١كَفى بِكَ داءً أَن تَرى المَوتَ شافِيا
وَحَسبُ المَنايا أَن يَكُنَّ أَمانِيا
الواحدي: كفى بك معناه كفاك والباء زيدت في المفعول هاهنا كما تراد في الفاعل نحو كفي الله وذكرنا هذا في قوله كفى بجسمي نحولا يقول كفاك داء رؤيتك الموت شافيا أي أن داء شفاؤه الموت أقصى الأدواء والمنية إذا صارت أمنية فهو غاية البلية وفاقرة الخطوب
٢تَمَنَّيتَها لَمّا تَمَنَّيتَ أَن تَرى
صَديقاً فَأَعيا أَو عَدُوّاً مُداجِيا
الواحدي: يقول تمنيت المنية لما طلبت صديقا مصافيا فأعجزك أو عدوا مساترا للعداوة وعند عدم الصديق المصادق والعدو المنافق يتمنى المرء المنية وهذا تفسير الداء المذكور في البيت الأول
العكبري: الْغَرِيب أعيا صَعب وَعز والمداجي المساتر للعداوة وَهُوَ من الدجى وَهِي الظلمَة الْمَعْنى يَقُول تمنيت الْمَوْت لما طلبت صديقا مصافيا فأعجزك أَو عدوا ساترا للعداوة وَعند عدم الصّديق المصافي والعدو الْمُوَافق يتَمَنَّى الْمَرْء الْمنية قَالَ الواحدي هَذَا تَفْسِير الدَّاء الْمَذْكُور فِي الْبَيْت الأول
٣إِذا كُنتَ تَرضى أَن تَعيشَ بِذِلَّةٍ
فَلا تَستَعِدَّنَّ الحُسامَ اليَمانِيا
الواحدي: إذا رضيت بذلة العيش فما تصنع بالسيف اليماني تعده أي إنما تحتاج إلى السيف لنفي الذل
العكبري: الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح اسْتعْمل النهى مَوضِع الِاسْتِفْهَام الَّذِي اسْتَعْملهُ غَيره فِي قَوْله (فَلِمْ طالَ حَمْلِي جَفْنَهُ وَنجادهُ ... إذَا أَنا لمْ أضْرَبْ بِهِ مَنْ تَعَرَّضَا) الْغَرِيب الحسام الْقَاطِع واليماني مَنْسُوب إِلَى صَنْعَة أهل الْيمن الْمَعْنى يَقُول مُخَاطبا لنَفسِهِ إِنَّمَا يحْتَاج إِلَى عمل السَّيْف ليرْفَع بِهِ الذل فَإِذا رضيت أَن تعيش ذليلا فَمَا تصنع بِالسَّيْفِ الْقَاطِع
٤وَلا تَستَطيلَنَّ الرِماحَ لِغارَةٍ
وَلا تَستَجيدَنَّ العِتاقَ المَذاكِيا
الواحدي: لا تتخذن الرماح الطويلة للغارة ولا تتخذن الخيل الجياد الكرام التي قد تمت أسنانها
العكبري: الْغَرِيب الْعتاق الْكِرَام وَفرس عَتيق كريم والمذاكي الْخَيل الْقرح الَّتِي قد تمت أسنانها الْمَعْنى يُرِيد لَا تتَّخذ الرماح الطوَال وَلَا تتَّخذ الْخَيل الْكِرَام إِذا رضيت أَن تعيش فِي ذل وَإِنَّمَا تتَّخذ هَذِه لنفي الذل
٥فَما يَنفَعُ الأُسدَ الحَياءُ مِنَ الطَوى
وَلا تُتَّقى حَتّى تَكونَ ضَوارِيا
الواحدي: هذا حث على الوقاحة والتجليح وضرب المثل بالأسد لأنه لو لزم الحياء ولم يصد بقي جائعا غير مهيب وإنما يهاب ويتقي لكونه ضاريا مفترسا حريصا على الصيد
العكبري: الْغَرِيب الْأسد جمع أَسد والطوى الْجُوع وضرى الْكَلْب بالصيد يضرى ضراوة تعود وكلب ضار وكلبة ضاربة وأضراه صَاحبه إِذا عوده وَأَصله الجراءة والوقاحة الْمَعْنى ضرب هَذَا مثلا وَهُوَ من أَجود الْكَلَام وأحثه على طلب الرزق بِالسَّيْفِ وَغَيره يَقُول إِذا كَانَ الْأسد فِيهِ حَيَاء لم يَنْفَعهُ وَلَا يَأْتِيهِ بالشبع وَإِنَّمَا ينَال الشِّبَع إِذا افترس فَلَو لزم عرينه وَلم يصد لبقي جائعا غير مهيب وَإِنَّمَا يخَاف وَيَتَّقِي إِذا كَانَ ضَارِبًا مفترسا
٦حَبَبتُكَ قَلبي قَبلَ حُبِّكَ مَن نَأى
وَقَد كانَ غَدّاراً فَكُن أَنتَ وافِيا
الواحدي: حببت لغة في احببت شاذ ولا يستعمل منه إلا المحبوب يقول لقلبه احببتك قبل ان أحببت أنت هذا الذي بعد عنا يعرض بسيف الدولة وقد كان غدارا فلا تغدر بي أنت أي لا تكن مشتاقا إليه ولا محبا له أي فإنك إن أحببت الغدار لم تفِ لي
العكبري: الْغَرِيب حببتك شَاذ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي فِي المضاعف يفعل بِالْكَسْرِ إِلَّا ويشركه يفعل بِالضَّمِّ إِذا كَانَ مُتَعَدِّيا مَا خلا هَذَا وأنشدوا لغيلان النَّهْشَلِي (أُحِبُّ أَبَا مَرْوَانَ مِنْ أجْلِ تَمْرِهِ ... وَأعْلَمُ أنَّ الجارَ بالجارِ أرْفَقُ) (وَوَاللهِ لَوْلا تمْرهُ مَا حَبَبْتُهُ ... وَلا كانَ أدنى منْ عُبَيدٍ وَمُشرِقِ) وَقَوله نأى بعد الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول لِقَلْبِهِ أحببتك قبل أَن أَحْبَبْت هَذَا الَّذِي بعد عَنَّا يعرض بِسيف الدولة وَقد كَانَ عذارا فَلَا تكن أَنْت غدارا تشتاق إِلَيْهِ وَلَا محباله فَإنَّك إِن أَحْبَبْت الْغدر لم تف لي وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يُعَاتب قلبه على حنينه إِلَى من فَارق
٧وَأَعلَمُ أَنَّ البَينَ يُشكيكَ بَعدَهُ
فَلَستَ فُؤادي إِن رَأَيتُكَ شاكِيا
