَيْش الْكثير وَلَا كتابا إِلَّا بِالسَّيْفِ وَلَا يَسْتَدْعِي مِنْهُم حَاجَة برَسُول وَلَا كتاب لَكِن يبْعَث إِلَيْهِم الْجَيْش يَعْنِي من اقتداره عَلَيْهِم لَا كتب يبعثها وَلَا رسل يوجهها نحوهم غير جيوشه فهم يتصرفون على حكمه عاجزون عَن الْمُخَالفَة لأَمره وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب (السَّيْفُ أصْدَقُ أنْباءً مِنَ الكُتُبِ ... فِي حدّهِ الحَدُّ بَينَ الجدّ وَاللعِبِ)

  8. ٨

    فَلَم يَخلُ مِن نَصرٍ لَهُ مَن لَهُ يَدٌ

    وَلَم يَخلُ مِن شُكرٍ لَهُ مَن لَهُ فَمُ

    الواحدي: أي كل من له يد قام بنصره لأن نصره نصر دين الله ومن له فم نطق بشكره لعموم إحسانه.

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول مخبرا عَن عَظِيم ملكه وَمَا ظهر من عُمُوم فَضله لم يخل من نَصره أحد لَهُ يَد يبطش بهَا لوقوف جَمِيع النَّاس عِنْد أمره ووقوعهم تَحت طَاعَته وَلم يخل من شكره أحد لَهُ فَم ينْطق بِهِ لما شملهم من إحسانه وأحاط بهم من إنعامه فَبين بِهَذَا أَن طَاعَة الْجَمِيع لَهُ طَاعَة وداد ومحبة لَا طَاعَة استكراه وَغَلَبَة

  9. ٩

    وَلَم يَخلُ مِن أَسمائِهِ عودُ مِنبَرٍ

    وَلَم يَخلُ دينارٌ وَلَم يَخلُ دِرهَمُ

    الواحدي: يقول عمت مملكته الدنيا حتى خطب له على منابرها وضرب باسمه الدينار والدرهم.

    العكبري: الْغَرِيب الدِّينَار أَصله دنار بِالتَّشْدِيدِ فأبدل من أحد حرفي تضيعفه يَاء لِئَلَّا يلتبس بالمصادر الَّتِي تَجِيء على فعال كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وكذبوا بِآيَاتِنَا كذابا﴾ إِلَّا أَن يكون بِالْهَاءِ فَيخرج عَن أَصله كالدنامه والصنارة والمنبر أَصله من نبرت الشَّيْء رفعته ونبرة الْمَعْنى رفع صَوته عَن خفض الْمَعْنى يَقُول عَمت مَمْلَكَته الدُّنْيَا فَلم يخل مِنْبَر إِلَّا واسْمه مَذْكُور فِيهِ لِأَن الْبِلَاد تَحت ولَايَته يخْطب على منابرها بِلُزُوم طَاعَته وَلم يخل دِينَار وَلَا دِرْهَم من اسْمه لِأَن دنانيرها ودراهمها مَضْرُوبَة باسمه مسكوكة بِذكرِهِ وَهَذَا إِشَارَة إِلَى عظم مَمْلَكَته وَأَن الْآفَاق تَحت ولَايَته مطيعة لأَمره وَنَهْيه

  10. ١٠

    ضُروبٌ وَما بَينَ الحُسامَينِ ضَيِّقٌ

    بَصيرٌ وَما بَينَ الشُجاعَينِ مُظلِمُ

    الواحدي: يضرب قرنه في الحرب مكافحةً وقد دنا ما بينهما حتى ضاق مضرب سيفيهما ويبصر في غبار الحرب حين يظلم ما بين الشجاعين من الهواء والغبار.

    العكبري: الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا ستر الْغُبَار نور الشَّمْس فأظلم مَا بَين الشجاعين قبصره ثَابت لم يمنعهُ الظلام صِحَة النّظر قَالَ وَيجوز أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا قد وَقع فِي أَمر عَظِيم وَمن شَأْن النَّاس أَن يَقُولُوا أظلمت الدُّنْيَا بيني وَبَين فلَان إِذا كَلمه بكلمه يشق عَلَيْهِ وَإِن لم يكن ثمَّ ظلام انْتهى كَلَامه وَالْمعْنَى أَنه شَدِيد الضَّرْب رابط الجأش إِذا التقى الشجاعان وضاق مَا بَينهمَا بتجلد الْأَبْطَال وتقارب مَا بَين الأقران وَأَنه بَصِير إِذا أظلم مَا بَين الشجاعين بتمثل الْمَوْت لَهما وتيقن الْمنية عِنْدهمَا فهنالك يثبت نظره لقُوَّة نَفسه وَلَا يشخص بَصَره لتمكن بأسه وَهَذَا مُبَالغَة فِي الشجَاعَة

  11. ١١

    تُباري نُجومَ القَذفِ في كُلِّ لَيلَةٍ

    نُجومٌ لَهُ مِنهُنَّ وَردٌ وَأَدهَمُ

    الواحدي: نجوم القذف هي التي يرمي بها الشياطين من قوله تعالى ويقذفون من كل جانب دحورا يقول خيله تبارى تلك النجوم التي تنقض من الهواء في السرعة وجعل خيله نجوما لأنها تتلألأ في سواد الليل ببريق الحديد ولأنها تستغرق الأرض بسيرها استغراق الكواكب وهي تسير في الأرض كما تسير الكواكب في السماء.

    العكبري: الْغَرِيب نُجُوم الْقَذْف هِيَ الَّتِي تقذف بهَا الشَّيَاطِين قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويقذفون من كل جَانب دحورا﴾ قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدى خيله تبارى تِلْكَ النُّجُوم الَّتِي تنقض فِي السرعة وَجعلهَا نجوما لِأَنَّهَا تتلألأ فِي الظلام ببريق الْحَدِيد وَأَنَّهَا تستغرق الأَرْض بسيرها فَهِيَ تسير فِي الأَرْض كَمَا تسير الْكَوَاكِب فِي السَّمَاء انْتهى كَلَامهمَا والورد الْفرس الْأَحْمَر والأدهم مَعْرُوف وَالْمعْنَى أَن خيله سريعة السّير كسرعة النُّجُوم وفيهن الْورْد والأدهم

  12. ١٢

    يَطَأنَ مِنَ الأَبطالِ مَن لا حَمَلنَهُ

    وَمِن قِصَدِ المَرّانِ ما لا يُقَوَّمُ

    الواحدي: القصد قطع الرماح إذا انكسرت الواحدة قصدة والمران جمع مارن وهو ما لان من الرماح يقول خيله تطأ القتلى من أبطال العدو الذين لم يحملنهم وما تكسر من قطع الرماح التي لا تقوم بعد تكسرها والمعنى واللفظ من قول الحصين بن الحمام المريّ، يطأن من القتلى ومن قصد القنا، خباراً فما يجرين إلا تجشما،

