تجاوز إلى المحتوى

من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)

(١٢) المبحث الثاني عشر: في المجاز المرَكب بالاستعارة التمثيلية

ونحو: «إني أراك تقدم رِجْلًا وتؤخرُ أخرى» يضرب لمن يتردد في أمر، فتارة يقدم وتارة يحجم. ونحو: «أحشفًا وسوء كيلة» يُضرب لمن يظلم من وجهين، وأصله أن رجلًا اشترى تمرًا من آخر، فإذا هو رديء، وناقص الكيل، فقال المشتري ذلك. ومثل ما تقدم جميع الأمثال السائرة «نثرًا ونظمًا».

ومن الشعر قول الشاعر:

إذا جاء موسى وألقى العصافقد بطل السحر والساحر
للشاعر عبد الباقي العمري، اقرأ القصيدة

وقول آخر:

إذا قالت حَذامِ فصِّدقوهافإن القول ما قالت حَذامِ
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «نثرن عليه من صدف الخيام»

وقول آخر:

متى يبلغ البنيان يومًا تمامهإذا كنت تبنيه وغيرُك يهدِمُ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «متى يبلغ البنيان يوما تمامه»

ولذا كانت هذه الاستعارة محط أنظار البلغاء، لا يعدلون بها إلى غيرها إلا عند عدم إمكانها، فهي أبلغ أنواع المجاز مفردًا أو مركبًا؛ إذ مبناها تشبيه التمثيل الذي قد عرفت أن وجه الشبه فيه هيئة منتزعة من أشياء متعددة.

ومن ثم كانت هي والتشبيه المبنية عليه غرض البلغاء الذين يتسامون إليه، ويتفاوتون في إصابته، وقد كثر ذلك في القرآن الكريم كثرة كانت إحدى الحجج على إعجازه.

والاستعارة ميدان فسيح من ميادين البلاغة، وهي أبلغ من التشبيه؛ لأنها تضع أمام المخاطب بدلًا من المشبه صورة جديدة تملك عليه مشاعره، وتذهله عما ينطوي تحتها من التشبيه، وعلى مقدار ما في تلك الصورة من الروعة، وسمو الخيال — تكون البلاغة في الاستعارة.

وأبلغ أنواع الاستعارة «المرشحة» لذكر ما يناسب المستعار منه فيها، بناء على الدعوى بأن المستعار له هو عين المستعار منه.

ثم تليها «المطلقة» لترك ما يناسب الطرفين فيها؛ بناء على دعوى التساوي بينهما.

ثم تليها «المجردة» لذكر ما يناسب المستعار له فيها؛ بناء على تشبيهه بالمستعار منه.

ولا بد في الاستعارة، وفي التمثيل على سبيل الاستعارة — من مراعاة جهات حسن التشبيه: كشمول وجه الشبه للطرفين، ومن كون التشبيه وافيًا بإفادة الغرض، ومن عدم شم رائحة التشبيه لفظًا، ويجب أن يكون وجه الشبه بين الطرفين جليًّا؛ لئلا تصير الاستعارة والتمثيل تعمية.