الواحدي: يقول لقلبه أعلم أنك تشكو فراقه لالفك إياه ثم هدده فقال إن شكوت فراقه تبرأت منك
٨فَإِنَّ دُموعَ العَينِ غُدرٌ بِرَبِّها
إِذا كُنَّ إِثرَ الغادِرينَ جَوارِيا
الواحدي: غدر جمع غدور يقول الدموع إذا جرت على فراق الغادرين كانت غادرة بصاحبها لأنه ليس ن حق الغادر أن يبكي على فراقه فإذا جرت الدموع في إثره وفاء له كان ذلك الوفاء غدرا بصاحب الدموع
العكبري: الْغَرِيب غدر جمع غادر وَأَرَادَ بالظاعنين الراحلين الَّذين فارقوه الْمَعْنى يَقُول إِذا جرت الدُّمُوع فِي إِثْر فِرَاق الغادر فَهِيَ غادرة بصاحبها لِأَنَّهُ لَيْسَ من حق الغادر أَن يبكي عَلَيْهِ فَإِذا جرت الدُّمُوع فِي إِثْر الغادر وَفَاء لَهُ فَذَلِك الْوَفَاء غدر بِصَاحِب الدُّمُوع وَالْمعْنَى لَا تف لغادر
٩إِذا الجودُ لَم يُرزَق خَلاصاً مِنَ الأَذى
فَلا الحَمدُ مَكسوباً وَلا المالُ باقِيا
الواحدي: يقول إذا لم يتخلص الجود من المن به لم يبق المال ولم يحصل الحمد لان المال يذهبه الجود والأذى يبطل الحمد فالمانّ بما يعطى غير محمود ولا مأجور وشبه لا بليس فنصب الخبر
العكبري: الْإِعْرَاب شبه لَا يلبس فنصب الْخَبَرَيْنِ كتشبيه ابْن قيس فِي بَيت الْكتاب (مَنْ فَرَّعْنَ نِيرِانها ... فَأنا ابْنُ قَيْسٍ لَا بَرَاحْ) الْمَعْنى يُرِيد إِذا لم يتَخَلَّص الْجُود من الْمَنّ بِهِ لم يبْق المَال وَلم يحصل الْحَمد لِأَن المَال يذهبه الْجُود والأذى يذهب الْحَمد فَالَّذِي يمن بالجود غير مَحْمُود وَلَا مأجور وَهَذَا من أحسن الْكَلَام وَقد نظر فِيهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى﴾ وَذكر الْحَاتِمِي أَن هَذَا الْبَيْت من قَول الْحَكِيم إِذا لم تتجرد الْأَفْعَال من الذَّم كَانَ الْإِحْسَان إساءة
١٠وَلِلنَفسِ أَخلاقٌ تَدُلُّ عَلى الفَتى
أَكانَ سَخاءً ما أَتى أَم تَساخِيا
الواحدي: يقول أخلاق الإنسان تدل عليه فيعرف إن جوده طبعٌ أم تكلفٌ
العكبري: الْغَرِيب السخاوة والسخاء الْجُود يُقَال سخا يسخو وسخى يسخي قَالَ عَمْرو بن كُلْثُوم (مُشَعْشَعَةً كَأنَّ الحُصَّ فِيها ... إِذا مَا الماءُ خالَطَها سَخِينا) وأخلاق أَفعَال وخصال الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح جمجم عَمَّا فِي قلبه من إفراط العتب وَلم يُصَرح بِهِ وَقَالَ الْخَطِيب نفس الْإِنْسَان لَهَا أَخْلَاق تدل عَلَيْهِ أسخى هُوَ أم متشبه بالأسخياء فأخلاقه تدل عَلَيْهِ فَيعرف أَن جوده طبع أم تطبع وَهَذَا من قَول الْحَكِيم تغير الْأَفْعَال الَّتِي تَأتي غير مطبوعة أَشد انقلابا من الرّيح الهبوب
١١أَقِلَّ اِشتِياقاً أَيُّها القَلبُ رُبَّما
رَأَيتُكَ تُصفي الوُدَّ مَن لَيسَ جازِيا
الواحدي: يقول للقلب لا تشتق إليه فإنك تحب من ليس يجازيك بالحب كما قال البحتري، لقد حبوت صفاء الود صائنه، عن وأقرضته من لا يجازيني،
١٢خُلِقتُ أَلوفاً لَو رَحَلتُ إِلى الصِبا
لَفارَقتُ شَيبي موجَعَ القَلبِ باكِيا
الواحدي: هذا البيت رأس في صحة الألف وذلك أن كل أحد يتمنى مفارقة الشيب وهو يقول لو فارقت شيبي إلى الصبي لبكيت عليه لألفي إياه إذ خلقت ألوفا
العكبري: الْغَرِيب تَقول ألفت الْموضع بِالْكَسْرِ آلفه إلفا وألفت الْموضع أولفه إيلافا وآلفت الْموضع أؤالفه مؤالفة وإلافا فَصَارَ صُورَة افْعَل وفاعل فِي الْمَاضِي وَاحِدَة وَتقول آلف وألاف ككافر وكفار الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا شرح لما قبله وَدَلِيل على أَنه فَارق ذاما لِأَنَّهُ جعله كالشيب أَي لَو فَارَقت الشيب الذميم برحيلي إِلَى الصِّبَا وَهُوَ خير حَيَاة الْإِنْسَان لَكَانَ ذَلِك الْفِرَاق موجعا لقلبي مبكيا لعَيْنِي وَقَالَ الواحدي هَذَا الْبَيْت رَأس فِي صِحَة الإلف وَذَلِكَ أَن كل أحد يتَمَنَّى مُفَارقَة الشيب وَهُوَ يَقُول لَو فارقني شيبي إِلَى الصِّبَا لبكيت عَلَيْهِ لإلفي إِيَّاه لِأَنِّي خلقت ألوفا
١٣وَلَكِنَّ بِالفُسطاطِ بَحراً أَزَرتُهُ
حَياتي وَنُصحي وَالهَوى وَالقَوافِيا
الواحدي: ذكر في البيت الأول أنه ألوف لما يصحبه من حالٍ وإن كانت مكروهةً ثم استثنى فقال لكني على هذه الحالة من الألفة قصدت مصر وحملت هواي والنصح والشعر على زيارة جوادٍ هناك كالبحر
١٤وَجُرداً مَدَدنا بَينَ آذانِها القَنا
فَبِتنَ خِفافاً يَتَّبِعنَ العَوالِيا
الواحدي: أي وخيلا جرادا مددنا الرماح بين آذانها فباتت تتبع عوالي الرماح في سيرها ما قالت الخنساء، ولما أن رأيت الخيل قبلا، تباري بالخدود شبا العوالي،
١٥تَماشى بِأَيدٍ كُلَّما وافَتِ الصَفا