    العكبري: الْغَرِيب الْقَصْد قطع الرماح إِذا انْكَسَرت الْوَاحِدَة قصدة والمران الرماح سميت بذلك لمرانتها أَي للينها الْمَعْنى يَقُول خيله يطأن من الْأَبْطَال الْأَعْدَاء من لَا حملنه وَمَا تكسر من الرماح الَّتِي لَا تقوم بعد كسرهَا وَالْمعْنَى أَن خيله يطأن من الْأَبْطَال المقتولين فِي وقائعه من لَا جعلهَا الله أَن تحمله بِأَن يصير فِي رِجَاله ويئول إِلَى آماله ويطأن فِي تِلْكَ الوقائع من قطع الرماح مَا تقوس فَلَا يُمكن تقويمه وتكسر فَلَا يحاول تعديله وَهُوَ من قَول الْحصين بن الْحمام المرى (يَطَأْنَ مِنْ القَتْلَى وَمَنْ قِصَدِ القَنا ... خياراً فَما يَجرِينَ إلَاّ تَجشمُّا)

  13. ١٣

    فَهُنَّ مَعَ السيدانِ في البَرِّ عُسَّلٌ

    وَهُنَّ مَعَ النينانِ في الماءِ عُوَّمُ

    الواحدي: السيدان جمع سيد وهو الذئب وهذا مما جاء على فعل وفعلانٍ نحو قنوٍ وقنوانٍ وصنوٍ وصنوانٍ ورئد ورئدان والعسل جمع عاسل من عسلان الذيب يعني أن خيله عمت البر والبحر فهي تعدو مع الذئاب في البر وتعوم مع الحيتان في الماء.

    العكبري: الْغَرِيب السيدان جمع سيد وَهُوَ الذِّئْب وَهُوَ مِمَّا جَاءَ على فعل وفعلان نَحْو قنو وقنوان وَالْعَسَل جمع عاسل من عسلان الذِّئْب وَهُوَ الْإِسْرَاع والنينان جمع نون وَهُوَ الْحُوت وَنون ونينان كحوت وحيتان وعوم جمع عائم وَهُوَ السابح كصائم وَصَوْم الْمَعْنى يُرِيد أَن خيله عَمت الْبر وَالْبَحْر فَهِيَ تعدو مَعَ الذئاب فِي الْبر وتعوم مَعَ الْحيتَان فِي المَاء فَهِيَ تَارَة تقطع الْبر وَتارَة تعوم فِي الْبَحْر وَالْمعْنَى لِكَثْرَة غَزَوَاته واتصال غاراته تقطع خيله الفلوات نَحْو أعاديه عسلا مَعَ الذئاب الَّتِي مستقرها الفلوات وتعبر الْأَنْهَار نحوهم عائمة مَعَ الْحيتَان الَّتِي موضعهَا المَاء

  14. ١٤

    وَهُنَّ مَعَ الغِزلانِ في الوادِ كُمَّنٌ

    وَهُنَّ مَعَ العِقبانِ في النيقِ حُوَّمُ

    الواحدي: يقول خيله تكمن في الأودية مع الغزلان يعني إذا كمنت للعود أو هبطت في الأودية فكمنت فلم تظهر وتعلو الجبال والأماكن الصعبة مع العقبان في قلل الجبال والنيق أعلى موضع في الجبل والجمع انياق والمعنى أنها قطعت الأغوار والنجود والحوم جمع حائم من حومان الطير وهو دورانها.

    العكبري: الْإِعْرَاب الواد حذف الْيَاء وَاسْتغْنى بالكسرة عَنْهَا كَقِرَاءَة الْقُرَّاء سوى الْكسَائي وَاد النَّمْل بِغَيْر يَاء فِي الْوَقْف وكقراءة ابْن عَامر والكوفيين يناد المناد بِغَيْر يَاء فِي الْحَالين الْغَرِيب كمن جمع كامن تَقول كمن كمونا إِذا اختفى وَمِنْه الكمين فِي الْحَرْب والعقبان جمع عِقَاب وَهُوَ طَائِر كَبِير من الْجَوَارِح والنيق أَعلَى الْجَبَل والحوم جمع حائم من حوام الطير وَهُوَ دورانها الْمَعْنى يَقُول خيله كمن مَعَ الغزلان فِي الأودية الَّتِي فِيهَا كناسها أَو تقتحم على الْأَعْدَاء رُءُوس الْجبَال مَعَ العقبان الَّتِي فِيهَا وكورها وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن سيف الدولة لقُوَّة عَزَائِمه ونفاذه فِي مقاصده قد اسْتَوَى عِنْد خيله وفرسان جَيْشه الْبر وَالْبَحْر والسهل والوعر فَلَا يبعد عَنهُ مطلب وَلَا يمْتَنع عَلَيْهِ مَوضِع

  15. ١٥

    إِذا جَلَبَ الناسُ الوَشيجَ فَإِنَّهُ

    بِهِنَّ وَفي لَبّاتِهِنَّ يُحَطَّمُ

    الواحدي: الوشيج عروق القنا ثم صار اسما له والضمير في فإنه للوشيج يقول الوشيج المحمول المجلوب من منابته يكسر بخيله طاعناتٍ وفي صدورهن مطعوناتٍ وعلى رواية من روى بكسر الطاء عاد الضمير من فإنه إلى سيف الدولة يقول أنه يكسر الرماح بخيله طاعنةً وفي صدور خيل أعدائه مطعونة وتعود الكناية في لباتهن إلى خيل الأعداء وفيه بعدٌ

    العكبري: الْغَرِيب الوشيج عروق القنا ثمَّ صَار اسْما لَهُ ولباتهن جمع لبه وَهِي مَا فَوق النَّحْر الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي فَإِنَّهُ للوشيج على رِوَايَة من فتح الطَّاء وَمن كسرهَا فَالضَّمِير لسيف الدولة أَي يكسر الرماح بخيله طاعنة وَفِي صُدُور خيل عدوه مطعونة الْمَعْنى يَقُول إِذا جلب النَّاس القنا على سَبِيل الْجمع لَهَا وَحملُوهَا على طَرِيق التزين بهَا فَإِن السَّيْف الدولة فِي نحور الْخَيل يكسرها وبوقائعه يفتها ويحطمها

  16. ١٦

    بِغُرَّتِهِ في الحَربِ وَالسِلمِ وَالحِجا

    وَبَذلِ اللُها وَالحَمدِ وَالمَجدِ مُعلَمُ

    الواحدي: يقول هو معلم بوجهه في هذه الأشياء أي أنه معروف يعرف بوجهه فكأنه معلم به عند الحرب إذا حارب أو سالم أو كان عند السخاء والعقل وما ذكره هذا على رواية معلم ومن روى بكسر اللام قال أنه لشدته وشهرته لا يحتاج أن يعلم نفسه فإنه معلم بوجهه بمعنى أن وجهه كعلامة له لشهرته والجيد رواية من روى للحرب معلم يقول بوجهه علامةٌ لهذه الأشياء أي إذا نظرت إليه عرفت أنه أهل لهذه الأشياء موصوف بها يحارب إذا رأى الحزم في الحرب ويسالم إذا رأى السلم خيرا من الحرب ويعرف في وجهه أنه عاقل جواد محمود ماجد.

