مــنــىً كــنّ لي أنّ البـيـاض خـضـاب
الشاعر: المتنبي · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في 43 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مــنــىً كــنّ لي أنّ البـيـاض خـضـاب — فـيـخـفـي بـتـبـيـيـض القـرون شباب
ليـالي عـنـد البـيـض فـوداي فتنةٌ — وفــخــرٌ وذاك الفــخـر عـنـدي عـاب
فـكـيـف أذمّ اليـوم ما كنت أشتهي — وأدعــو بــمـا أشـكـوه حـيـن أجـاب
جـلا اللّون عـن لونٍ هدى كلّ مسلكٍ — كـمـا انجاب عن ضوء النّهار ضباب
وفـي الجـسـم نـفسٌ لا تشيب بشيبه — ولو أنّ مـا فـي الوجـه مـنه حراب
لهــا ظــفــرٌ إن كــلّ ظــفــرٌ أعــدّه — ونـابٌ إذا لم يـبـق فـي الفمّ ناب
يـغـيّـر مـنّي الدّهر ما شاء غيرها — وأبـلغ أقـصـى العـمـر وهـي كـعـاب
وإنّـي لنـجـمٌ يـهـتـدي صـحـبـتـي به — إذا حـال مـن دون النّـجـوم سـحـاب
غـنـيٌّ عـن الأوطـانـ؛ لا يـستفزّني — إلى بـــلدٍ ســـافــرت عــنــه إيــاب
وعـن ذمـلان العـيـس إن سامحت به — وإلاّ فـــفـــي أكـــوارهـــنّ عــقــاب
وأصدَى فلا أبدي إلى الماءٍ حاجةً — وللشّــمــس فــوق اليـعـمـلات لعـاب
وللسّــرّ مــنّــي مــوضــعٌ لا يـنـاله — نــديــمٌ ولا يــفــضــي إليـه شـراب
وللخـود مـنّـي سـاعـةٌ ثـمّ بـيـنـنـا — فــلاةٌ إلى غــيــر اللّقــاء تـجـاب
ومــا العــشــق إلاّ غـرّةٌ وطـمـاعـةٌ — يـــعـــرّض قــلبٌ نــفــســه فــتــصــاب
وغــيــر فــؤادي للغــوانــي رمـيّـةٌ — وغــيــر بــنــانــي للزّجــاج ركــاب
تـركـنـا لأطـراف القـنـا كلّ شهوةٍ — فـــليـــس لنـــا إلاّ بـــهــنّ لعــاب
نـــصـــرّفــه للطّــعــن فــوق حــواذرٍ — قـد انـقـصـفـت فـيـهـنّ مـنـه كـعـاب
أعـزّ مـكـانٍ فـي الدّنـى سـرج سابحٍ — وخــيــر جـليـسٍ فـي الزّمـان كـتـاب
وبـحـر أبو المسك الخضمّ الّذي له — عـــلى كـــلّ بــحــرٍ زخــرةٌ وعــبــاب
تــجــاوز قــدر المـدح حـتّـى كـأنّه — بــأحـسـن مـا يـثـنـى عـليـه يـعـاب
وغــالبــه الأعـداء ثـمّ عـنـوا له — كـمـا غـالبـت بـيـض السّـيـوف رقاب
وأكـثـر ما تلقى أبا المسك بذلةً — إذا لم يـصـن إلاّ الحـديـد ثـيـاب
وأوســع مـا تـلقـاه صـدراً وخـلفـه — رمـــاءٌ وطـــعـــنٌ والأمـــام ضــراب
وأنـفـذ مـا تـلقاه حكماً إذا قضى — قــضــاءً مــلوك الأرض مـنـه غـضـاب
يـقـود إليـه طـاعـة النّـاس فـضـله — ولو لم يــقــدهــا نــائلٌ وعــقــاب
أيـا أسـداً فـي جـسـمـه روح ضـيـغم — وكــــم أســــدٍ أرواحــــهـــنّ كـــلاب
ويــا آخــذاً مـن دهـره حـقّ نـفـسـه — ومــثــلك يــعــطــى حــقــه ويــهــاب
لنــا عـنـد هـذا الدّهـر حـقٌّ يـلطّه — وقــد قــلّ إعــتــابٌ وطــال عــتــاب
وقـد تـحـدث الأيّـام عـنـدك شـيـمةً — وتــنــعــمــر الأوقـات وهـي يـبـاب
ولا مـلْك إلاّ أنـت والمـلك فـضلةٌ — كــأنّــك نــصــلٌ فــيــه وهــو قــراب
أرى لي بـقـربـي مـنك عيناً قريرةً — وإن كـان قـربـاً بـالبـعـاد يـشـاب
وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا — ودون الّذي أمّـــلت مـــنــك حــجــاب
أقــلّ ســلامــي حـبّ مـا خـفّ عـنـكـم — وأســكــت كــيــمـا لا يـكـون جـواب
وفـي النّـفـس حـاجـاتٌ وفـيك فطانةٌ — ســكــوتــي بــيـانٌ عـنـدهـا وخـطـاب
وما أنا بالباغي على الحبّ رشوةً — ضــعــيـفٌ هـوىً يـبـغـي عـليـه ثـواب
ومـــا شـــئت إلاّ أن أدلّ عــواذلي — عــلى أنّ رأيــي فــي هــواك صــواب
وأعـلم قـومـاً خـالفـونـي فـشـرّقوا — وغــرّبــت أنّـي قـد ظـفـرت وخـابـوا
جـرى الخـلف إلاّ فـيـك أنّـك واحـدٌ — وأنّــــــك ليـــــثٌ والمـــــلوك ذئاب
وأنّــك إن قــويــســت صــحّــف قــارئ — ذئابــاً ولم يـخـطـئ فـقـال: ذبـاب
وإنّ مــديــح النّــاس حــقٌّ وبــاطــلٌ — ومـــدحـــك حــقٌّ ليــس فــيــه كــذاب
إذا نـلت مـنـك الودّ فـالمال هيّنٌ — وكـــلّ الّذي فـــوق التّــراب تــراب
ومـا كـنـت لولا أنـت إلاّ مهاجراً — له كــــلّ يــــوم بــــلدةٌ وصـــحـــاب
ولكــنّــك الدّنــيــا إليّ حــبــيـبـةٌ — فــمــا عــنــك لي إلاّ إليـك ذهـاب
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الباء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- انجاب: انْجَابَ يَنْجَابُ اِنْجَبْ انْجيَاباً [جوب]. انخرق وانشقَّ.- الظلامُ أو السحابُ: انقشع؛ انجابت عنه الهموم،
- بشيبه: الشَّيْبَةُ : مصـ. -: الرَّيحانُ الأبيَضُ.
- حراب: الحَرَّابُ : صاحب الحربةِ أو صانعها.
- خضاب: الخِضَاب : ما يُخْضَبُ به من حناء وغيره؛ بالخِضاب يتحوَّل مظهر الشيخ إلى شاب.
- ضباب: الضَّبَابُ : بُخَارُ ماءٍ يشبه النَّدى سريعُ الانتشار يتكاثفُ قربَ سطح الأرض كالدُّخان فيحجبُ الرؤية، القطعة منه ضبابَةٌ؛ قد يتسببُ الضّبابُ الكثيف في تعطيل حركةِ الطيران.