أسئلة على الاستعارة يطلب أجوبتها

ما هي الاستعارة؟ ما هي أركانها؟ كم قسمًا الاستعارة باعتبار ذكر الطرفين المشبه به والمشبه؟ ما أصل الاستعارة؟ ما هي الاستعارة التصريحية؟ كم قسمًا الاستعارة التصريحية؟ كم قسمًا الاستعارة باعتبار ذكر ملائم المستعار له، والمستعار منه؟ ما هي الاستعارة المرشحة؟ ما هي الاستعارة المجردة؟ ما هي الاستعارة المطلقة؟ كم قسمًا للاستعارة باعتبار إمكان اجتماع طرفيها في شيء؟ ما هي الاستعارة الوفاقية؟ ما هي الاستعارة العنادية؟ كم قسمًا للاستعارة باعتبار الجامع؟ ما هي العامية؟ ما هي الخاصية؟ ما هي التمليحية؟ ما هي التهكمية؟ ما مثال الحسيين والجامع حسي؟ ما مثال الطرفين الحسيين والجامع عقلي؟ ما مثال الطرفين العقليين والجامع عقلي؟ ما مثال المستعار منه الحسي والمستعار له العقلي؟ ما مثال المستعار منه العقلي والمستعار الحسي؟ ما هي الاستعارة بالكناية عند الجمهور؟ ما هي الاستعارة بالكناية عند السكاكي؟ ما هي الاستعارة بالكناية عند الخطيب؟ كم قسمًا للاستعارة بالكناية؟ ما هي المكنية الأصلية؟ ما هي المكنية التبعية؟ ما هي الاستعارة التخييلية عند الجمهور؟ لِمَ سميت استعارة؟ لِمَ سميت تخييلية؟ ما هي الاستعارة المكنية المرشحة؟ ما هي الاستعارة المكنية المجردة؟ ما هي الاستعارة المكنية المطلقة؟ كم قسمًا للمكنية باعتبار إمكان اجتماع طرفيها في شيء؟ ما هي العنادية؟ ما هي الوفاقية؟ ما هو المجاز المركب؟ ما هي الاستعارة التمثيلية؟ ما هو المجاز المركب بالاستعارة؟ ما هي محسنات الاستعارة؟

تمرين آخر على كيفية إجراء الاستعارات

(١) فسمونا والفجر يضحك في الشرقإلينا مبشرًا بالصباح
(٢) عضنا الدهر بنابهليت ما حلَّ بنا به
(٣) لسنا وإن أحسابنا كرمتيومًا على الأحساب نتكلُ
(٤) دقات قلب المرء قائلة لهإن الحياة دقائق وثوان
للشاعر أحمد شوقي، من قصيدة «المشرقان عليك ينتحبان»
(٥) بكت لؤلؤًا رطبًا ففاضت مدامعيعقيقًا فصار الكل في نحرها عقدا
للشاعر ابن أبي حصينة، اقرأ القصيدة
(٦) إن التباعد لا يضرإذا تقاربت القلوب
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة

(٧) ذم أعرابي رجلًا فقال: يقطع نهاره بالمنى، ويتوسَّد ذراع الهمِّ إذا أمسى.

(٨) قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهمطاروا إليه زرافات ووحدانا
للشاعر قريط بن أنيف العنبري، من قصيدة «لو كنت من مازن لم تستبح إبلي»
(٩) جاء الشتاء واجثأل القُبِّرُوطلعت شمس عليها مغفر
(١٠) سأبكيك للدنيا وللدين إنأبت يد المعروف بعدك شلت
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «سأبكيك للدنيا وللدين إنني»

(١١) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ .

(١٢) سقاه الردى سيف إذا سُل أو مضتإليه ثنايا الموت من كل مرقد

(١٣) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ .

(١٤) إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ .

(١٥) فتًى كلما فاضت عيون قبيلةدمًا ضحكت عنه الأحاديث والذكر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»

(١) شبه الفجر بإنسان يبتسم، فتظهر أسنانه مضيئة لامعة، والقدر المشترك بينهما «البريق واللمعان»، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، ثم حذف المشبه، وأشار إليه بشيء من لوازمه وهو الضحك على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات الضحك استعارة تخييلية.

(٢) شبه حوادث الدهر بالعض، بجامع التأثير والإيلام من كلٍّ، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، واشتق من العض وهو المصدر — عض بمعنى آلم — على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، وذكر الناب ترشيح.

(٣) في كلمة «على» استعارة تصريحية تبعية؛ فقد شبه مطلق ارتباط بين حسب وحسيب بمطلق ارتباط بين مستعلٍ ومستعلًى عليه، بجامع التمكن والاستقرار في كلٍّ، ثم استعيرت «على» من جزئي من جزئيات الأول لجزئي من جزئيات الثاني على سبيل الاستعارة التبعية التصريحية.