    العكبري: الْإِعْرَاب الْبَاء مُتَعَلقَة باسم الْفَاعِل الَّذِي هُوَ القافية الْغَرِيب السّلم ضد الْحَرْب وَيذكر وَيُؤَنث والحجا الْعقل واللها العطايا الْوَاحِدَة لهاة والمعلم هُوَ الَّذِي يعلم نَفسه بعلامة عِنْد الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول إِذا نظرت إِلَيْهِ عرفت أَنه أهل لهَذِهِ الْأَشْيَاء مَوْصُوف بهَا يحارب إِذا رأى الْخَيْر فِي الْحَرْب ويسالم إِذا رأى السّلم خيرا من الْحَرْب ويعرف بِوَجْهِهِ أَنه عَاقل جواد مَحْمُود ماجد فَهُوَ معلم بِجَمَال نَفسه ووفور عقله وجلالة مجده وَإِجْمَاع النَّاس على حَمده وَأَن هَذِه الْجَلالَة شيمته فِي سلمه وحربه ومفرد بهَا من بَين أَبنَاء دهره

  17. ١٧

    يُقِرُّ لَهُ بِالفَضلِ مَن لا يَوَدُّهُ

    وَيَقضي لَهُ بِالسَعدِ مَن لا يُنَجِّمُ

    الواحدي: أي عدوه يشهد له بالفضل لظهوره ووضوحه بحيث لا يمكن أن ينكر فضله كما قال، والفضل ما شهجت به الأعداء، ولظهور آثار السعادة عليه يحكم له بالسعادة من لا يعرف أحكام النجوم من السعادة والنحوسة.

    العكبري: الْغَرِيب يوده يُحِبهُ وَيُقَال رجل منجم ونجام الْمَعْنى يَقُول من لَا يوده يقر بفضله وَلَا يَدْفَعهُ لبيانه وَمن لَا ينجم يقْضى لَهُ بالسعد وَلَا يُنكره لاتصاله فلظهوره ووضوحه لَا يُنكر فَضله ولظهور آثَار السَّعَادَة عَلَيْهِ يحكم لَهُ بالسعادة من لَا يعرف أَحْكَام النُّجُوم من السَّعَادَة والنحوسة وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الآخر (والفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الأعْدَاءُ ... )

  18. ١٨

    أَجارَ عَلى الأَيّامِ حَتّى ظَنَنتُهُ

    تُطالِبُهُ بِالرَدِّ عادٌ وَجُرهُمُ

    الواحدي: أجار الناس وحفظهم من الأيام فحماهم عنها فلا تقدر أن تصيبهم بمكروهٍ حتى اطمع ذلك قبائل عاد وجرهم وهم قبائل قديمة وفقدوا وماتوا في الزمان الأول في استنقاذه إياهم من يد العدم فتطالبه بردهم إلى الدنيا إن أفنتهم الأيام وأهلكتهم.

    العكبري: الْغَرِيب عَاد وجرهم قبيلتان كَانُوا فِي أول الزَّمَان وانقرضوا الْمَعْنى يَقُول هَذَا الممدوح أَجَارَ على الْأَيَّام بكفه حوادثها وإنصافه مِنْهَا بانقاذه من مكارهها حَتَّى حسبت هَاتين القبيلتين ستطالبانه بِالرَّدِّ لَهما على طول الْعَهْد مَا انصرم عَلَيْهِمَا من تقادم الدَّهْر وَأَن سعادته إِذا قربت مَا كَانَ يبعد وسهلت مَا كَانَ يعسر فَمَا تمكن لَهُ من ذَلِك يُوجب عَلَيْهِ أَن يطْلب بِمَا لَا يُمكن فعله وَيسْأل مَا يمْتَنع مثله

  19. ١٩

    ضَلالاً لِهَذي الريحِ ماذا تُريدُهُ

    وَهَدياً لِهَذا السَيلِ ماذا يُؤَمِّمُ

    الواحدي: إنما دعى على الريح بالضلال لأنها آذتهم في طريقهم كما قال بكرن ضرا وبكرت تنفع ودعى للسيل بالهدي لأنه حكاه بالجود وقوله ماذا يؤمم أي ماذا يقصد وفي هذا تعظيم لسيف الدولة.

    العكبري: الْمَعْنى إِنَّمَا قَالَ للريح ضلالا لِأَنَّهَا آذتهم فِي طريقهم وَلما حَكَاهُ السَّيْل بالجود إدعاله قَالَ ابْن فورجة أَرَادَ الدُّعَاء على الرّيح لضررها وَالدُّعَاء للمطر لنفعه وَهَذَا مُطَابقَة من حَيْثُ الْمَعْنى

  20. ٢٠

    أَلَم يَسأَلِ الوَبلُ الَّذي رامَ ثَنيَنا

    فَيُخبِرَهُ عَنكَ الحَديدُ المُثَلَّمُ

    الواحدي: هذا المطر الذي قصد صرفنا عن وجهنا إلا يسال السيف فيخبره أنه لا يقدر على صرفك عن وجهك فيعلم المطر أنه لا يقدر أيضا على صرفك.

    العكبري: الْإِعْرَاب فيخبره نَصبه لِأَنَّهُ جَوَاب الِاسْتِفْهَام بِالْفَاءِ الْغَرِيب الوبل أَشد الْمَطَر الْمَعْنى يَقُول هلا سَأَلَ الْمَطَر الَّذِي قصد أَن يصرفنا عَن وجهنا بسكبه واعترضنا فِي طريقنا بسيله كاشفا عَن أَمر سيف الدولة ومستفهما عَن حَاله فيخبره الْحَدِيد الَّذِي ثلمته وقائعه وكسرته بالجلادة كتائبه فيعلمه بِأَنَّهُ لَا ترد عَزَائِمه وَلَا تواجه بالاعتراض مطالبه وَهُوَ مِمَّن لَا يثنى بالحديد فَكيف بالمطر كَقَوْلِه (فَأهْوَنُ مَا تَمُرُّ بهِ الوُحُولُ ... )

  21. ٢١

    وَلَمّا تَلَقّاكَ السَحابُ بِصَوبِهِ

    تَلَقّاهُ أَعلى مِنهُ كَعباً وَأَكرَمُ

    الواحدي: لما استقبلك الساحب المطر استقبله من هو أشرف منه شرفا وأظهر كرما.

    العكبري: الْغَرِيب بصوبه بِمَا يصوب بِهِ وَهُوَ المَاء وَفُلَان أَعلَى كَعْبًا من فلَان أرفع من صَاحبه قدرا وَأَصله فِي المصارعين لِأَن كَعْب الْغَالِب أَعلَى من كَعْب المغلوب ثمَّ اسْتعْمل فِي كَون الْإِنْسَان أرفع قدرا من صَاحبه وَإِن لم يكن ثمَّ صراع الْمَعْنى لما تلقاك السَّحَاب بالمطر استقبله من هُوَ أبين مِنْهُ شرفا وَأظْهر كرما يُرِيد لما اعترضك فِي طريقك سكبه تَلقاهُ مِنْك من يعلوه برفعته ويزري عَلَيْهِ بكرم رَاحَته

  22. ٢٢

    فَباشَرَ وَجهاً طالَما باشَرَ القَنا

    وَبَلَّ ثِياباً طالَما بَلَّها الدَمُ

    الواحدي: يقول وباشر المطر وجها قد باشر الرماح في الحروب أي أنه لا يبالي بالمطر لأنه رأى ما هو اعظم منه.

    العكبري: الْمَعْنى فباشر وَجها طالما بَاشر القنا فَلم تصبه مباشرتها وبل ثيابًا طالما بلها الدِّمَاء وَلم يثنه بللها فَكيف يهاب وَقع الْمَطَر من لَا يهاب وَقع الرماح ويتألم من المَاء من لَا يتألم من الدِّمَاء

  23. ٢٣

    تَلاكَ وَبَعضُ الغَيثِ يَتبَعُ بَعضَهُ

    مِنَ الشَأمِ يَتلو الحاذِقَ المُتَعَلِّمُ

    الواحدي: يقول تبعك الغيث وأنت غيث فأذن يتبع بعضه بعضا وأنت حاذق في الجود فهو يتلوك ليتعلم منك ذلك.

    العكبري: الْغَرِيب تلاك تبعك وَالشَّام إقليم مَعْرُوف من غَزَّة إِلَى الْفُرَات طوله عشرُون يَوْمًا الْمَعْنى يَقُول أَنْت غيث حاذق بالصب والسكب فِي الْجُود فتبعك السَّحَاب ليتعلم مِنْك والغيث بعضه يتبع بَعْضًا وَأَنت فِي الْجُود وَهُوَ متعلم فَلهَذَا تبعك ليتعلم

  24. ٢٤

    فَزارَ الَّتي زارَت بِكَ الخَيلُ قَبرَها

    وَجَشَّمَهُ الشَوقُ الَّذي تَتَجَشَّمُ

    الواحدي: زار السحاب قبر والدتك معك وكلفه الشوق ما كلفك من المسير نحوها أي هو يشتاق قبرها كما تشتاقه.

    العكبري: الْغَرِيب جشمه كلفه جشمت الْأَمر بِالْكَسْرِ جشما وتجشمته تكلفته على مشقة وجشمته تجشما وأجشمته إِذا كلفته إِيَّاه وَمِنْه (فَمَهْما تُجَشِّمْني فَإنّيَ جاشِمُ ... ) الْمَعْنى يَقُول زار مَعَك الْغَيْث قبر والدتك وكلفه الشوق مَا كلفك من الْمسير نَحْوهَا فَكَأَنَّهُ يشتاقها كَمَا تشتاقها أَنْت فأسعدك قَاضِيا لحقك وتبعك مُعظما لقدرك وَعلم أَن أمك تلْزم السحائب زيارتها ويحق عَلَيْهَا كرامتها

  25. ٢٥

    وَلَمّا عَرَضتَ الجَيشَ كانَ بَهاؤُهُ

    عَلى الفارِسِ المُرخى الذُؤابَةَ مِنهُمُ

    الواحدي: أراد بالفارس المرخى الذؤابة سيف الدولة يقول لما عرضت الجيش كنت بهاءهم وجمالهم

    العكبري: الْإِعْرَاب من نصب الذؤابة جعله كالضارب الرجل فأعمل اسْم الْفَاعِل وَمن جرها جعله كالحسن الْوَجْه الْغَرِيب الذؤابة الضفيرة من شعر الرَّأْس هَذَا هُوَ الأَصْل وسمى مَا سدل من الْعِمَامَة بذلك وَهَذَا مَا أَرَادَ أَبُو الطّيب الْمَعْنى يَقُول لما عرضت الْجَيْش وتصفحته كَانَ بهاؤه على عظم شَأْنه وتكاثر شجعانه على الْفَارِس المعتم بَين جمَاعَة المتجففين المرخى ذؤابة عمَامَته من بَين سَائِر المغتفرين وَهُوَ زِيّ أَمِير الْعَرَب فِي الْحَرْب وَأَشَارَ بذلك إِلَى سيف الدولة

  26. ٢٦

    حَوالَيهِ بَحرٌ لِلتَجافيفِ مائِجٌ

    يَسيرُ بِهِ طَردٌ مِنَ الخَيلِ أَيهَمُ

    الواحدي: الأيهم الذي لا يهتدي فيه ويقال بر أيهم وفلاة يهماء جعل كثرة التجافيف حوله بحرا مائجا وجعل خيله التي تسير بهذه التجافيف طوادا عظيما.

    العكبري: الْغَرِيب التجافيف من كَلَام الْعَرَب الفصيح الْوَاحِد تجفاف وَهُوَ ضرب من السِّلَاح يلْبسهُ الرِّجَال وَالْخَيْل والطود الْجَبَل والأيهم الَّذِي لَا يَهْتَدِي بِهِ يُقَال برأيهم وفلاة يهماء الْمَعْنى أَنه جعل كَثْرَة التجافيف حوله بحرا مائجا وَجعل خيله الَّتِي تسير بِهَذِهِ التجافيف طودا وَالْمعْنَى أَن حوله من بريق الأسلحة ولمعان التجافيف مَا يشبه الْبَحْر بكثرته ويحكيه ببريق جملَته وَيُشِير بذلك إِلَى موكب من خيله

  27. ٢٧

    تَساوَت بِهِ الأَقطارُ حَتّى كَأَنَّهُ

    يُجَمِّعُ أَشتاتَ الجِبالِ وَيَنظِمُ

    الواحدي: يذكر أنه عم الأرض بكثرة خيله فنظم بعمومه متفرق الجبال ونواحي الأرض.

    العكبري: الْغَرِيب الأقتار جمع قتر وَهُوَ النَّاحِيَة من الأَرْض وَهِي مثل الأقطار وَهِي النواحي قتر وقطر والأشتات المتفرقة الْمَعْنى يَقُول قَالَ أَبُو الْفَتْح يُحِيط خيله بالجبال وَهِي كالجبل فَكَأَن جَيْشه يؤلف بَينهَا لسعته وكثافته كَقَوْل النَّابِغَة (تَغِببُ الشَّوَاهِق فِي جَيْشِهِ ... وَتَبْدُو صِغاراً إذَا لمْ تَغِبْ) وَقَالَ الواحدي عَم الأَرْض بخيله ونظم بِعُمُومِهِ متفرق الْجبَال ونواحي الأَرْض وَقَالَ ابْن الإفليلى الأقتار الْغُبَار يُشِير إِلَى أَن هَذَا الْجَيْش يسحق الْجبَال بكثرته ويحطمها بعظمه فيستوى الرهج فِي السهل والوعر وَفِي الصلب والرخو ويشتمل العجاج على الْجبَال حَتَّى تصبر كَأَنَّهَا فِي ذَلِك العجاج منتظمة وَبِمَا عشيها من الْجَيْش مُتَّصِلَة كَقَوْل النَّابِغَة (جَيْشٌ يَظَلُّ بِه الْفَضاء مُعَطَّلاً ... يَدَعُ الإكامَ كَأَّنهُنَّ صَحارِ)

  28. ٢٨

    وَكُلُّ فَتىً لِلحَربِ فَوقَ جَبينِهِ

    مِنَ الضَربِ سَطرٌ بِالأَسِنَّةِ مُعجَمُ

    الواحدي: جعل أثر الضرب كالسطر لطوله وأثر الطعن اعجاما لذلك السطر لتدور جراحته فهي كالنقطة يريد أنهم رجال حرب على وجوههم آثار الضرب والطعن.