نَقَشنَ بِهِ صَدرَ البُزاةِ حَوافِيا
الواحدي: يقول هذه الجراد تمشي بأيدٍ إذا وطئت الحجارة أثرت فيها تأثير نقش صدور البزاة وجعلها حوافي مبالغةً في وصف حوافرها بالشدة والصلابة يعني أنها بلا نعال تؤثر في الصخور بحوافرها
العكبري: الْغَرِيب الصَّفَا الصخر وواحده صفاة يُقَال فِي الْمثل مَا تندى صِفَاته وَالْجمع صفا بِالْقصرِ وأصفاء وصفى على فعول قَالَ الأخيل (كأنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النّفِىّ ... مِنْ طُولِ إشْرافً عَلى الطَّوِىّ) (مَوَاقِعُ الطَّيرِ عَلى الصُّفِىّ ... ) والصفواء الْحِجَارَة اللينة الملمس قَالَ امْرُؤ الْقَيْس (كميِتٍ يزِلُّ اللِّبْدُ عَنْ حَال متْنِهِ ... كَمَا زَلَّتِ الصَّفْوَاءُ بِالمُتَنَزَّل) والبزاة جمع باز وحوافيا جمع حاف ونصبه على الْحَال الْمَعْنى يَقُول إِذا وطِئت هَذِه الجرد فِي الصخر وَهِي حافية بِغَيْر نعال أثرت فِيهِ مثل صُدُور البزاة وَهُوَ من التَّشْبِيه الْجيد وَوصف حوافرها بالشدة والصلابة وَأَنَّهَا تُؤثر فِي الصخر حافية وَهُوَ مَنْقُول من قَول الراجز (يَرْفَعْنَ فِي الركض أمامَ السُّبَّقِ ... حَوَافِراً كالعَنْبرِ المُفَلَّقِ) (يَنْقُشْنَ فِي الصَّخرِ صُدُورَ الزُّرَّقِ ... )
١٦وَتَنظُرُ مِن سودٍ صَوادِقَ في الدُجى
يَرَينَ بَعيداتِ الشُخوصِ كَما هِيا
الواحدي: يعني بالسود أعينها وصوادق تريها الشيء حقيقةً فهي ترى الأشخاص البعيدة عنها كما هي لصدق نظرها في ظلمة الليل والخيل توصف بحدة البصر ولذلك قالوا أبصر من فرسٍ دهماء في غلس
العكبري: الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح بعيدات جمع مَا لَا يعقل فِي الصَّحِيح مذكرا أَو مؤنثا بِالْألف وَالتَّاء وَرُوِيَ أَبُو الْفَتْح وَتنظر بِالتَّاءِ أَي وَتنظر هَذِه الجرد وَهِي روايتي عَن شَيْخي أَنِّي الحزم وَأبي مُحَمَّد الْمَعْنى تنظر هَذِه الجرد من عيوني سود صوادق فِيمَا تنظره فِي ظلمَة اللَّيْل فترى الشَّخْص الْبعيد كَهَيْئَته فِي الْقرب وَذَلِكَ بِخِلَاف الْعَادة لِأَن الشَّخْص إِذا أبْصر من بعيد صغر فِي الْعين وَالْخَيْل تُوصَف بحدة النّظر وَقد قَالُوا أبْصر من فرس فِي غلس فوصفها بِأَنَّهَا ترى الشَّخْص الْبعيد عَنْهَا كَمَا يكون قَرِيبا
١٧وَتَنصِبُ لِلجَرسِ الخَفيِّ سَوامِعاً
يَخَلنَ مُناجاةَ الضَميرِ تَنادِيا
الواحدي: ويصدق حس سمعها حتى تسمع الصوت الخفي فتنصب آذانها كعادتها إذا حست بشيء وحتى إن ما يناجي الإنسان به ضميره يكون عندها كالمناداة لحدة حس آذانها
العكبري: الْغَرِيب الجرس الصَّوْت الْخَفي وَهُوَ السرَار والسوا مَعَ جمع سامعة وَهِي الْأذن والمناجاة السرَار والتنادي تفَاعل من قَوْلك فلَان أندى صَوتا من فلَان وَمِنْه الحَدِيث لقنها بِلَالًا فَهُوَ أندى صَوتا ويخلن يَحسبن الْمَعْنى وصفهن بحدة السّمع كَمَا وصفهن بِالنّظرِ الْحَدِيد فَهِيَ إِذا سَمِعت الْخَفي نصبت آذانها فَسَمعته وَهَذَا من عاداتها أَنَّهَا إِذا سَمِعت أخْفى مَا يكون نصبت آذانها حَتَّى إِن مَا يُنَاجِي بِهِ الضَّمِير عِنْدهَا كالمناداة لحدة سَمعهَا
١٨تُجاذِبُ فُرسانَ الصَباحِ أَعِنَّةً
كَأَنَّ عَلى الأَعناقِ مِنها أَفاعِيا
الواحدي: فرسان الصباح الغارة وذلك أن الغارة تقع وقت الصبح أغفل ما يكون الناس فصار الصباح اسما للغارة يقول هذه الخيل تجاذب فرسانها أعنتها لما فيها من القوة والنشاط ثم شبه أعنتها في طولها وامتدادها بالحيات وهو منقول من قول ذي الرمة، رجيعةُ أسفارٍ كأن رماحها، شجاعٌ لدي يسري الذراعين مطرقُ،
العكبري: الْغَرِيب فرسَان الصَّباح فرسَان الْغَارة الَّتِي تغير عِنْد الصَّباح والغارة تكون عِنْد ذَاك الْوَقْت لِأَن الْقَوْم يكونُونَ غافلين فِي ذَلِك الْوَقْت فَصَارَ الصَّباح اسْما للغارة وأفاعي جمع أَفْعَى وَهُوَ ذكر الْحَيَّات وأعنة جمع عنان وَهُوَ للْفرس خَاصَّة وَهِي السيور الَّتِي تكون فِي اللجام الْمَعْنى أَنه يصف نَفسه وَأَصْحَابه بالنجدة إِذا دعوا لغارة فَيَقُول هَذِه الْخَيل تجاذب فرسانها أعنتها لقوتها ونشاطها وَشبه أعنتها وَهِي فِي طولهَا ممتدة على الْأَعْنَاق بالأفاعي وَنَقله من قَول ذِي الرمة (رَجِيعَةُ أسْفار كَأنَّ زِمِامَها ... شُجاعٌ لَدى يُسرَى الذّرَاعَينِ مطرق)
١٩بِعَزمٍ يَسيرُ الجِسمُ في السَرجِ راكِباً
بِهِ وَيَسيرُ القَلبُ في الجِسمِ ماشِيا
الواحدي: يقول سرنا بعزم قويّ كأن الجسم وهو مقيم في السرج يسبق السرج كأن القلب وهو مقيمٌ في الجسم يسبق الجسم لقوة العزم على السير