(٤) شبه الدلالة بالقول، بجامع إيضاح المراد في كلٍّ، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، واشتق من القول بمعنى الدلالة «قائل» بمعنى دالٍّ، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، والقرينة نسبة القول إلى الدقات.

(٦) شبه التواد ب «التقارب» بجامع الألفة في كل منهما، ثم استعير التقارب للتواد، واشتق منه تقارب بمعنى تواد، والقرينة كلمة القلوب، وهي استعارة مطلقة.

(٧) شبه المنى ب «سكين قاطع» بجامع الإجهاز وإنهاء المقطوع في كلٍّ، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، وحذفه، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو يقطع، على سبيل الاستعارة المكنية الأصلية المطلقة، ويقطع استعارة تخييلية.

وكذا شبَّه الهم ب «إنسان» واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، وحذفه، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الذراع على سبيل الاستعارة المكنية الأصلية المرشحة، والقرينة كلمة الذراع، ويتوسد ترشيح.

(٨) شبه الشر ب «أسد متحفز للوثوب» فيكشر عن أنيابه، بجامع الاستعداد للهجوم في كلٍّ، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، وحذفه، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الناجذان على طريق الاستعارة المكنية المرشحة، والقرينة كلمة ناجذيه، وكلمة أبدى ترشيح، ثم شبه مشيهم ب «الطيران» بجامع السرعة في كل منهما، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، واشتق من الطيران طار بمعنى أسرع، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية المطلقة، والقرينة إسناد الطيران إليهم.

(٩) شبه السحاب الذي يستر الشمس بالمغفر الذي يستر الرأس، بجامع التستر في كلٍّ، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية المطلقة، والقرينة كلمة شمس.

(١٠) المشبه المعروف بإنسان له يد تعطي، والجامع الإعطاء في كل منهما، وحذفه، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو اليد على سبيل الاستعارة المكنية الأصلية المرشحة، والقرينة كلمة يد، وهي الاستعارة التخييلية، وشلت ترشيح.

(١١) شبه تمكنه عليه الصلاة والسلام من الهدى والأخلاق الشريفة والثبوت عليها ب «تمكن مَن علا دابة يصرفها كيف شاء» بجامع التمكن والاستقرار في كل، فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات التي هي معاني الحروف، فاستعير لفظ «على» الموضوع للاستعلاء الحسي للارتباط والاستعلاء المعنوي على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.

(١٢) شبه لحاق الموت به ب «السقي» بجامع الوصول في كلٍّ، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، ثم اشتق من السَّقْي سَقَى على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، والقرينة على ذلك نسبة السقي إلى الردى، وأيضًا قد شبه الموت بإنسان له ثنايا يضحك منها فتلمع وتضيء، والجامع البريق واللمعان، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، ثم حذفه، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الثنايا، على سبيل الاستعارة المكنية الأصلية المرشحة، والثنايا استعارة تخييلية، وأومض ترشيح.

(١٣) شبه القصد إلى الشيء والتوجه له بالفراغ والخلوص من الشواغل، بجامع الاهتمام في كلٍّ، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، ثم اشتق من الفراغ بمعنى الخلو «تفرغ» على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، والقرينة حالية.

(١٤) في كلمة «في» استعارة تصريحية تبعية، فقد شُبهت «في» التي تدل على الارتباط «بفي» التي تدل على الظرفية، بجامع التمكن في كلٍّ، فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، فاستعيرت في من الثاني للأول على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، والقرينة على ذلك كلمة الضلال.

(١٥) شبه العيون بالنهر بجامع الصب الكثير في كل منهما، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، ثم حذفه، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو فاض، على سبيل الاستعارة الأصلية المكنية، وفاض قرينتها وهي الاستعارة التخييلية، وكذا شبه السرور والأريحية بالضحك بجامع ما تجده النفس عند كلٍّ من المسرة، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، ثم اشتق من الضحك بمعنى السرور ضَحِكَ بمعنى سُرَّ، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في المجاز

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.