    العكبري: الْإِعْرَاب وكل فَتى عطفه على قَوْله حواليه بَحر أَي وحواليه كل فَتى فَهُوَ ابْتِدَاء الْغَرِيب الأسنة جمع سِنَان وَهِي أَطْرَاف الرماح الْمَعْنى يُرِيد وَحَوله كل فَتى قد خدد بِهِ الْحَرْب ووسمه الطعْن وَالضَّرْب فَفِي جَبينه للسيوف آثَار مستطيلة تشبه السطر وللأسنة فِيهِ نكت مجتمعة تشبه الْعَجم وَأَشَارَ باعتماد الْجراح لوجههم إِلَى شجاعتهم وبأسهم وإقدامهم وَجعل ضرب السَّيْف كالسطر لطوله وَطعن الرماح إعجاما لذَلِك السطر وَهُوَ النقط وَهُوَ من قَول الطَّائِي (كَتَبْتَ أوْجُههُم مَشْقا وَنَمْنَمْةً ... ضَرْبا وَطَعْنا يَفُلُّ الهَامَ وَالصّلفا) (كِتابَةً لَا تَنِي مَقْرُوءَة أبَداً ... وَما خَطَطْتَ بِها لاما وَلا ألفَا)

  29. ٢٩

    يَمُدُّ يَديهِ في المُفاضَةِ ضَيغَمٌ

    وَعَينَيهِ مِن تَحتِ التَريكَةِ أَرقَمُ

    الواحدي: المفاضة الدرع الواسعة والأرقم الحية يعني أن هذا الفتى في الدرع أسد فإذا مد يده في الدرع فقد مدها أسد لكونه أسدا وأراد يمد يديه منه ضيغم كما تقول أن لقيت فلانا لقيت منه الأسد ونظره كنظر الحية أي كأنه حيةٌ تنظر لشدة توقد عينيه والمعنى يفتح عينيه منه أرقم وهذا من باب علفتها تبنا وماء باردا.

    العكبري: الْإِعْرَاب يُرِيد وَيفتح عَيْنَيْهِ وَهُوَ من بَاب علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا أَي سقيتها مَاء بَارِدًا وَيُرِيد يمد يَدَيْهِ مِنْهُ فَحذف للْعلم بِهِ الْغَرِيب المفاضة الدرْع الواسعة والضيغم الْأسد والتريكة الْبَيْضَة تَشْبِيها بالتريكة وَهِي بَيْضَة النعامة إِذا انفلقت وَخرج الْفرج فَتركت والأرقم ضرب من الْحَيَّات وَجمعه أراقم وَسمي بذلك لنقش على ظَهره الْمَعْنى يَقُول هَؤُلَاءِ الفتيان الَّذين حوله كلهم أَسد فِي شدته وأرقم فِي بسالته يمد فِي درعه يَدي أَسد قُوَّة وَشدَّة وَيفتح من تَحت تركته عينا أَرقم إقداما وشجاعة يُشِير إِلَى أَنهم شجعان لَا يقدرهم أحد

  30. ٣٠

    كَأَجناسِها راياتُها وَشِعارُها

    وَما لَبِسَتهُ وَالسِلاحُ المُسَمَّمُ

    الواحدي: يقول كأجناس الخيل جميع ما معها يعني أن كل ذلك عربي الرايات والسلاح والملابس كالخيل فإنها كلها عراب على اختلاف اجناسها من السود والشهب وسائر الألوان والمسمم المسقى سما.

    العكبري: الْغَرِيب رايات جمع راية وَهِي الْعلم الَّذِي يكون مَعَ الْجَيْش لكل قوم علم يعْرفُونَ بِهِ والمسمم الَّذِي سقى السم وشعارها الْكَلَام الَّذِي يتَكَلَّم بِهِ وَقت الْحَرْب وَهُوَ كَلَام اصْطَلحُوا عَلَيْهِ وَأَرَادَ هَهُنَا بالشعار لبسهَا الْمَعْنى يُرِيد كأجناس الْخَيل جَمِيع مَا مَعهَا من الرَّايَات وَالسِّلَاح على اخْتِلَاف أجناسها من السود والشهب وَسَائِر الألوان كأجناسها فِي الْفضل وَالْكَرم أَجنَاس راياتها المؤيدة وشعارها المنصورة وَمَا لبسته من سلاحها الشاك وَحَمَلته من حديدها الصَّقِيل المحسن

  31. ٣١

    وَأَدَّبَها طولُ القِتالِ فَطَرفُهُ

    يُشيرُ إِلَيها مِن بَعيدٍ فَتَفهَمُ

    الواحدي: يقول خيله مؤدبة بطول قوده إياها إلى القتال حتى أنها تفهم الإشارة إليها من بعيد

    العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي أدبها وإليها وتفهم للخيل وَالضَّمِير فِي طرفه لِلْقِتَالِ وَقيل لفارسها وَإِن لم يجر لَهُ ذكر لِأَن الْخَيل لما ذكرت لابد لَهَا من رَاكب الْمَعْنى قَالَ الواحدى خيله مؤدبة بطول قوده إِيَّاهَا إِلَى الْقِتَال حَتَّى أَنَّهَا تفهم الْإِشَارَة إِلَيْهَا من بعيد وَقَالَ ابْن الإفليلى أدب هَذِه الْخَيل طول ممارستها الْقِتَال والتقلب فِي شَدَائِد الْحَرْب ففارسها يُشِير إِلَيْهَا من بِعَبْد فتفهم ويومئ إِلَيْهَا بِمَا يُرِيد فتفعل

  32. ٣٢

    تُجاوِبُهُ فِعلاً وَما تَعرِفُ الوَحى

    وَيُسمِعُها لَحظاً وَما يَتَكَلَّمُ

    الواحدي: أي تجيبه بالفعل من غير أن تسمع الصوت ويسمعها بالإشارة بالطرف من غير أن يتكلم وهذا المعنى من قول الشاعر، هل تذكرين إذ الركاب مناخةٌ، برحالها لوداع أهل الموسم، إذ نحن تخبرنا الحواجب بيننا، وما في النفوس ونحن لم نتكلم،

    العكبري: الْغَرِيب الْوَحْي الصَّوْت الْخَفي الْمَعْنى يَقُول الْخَيل من أدبها وَكَثْرَة مَا لاقت من الحروب تجيبه بِفعل من غير أَن تسمع الصَّوْت ويسمعها بِالْإِشَارَةِ بطرفه من غير أَن يتَكَلَّم وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر (هَلْ تَذكرِينَ إِذا الرّكابُ مُناخَةٌ ... بِرِحالِها لِوَدَاعِ أهْلِ الموْسِمِ) (إذْ نَحْنُ تخبِرُنا الحَوَاجِبُ بَيْنَنا ... مَا فِي النُّفُوسِ وَنحنُ لمْ نَتَكَلَّمِ)

  33. ٣٣

    تَجانَفُ عَن ذاتِ اليَمينِ كَأَنَّها

    تَرِقُّ لِمِيّافارِقينَ وَتَرحَمُ

    الواحدي: يقول تميل خيلك عن جانب اليمين كأنها ترحم ميافارقين لو سارت على جانبها يعني لو مالت عليها لداستها بحوافرها فهي كأنها ترحمها فلا تميل على جانبها.