العكبري: الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لقُوَّة الْعَزْم يكَاد الْقلب يَتَحَرَّك عَن مَوْضِعه وَلَو تحرّك فِي الْحَقِيقَة لمات صَاحبه وَفِي مَعْنَاهُ لحبيب (مَشَتْ قُلُوبُ أُناس فِي صُدُورِهمِ ... لمَّا رَأوْكَ تَمشّى نَحْوَهُمْ قَدَما) وَطَرِيق أبي تَمام أسلم لِأَنَّهُ ذكر تحرّك الْقلب فِي مَوضِع الشدَّة الْمهْلكَة أَلا تراهم يَقُولُونَ انخلع قلبه فَمَاتَ وَالْمعْنَى لقُوَّة عزمنا إِذا سَار الْفَارِس فِي سَرْجه سَار قلبه فِي جِسْمه يَعْنِي ذكاءه وتيقظ فُؤَاده فَكَأَن قلبه ماش فِي جسده وَقَالَ الواحدي سرنا بعزم قوى كَأَن الْجِسْم وَهُوَ مُقيم فِي السرج يسْبق السرج وَكَأن الْقلب وَهُوَ مُقيم فِي الْجِسْم يسْبق الْجِسْم لقُوَّة الْعَزْم على السّير
٢٠قَواصِدَ كافورٍ تَوارِكَ غَيرِهِ
وَمَن قَصَدَ البَحرَ اِستَقَلُّ السَواقِيا
الواحدي: قواصد حال من الجرد أي هن يقصدنه ويتركن غيره لأنه البحر وغيره كالساقية وهي النهر الصغير وهذا من قول البحتري، ولم أر في رنق الصرى لي موردا، فحاولت ورد النيل عند احتفاله،
العكبري: الْإِعْرَاب قوا صد حَال من الجرد أَي هن يقصدنه توارك غَيره الْغَرِيب الْقَصْد الطّلب والسواقي جمع ساقية وَهِي النَّهر الصَّغِير الْمَعْنى يُرِيد أَن الجرد وَهِي الَّتِي تحتنا قاصدة هَذَا الْبَحْر وَتركت السواقي وطالب الْبَحْر بِغَيْر سلاف يرى غَيره قَلِيلا لِأَن السواقي تستمد من الْبَحْر وَيُقَال إِن سيف الدولة لما سمع هَذَا الْبَيْت قَالَ لَهُ الوبل جعلني ساقية وَجعل الْأسود بحرا وَإِن كَانَ المتنبي قصد هَذَا فَلَقَد أبان عَن نقض عهد وَقلة مُرُوءَة لِأَنَّهُ مدح خلقا فَلم يُعْطه أحد مَا أعطَاهُ عَليّ بن حمدَان وَلَا كَانَ فيهم من لَهُ شرفه وفضله لِأَنَّهُ عَرَبِيّ من سَادَات تغلب عَالم بالشعر وَلم يمدح مثله فِي الشّرف والحسب إِلَّا مُحَمَّد بن عبد الله الْكُوفِي الْحسنى وَمعنى الْبَيْت من قَول أبي عبَادَة البحتري (وَلم أرْض فِي رَنقِ الصرَى ليَ مَوْرِداً ... فَحاوَلتُ وُرْدَ النِّيلِ عِنْدَ احِتفاله)
٢١فَجاءَت بِنا إِنسانَ عَينِ زَمانِهِ
وَخَلَّت بَياضاً خَلفَها وَمَآقِيا
الواحدي: جعله إنسان عين الزمان كنايةً عن سواد لونه وأنه هو المعنى والمقصود من الدهر وابنائه وإن من سواه فضول لا حاجة بهم فإن البصر في سواد العين وما حوله جفون ومآق لا معنى فيها
العكبري: الْإِعْرَاب فَتى يجوز أَن يكون فِي مَوضِع جر بدل من قَوْله إِلَى الَّذِي وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع رفع بِتَقْدِير هُوَ الَّذِي وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع نصب بدل من قَوْله إِنْسَان عين زَمَانه أَو نقصد فَتى ونرجى فِي مَوضِع الْحَال تَقْدِيره مرجين فَصَرفهُ إِلَى الِاسْتِقْبَال الْمَعْنى يَقُول مازلنا نرجو لقاءه مُنْذُ زمَان قديم ننتقل من ظهر إِلَى بطن حَتَّى تلقيناه
٢٢نَجوزَ عَلَيها المُحسِنينَ إِلى الَّذي
نَرى عِندَهُم إِحسانَهُ وَالأَيادِيا
الواحدي: نتخطى على هذه الخيل المحسنين يعني سيف الدولة وعشيرته إلى الذي يحسن إليهم وينعم عليهم يعني الأسود وأنه فوقهم
العكبري: الْغَرِيب الأيادي جمع يَد بِمَعْنى النِّعْمَة وَهِي تجمع على أياد بِخِلَاف الْجَارِحَة فَهِيَ تجمع على أيد وَتقول لَهُ عِنْدِي يَد أَي نعْمَة وَبِه فسر قَوْله تَعَالَى ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْخَيل تجوز عَلَيْهَا الْمُحْسِنِينَ أَي تتخطاهم إِلَى هَذَا الممدوح الَّذِي عَادَته أَن يحسن إِلَيْهِم وَقد رَأينَا إنعامه عَلَيْهِم فاخترنا قَصده على قصدهم لِأَنَّهُ فَوْقهم وَقَالَ الواحدى يَعْنِي بالمحسنين سيف الدولة وعشيرته وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَإِنَّمَا أَرَادَ نتخطى عَلَيْهَا أُنَاسًا فِي ولَايَة الْأسود نرى عَلَيْهِم إحسانه خلعه وعطاياه وَلم يكن للأسود على سيف الدولة وَلَا قومه إِحْسَان وَأما لَو قَالَ ترى عِنْده إحسانهم والأياديا لَكَانَ قَول الواحدى الْمَعْنى وَذَلِكَ أَنه كَانَ يُرِيد تَتَخَطَّى سيف الدولة وعشيرته إِلَى الَّذِي يرى عِنْده إنعام أُولَئِكَ وإحسانهم إِلَى من يقصدهم وَكَذَلِكَ هَذَا يفعل بِمن يَقْصِدهُ فَيحسن إِلَيْهِ فإحسان الْجَمِيع نرَاهُ عِنْد هَذَا الممدوح
٢٣فَتىً ما سَرَينا في ظُهورِ جُدودِنا
إِلى عَصرِهِ إِلّا نُرَجّي التَلاقِيا
الواحدي: قوله إلا نرجى حال صرفت إلى الاستقبال والمعنى إلا مرجين التلاقي يريد أنه كان يرجو لقاءه مذ قديمٍ حين كان ينتقل في اصلاب أبائه
