١بِأَبي الشُموسُ الجانِحاتُ غَوارِبا
اللابِساتُ مِنَ الحَريرِ جَلابِبا
الواحدي: كنى بالشموس عن النساء والجاناحات المائلات وكنى بالغروب عن بعدهن يريد أنهن ملن عنا للبعد وقال ابن جنى غوارب قد غبن في الخدور والأول أجود لأنه لما سماهن شموسا كنى عن بعدهن بالغروب لأن بعد الشمس عن العيون يكون بالغروب والجلباب الخمار
٢المَنهِباتُ قُلوبَنا وَعُقولَنا
وَجَناتِهِنَّ الناهِباتِ الناهِبا
الواحدي: يقال انهبته الشيء إذا جعلته نهبا له يقول أنهبن وجوههن قلوبنا وعقولنا حتى نهبتها بحسنهن ثم وصف تلك الوجنات بأنها تنهب الناهب أي الرجل الشجاع المغوار ومن رفع وجناتهن فهي فاعلة المنهبات والمعنى اللاتي انهبت وجناتهن قلوبنا فيكون قد اقتصر على ذكر مفعول واحد
٣الناعِماتُ القاتِلاتُ المُحيِيا
تُ المُبدِياتُ مِنَ الدَلالِ غَرائِبا
الواحدي: الناعمات اللينات المفاصل القاتلات بهجرهن المحييات بوصلهن والدلال أن يثق الانسان بمحبة صاحبه فيجترىء عليه
٤حاوَلنَ تَفدِيَتي وَخِفنَ مُراقِباً
فَوَضَعنَ أَيدِيَهُنَّ فَوقَ تَرائِبا
الواحدي: حاولن طلبن أن قلن لي نفديك بأنفسنا وخفن الرقيب فنقلن التفدية من القول إلى الإشارة أي أن انفسنا تفديك وهذا معنى قول ابن جنى أشرن إلى من بعيد ولم يجهرن بالسلام والتحية خوف الوشاة والرقباء جعل ابن جنى هذه الإشارة تحيةً وتسليما والأولى أن يكون على ما ذكرناه لذكره التفدية في البيت ولم يقل حاولن تسليمي ولأن الإشارة بالسلام لا تكون بوضع اليد على الصدر قال ابن فورجة وضع اليد على الصدر لا يكون إشارة بالسلام وإنما أراد وضعن أيديهن فوق ترائبهن تسكينا للقلوب من الوجيب وليس كما قال وصدر البيت ينقض ما قاله
٥وَبَسَمنَ عَن بَرَدٍ خَشيتُ أُذيبَهُ
مِن حَرِّ أَنفاسي فَكُنتُ الذائِبا
الواحدي: يعني بالبرد اسنانهن التي تشبه في نقائها البرد والمعنى ذبت أسفا على فراقن بعد أن كنت أخشى الذوب على ثغورهن
٦يا حَبَّذا المُتَحَمَّلونَ وَحَبَّذا
وادٍ لَثَمتُ بِهِ الغَزالَةَ كاعِبا
الواحدي: الغزالة من اسماء الشمس كنى بها عن الحبيبة أخبر أنها كانت كاعبا حين لثمها
٧كَيفَ الرَجاءُ مِنَ الخُطوبِ تَخَلُّصاً
مِن بَعدِ ما أَنشَبنَ فِيَّ مَخالِبا
الواحدي: نص تخلصا بالمصدر ون كان فيه الألف واللام كما انشد سيبويه، ضعيف النكاية أعداء، يخال الفرار يراخي الأجل، وانشبن علقن
٨أَوحَدنَني وَوَجَدنَ حُزناً واحِداً
مُتَناهِياً فَجَعَلنَهُ لي صاحِبا
الواحدي: أي أفردنني ممن أحب يعني الخطوب وقرنني بالحزن الذي هو واحد الأحزان وهو حزن الفراق
٩أَظمَتنِيَ الدُنيا فَلَمّا جِئتُها
مُستَسقِياً مَطَرَت عَلَيَّ مَصائِبا
الواحدي: أصله اظمأتني بالهمز فأبدل الهمزة ألفا ثم حذفها يريد شوقتني إلى الظفر بالمراد ومنعتني نيلها