    العكبري: الْغَرِيب التجانف الْميل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن خَافَ من موص جنفا﴾ أَي ميلًا وميا فارقين بَلْدَة من أَعمال ديار بكر وَلها رستاق كَبِير وَهِي صَغِيرَة الْمَعْنى يَقُول للممدوح تميل خيلك عَن ميافارقين لِأَن فِيهَا قبر والدته فَكَأَنَّهَا ترحم الْبَلدة لأجل بركَة والدتك وَلَو مَالَتْ عَلَيْهَا لداستها بحوافرها فَهِيَ كَأَنَّهَا ترق لَهَا راحمة فَلَا تميل عَلَيْهَا فَكَأَنَّهَا تعدل عَنْهَا مشفقة وتتجانب عَنْهَا مترحمة وَذَلِكَ لبركة من فِيهَا يُرِيد أم سيف الدولة

  34. ٣٤

    وَلَو زَحَمَتها بِالمَناكِبِ زَحمَةً

    دَرَت أَيُّ سورَيها الضَعيفُ المُهَدَّمُ

    الواحدي: يقول لو زحمتها الخيل بمناكبها أو لو زحمت البلدة الخيل بجدرها وسماها مناكب لأن الزحام يكون بالمناكب يعني لو جرت بينهما مزاحمة درت البلدة أي الجدارين الضعيف المهدم يعني أن الخيل أقوى من هذه البلدة فهي لو قصدتها لهدمت سورها فكانت تعلم أن سورها ضعيف لا يقوى على دفع خيل سيف الدولة وروى ابن جنى سورينا يعني سور الخيل وسور البناء ومن روى بالهاء عادت الكناية إلى الخيل والبلدة جميعا واستعار للخيل سورا لأنه ذكرها مع البلدة وجمعهما في المزاحمة واستعار لقوة الخيل اسم السور لما كانت قوة البلدة بالسور قال ابن جنى ومن طريف ما جرى هناك أن المتنبي انشد هذه القصيدة عصرا وسقط سور المدينة تلك الليلة وكان جاهليا.

    العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي زحمتها للبلدة وَكَذَلِكَ فِي درت أَي درت الْبَلدة وَرفع أَي بِالِابْتِدَاءِ وَمَا بعده الْخَبَر وَهُوَ اسْتِفْهَام ومفعول درت مَحْذُوف تَقْدِيره علمت ضعفها لِأَن أيا لَا يعْمل فِيهَا مَا قبلهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لنعلم أَي الحزبين أحصى﴾ فَرفع أَي بأحصى لِأَنَّهُ فعل مَاض على قَول بَعضهم وَالصَّحِيح أَن أيا فِي الْآيَة بِمَعْنى الَّذِي وأحصى اسْم وَقد حذف صدر الصِّلَة وَالتَّقْدِير هُوَ أحصى وَأي إِذا كَانَت بِمَعْنى الَّذِي وتمت صلتها أعربت وَإِذا حذف صدر الصِّلَة عَادَتْ إِلَى أَصْلهَا من الْبناء وَهِي مَنْصُوبَة الْموضع بتَعَلُّم وَأي فِي الْبَيْت مُبْتَدأ والضعيف خَبره والمهدم خبر ثَان وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع نصب بدرت فَهِيَ معلقَة عَن الْعَمَل وَأي فِي الْبَيْت اسْتِفْهَام وروى الواحدى وَغَيره سوريها فَالضَّمِير للبلدة وَرِوَايَة أبي الْفَتْح سورينا يُرِيد سور الْبناء وسور الْخَيل اسْتعَار للخيل سورا لِأَنَّهُ ذكرهَا مَعَ الْبَلدة وَجَمعهَا فِي الْمُزَاحمَة وَلما كَانَت الْبَلدة قَوِيَّة بالسور اسْتعَار لقُوَّة الْخَيل سورا الْغَرِيب المناكب جمع منْكب والزحام لَا يكون إِلَّا بالمناكب وَهِي الأكتاف وَدرت علمت تَقول دريته ودريت بِهِ دريا ودرية ودرية ودراية أَي علمت بِهِ قَالَ العجاج (لَا هُمَّ لَا أدْرِي وَأنْتَ الدَّارِي ... ) الْمَعْنى يَقُول لَو زحمتها خيلك بمناكبها أَي لَو جرت بَينهمَا مزاحمة لعَلِمت الْبَلدة أَنَّهَا ضَعِيفَة وَأَنَّهَا لَا تقدر على مزاحمة الْخَيل لِأَن الْخَيل أقوى مِنْهَا فَلَو قصدتها لهدمت سورها فَكَانَت تعلم أَن سورها ضَعِيف لَا يقوى على دفع الْخَيل وَالْمعْنَى لَو زاحمتها الْخَيل بمناكبها وصادمتها بمواكبها لأيقنت أَن سورها مَعَ شدَّة قوته وشهرة منعته كَانَ يعجز عَن زحام هَذِه الْخَيل قَالَ أَبُو الْفَتْح من أعجب مَا جرى أَن أَبَا الطّيب أنْشد هَذِه القصيدة عصرا وَوَقع السُّور لَيْلًا

  35. ٣٥

    عَلى كُلِّ طاوٍ تَحتَ طاوٍ كَأَنَّهُ

    مِنَ الدَمِ يُسقى أَو مِنَ اللَحمِ يُطعَمُ

    الواحدي: قوله على كل طاو من صلة قوله وكل فتى على كل فرس ضامر تحت رجل ضامر كأنه يسقى من دمه ويطعم من لحمه من ضمره يعني الفرس كأنه ليس له غذاء ولا شرب إلا من جسمه فهو يزداد كل يوم ضمرا ويحتمل أني ريد اقتحامها على الأعداء وتوغلها فيهم فكأن مطعمها من لحومهم ومشربها من دمائهم فهي تسرع في طلبهم لتدرك مطعمها ومشربها والطاوي الضامر البطن.