٢٤تَرَفَّعَ عَن عَونِ المَكارِمِ قَدرُهُ
فَما يَفعَلُ الفَعلاتِ إِلّا عَذارِيا
الواحدي: العون جمع العوان وهي التي بين السنين يقول هو أجل قدرا من أن يفعل في المكرمات فعلا قد سبق إليه وإنما يأتي بالمكارم ابتداء اختراعا كما قال أيضا، يمشي الكرام على آثار غيرهم، وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع،
العكبري: الْغَرِيب العون جمع عوان وَهِي خلاف الْبكر وَهِي الَّتِي بَين السنين فَوق الْبكر وَدون الفارض والعذارى جمع عذراء وَهِي الْبكر الَّتِي لم يَمَسهَا بعل الْمَعْنى يَقُول قدره جليل فَلَا يفعل شَيْئا إِلَّا ابتكار وَلَا يفعل شَيْئا قد سبق إِلَيْهِ وَإِنَّمَا يفعل المكرمات ابتداعا واختراعا وَهُوَ كَقَوْلِه (تَمْشِى الكِرَامُ عَلى آثارِ عيرِهمِ ... وَأنْتَ تَخْلُقُ مَا تَأتي وَتَبْتَدعُ)
٢٥يُبيدُ عَداواتِ البُغاةِ بِلُطفِهِ
فَإِن لَم تَبِد مِنهُم أَبادَ الأَعادِيا
الواحدي: أي يسل سخائم الأعداء برفقه وتلطفه لهم فإن لم تذهب اضغانهم وعداوتهم أبادهم وأهلكهم
العكبري: الْغَرِيب الْبُغَاة جمع بَاغ ويبيد يهْلك أباده أهلكه الْمَعْنى يَقُول هُوَ برفقة ولطفه يحسن إِلَيْهِم فَإِن بلغ مَا يُرِيد من زَوَال الْعَدَاوَة وَإِلَّا أباد العدا
٢٦أَبا المِسكِ ذا الوَجهُ الَّذي كُنتُ تائِقاً
إِلَيهِ وَذا الوَقتُ الَّذي كُنتُ راجِيا
الواحدي: يقول وجهك الذي أراه الوجه الذي كنت اشتاق إليه وهذا الوقت الذي أنا فيه الوقت الذي كنت أرجو أدراكه يعني وقت لقائه والتوقان النزاع يقال تاق إليه يتوق توقانا
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد بِأبي الْمسك كنية كافور وتاق يتوق توقانا إِذا نازعه الحنين إِلَى الوطن وَغَيره يخاطبه ويناديه يَا أَبَا الْمسك هَذَا الْوَجْه الَّذِي كنت أشتاق إِلَيْهِ وأحن إِلَيْهِ وَهَذَا الْوَقْت الَّذِي كنت أَرْجُو لقاءه وأتمناه حَتَّى أَرَاك فِيهِ قَالَ أَبُو الْفَتْح وَهَذَا الْبَيْت يتَأَوَّل فِيهِ الهجاء
٢٧لَقيتُ المَرَورى وَالشَناخيبَ دونَهُ
وَجُبتُ هَجيراً يَترُكُ الماءَ صادِيا
الواحدي: المروري جمع المروراة وهي الفلاة الواسعة والشناخيب جمع شنخوب وشناخب وهي ناحية الجبل المشرفة وفيها حجارة نابتة والصادي العطشان يذكر ما لقي من التعب في الطريق إليه وما قاسى من حر الهواء والهواجر التي تيبس الماء والماء لا يكون صاديا لكنه مبالغةٌ
العكبري: الْغَرِيب المروري جمع مروراة وَهِي الفلاة الواسعة والشناخيب جمع شنخوب وَهِي الْقطعَة الْعَالِيَة من الْجَبَل والهجير شدَّة الْحر والصادي العطشان وَقَالَ الْجَوْهَرِي الشنخوبة والشنخوب وَاحِد شناخيب الْجَبَل وَهِي رءوسه الْمَعْنى يَقُول إِنَّه لَقِي من التَّعَب فِي الطَّرِيق وَأَنه قاسي شدَّة عَظِيمَة من حر الهواجر الَّتِي تنشف المَاء وَالْمَاء لَا يكون صاديا وَلكنه ذكره مُبَالغَة وَإِذا عَطش المَاء فحسبك بِهِ وَيجوز أَن يكون بِحَذْف الْمُضَاف أَي تتْرك مُسْتَقر المَاء صاديا لِأَنَّهُ لما كثر عَلَيْهِ الْحر شرب المَاء ونقصه فَكَانَ كالعطشان الَّذِي تشرب المَاء قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا مِمَّا يَنْقَلِب هجاء لِأَن دونه وَدون هَذَا الْوَجْه مَا ذكر من الشدَّة فَكَأَنَّهُ يُرِيد عظم مشافره وغلظها وَوَجهه وقبحه كَقَوْلِك لَئِن لقِيت فلَانا لتلْقين دونه الْأسد أَي مثل الْأسد ويؤكده قَوْله لما هجاه وأسود مشفراه الْبَيْت وقلما يسلم لَهُ شعر من هَذَا
٢٨أَبا كُلِّ طيبٍ لا أَبا المِسكِ وَحدَهُ
وَكُلَّ سَحابٍ لا أَخَصُّ الغَوادِيا
العكبري: الْإِعْرَاب وكل سَحَاب من جَرّه عطفه على كل الأول وَمن نَصبه جعله على النداء الْغَرِيب الغوادي جمع غادية وَهِي سَحَابَة تنشأ صياحا الْمَعْنى يَقُول لَهُ مُخَاطبا يَا أَبَا الطّيب كُله لَا أُرِيد الْمسك وَإِنَّمَا أُرِيد جنس الظيب وَيَا أَبَا كل سَحَاب لَا أخص سحابا بِعَيْنِه وَإِن شِئْت يَا كل سَحَاب
٢٩يَدِلُّ بِمَعنىً واحِدٍ كُلَّ فاخِرٍ
وَقَد جَمَعَ الرَحمَنُ فيكَ المَعانِيا
الواحدي: يقول كل فاخر إنما يفخر بمنقبة واحدة وقد جمع الله لك جميع المناقب والمفاخر كما قال أبو نواس، كأنما أنت شيء، حوى جميع المعاني،
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَن كل فاخر من النَّاس يفخر بِمَعْنى وَاحِد وَأَنت قد جمع الله فِيك كل المناقب والمفاخر وَهُوَ مَنْقُول من قَول الحكمى (كَأنَّما أنْتَ شَىءٌ ... حَوَى جَميعَ المعَانِي) قَالَ أَبُو الْفَتْح لما وصلت إِلَى هَذَا الْبَيْت ضحِكت وَضحك وَعرف غرضي
٣٠إِذا كَسَبَ الناسُ المَعالِيَ بِالنَدى
فَإِنَّكَ تُعطي في نَداكَ المَعالِيا
الواحدي: يقول إذا جاد الجواد ليحصل له العلو بالجود فإنك تعلى من تعطيه وتشرفه بعطائك لأن الأخذ منك يكسب الآخذ شرفا ويعلي محله كما قال الطائي، ما زلت منتظرا أعجوبةً زمنا، حتى رأيت سؤالا يجتني شرفا، ويجوز أن يريد بقوله تعطى المعالي أنه يهب الولايات والأمور التي يشرف بها الناس فالمعالي من عطاياه كما قال البحتري، وإذا اجتداه المجتدون فإنه، يهب العلي في نيله الموهوب،
٣١وَغَيرُ كَثيرٍ أَن يَزورَكَ راجِلٌ
فَيَرجِعَ مَلكاً لِلعِراقَينِ والِيا
الواحدي: هذا البيت يدل على صحة الوجه الثاني في البيت الذي قبله
العكبري: الْغَرِيب العراقان عراق الْعَجم وعراق الْعَرَب وَآخر عراق الْعَجم أَعمال الرّيّ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا ظَاهره أَن من رآك اسْتَفَادَ مِنْك كسب الْمَعَالِي وباطنه أَن من رآك على مَا بك من النَّقْص وَقد صرت إِلَى هَذَا الْعُلُوّ ضَاقَ ذرعه أَن يقصر عَمَّا بلغته وَأَن لَا يتَجَاوَز ذَلِك إِلَى كسب المكارم وَكَذَلِكَ إِذا رآك راجل لَا ستكثر لنَفسِهِ أَن يرجع واليا على العراقين لِأَنَّهُ لَا يُوجد أحد دُونك وَقد بلغت هَذَا قَالَ أَبُو الْفَتْح العراقان الْكُوفَة وَالْبَصْرَة
٣٢فَقَد تَهَبَ الجَيشَ الَّذي جاءَ غازِياً
لِسائِلِكَ الفَردِ الَّذي جاءَ عافِيا
الواحدي: يقول إذا غزاك جيش أخذته فوهبته لسائلٍ واحدٍ أتاك يسألك
٣٣وَتَحتَقِرُ الدُنيا اِحتِقارَ مُجَرِّبٍ
يَرى كُلَّ ما فيها وَحاشاكَ فانِيا
الواحدي: يقول أنت تحتقر الدنيا احتقار من جربها فعرفها وعلم أن جميع ما فيها يفنى ولا يبقى فلذلك تهبها ولا تدخرها وقوله حاشاك استثناء مما يفنى ذكر هذا الاستثناء تحسينا للكلام واستعمالا للادب في مخاطبة الملوك وهو حسن الموقع
العكبري: الْغَرِيب التحقير التصغير والمجرب الَّذِي جرب الْأُمُور وحنكته التجارب الْمَعْنى يَقُول أَنْت عَظِيم الْقدر فَلهَذَا تحتقر الدُّنْيَا احتقار من جربها وَعرفهَا وَعلم أَنَّهَا فانية وَلَا يبْقى إِلَّا ذكر الْجَمِيل بَين النَّاس فَأَنت تجود بِمَا فِيهَا وَلَا تدخرها وحاشاك من أحسن مَا خُوطِبَ بِهِ فِي هَذَا الْموضع والأدباء يَقُولُونَ هَذِه اللَّفْظَة حشْوَة وَلكنهَا حشْوَة فستق وسكر وَمثلهَا فِي الحشوات قَول المحلم (إنَّ الثمانِينَ وَبُلِّغْتَها ... قَدْ أحْوَجتْ سْمعي إِلَى تَرْجُمان)
٣٤وَما كُنتَ مِمَّن أَدرَكَ المُلكَ بِالمُنى
وَلَكِن بِأَيّامٍ أَشَبنَ النَواصِيا
الواحدي: يقول لم تدرك الملك بالتمني والاتفاق ولكن بالسعي والجهد والوقائع الشديدة التي تشيب نواصي الأعداء والمراد بالأيام الوقائع ومنه قوله تعالى وذكرهم بأيام الله قيل في التفسير يعني وقائع الله في المم الخالية وهذا من قول الطائي، فتى هز القنا فحوى سناء، بها لا بالأحاظي والجدود، ومثله قول يزيد بن المهلبي، سعيتم فأدركتم بصالح سعيكمْ، وأدرك قوم غيركم بالمقادرِ، وله أيضا، إذا قدم السلطان قوماً على الهوى، فإنكم قدمتم بالمناقب،
العكبري: الْغَرِيب الْأَيَّام يُرِيد الوقائع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَذكرهمْ بأيام الله﴾ يُرِيد الوقائع بالأمم الخالية والنواصي وَاحِدهَا نَاصِيَة وَهِي مقدم شعر الرَّأْس وَمِنْه قَول عَائِشَة ﵂ مالكم تنصون ميتكم أَي تمدون ناصيته كَأَنَّهَا كرهت تَسْرِيح الرَّأْس من الْمَيِّت والناصاة الناصية بلغَة طَيء قَالَ جرير بن عتاب الطَّائِي (لَقَدْ آذَنَتْ أهلَ اليمامَةِ طَّيءٌ ... بِحَرْبٍ كَناصاةِ الحِصانِ المُشَهَّرِ) الْمَعْنى يَقُول لَهُ أَنْت لم تدْرك الْملك بالتمني وَلَا بالِاتِّفَاقِ وَلَكِن بالسعي والجهد والوقائع الشَّدِيدَة الَّتِي تشيب نواصي الْأَعْدَاء وَهُوَ من قَول البحتري (فَتي هَزَّ القَنا فَحَوَى سَناءً ... بِها لَا بِالأحاظِى وَالجُدُودِ) وَمِنْه قَول يزِيد المهبلي (سَعَيْتمْ فأدْركُتمْ بِصالح سعيِكُم ... وَأدْرَكَ قَوْمٌ غَيرُكُمْ بِالمقادِرِ) وَله أَيْضا (إِذا قَدَّم السُّلْطانُ قوْما عَلى الهَوى ... فَإنَّكُمُ قُدّمْتمُ لِلْمَناقِبِ)
٣٥عِداكَ تَراها في البِلادِ مَساعِياً
وَأَنتَ تَراها في السَماءِ مَراقِيا
الواحدي: قال ابن جنى أي تعتقد في المعالي اضعاف اعتقاد الناس فتحسب ذلك مما يكون طلبك لها وشحك عليها هذا كلامه والمعنى على ما قال بأن اعداءك يرون الأيام والوقائع مساعي في الأرض وأنت تراها مراقي في السماء لأنك بها تنال العلو
