من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
(٧) المبحث السابع: في الاستعارة باعتبار اللفظ المستعار
(١) وسميت أصلية؛ لعدم بنائها على تشبيه تابع لتشبيه آخر معتبر أولًا.
كقول البحتري:
يؤدون التحية من بعيدإلى قمر من الإيوان باد
(٢) وإذا كان اللفظ المستعار «فعلًا أو اسم فعل، أو اسمًا مشتقًّا، أو اسمًا مبهمًا أو حرفًا» فالاستعارة «تصريحية تبعية» نحو: نامت همومي عني. ونحو: «صه» الموضع للسكوت عن الكلام، والمستعمل مجازًا في ترك الفعل، ونحو: «الجندي قاتل اللص» بمعنى ضاربه ضربًا شديدًا، ونحو: «هذا» الموضوعة للإشارة الحسية؛ والمستعملة مجازًا في الإشارة العقلية، نحو: «هذا رأي حسن»، ونحو قوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ، ونحو قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا .
(٣) وإذا كان اللفظ المستعار اسمًا مشتقًّا، أو اسمًا مبهمًا «دون باقي أنواع التبعية المتقدمة» فالاستعارة «تبعية مكنية».
وسُميت «تبعية»؛ لأن جريانها في المشتقات والحروف تابع؛ لجريانها أولًا في الجوامد، وفي كليات معاني الحروف.
يعني أنها سُميت تبعية لتبعيتها لاستعارة أخرى؛ لأنها في المشتقات تابعة للمصادر؛ ولأنها في معاني الحروف تابعة لمتعلق معانيها؛ إذ معاني الحروف جزئية لا تُتصور الاستعارة فيها إلا بواسطة كلي مستقل بالمفهومية؛ ليتأتى كونها مشبهًا ومشبهًا بها، أو محكومًا عليها، أو بها.
تنبيهات عشرة
التنبيه الأول: كل تبعية قرينتها مكنية.
التنبيه الثاني: إذا أجريت الاستعارة في واحدة من الاستعارة التصريحية أو من الاستعارة المكنية، امتنع إجراؤها في الأخرى.
التنبيه الثالث: تقسيم الاستعارة إلى «أصلية وتبعية» عام في كل من الاستعارة التصريحية والمكنية.
التنبيه الرابع: تبين أن الاستعارة هي اللفظ المستعمل في غير ما وضع له؛ لعلاقة المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الوضعي، أو هي: «مجاز لغوي» علاقته المشابهة، كقول زهير:
لدَى أسدٍ شاكي السلاحِ مُقَذَّفٍله لِبَدٌ أظفاره لم تُقَلَّمِ
فقد استعار الأسد للرجل الشجاع؛ لتشابههما في الجراءة، والمستعار له هنا: لفظ «محقق حسًّا».
وأما قول أبي ذؤيب الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارهاألفيت كل تميمة لا تنفع
فشبه المنية بالسبع في اغتيال النفوس قهرًا من غير تفرقة بين نفاع وضرار، ولم يذكر لفظ المشبه، بل ذكر بعض لوازمه وهو أظفارها التي لا يكمل الاغتيال في السبع إلا بها؛ تنبيهًا على المشبه به المحذوف.
فهو استعارة «مكنية». وكقوله:
ولئن نطقت بشكر برِّك مفصحًافلسان حالي بالشكاية أنطق
فشبه الحال بإنسان ناطق في الدلالة على المقصود، ولم يصرح بلفظ المشبه به بل ذكر لازمه وهو «اللسان» الذي لا تقوم الدلالة الكلامية إلا به؛ تنبيهًا به عليه، فهو أيضًا استعارة «مكنية».
وقد أثبت للمشبه لازم من لوازم المشبه به، لا يكون إلا به كماله أو قوامه في وجه الشبه «كالأظفار» التي لا يكمل الافتراس إلا بها كما في المثال الأول، و«اللسان» الذي لا تقوم الدلالة الكلامية في الإنسان إلا به، كما في المثال الثاني وليس «للمنية» شيء كالأظفار نقل إليه هذا اللفظ، ولا «للحال» شيء «كاللسان» نقل إليه لفظ اللسان.
وما كان هذا حاله يعتبر طبعًا «تخييلًا، أو استعارة تخييلية».
التنبيه الخامس: تقدم أن الاستعارة التصريحية أو المصرحة هي ما صُرح فيها بلفظ المشبه به، وأن المكنية هي ما حُذف فيها لفظ المشبه به؛ استغناء ببعض لوازمه التي بها كماله أو قوامه في وجه الشبه، وأن إثبات ذلك اللازم تخييل أو استعارة تخييلية، غير أنهم اختلفوا في تعريف كل من المكنية والتخييلية.
و«التخييلية» عنده ما لا تحقق لمعناه «لا حسًّا ولا عقلًا» بل هو صورة وهمية محضة، كالأظفار في ذلك المثال، فإنه لما شبه المنية بالسبع في الاغتيال — أخذ الوهم يصورها بصورته، ويخترع لها لوازمه، فاخترع لها صورة كصورة الأظفار، ثم أطلق عليها لفظ الأظفار، فيكون لفظ الأظفار استعارة «تصريحية تخييلية».
أما أنها تصريحية؛ فلأنه صرح فيها بلفظ المشبه به، وهو اللازم الذي أطلق على صورة وهمية شبيهة بصورة الأظفار المحققة.
هذا؛ ومذهب السكاكي في المكنية مردود عليه بأن لفظ المشبه فيها مستعمل فيما وضع له تحقيقًا، للقطع بأن المراد بالمنية «الموت» لا غير، فليس مستعارًا.