١٠وَحُبِيتُ مِن خوصِ الرِكابِ بِأَسوَدٍ
مِن دارِشٍ فَغَدَوتُ أَمشي راكِبا
الواحدي: الخوص جمع الخوصاء وهي الغائرة العين والدارش ضرب من السختيان ومعنى من خوص الركاب أي بدلا منها كقوله تعالى ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة أي بدلا منكم يقول أعطيت عوضا من الإبل خفا أسود فأنا راكب ماشٍ
العكبري: الْغَرِيب الخوص جمع خوصاء وهى النَّاقة الغائرة الْعَينَيْنِ من الْجهد والإعياء والركاب جمع الابل الْوَاحِدَة رَاحِلَة والدارش ضرب من الْجُلُود وَهُوَ من جلد الضَّأْن الْمَعْنى يَقُول بدلت من خوص الركاب بخف أسود من ردئ الْجُلُود وَأَنا ماش رَاكب وَمن خوص الركاب أى بَدَلا مِنْهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَو نشَاء لجعلنا مِنْكُم مَلَائِكَة﴾ أى بَدَلا مِنْكُم
١١حالٌ مَتى عَلِمَ اِبنُ مَنصورٍ بِها
جاءَ الزَمانُ إِلَيَّ مِنها تائِبا
الواحدي: أي أشكو حالا وأذم حالا متى علم الممدوح بتلك الحال تاب الزمان منها إليّ لن الزمان يخافه وهو لا يرضى من الزمان اساءته إليّ ويجوز أن يكون المعنى أن الممدوح إذا علمها تلافاها بإحسانه فكأن الزمان قد تاب نها فجعل إحسان الممدوح إليه توبةً من الزمان ومثله قول أبي تمام، كثرت خطاياه الدهر في وقد يرى، بنداك وهو إليّ منها تائب،
العكبري: الْإِعْرَاب نصب حَالا بِفعل مُضْمر أى أَشْكُو حَالا أَو أَذمّ حَالا وَقَالَ ابْن جنى يجوز على حَال فَهُوَ من جملَة مَا شكاه الْمَعْنى يَقُول أَشْكُو حَالا لَو علم الممدوح بهَا تَابَ الزَّمَان مِنْهَا إِلَى وَقيل يجوز أَن الممدوح إِذا علمهَا تلافاها بإحسانه فَكَأَن الزَّمَان قد تَابَ مِنْهَا فَجعل إِحْسَان الممدوح إِلَيْهِ تَوْبَة من الزَّمَان وَيجوز لَو علم بِهَذِهِ الْحَال الممدوح لتهدد الزَّمَان فجَاء الزَّمَان إِلَى تَائِبًا مِنْهَا خوفًا مِنْهُ وَمثله لحبيب (كَثُرَتْ خَطَايَا الدَّهْرِ فِىَّ وَقَدْ يُرَى ... بِنَداكَ وَهْوَ إلىّ مِنْها تائِبُ ... ) ولحبيب أَيْضا (عَضْبٌ إذَا هَزّه فى وَجْهِ نائِبَةٍ ... جاءَتْ إلَيْهِ صُرُوفُ الدّهْرِ تعْتَذِرُ ... )
١٢مَلِكٌ سِنانُ قَناتِهِ وَبَنانُهُ
يَتَبارَيانِ دَماً وَعُرفاً ساكِبا
الواحدي: يقال سكبته سكبا فسكب سكوبا وهذا من قول البحتري، تلقاه يقطر سيفه وسنانه، وبنان راحته دما ونجيعا،
العكبري: الْغَرِيب يتباريان يفعل كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا يُعَارض بِهِ صَاحبه والبنان جمع بنانة وهى الإصبع وسكبته سكبا فسكب سكوبا وَهُوَ ساكب وَالْعرْف الْمَعْرُوف الْمَعْنى يَقُول سِنَان رمحه يقطر من رِقَاب الْأَعْدَاء دَمًا وبنان كَفه يسْكب على العفاة مَعْرُوفا فائضا وَهَذَا من أحسن الْأَشْيَاء
١٣يَستَصغِرُ الخَطَرَ الكَبيرَ لِوَفدِهِ
وَيَظُنُّ دِجلَةَ لَيسَ تَكفي شارِبا
الواحدي: الخطر الكبير يعني الشيء الخطير ذا الخطر الكبير ومثله قول الطاءي، فرأيت أكثر ما حبوت من اللهي، نزرا وأصغر ما شكرت جزيلا،
العكبري: الْإِعْرَاب دجلة اسْم معرفَة لَا يدخلهَا ألف وَلَام وهى غير مصروفة وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بِالْفِعْلِ الْغَرِيب الْوَفْد الْقَوْم يقصدون الْمُلُوك لحوائجهم الْمَعْنى أَنه يستصغر الشئ الْعَظِيم لقاصده لكرمه ويظن من كرمه وَكَثْرَة عطائه أَن هَذَا النَّهر وَهُوَ من الْأَنْهُر الْكِبَار حَتَّى إِنَّه ليعد مَعَ النّيل والفرات وسيحان وجيحان لَيْسَ يكفى شاربا وَهَذَا مُبَالغَة وَمثله للطائى إِلَّا أَنه زَاد على أَبى الطّيب (ورأيْتُ أكْثرَ مَا حَبَوْتَ مِنَ اللُّهَا ... نَزْراً وأصْغَرَ مَا شَكَرْتُ جَزِيلَا ... ) فقصر أَبُو الطّيب عَن ذكر الشُّكْر وَلَقَد أحسن أَبُو تَمام بِذكرِهِ الشُّكْر
١٤كَرَماً فَلَو حَدَّثتَهُ عَن نَفسِهِ
بِعَظيمِ ما صَنَعَت لَظَنَّكَ كاذِبا
الواحدي: يعني كرم كرما أو يفعل ما ذكرت كرما ثم قال ولو حدثته بعظيم ما صنعه لكذبك استعظاما له وقد اساء في هذا لنه جعله يستعظم فعله وبضده يمدح وإنما يحسن أن يستعظم غيره ما فعل كما قال أبو تمام، تجاوز غايات العقول رغائب، تكاد بها لولا العيان تكذب، وقال البحتري، وحديث مجد عنك أفرط حسنه، حتى ظننا أنه موضوع،
١٥سَل عَن شَجاعَتِهِ وَزُرهُ مُسالِماً
وَحَذارِ ثُمَّ حَذارِ مِنهُ مُحارِبا
الواحدي: يقول سل عنها لتعرفها بالخبر ولا تتعرض لأن تعرفها بالمشاهدة والتجربة ثم رب لهذا مثلا فقال
١٦فَالمَوتُ تُعرَفُ بِالصِفاتِ طِباعُهُ
لَم تَلقَ خَلقاً ذاقَ مَوتاً آيِبا
الواحدي: يعني أن شجاعته كالموت إن عرف بالمشاهدة أهلك وإن اقتصر فيه على الصفة علم ولم يهلك
١٧إِن تَلقَهُ لا تَلقَ إِلّا قَسطَلاً
أَو جَحفَلاً أَو طاعِناً أَو ضارِبا
الواحدي: يعني أنه لا ينفك عن هذه الأشياء وهذه الأحوال
١٨أَو هارِباً أَو طالِباً أَو راغِباً
أَو راهِباً أَو هالِكاً أَو نادِبا
الواحدي: يجوز أن تكون هذه أحوال الناس معه فإذا لقيته لقيت هؤلاء أو بعضهم ويجوز أن تكون هذه أحوال الممدوح تلقاه هاربا من الدنايا وطالبا للعلي وراغبا في المكارم وراهبا من الله تعالى وهالكا بمعنى مهلكا كقول العجاج، ومهمة هالك من تعرجا، ونادبا من يبارزه من الندب
العكبري: الْمَعْنى إِن أَحْوَال النَّاس مِنْهُ هَذِه فَلَا تلقى إِلَّا هَارِبا من جَيْشه أَو طَالبا رفده أَو رَاغِبًا فى مَسْأَلته أَو رَاهِبًا خَائفًا من بأسه أَو هَالكا مقتولا بِسَيْفِهِ أَو نادبا على قَتِيل لَهُ من الْأُسَارَى الَّذين قد أسرهم وَقَالَ الواحدى أَو رَاهِبًا من الله وهالكا بِمَعْنى مهلك كَقَوْل العجاج (وَمَهْمَهٍ هالكٍ مَن تَعَرَّجا ... ) ونادب لمن بارزه من النّدب أَو الندبة
١٩وَإِذا نَظَرتَ إِلى الجِبالِ رَأَيتَها
فَوقَ السُهولِ عَواسِلاً وَقَواضِبا
الواحدي: يعني عمت جنوده السهل والجبل فإذا نظرت إلى الجبال رأيتها رماحا وسيوفا
العكبري: الْغَرِيب العواسل الرماح الخطية المضطربة لطولها والقواضب السيوف القواطع والسهول جمع سهل وهى الأَرْض اللينة الْمَعْنى يُرِيد أَن جُنُوده عَمت السهل والجبل فَإِذا نظرت إِلَى الْجبَال رَأَيْتهَا رماحا وسيوفا
٢٠وَعَجاجَةً تَرَكَ الحَديدُ سَوادَها
زِنجاً تَبَسَّمُ أَو قَذالاً شائِبا
الواحدي: شبه بريق الحديد في سواد العجاج بتبسم الزنج وشيب القذال
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَن بريق الْحَدِيد فى سَواد الْعَجَاجَة كأسنان جمَاعَة زنج تبسمت فبدت أسنانها أَو كثيب القذال وَهُوَ مَا اكتنف فأس الْقَفَا من يَمِين وشمال وَمثله لمحمود الْوراق (حَتَّى تَبَدَّى الصُّبْحُ يَتْلُو الدُّجَى ... كالحَبَشِىّ افْترّ للضِّحْكِ ... ) وَبَيت المتنبى أحسن سبكا وَأحلى نظما وَقَالَ أَبُو نواس (لمَّا تَبَدَّى الصُّبْحُ مِنْ حِجابِهِ ... كَطَلْعَةِ الأشْمَطِ مِنْ جِلْبابِهِ ... )
٢١فَكَأَنَّما كُسِيَ النَهارُ بِها دُجى
لَيلٍ وَأَطلَعَتِ الرِماحُ كَواكِبا
الواحدي: يقول كان النهار ألبس بتلك العجاجة السوداء ظلمة ليل وكأن الرماح اطلعت من اسنتها كواكب أو أطلعت هي كواكب في تلك الظلمة كما قال مسلم، في عسكر شرق الأرض الفضاء به، كالليل أنجمه القضبان والأسل،
العكبري: الْمَعْنى أَنه شبه بَيَاض الْحَدِيد فى ظلمَة الْعَجَاجَة بكواكب فِي ليل فَكَأَنَّمَا النَّهَار ألبس بِتِلْكَ الْعَجَاجَة السَّوْدَاء ظلمَة ليل وَكَأن الرماح أطلعت كواكب أَو طلعت هى كواكب فى تِلْكَ الظلمَة وَهَذَا كَقَوْل مُسلم (فِى عَسْكَرٍ شَرِقَ الأرْضُ الفَضَاءُ بِهِ ... كاللَّيْلِ أنْجُمُهُ القْضْبانُ والأسَلُ ... ) وَقَول بشار بن برد (كانَّ مُثار النَّقْع فَوْق رُءوسنا ... وأسْيافُنا لَيلٌ تَهاوَى كَوَاكِبُهْ ... )
٢٢قَد عَسكَرَت مَعَها الرَزايا عَسكَراً
وَتَكَتَّبَت فيها الرِجالُ كَتائِبا
الواحدي: يقال قد عسكر فلان أي جمع عسكرا وتكتبت تجمعت يقول المصائب قد جمعت عسكرا مع هذه العجاجة لتقع بأعداء الممدوح وصارت الرجال فيها كتائب بكثرتهم
العكبري: الْغَرِيب كتائب جمع كَتِيبَة وهى الْجَمَاعَة من الفرسان الْمَعْنى يَقُول قد تكتبت أى تجمعت المصائب مَعَ هَذِه الْعَجَاجَة لتقع بأعداء الممدوح وَصَارَت الرِّجَال فِيهَا لكثرتهم كتائب
٢٣في رُتبَةٍ حَجَبَ الوَرى عَن نَيلِها
وَعَلا فَسَمَّوهُ عَلِيَّ الحاجِبا
الواحدي: أراد عليا الحاجب فاضطره الوزن إلى حذف التنوين فحذفه وسوغ له ذلك سكونه وسكون اللام في الحاجب كما أنشد النحويون، إذا عطيف السلمى فرا، ومثله كثير
٢٤وَدَعَوهُ مِن فَرطِ السَخاءِ مُبَذِّراً
وَدَعَوهُ مِن غَصبِ النُفوسِ الغاصِبا
العكبري: الْمَعْنى إِنَّه مِمَّا يكثر فى إِعْطَاء سائله سمى مبذرا وَمِمَّا يكثر من حب نفوس أعدائه سمى غَاصبا فدعى بِهَذَيْنِ الوصفين فِي النَّاس
٢٥هَذا الَّذي أَفنى النُضارَ مَواهِباً
وَعِداهُ قَتلاً وَالزَمانَ تَجارِبا
الواحدي: يعني حصل له من التجربة ما يعرف به ما يأتي فيما يستقبل من الزمان فكأنه أفنى الزمان لنه لا يحدث عليه شيئا لا يعرفه
العكبري: الْإِعْرَاب مواهبا وَمَا بعده تَمْيِيز وَقيل على المصادر وَهل فى هَذِه وَقتل قَتِيلا وجرب تجاربا الْمَعْنى إِنَّه أفنى الذَّهَب بالمواهب والأعداء بِالْقَتْلِ وجرب الزَّمَان فَحصل لَهُ من التجربة مَا يعرف بِهِ مَا يَتَأَتَّى فِيمَا يسْتَقْبل فَكَأَنَّهُ أفنى الزَّمَان تجربة لِأَن الزَّمَان لَا يحدث عَلَيْهِ شَيْئا لم يعرفهُ
٢٦وَمُخَيِّبُ العُذّالِ فيما أَمَّلوا
مِنهُ وَلَيسَ يَرُدُّ كَفّاً خائِبا
العكبري: الْإِعْرَاب ومخيب العذال عطف على مَا قبله وَهُوَ هَذَا الذى والكف يذكر وَيُؤَنث قَالَ الْأَعْشَى (أرَى رَجُلاً مِنْهُمْ أَسِيفا كَأَنَّمَا ... يَضُمُّ إِلَى كَفَّيْهِ كَفًّا مُخَضَّبا ... ) وَيجوز أَن يكون أَرَادَ الْعُضْو وَلِأَن الْحَقِيقَة فِي الخائب هُوَ صَاحب الْكَفّ فيقوى التَّذْكِير هَهُنَا وَقيل هُوَ على إِرَادَة السَّائِل لَا يرد سَائِلًا
٢٧هَذا الَّذي أَبصَرتُ مِنهُ حاضِراً
مِثلُ الَّذي أَبصَرتُ مِنهُ غائِبا
الواحدي: حاضرا وغائبا حال للمخاطب أو للمتنبي إذا قلت ابصرت يعني أنه حضره أو غاب عنه يرى عطاءه حيثما كان وابن جنى يجعل الحاضر والغائب حالا للممدوح يقول حضر أو غاب فأمره في الشرف والكرم واحد وما بعد هذا البيت يدل على خلاف ما قاله وهو
العكبري: الْإِعْرَاب أَبْصرت يُرِيد نَفسه وأبصرت يُخَاطب غَيره وَمثل الذى يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب فالرفع قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا مُبْتَدأ أول والذى مُبْتَدأ ثَان وَمثل خبر الذى وَالْجُمْلَة خبر هَذَا والعائد على هَذَا من الْجُمْلَة الَّتِى هى خبر عَنهُ الْهَاء فى مِنْهُ وَالنّصب بِجعْل هَذَا ابْتِدَاء والذى خَبره وَنصب مثل بأبصرت وَقَالَ الواحدى حَاضرا وغائبا حَال للمخاطب وَابْن جنى يَقُول هما حالان للمدوح وَمَا بعده يدل على خلاف قَوْله الْمَعْنى يَقُول هَذَا إِن حضر أَو غَابَ فَأمره فى كَثْرَة الْعَطاء وَاحِد وَمثله لأبى تَمام (شَهِدتُ جَسيِماتِ العُلا وَهْوَ غائِبٌ ... وَلَو كَانَ أيْضاً حاضِراً كَانَ غَائِبا ... )
٢٨كَالبَدرِ مِن حَيثُ اِلتَفَتَّ رَأَيتَهُ
يُهدي إِلى عَينَيكَ نوراً ثاقِبا
الواحدي: أي حيثما كنت ترى عطاءه كما ترى ضوء البدر حيثما كنت من البلاد
٢٩كَالشَمسِ في كَبِدِ السَماءِ وَضَوؤُها
يَغشى البِلادَ مَشارِقاً وَمَغارِبا
الواحدي: يريد عموم نفعه للبعيد والقريب وهذه الأبيات كقول الطاءي، قريب الندى نائي المحل كأنه، هلال قريب النور نائي منازله، ومثله للبحتري، كالبدر أفرط في العلو وضوءه، للعصبة السارين جد قريب، وقال العباس أيضا، نعمة كالشمس لما طلعت، ثبت الإشراق في كل بلد، وقال أيضا البحتري، عطاء كضوء الشمس عم فمغرب، يكون سواء في سناه ومشرق،
٣٠أَمُهَجِّنَ الكُرَماءِ وَالمُزري بِهِم
وَتَروكَ كُلِّ كَريمِ قَومٍ عاتِبا
الواحدي: أي تهجنهم لنقصنهم عن بلوغ كرمك وتتركهم عاتبين عليك لما يظهر من كرمك المزري بهم أو عاتبين على أنفسهم حيث لم يفعلوا ما فعلت وقد فسر هذا البيت بما بعده
٣١شادوا مَناقِبَهُم وَشِدتَ مَناقِباً
وُجِدَت مَناقِبُهُم بِهِنَّ مَثالِبا
الواحدي: أي لفضل مناقبك على مناقبهم صارت مناقبهم كالمثالب كما قال الطاءي، محاسن من مجد متى يقرنوا بها، محاسن اقوام تكن كالمعائب،
٣٢لَبَّيكَ غَيظَ الحاسِدينَ الراتِبا
إِنّا لَنَخبُرُ مِن يَدَيكَ عَجائِبا
الواحدي: اظهر الإجابة اشارة إلى أنه بنداه مناد والراتب المقيم الثابت يقول أنت غيظ لهم دائم
العكبري: الْإِعْرَاب غيظ الحاسدين انتصب على النداء الْمُضَاف وَقَالَ ابْن القطاع على الإغراء أى الزم غيظ الحاسدين أَو على الْمَفْعُول من أَجله أى أَقُول لَك لبيْك من أجل غيظ الحاسدين الْمَعْنى قَالَ الواحدى أظهر الْإِجَابَة إِشَارَة إِلَى أَنه بِنِدَاء منادى والراتب الْمُقِيم قَالَ الْخَطِيب صرع الْبَيْت لانتقاله من الْمَدْح إِلَى الْإِجَابَة
٣٣تَدبيرُ ذي حُنَكٍ يُفَكِّرُ في غَدٍ
وَهُجومُ غِرٍّ لا يَخافُ عَواقِبا
الواحدي: الحنك جمع حنكة وهي التجربة وجودة الرأي أي لك في الأمور تدبير مجرب يتفكر في العواقب وإذا هجمت هجمت هجوم الغر والمعنى أنه يفعل كلا في موضعه ونحو ذا قال الطاءي، ومجربون سقاهم من بأسه، فإذا لقوا فكأنهم أغمار، وقوله أيضا، كهل الأناة فتى الشداد إذا غدى، للحرب كان الماجد الغطريفا، وقال ايضا البحتري، ملك له في كل يوم كريهة، إقدام غر واعتزام مجرب،