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي ترَاهَا للأيام وَقَالَ الْخَطِيب وَغَيره للأفعال الْغَرِيب المراقي وَاحِدهَا مرقاة وَهِي الدرج الَّتِي تكون فِي السّلم والمساعي فِي فعل الْخَيْر وَهُوَ من سِعَايَة السَّاعِي على الصَّدَقَة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح تعتقد فِي الْمَعَالِي أَضْعَاف مَا يَعْتَقِدهُ النَّاس فيحسب ذَلِك يكون طَلَبك لَهَا وشحك عَلَيْهَا قَالَ الواحدى وَقد حكى كَلَام أَبى الْفَتْح فَيكون على مَا قَالَ إِن أعداءك يرَوْنَ الْأَيَّام والوقائع مساعي فِي الأَرْض وَأَنت ترَاهَا مراقي فِي السَّمَاء لِأَنَّك بهَا تنَال الْعُلُوّ
٣٦لَبِستَ لَها كُدرَ العَجاجِ كَأَنَّما
تَرى غَيرَ صافٍ أَن تَرى الجَوَّ صافِيا
الواحدي: يقول لبست للحروب وللمساعي عجاجا مظلما كأنما ترى صفاء الجو أن لا يصفو من الغبار أي أنت أبدا تثير غبار الحرب وكأنك إذا رأيت الجو صافيا رأيته غير صاف لكراهتك لصفائه من الغبار
العكبري: الْغَرِيب الجو مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَهُوَ الفضاء الَّذِي بَينهمَا الْمَعْنى يَقُول لبست للأيام والحروب والمساعي عجاجا مظلما فلست ترى صفاء إِذا رَأَيْت الجو صافيا من العجاج فَأَنت أبدا تثير العجاج فِي الْحَرْب فكأنك إِذا رَأَيْت الجو صافيا من العجاج رَأَيْته غير صَاف لكراهيتك لصفائه
٣٧وَقُدتَ إِلَيها كُلَّ أَجرَدَ سابِحٍ
يُؤَدّيكَ غَضباناً وَيَثنِكَ راضِيا
الواحدي: يقول قدت إلى الحرب كل فرس يوردك الحرب وأنت غضبانٌ ويرجعك عنها راضيا لإدراك ما طلبت
العكبري: الْغَرِيب الأجرد الْقَلِيل شعر الْجَسَد والسابح الَّذِي يسبح فِي جريه الْمَعْنى قدت إِلَى الْحَرْب كل فرس جواد يوردك الْحَرْب غَضْبَان ويصدرك رَاضِيا بِمَا نلْت من الْغَنِيمَة وَأدْركت من الْمَطْلُوب
٣٨وَمُختَرَطٍ ماضٍ يُطيعُكَ آمِراً
وَيَعصي إِذا اِستَثنَيتَ لَو كُنتَ ناهِيا
الواحدي: يريد بالمخترط سيفا منتضى إذا أمره بالقطع أطاعه فمضى في الضريبة وإن نهاه واستثنى شيئا من القطع عصاه ولم يقف لسرعة نفاذه في الضريبة
العكبري: الْإِعْرَاب مخترط عطف على أجرد وآمرا نصب على حَال الْغَرِيب المخترط السَّيْف إِذا اخترطته من غمده الْمَعْنى وكل مخترط إِذا أَمرته بِالْقطعِ أطاعك فَمضى فِي الضريبة وَإِن نهيته أَو استثنيت شَيْئا من الْقطع عصاك وَلم يقف لسرعة نفاذه فِي الضريبة وَالْمعْنَى إِن عَن لَك توقف عَن الضَّرْب عصاك
٣٩وَأَسمَرَ ذي عِشرينَ تَرضاهُ وارِداً
وَيَرضاكَ في إيرادِهِ الخَيلَ ساقِيا
الواحدي: يعني رمحا أسرم ذا عشرين كعبا أو ذراعا ترضاه إذا أورد دماء الأعداء ويرضاك ساقيا له في إيراده خيل الأعداء والبيت منقول من قول عبد الله بن طاهر في صفة السيف، أخو ثقةٍ أرضاه في الروع صاحبا، وفوق رضاه أنني أنا صاحبه، أي هو يرضى بي أيضا صاحبا فوق الرضا
العكبري: الْغَرِيب الأسمر الرمْح وَذي عشْرين يُرِيد كَعْبًا أَو ذِرَاعا الْمَعْنى أَنه يُرِيد هُنَا الرمْح الطَّوِيل إِذا أوردته دِمَاء الْأَعْدَاء وَهُوَ يرضاك ساقيا إِذا أوردته فرسَان الْأَعْدَاء وَهُوَ مَنْقُول من قَول عبد الله بن طَاهِر فِي السَّيْف (أخُو ثِقَةٍ أرْضاهُ فِي الرَّوْعِ صاحبا ... وَفَوْقَ رِضَاهُ أنَّنِي أَنا صاحِبُهْ) يُرِيد أَنه يرضى بِهِ صاحبا فَوق الرِّضَا
٤٠كَتائِبَ ما اِنفَكَّت تَجوسُ عَمائِراً
مِنَ الأَرضِ قَد جاسَت إِلَيها فَيافِيا
الواحدي: أي قدت كتائب وإن رفعت فالمعنى كتائبك أو لك كتائب لا تزال تطأ وتدوس قبائل للغارة وقد قطعت إليها مفاوز والعمائر جمع العمارة وهي القبيلة والمعنى أن كتائبه لا تزال تأتي الأعداء للغارة عليهم
العكبري: الْإِعْرَاب كتائب يروي بِالرَّفْع وَالنّصب وَالنّصب على قدت إِلَى الْحَرْب كتائب وَقد ذكره فِيمَا قبل من قَوْله وقدت إِلَيْهَا كل أجرد وَمن رفع فعلى تَقْدِير لَك كتائب أَو مَا انفكت لَك كتائب الْغَرِيب الْكَتَائِب جمع كَتِيبَة وَهِي الْجَيْش تَقول كتب فلَان الْكَتَائِب تكتيبا إِذا عباها كَتِيبَة كَتِيبَة وتجوس تدوس وَتَطَأ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فجاسوا خلال الديار﴾ وعمائر جمع عمَارَة وَهِي الْقَبِيلَة وَالْعشيرَة من النَّاس قَالَ الْأَخْنَس بن شهَاب الثَّعْلَبِيّ (لِكُلّ أُناسٍ مِنْ مَعَدٍّ عِمارَةٍ ... عَرُوضٌ إلَيها يَلْجَئُونَ وجانبُ) وَعمارَة بالخفض على الْبَدَل من أنَاس وَتَقْدِيره لكل قَبيلَة من معد عرُوض وجانب والفيافي الفلوات الْمَعْنى يَقُول كتائبك لَا تزَال وَلَا تَبْرَح تدوس وَتَطَأ قبائل من النَّاس قد وطِئت إِلَيْهِم الفلوات للغارة عَلَيْهِم وَالْمعْنَى أَن عساكره لَا تزَال محاربة