(١) لأنه إذا لم يكن نقل الاسم تابعًا لنقل المعنى تقديرًا لم يكن ذلك استعارة مثل «الأعلام المنقولة» فأنت إذا سميت إنسانًا ب «أسد، أو نمر، أو كلب» لا يقال: إن هذه الأسماء مستعارة؛ لأن نقلها لم يتبع نقل معانيها تقديرًا.
(٢) ولأن البلغاء جزموا بأن «الاستعارة أبلغ من الحقيقة» فإن لم يكن نقل الاسم تابعًا لنقل المعنى لم يكن فيه مبالغة؛ إذ لا مبالغة في إطلاق الاسم المجرد عن معناه.
التنبيه السابع: ظهر أن الاستعارة باعتبار اللفظ نوعًا «أصلية وتبعية».
فالأصلية: ما كان فيها المستعار اسم جنس غير مشتق، سواء أكان اسم ذات كأسد للرجل الشجاع، أم اسم معنًى كقتل للإذلال، وسواء أكان اسم جنس «حقيقة» كأسد وقتل، أم «تأويلًا» كما في الأعلام المشهورة بنوع من الوصف؛ كحاتم في قولك: «رأيت اليوم حاتمًا» تريد رجلًا كامل الجود؛ فاعتبر لفظ «حاتم» في قوة الموضوع لمفهوم كلي، حتى كاد يغلب استعماله في كل من له وصف حاتم، فكما أن أسدًا يتناول الحيوان المفترس والرجل الشجاع، كذلك حاتم يتناول الطائي وغيره ادَّعاء، ويكون استعماله في «الطائي» حقيقة، وفي غيره مجازًا؛ لأن الاستعارة مبنية على ادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، فلا بد أن يكون المشبه به كليًّا ذا أفراد.
والمراد «باسم الجنس» غير المشتق «ما صلح لأن يصدق على كثيرين من غير اعتبار وصف من الأوصاف في الدلالة».
وليس العلم الشخصي، واسم الإشارة، والضمير، والموصول — من الكليات، فلا تصح أن تجري فيها الاستعارة الأصلية، أما المشتق فالصفة جزء من مدلوله وضعًا؛ لأنه موضوع لذات متصفة بصفة، ف «كريم» موضوع لذات متصفة بالكرم، و«قتل» موضوع لذات متصفة بوقوع القتل عليها.
وقد اعتبرت «الأعلام» التي تتضمن معنى الوصف اسم جنس تأويلًا، ولم تعتبر من قبيل المشتق؛ لأن الوصف ليس جزءًا من معناها وضعًا، بل هو لازم له، غير داخل في مفهومه، فحاتم لم يوضع للدلالة على الجود، ولا على ذات متصفة به، ولكن الجود عرض له، ولزمه فيما بعد.
التنبيه الثامن: التبعية ما كان فيها المستعار مشتقًّا، ويدخل في هذا الفعل والاسم المشتق، والحرف.
(١) يقال: شبه زيادة الماء زيادة مفسدة بالطغيان، بجامع مجاوزة الحد في كلٍّ، وادعى أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، ثم استعير المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية، ثم اشتق من الطغيان بمعنى الزيادة «طغى بمعنى زاد وعلا» على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
التنبيه التاسع: استعارة المشتق إما صفة، وإما اسم زمان أو مكان أو آلة، فالصفة نحو: «حُكم على قاتلك بالسجن» من القتل بمعنى الضرب الشديد مجازًا، ونحو: «إنما أصادق الأصم عن الخنى، وأجاور الأعمى عن العورات» ونحو: «فلسان حالي بالشكاية أنطق»؛ أي أدل. ونحو قوله تعالى: مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ونحو: «جئت بمقتالك»؛ أي: بالآلة التي أضربك بها ضربًا شديدًا.
(١) على الفاعل، نحو: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ و«نطقت الحال بكذا».
(٢) أو على نائبه، نحو: ضربت عليهم الذلة والمسكنة.
(٣) أو على المفعول به، نحو: جمع الحق لنا في إمام قتل البخل وأحيا السماحا
(٤) أو على المفعول به الثاني، نحو: صبحنا الخزرجية مرهفات أباد ذوي أرومتها ذووها
(٥) أو على الفاعل والمفعولين، كقول الشاعر: تَقْرِي الرياحُ رياضَ الحزن مزهرةً إذا سرى النوم في الأجفان إيقاظا
(٦) أو على المفعولين كقوله تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا .
(٧) أو على المجرور، نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ونحو: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ونحو: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ . هذا؛ وقد تكون قرينة التبعية غير ذلك، نحو: قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا إذ القرينة في هذه الآية كونه من كلام الموتى، مع قوله: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ .
التنبيه الحادي عشر: استعارة الحرف، نحو: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا فقد شبه مطلق ترتب علة واقعية على فعل بمطلق ترتب علة غائية على فعل، بجامع مطلق الترتب في كلٍّ، فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، ثم استعمل في جزئي المشبه «اللام» الموضوعة لجزئي المشبه به على سبيل الاستعارة التبعية.
ومن هذه الأمثلة السابقة تتبين أنه لا يُشترط أن يكون للمشبه حرف موضوع له يدل عليه.
واختار «السكاكي» تقليلًا لأقسام الاستعارة أن يستغني عن التبعية في «الفعل، والمشتق، والحرف» بأن يجعل قرينة التبعية استعارة مكنية، وأن يجعل التبعية قرينة للمكنية.
ويقول «السكاكي»: في لفظ «الماء» استعارة مكنية، ونسبة الطغيان إليه قرينة.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع