تجاوز إلى المحتوى

من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)

في الكناية وتعريفها وأنواعها

واصطلاحًا: لفظ أريد به غير معناه الذي وُضع له، مع جواز إرادة المعنى الأصلي لعدم وجود قرينة مانعة من إرادته، نحو: «زيد طويل النجاد» تريد بهذا التركيب أنه شجاع عظيم، فعدلت عن التصريح بهذه الصفة إلى الإشارة إليها بشيء تترتب عليه وتلزمه؛ لأنه يلزم من طول حمالة السيف طول صاحبه، ويلزم من طول الجسم الشجاعة عادة، فإذًا المراد طول قامته، وإن لم يكن له نجاد، ومع ذلك يصح أن يراد المعنى الحقيقي. ومن هنا يُعلم أن الفرق بين الكناية والمجاز صحة إرادة المعنى الأصلي في الكناية دون المجاز، فإنه ينافي ذلك.

نعم، قد تمتنع إرادة المعنى الأصلي في الكناية؛ لخصوص الموضوع كقوله تعالى: وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ وكقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى كناية عن تمام القدرة، وقوة التمكن والاستيلاء.

(١) كناية عن صفة، كما تقول: «هو ربيب أبي الهول» تكني عن شدة كتمانه لسره، وتعرف كناية الصفة بذكر الموصوف — ملفوظًا أو ملحوظًا — من سياق الكلام.

(٢) كناية عن موصوف، كما تقول: «أبناء النيل» تكني عن المصريين و«مدينة النور» تكني عن باريس، وتُعرف بذكر الصفة مباشرة أو ملازمة. ومنها قولهم: «تستغني مصر عن مصب النيل ولا تستغني عن منبعه» كنَّوا بمنبع النيل عن أرض السودان.

ومنها قولهم: «هو حارس على ماله» كنوا به عن البخيل الذي يجمع ماله، ولا ينتفع به.

ومنها قولهم: «هو فتًى رياضي» يكنون عن القوة؛ وهلم جرًّا.

(٣) كناية عن نسبه، وسيأتي الكلام عليها فيما بعد.

(أ) كناية قريبة: وهي ما يكون الانتقال فيها إلى المطلوب بغير واسطة بين المعنى المنتقل عنه والمعنى المنتقل إليه، نحو قول الخنساء في رثاء أخيها صخر: رفيع العماد طويل النجا د ساد عشيرته أمردا

(ب) وكناية بعيدة: وهي ما يكون الانتقال فيها إلى المطلوب بواسطة أو بوسائط، نحو: «فلان كثير الرماد» كناية عن المضياف. والوسائط: هي الانتقال من كثرة الرماد إلى كثرة الإحراق، ومنها إلى كثرة الطبخ والخبز، ومنها إلى كثرة الضيوف، ومنها إلى المطلوب وهو المِضياف الكريم.

القسم الثاني: الكناية التي يكون المكني عنه موصوفًا بحيث يكون إما معنًى واحدًا «كموطن الأسرار» كناية عن القلب، وكما في قول الشاعر:

فلما شربناها ودب دبيبهاإلى موطن الأسرار قلت لها قفي

وإما مجموع معانٍ، كقولك: «جاءني حيٌّ مستوي القامة، عريض الأظفار» (كناية عن الإنسان) لاختصاص مجموع هذه الأوصاف الثلاثة به. ونحو:

الضاربين بكلِّ أبيض مخذموالطاعنين مجامع الأضغان
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «لمن الديار بروضة السلان»

ويشترط في هذه الكناية أن تكون الصفة أو الصفات مختصة بالموصوف، ولا تتعداه؛ ليحصل الانتقال منها إليه.

القسم الثالث: الكناية التي يراد بها نسبة أمر لآخر — إثباتًا أو نفيًا — فيكون المكني عنه نسبة، أُسندت إلى ما له اتصال به، نحو قول الشاعر:

إن السماحة والمروءة والندىفي قبة ضُربت على ابن الحشرج
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

فإن جعل هذه الأشياء الثلاثة في مكانه المختص به يستلزم إثباتها له.

(أ) إما أن يكون ذو النسبة مذكورًا فيها، كقول الشاعر: اليمن يتبع ظله والمجد يمشي في ركابه

(ب) وإما أن يكون ذو النسبة غير مذكور فيها، كقولك: «خير الناس من ينفع الناس» كناية عن نفي الخبرية عمن لا ينفعهم.

(١) فالتعريض لغة: خلاف التصريح.

واصطلاحًا: هو أن يطلق الكلام، ويُشار به إلى معنًى آخر يفهم من السياق، نحو: قولك للمؤذي: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» تعريضًا بنفي صفة الإسلام عن المؤذي. وكقول الشاعر:

إذا الجود لم يرزق خلاصًا من الأذىفلا الحمد مكسوبًا ولا المال باقيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

(٢) والتلويح لغة: أن تشير إلى غيرك من بعد.

واصطلاحًا: هو الذي كثرت وسائطه بلا تعريض، نحو:

وما يك فيَّ من عيب فإنيجبان الكلب مهزول الفصيل

كنى عن كرم الممدوح بكونه جبان الكلب، مهزول الفصيل، فإنَّ الفكر ينتقل إلى جملة وسائط.

(٣) والرمز لغة: أن تشير إلى قريب منك خفية بنحو شفة أو حاجب.

واصطلاحًا: هو الذي قلَّت وسائطه، مع خفاء في اللزوم بلا تعريض، نحو: «فلان عريض القفا، أو عريض الوسادة» كناية عن بلادته وبلاهته، ونحو: «هو مكتنز اللحم» كناية عن شجاعته، و«متناسب الأعضاء» كناية عن ذكائه، ونحو: «غليظ الكبد» كناية عن القسوة؛ وهلم جرًّا.