العكبري: الْغَرِيب الحنك جمع حنكة وهى التجربة وجودة الرأى وَرجل محتنك ومحنك إِذا عضته الْأُمُور وجربها والغر بضده أى الذى لم يجرب الْأُمُور وَلَا يفكر فى العواقب الْمَعْنى يَقُول لَك تَدْبِير ذى حنك وارتفع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره مقدم عَلَيْهِ مَحْذُوف أى لَك تَدْبِير ذى عقل وَرَأى مجرب للأمور مفكر فى العواقب لكنه إِذا هجم فى الوغى هجم هجوم الغر يُرِيد أَنه جمع بَين الضدين بتدبير الْملك تَدْبِير مجرب مفكر فى العواقب وإقدامه إقدام غر وَمثله لحبيب (مَلكٌ لَهُ فِى كُلّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ ... إقْدَامُ غِرّ وَاعْتِزَامُ مجرّبِ ... ) وَله أَيْضا (كَهْلُ الأناةِ فتَى الشَّذاةِ إذَا عَدا ... للْحَرْبِ كانَ المساجِدَ الغِطْرِيفا ... ) وَله (وَمُجَرَّبُونَ سَقاهُمُ مِنْ بأْسِهِ ... وإذَا لُقُوا فكأنهُمْ أغمارُ ... )
٣٤وَعَطاءُ مالٍ لَو عَداهُ طالِبٌ
أَنفَقتَهُ في أَن تُلاقِيَ طالِبا
الواحدي: عداه تجاوزه يقول لو لم يأتك طالب انفقت مالك في لقاء طالب
٣٥خُذ مِن ثَنايَ عَلَيكَ ما أَسطيعُهُ
لا تُلزِمَنّي في الثَناءِ الواجِبا
الواحدي: يقول سامحني في الثناء عليك فإني لست أقدر أن أثني عليك بقدر استحقاقك ثم ذكر عذره فقال
العكبري: الْإِعْرَاب الأَصْل أستطيعه فأدغم التَّاء فِي الطَّاء كَقِرَاءَة حَمْزَة ﴿فَمَا اسطاعوا أَن يظهروه﴾ بتَشْديد الطَّاء وَغَيره بِحَذْف تَاء الافتعال الْغَرِيب الثَّنَاء يكون فى الْخَيْر وَحكى ابْن الأعرابى أَنه يسْتَعْمل فى الْخَيْر وَالشَّر وأنشدنا (أثْنِى عَلىَّ بِما عَلِمْتَ فانَّنِى ... أُثْنِى عَلَيكِ بِمِثلِ رِيحِ الجَورَبِ ... ) قصره أَبُو الطّيب ضَرُورَة وَحكى ابْن سعد عَن أَبى الطّيب وَهُوَ على بن سعد وَلَيْسَ هُوَ مُحَمَّد بن سعد صَاحب الطَّبَقَات لِأَن ذَلِك قديم الْوَفَاة توفى بعد المئتين وَأَبُو الطّيب ولد سنة إِحْدَى وَقيل أَربع وَثَلَاث مئة وَالصَّحِيح سنة ثَلَاث وَثَلَاث مئه قَالَ سَمِعت أَبَا الطّيب يَقُول مَا قصرت ممدودا فى شعرى إِلَّا هَذَا الْموضع (خُذ من ثناى ... ) وَذَلِكَ أَنه رأى بِخَط أَبى الْفَتْح (وَقد فارَقت دَارك واصْطِفَاك ... ) بِكَسْر الطَّاء الْمَعْنى يَقُول لَا تلزمنى الْوَاجِب فى ثنائك لأنى لَا أقدر عَلَيْهِ بل سامحنى بِمَا أَسْتَطِيع فَخذ منى الذى أقدر عَلَيْهِ وَإِذا ألزمتنى الْوَاجِب عجزت عَنهُ وَلَا أقدر أَن أقوم بِقدر استحقاقك ثمَّ ذكر عذره
٣٦فَلَقَد دَهِشتُ لِما فَعَلتَ وَدونَهُ
ما يُدهِشُ المَلَكَ الحَفيظَ الكاتِبا
الواحدي: يقال دهش الرجل إذا تحير فهو مدهوش وأدهش غيره كما يقال حم الرجل وأحمه الله وزكم وأزكمه الله يقول لقد تحيرت في افعالك فلا أقدر أن أصفها وأثنى عليك بها وأقل من ذلك ما يدهش الملك الموكل بك لنه لم ير مثله من بنى آدم ولأنه لكثرته يعجز عن كتابته
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.