    العكبري: الْإِعْرَاب حرف الْجَرّ يتَعَلَّق بِمَا قبله وَهُوَ قَوْله وكل فَتى وَمَا ذكر اعْتِرَاض بَينهمَا الْغَرِيب الطاوي الخميص الْجوف وَهُوَ الضامر رجل طيان وَامْرَأَة طيا وَهُوَ الضامر الْمَعْنى يَقُول هم خماص على خيل مضمرة أَي كل فَتى على طاو مُضْمر لَيْسَ لَهُ غذَاء وَلَا مشرب إِلَّا من لَحْمه وَدَمه فَهُوَ يزْدَاد كل يَوْم ضمورا قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدى كَأَنَّهُ يتغذى لحم نَفسه وَيشْرب دَمه فقد زَاد هزاله إِذْ لَيْسَ لَهُ مطعم وَلَا مشرب إِلَّا من جِسْمه وَوجه آخر وَهُوَ أَن يكون مطعمه ومشربه من لُحُوم أعدائه فَهُوَ مقتحم عَلَيْهِم وموغل فِي طَلَبهمْ ليدرك مأكله ومشربه وَهَذَا الْوَجْه أبلغ وأمدح وَالْقَوْل الأول يحسن قَالَ ابْن وَكِيع وَالْبَيْت مَأْخُوذ من قَول أَبى الشيص (أكَلَ الوَجِيفُ لحُومَها وَلحُومَهُم ... فأتَوْكَ أنْقاضاً عَلى أنْقاضِ)

  36. ٣٦

    لَها في الوَغى زِيُّ الفَوارِسِ فَوقَها

    فَكُلُّ حِصانٍ دارِعٌ مُتَلَثِّمُ

    الواحدي: لهذه الخيل في الحرب لبس فوارسها لأنها قد ألبست التجافيف صونا لها فكل فرس منها ذو درع من التجافيف وذو لثام بما أرسل على وجهها.

    العكبري: الْغَرِيب الحصان الذّكر من الْخَيل والدارع مَا عَلَيْهِ تجفاف ومتلثم على وَجهه مخطمة من حَدِيد الْمَعْنى يَقُول لهَذِهِ الْخَيل فِي الْحَرْب زِيّ فوارسها لِأَنَّهَا قد ألبست التجافيف صَوتا لَهَا فَكل فرس مِنْهَا ذُو درع وَذُو لثام بِمَا أرسل على وَجهه فَهَذِهِ الْخَيل بالدروع مُشْتَمِلَة وَفِي الجواشن ملتثمة وَاعْتذر بعد هَذَا للفوارس باحترازهم فَقَالَ

  37. ٣٧

    وَما ذاكَ بُخلاً بِالنُفوسِ عَلى القَنا

    وَلَكِنَّ صَدمَ الشَرِّ لِلشَرِّ أَحزَمُ

    الواحدي: يقول لم محصنوها بالدروع بخلا بنفوسهم لأنهم شجعان لايبالون بالقتل غير انهم يتقون شر الأعداء فيدفعون ذلك بمثله وهو فعل الحازم اللبيب ومن شهد الحرب غير مستعد ولا متسلح كان ذلك خرقا وهوجا ألا ترى أن كثيرا لما قال لعبد الملك علي ابن أبي العاصي دلاص حصينة، أجاد المسدى سردها وأذالها، قال له هلا مدحتني كما مدح الأعشى صاحبه في قوله، وإذا تكون كثيبة ملمومة، شهباء يخشى الزائدون نهالها، كنت المقدم غير لابس جنةٍ، بالسيف تقتل معلما أبطالها، قال له كثير أنه وصف صاحبه بالخرق وأنا وصفتك بالحزامة ويريد بالشر الأول شر الأعداء وما جاؤوا به من العدد والأسلحة وبالثاني ما عارضوهم بمثله وسما لا شرا على المقابلة كقوله تعالى وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها.

  38. ٣٨

    أَتَحسِبُ بيضُ الهِندِ أَصلَكَ أَصلَها

    وَأَنَّكَ مِنها ساءَ ما تَتَوَهَّمُ

    الواحدي: أتظن السيوف بأن سميت سيفا أنها تشاركك في الأصل وأنك من جملتها ساء هذا الوهم وهماً يعني أنك وإن سميتَ سيفا فإنك أشرف من سيوف الهند وأجل منها شأنا وأعظم اصلا.

    العكبري: الْإِعْرَاب يجوز فِي مُسْتَقْبل حسب فتح السِّين وَكسرهَا وهما لُغَتَانِ فصيحتان وبالفتح قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَعبد الله بن عَامر وبيض الْهِنْد السيوف الْهِنْدِيَّة الْمَعْنى يَقُول أتحسب سيوف الْهِنْد مَعَ جلالتها ورفعتها ونفاذها وهيبتها أَنَّك مِنْهَا لمشاركتك لَهَا فِي الاسمية واللقب سَاءَ مَا ظنته وخاب سعيها فِيمَا توهمته وَالسُّيُوف بعض آلاتك تصرفها وَلَا تصرفك وتستعملها وَلَا تستعملك وَأَنَّك وَإِن سميت سَيْفا فَإنَّك أشرف من سيوف الْهِنْد وَأجل مِنْهَا شَأْنًا وَأعظم أصلا

  39. ٣٩

    إِذا نَحنُ سَمَّيناكَ خِلنا سُيوفَنا

    مِنَ التيهِ في أَغمادِها تَتَبَسَّمُ

    الواحدي: يقول إذا سميناك سيفا خلنا سيوفنا تتكبر بأن صرت لها سميا وهي تتبسم تيها وفخرا

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِذا نَحن سميناك سَيْفا فَحَذفهُ للْعلم بِهِ خلنا سُيُوفنَا تتكبر وتعجب تيها بمشاركتك لَهَا فِي الاسمية فَهِيَ تتبسم تيها وفخرا وَهَذَا الْبَيْت من نَوَادِر أبياته وَقد عابه من لَا يعرف مَعَاني الشّعْر وَقَالَ قد وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه حَيْثُ قَالَ تتبسم من التيه وَلَا يكون من التيه إِلَّا العبوس وَأَن يشمخ الْإِنْسَان بِنَفسِهِ وَهُوَ فعل التائه المتكبر وَإِنَّمَا يكون التبسم من المرح والفرح وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا والتبسم قد يكون من المعجب بِنَفسِهِ التائه على أقرانه استكثارا لما عِنْده واستقلالا لما عِنْد غَيره فَلَيْسَ يُنكر أَن يكون التبسم من الْإِعْجَاب فَكَأَن السيوف تبسمت إعجابا بِنَفسِهَا لمشاركة الممدوح لَهَا فِي التَّسْمِيَة فحقرت بذلك السِّلَاح والرماح وَهُوَ من قَول أبي نواس (تَتِيه الشَّمْسُ وَالقَمَر المُنِيرُ ... إذَا قُلْنا كأنَّهما الأَميرُ)

  40. ٤٠

    وَلَم نَرَ مَلكاً قَطُّ يُدعى بِدونِهِ

    فَيَرضى وَلَكِن يَجهَلونَ وَتَحلُمُ

    الواحدي: بدونه معناه بدون قدره واستحقاقه يقول لم أر ملكا يلقب بدون ما يستحق فيرضى بذلك ولكن الناس يجهلون قدرك وأنت تحلم عنهم فلا تعاقبهم على جهلهم.