والإيماء أو الإشارة: هو الذي قلَّت وسائطه، مع وضوح اللزوم بلا تعريض، كقول الشاعر:

أَوَما رأيت المجد ألقى رحلهفي آل طلحة ثمَّ لم يتحول

كناية عن كونهم أمجادًا أجوادًا بغاية الوضوح.

ومن لطيف ذلك قول بعضهم:

سألت الندى والجود ما لي أراكماتبدَّلْتُما ذلًّا بعِزٍّ مُؤبَّدِ
وما بال ركن المجد أمسى مهدَّمافقالا: أُصبنا بابن يحيى محمدِ
فقلت: فهلَّا مِتُّما عند موتهفقد كنتما عبدَيْه في كل مَشْهدِ
فقالا: أقمنا كي نعزَّى بفقدهمسافة يوم ثم نتلوه في غَدِ

والكناية من ألطف أساليب البلاغة وأدقها، وهي أبلغ من الحقيقة والتصريح؛ لأن الانتقال فيها يكون من الملزوم إلى اللازم، فهو كالدعوى ببينة، فكأنك تقول في: «زيد كثير الرماد» زيد كريم؛ لأنه كثير الرماد، وكثرته تستلزم كذا … إلخ.

كيف لا وأنها تمكن الإنسان من التعبير عن أمور كثيرة، يتحاشى الإفصاح بذكرها، إما احترامًا للمخاطب أو للإبهام على السامعين، أو للنيل من خصمه، دون أن يدع له سبيلًا عليه، أو لتنزيه الأذن عما تنبو عن سماعه، ونحو ذلك من الأغراض واللطائف البلاغية.

تمرين

(١) قال البحتري يصف قتله ذئبًا:

فأتبعتها أخرى فأضللت نصلهابحيث يكون اللب والرعب والحقد
للشاعر البحتري، من قصيدة «سلام عليكم لا وفاء ولا عهد»

(٢) وقال آخر في رثاء من مات بعلة في صدره:

ودبت له في موطن الحلم علةلها كالصلال الرقش شر دبيب

(٣) ووصف أعرابي امرأة، فقال: «ترخي ذيلها على عرقوبَيْ نعامة.»

ونحو:

ضربت سرادقها المهابة فوقهفإذا بدا بادت به الأعداء
للشاعر الساعاتي، اقرأ القصيدة

ونحو:

إن الذي ملأ اللغات محاسنًاجعل الجمال وسره في الضاد
للشاعر أحمد شوقي، من قصيدة «قف ناج أهرام الجلال وناد»

ونحو:

بنى المجد بيتًا فاستقر عمادهعلينا فأعيا الناس أن يتحولا
إن ثوبك الذي المجد فيهلضياء يزري بكل ضياء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

(١) ضمير أتبعتها يعود على الطعنة. وأضللت: أخفيت. والنصل: حديدة السيف. واللب والرعب: الفزع والخوف.

واعلم أن الكناية: إما حسنة: وهي ما جمعت بين الفائدة ولطف الإشارة، كما في الأمثلة السابقة. وإما قبيحة: وهي ما خلت عن الفائدة المرادة، وهي معيبة لدى أرباب البيان، كقول المتنبي:

إني على شغفي بما في خمرهالأعف عما في سراويلاتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

كناية عن النزاهة والعفة، إلا أنها قبيحة؛ لسوء تأليفها، وقبح تركيبها.

(٢) الصلالي: جمع صل بالكسر، ضرب من الحيات صغير أسود، لا نجاة من لدغته. والرقش: جمع رقشاء، وهي التي فيها نقط سوداء في بياض، والحية الرقشاء من أشد الحيات إيذاء.

تمرين آخر

بيِّن أنواع الكنايات الآتية، وبيِّن منها ما يصح فيه إرادة المعنى المفهوم من صريح اللفظ، وما لا يصح:

(١) وصف أعرابي رجلًا بسوء العشرة فقال: كان إذا رآني قرب من حاجب حاجبًا.

(٢) وقال أبو نواس في المديح:

فما جازه جود ولا حل دونهولكن يسير الجود حيث يسير
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أجارة بيتينا أبوك غيور»
(٥) تجول خلاخيل النساء ولا أرىلرملة خلخالًا يجول ولا قُلْبَا
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «أقول وقد وافت إلى الصحب كتبكم»

(٦) وتقول العرب في المديح: الكرم في أثناء حلته، ويقولون: «فلان نفخ شدقيه»؛ أي: تكبر، و«ورم أنفه» إذا غضب.

(٨) بيض المطابخ لا تشكو إماؤهمطبخ القدور ولا غسل المناديل
(٩) مطبخ داود في نظافتهأشبه شيء بعرش بلقيس
ثياب طبَّاخه إذا اتسختأنقى بياضًا من القراطيس
(١٠) فتًى مختصر المأكول والمشروب والعطر
نقي الكأس والقصــة والمنديل والقدر
(١١) اليمن يتبع ظلهوالمجد يمشي في ركابه
(١٢) أصبح في قيدك السماحة والمجدوفضل الصلاح والحسب
(١٣) فلسنا على الأعقاب تدمى كلومناولكن على أقدامنا تقطر الدما
للشاعر الحصين بن حمام الفزاري، من قصيدة «جزى الله أفناء العشيرة كلها»

المجد بين ثوبيك، والكرم ملء برديك.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «جواهر البلاغة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.