٤١غَزَوتَ بِها دورَ المُلوكِ فَباشَرَت
سَنابِكُها هاماتِهِم وَالمَغانِيا
العكبري: الْأَعْرَاب الضَّمِير فِي بهَا للكتائب ويروى دور الْمُلُوك فَيكون الضَّمِير فِي هاماتهم للملوك لِأَن الْمُلُوك لم تغزهم لأَنهم لم يقدروا على إقدامك وَمن روى دون الْمُلُوك فَيكون الضَّمِير للعمائر وَيكون غزوتهم دون الْمُلُوك الْغَرِيب السنبك للحافر كالظفر للطير والمخلب للسبع والمغاني جمع مغنى وَهُوَ الْمنزل الْمَعْنى غزوت الْأَعْدَاء بكتائب لم تغز قبلك الْمُلُوك بهَا حَتَّى قَتلتهمْ فوطئت خيلك رُءُوسهم وديارهم
٤٢وَأَنتَ الَّذي تَغشى الأَسِنَّةَ أَوَّلاً
وَتَأنَفَ أَن تَغشى الأَسِنَّةَ ثانِيا
الواحدي: يريد أنه أول من يبارز فيأتي الطعان ويأنف أن يأتيه ثانيا لأول سبقه إليها
العكبري: الْغَرِيب يُقَال غشى يغشى غشيانا إِذا جَاءَهُ وَغَشيتهُ بِالسَّيْفِ ضَربته وأنف من الشَّيْء يأنف أنفًا وأنفة أَي استنكف الْمَعْنى يَقُول أَنْت أول من يَأْتِي الْحَرْب وَأول من يبارز وتأنف أَن تَأتيه ثَانِيًا لِأَنَّك مِقْدَام فَلَا يتقدمك أحد فِي الْحَرْب
٤٣إِذا الهِندُ سَوَّت بَينَ سَيفَي كَريهَةٍ
فَسَيفُكَ في كَفٍّ تُزيلُ التَساوِيا
الواحدي: إذا طبعت الهند سيفين فجعلتهما سواء في الحدة والمضاء فالسيف الذي في كفك يكون أمضى لأن كفك تزيل تساويهما بشدة الضرب
العكبري: الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا طبعت الْهِنْد سيفين فَجَعَلتهمَا سَوَاء فِي الحدة والمضاء فالسيف الَّذِي يصاحبك يكون أمضى لِأَنَّك تزيل مساواتهما بِشدَّة الضَّرْب وَكَذَا قَالَ الواحدى وَقَالَ الْخَطِيب هَذَا الْمَعْنى ثمَّ قَالَ وَيحْتَمل معنى آخر وَهُوَ أَن الْهِنْد سوت بَين السيفين فَإِذا ضربت بِالسَّيْفِ علم أَن فضيلته فِي المضاء أعظم من فَضِيلَة السَّيْف الْمَضْرُوب بِهِ
٤٤وَمِن قَولِ سامٍ لَو رَآكَ لِنَسلِهِ
فِدى اِبنِ أَخي نَسلي وَنَفسي وَمالِيا
الواحدي: سام بن نوح أبو البيضان وحام أبو السودان يقول لو رآك سام كان من قوله لنسله فدى ابن أخي ولدي ونفسي ومالي أي لكان يفديك بنفسه وولده ويقول لولده أنا وأنتم فداء ابن أخي
العكبري: الْإِعْرَاب روى فدى بِكَسْر الْفَاء وَالْإِضَافَة إِلَى ابْن فَهُوَ ابْتِدَاء وَخَبره نسلى وَمَا بعده وَمن رَوَاهُ بِفَتْح الْفَاء جعله فعلا مَاضِيا وَنصب ابْنا وَكَانَ الْفَاعِل نسلى وَمَا بعده الْغَرِيب سَام هُوَ ابْن نوح وَهُوَ أَبُو الْبيض وَحَام ابْن نوح أَبُو السودَان الْمَعْنى يَقُول لَو رآك سَام بن نوح أَبُو الْبيض أَنَّك من وَلَده لَكَانَ من قَوْله فدَاك أَهلِي وَنَفْسِي وَمَالِي أَي كَانَ يفديك بِنَفسِهِ فَيَقُول أَنا ونسلى وَأَهلي فدى هَذَا
٤٥مَدىً بَلَّغَ الأُستاذَ أَقصاهُ رَبُّهُ
وَنَفسٌ لَهُ لَم تَرضَ إِلّا التَناهِيا
الواحدي: أي الذي ذكرته من مناقبك مدى بلغك الله غايته ونفسك التي لا ترضى إلا أن تبلغ النهاية
العكبري: الْغَرِيب المدى الْغَايَة والأستاذ جمعه أساتيذ وَهُوَ مُسْتَعْمل فِي الْعرَاق للمعلم وَالشَّيْخ وَيسْتَعْمل للخدم أَيْضا الْمَعْنى يَقُول الَّذِي ذكرته من مناقبك غَايَة بلغك الله أقصاها أَي غايتها وَلَك نفس لَا ترْضى إِلَّا أَن تبلغ النِّهَايَة
٤٦دَعَتهُ فَلَبّاها إِلى المَجدِ وَالعُلا
وَقَد خالَفَ الناسُ النُفوسَ الدَواعِيا
الواحدي: دعته نفسه إلى المجد فلباها وأجابها وغيره لم يجب لما دعته نفسه إلى المجد لأنه لم يأت ما يكسبه المجد والشرف من الجود والشجاعة والأخلاق الحميدة كما أتيتها أنت
٤٧فَأَصبَحَ فَوقَ العالَمينَ يَرَونَهُ
وَإِن كانَ يُدنيهِ التَكَرُّمُ نائِيا
الواحدي: أي يرونه نائيا عنهم وإن كان التكرم يدنيه إليهم ودخل عليه بعد انشاده هذه القصيدة وابتسم إليه الأسود ونهض فلبس نعلا فرأى أبو الطيب شقوقا برجليه فقال يهجوه
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَنه فَوق النَّاس قدرا بَعيدا عَنْهُم وَلَكِن التكرم يُدْنِيه مِنْهُم الْمَعْنى يَقُول أَنا أضْحك وضحكي على نَفسِي من رجائي مثلك لِأَنَّك لَا ترجى فتظن ضحكي فَرحا وَلَيْسَ كَذَلِك بل إِنَّمَا هُوَ ضحك على رجائي لَك
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.