  41. ٤١

    أَخَذتَ عَلى الأَعداءِ كُلَّ ثَنِيَّةٍ

    مِنَ العَيشِ تُعطي مَن تَشاءُ وَتَحرِمُ

    الواحدي: أخذت على أرواح أعدائك طريق عيشهم إليها فليس يعيشون لأنك فرقت بينهم وبين أرواحهم بالقتل وأنت تعطى من تشاء وتحرم لأنك ملك وقد فسر هذا فيما بعدُ

    العكبري: ، ٤١ الْغَرِيب الثَّنية الْجَبَل الصَّغِير وقيلى هِيَ الطَّرِيق فِي رَأس الْجَبَل الْإِعْرَاب اسْتعْمل الظّرْف اسْتِعْمَال الْأَسْمَاء فأعربه الْمَعْنى يَقُول لم نر ملكا يدعى بِدُونِ اسْمه وَقدره وبرضى بذلك وَمحله فَوق أَن يُسمى سَيْفا وَلَكِن النَّاس يجهلون قدره وَهُوَ يحلم عَنْهُم ويقصرون عَن حَقِيقَة وَصفه فيكرم ثمَّ قَالَ أخذت على أعدائك كل طَرِيق عيشهم فِيهَا فَلَيْسَ يعيشون لِأَنَّك فرقت بَينهم وَبَين أَرْوَاحهم بِالْقَتْلِ وَأَنت تُعْطِي من تشَاء وَتحرم لِأَنَّك ملك يُشِير بذلك إِلَى قُوَّة ملكه وَتمكن أمره فَأَنت تُعْطِي من أطاعك ورجاك وَتحرم من خالفك وعصاك عَالما بِمَا تَفْعَلهُ قَادِرًا على مَا تقصده فَأَنت مؤيد من الله

  42. ٤٢

    فَلا مَوتَ إِلّا مِن سِنانِكَ يُتَّقى

    وَلا رِزقَ إِلّا مِن يَمينِكَ يُقسَمُ

    الواحدي: هذا من قول أبي العتاهية، فما آفة الآجال غيرك في الوغا، وما آفة الأموال غير حبائك. وضربت لسيف الدولة خيمة كبيرة بميافارقين وأشاع الناس بأن المقام يتصل وهبت ريح شديدة فسقطت الخيمة وتكلم الناس عند سقوطها فقال:

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول لسنا نعلم قَتِيلا بحديد إِلَّا من سِلَاحك فِي وقعك ولسنا نعلم عَطاء يقْصد من غير هباتك ومكارمك فالموت من رماحك والرزق من عطائك وَهُوَ من قَول أبي الْعَتَاهِيَة (فَما آفَةُ الآجالِ غَيرُكَ فِي الوَغَى ... وَما آفَةُ الأمْوَال غيرُ حبِائِكا) فإثباتها فِي الْوَصْل على حد إِثْبَاتهَا فِي الْوَقْف ضَرُورَة مستقبحة للمحدث وسبيل مثلهَا أَن لَا يُقَاس عَلَيْهِ إِلَّا على استكراه وَأما الْخَطَأ فَإِن الَّذِي ذهب إِلَى هَذَا وَاحْتج بِهِ قد عدل عَن صوب التَّشْبِيه وَذَلِكَ أَنه لَا يَخْلُو من أَن تجْرِي الْكَلِمَة على حد الْوَقْف أَو على حد الْوَصْل فَإِن كَانَ على حد الْوَصْل وَهُوَ الْوَجْه لِأَنَّهُ لَيْسَ وَاقِفًا فسبيله أَن يحذف الْهَاء وصلا لما ذَكرْنَاهُ من استغنائه عَنْهَا فِي الْوَصْل بِمَا يتبع الْألف وَإِن كَانَ على حد الْوَقْف فقد خَالف ذَلِك بإثباتها متحركة بِالضَّمِّ أَو الْكسر فالهاء فِي الْوَقْف بِلَا خلاف سَاكِنة فَالَّذِي رام إِثْبَاتهَا متحركة لأعلى حد الْوَصْل أجراها فيحذفها وَلَا على حد الْوَقْف أجراها فيسكنها وَلَا تعلم منزلَة بَين الْوَصْل وَالْوَقْف يرجع إِلَيْهَا وتجري الْكَلِمَة عَلَيْهَا فَلهَذَا كَانَ إِثْبَات هَذِه الْهَاء متحركة خطأ عندنَا وَأما مَا رَوَاهُ الْكُوفِيُّونَ فشاذ عندنَا وَأما مَا ذكره فِي نوادره أَبُو زيد من أَنهم شبهوا الْهَاء بِحرف الْإِعْرَاب فَلَا وَجه لَهُ وَلَو كَانَت الْهَاء فِي قلباه مشبهة بِحرف الْإِعْرَاب لما جَازَ فتحهَا وَلَا ضمهَا ولوجب جرها بِإِضَافَة حر إِلَيْهَا وَمر حباه الَّذِي أنْشدهُ أَبُو زيد لَيْسَ مُضَافا إِلَيْهِ فَيجوز أَن يشبه بِحرف الْإِعْرَاب أنْتَهى كَلَامه وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو الطّيب على لُغَة قومه وَكَانَ الأَصْل قلبِي فأبدل من الْيَاء آلفا طلبا للخفة وَالْعرب تفعل ذَلِك فِي النداء واستجلب هَاء السكت وأثبتها فِي الْوَصْل كَمَا تثبت فِي الْوَقْف وَالْعرب تفعل ذَلِك كَقِرَاءَة ابْن ذكْوَان فبهداهم اقتده هِيَ بِكَسْر الْهَاء وَإِثْبَات الْيَاء وصلا وكقراءة هِشَام بِكَسْر الْهَاء وَقد اسْتَوْفَيْنَا عِلّة ذَلِك فِي كتَابنَا الموسوم بالروضة المزهرة فِي شرح التَّذْكِرَة وحرك الْهَاء أَبُو الطّيب لسكونها وَسُكُون الْألف قبلهَا وللعرب فِي ذَلِك أَمْرَانِ مِنْهُم من حرك بِالضَّمِّ تَشْبِيها بهاء الضَّمِير وأنشدوا (يَا مَرْحَباهُ بِحمارٍ أعْفَرَا ... ) وَمِنْهُم من يُحَرك بِالْكَسْرِ على مَا يُوجد كثيرا فِي الْكَلَام عِنْد التقاء الساكنين وأنشدوا (يَا ربُّ يَا رَبَّاهُ إيَّاكَ أَسلْ ... عَفْرَاءَ يَا رَبَّاهُ منْ قَبْلِ الأجَلْ) الْغَرِيب والشبم الْبَارِد والشبم الْبرد وَقد شبم بِالْكَسْرِ فَهُوَ شبم والشبم الَّذِي يجد الْبرد مَعَ الْجُوع قَالَ حميد بن ثَوْر (بِعيْنيْ قَطامِيّ بِمَا فَوْقَ مَرْقَبٍ ... غَدَا شَبِما يَنْقَضُّ فَوْقَ الهَجارِسِ) الْمَعْنى يَقُول واحر قلبِي واحتراقه واستحكام همه بِمن قلبه عَنى بَارِد لَا اعتناء لَهُ بِي وَلَا إقبال لَهُ على وَمن بجسمي وحالي من إعراضه سقم يُوجب ألمهما وشكاة تؤذن إختلالهما وَالْعرب تكنى بحرارة الْقلب عَن الاعتناء وببرده عَن الْإِعْرَاض وَالتّرْك وتلخيص الْمَعْنى قلبِي حَار من حبه وَقَلبه بَارِد من حبي وَأَنا عِنْده مختل الْحَال معتل الْجِسْم

هذه القصيدة بشرح الواحدي، والعكبري

أبيات مشهورة منها(٦)
التعليقات(٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.