تجاوز إلى المحتوى

من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)

(١٣) بلاغة الاستعارة بجميع أنواعها

الأولى: طريقة تأليف ألفاظه.

والثانية: ابتكار مشبه به بعيد عن الأذهان، لا يجول إلا في نفس أديب، وهب الله له استعدادًا سليمًا في تعرف وجوه الشبه الدقيقة بين الأشياء، وأودعه قدرة على ربط المعاني، وتوليد بعض إلى مدًى بعيد لا يكاد ينتهي.

و«سر بلاغة الاستعارة» لا يتعدى هاتين، فبلاغتها من ناحية اللفظ أن تركيبها يدل على تناسب التشبيه، ويحملك عمدًا على تخيل صورة جديدة تنسيك روعتها ما تضمنه الكلام من تشبيه خفي مستور.

انظر إلى قول البحتري في الفتح بن خاقان:

يسمو بكف على العافين حانيةتهمي وطرف إلى العلياء طماح
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألمع برق سرى أم ضوء مصباح»

ألست ترى كفه وقد تمثلت في صورة سحابة هتانة، تصب وبلها على العافين والسائلين، وأن هذه الصورة قد تملكت عليك مشاعرك فأذهلتك عما اختبأ في الكلام من تشبيه؟!

وإذا سمعت قوله في رثاء المتوكل وقد قُتل غيلة:

صريع تقاضاه الليالي حشاشةيجود بها والموت حمر أظافره

فهل تستطيع أن تبعد عن خيالك هذه الصورة المخيفة للموت، وهي صورة حيوان مفترس، ضرجت أظفاره بدماء قتلاه؟!

لهذا كانت الاستعارة أبلغ من «التشبيه البليغ»؛ لأنه وإن بُني على ادعاء أن المشبه والمشبه به سواء، لا يزال فيه التشبيه منويًّا ملحوظًا، بخلاف «الاستعارة» فالتشبيه فيها منسي مجحود، ومن ذلك يظهر لك أن الاستعارة المرشحة أبلغ من الاستعارة المطلقة، وأن الاستعارة المطلقة أبلغ من الاستعارة المجردة.

أما بلاغة الاستعارة من حيث الابتكار، وروعة الخيال، وما تُحدثه من أثر في نفوس سامعيها؛ فمجال فسيح للإبداع، وميدان لتسابق المجيدين من فرسان الكلام.

انظر إلى قوله — عز شأنه — في وصف النار: تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ترتسم أمامك النار في صورة مخلوق ضخم، بطاش، مكفهر الوجه، عابس، يغلي صدره حقدًا وغيظًا. (عن البلاغة الواضحة بتصرف)

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في المجاز

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.