من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
(١) بلاغة الكناية
الكناية مظهر من مظاهر البلاغة، وغاية لا يصل إليها إلا من لطف طبعه، وصفت قريحته، و«السر في بلاغتها» أنها في صور كثيرة تعطيك الحقيقة مصحوبة بدليلها، والقضية وفي طيها بُرهائها، كقول البحتري في المديح:
يغضون فضل اللحظ من حيث ما بدالهم عن مهيب في الصدور محبب
فإنه كنى عن إكبار الناس للممدوح، وهيبتهم إياه — بغض الأبصار الذي هو في الحقيقة برهان على الهيبة والإجلال، وتظهر هذه الخاصة جلية في الكنايات عن الصفة والنسبة.
ومن أسباب بلاغة الكنايات أنها تضع لك المعاني في صورة المحسوسات، ولا شك أن هذه خاصة الفنون، فإن المصور إذا رسم لك صورة للأمل أو لليأس بهرَك، وجعلك ترى ما كنت تعجز عن التعبير عنه واضحًا ملموسًا.
فمثل: «كثير الرماد» في الكناية عن الكرم، و«رسول الشر» في الكناية عن المزاح.
وقول البحتري:
أَوَما رأيت المجد ألقى رحلهفي آل طلحة ثم لم يتحوَّل
وذلك في الكناية عن نسبة الشرف إلى آل طلحة.
كل أولئك يبرز لك المعاني في صورة تشاهدها، وترتاح نفسك إليها.
ومن خواص الكناية أنها تمكنك من أن تشفي غلتك من خصمك من غير أن تجعل له إليك سبيلًا، ودون أن تخدش وجه الأدب، وهذا النوع يُسمى بالتعريض.
ومثاله قول المتنبي في قصيدة يمدح بها كافورًا، ويعرِّض بسيف الدولة:
رحلتُ فكم باكٍ بأجفان شادنعليَّ وكم باكٍ بأجفان ضيغم
وما ربة القُرط المليح مكانهبأجزع من رب الحسام المصمم
فلو كان ما بي من حبيب مقنععذرت ولكن من حبيب معمَّم
رمى واتقى رميي ومن دون ما اتقىهوى كاسر كفي وقوسي وأسهمي
إذا ساء فعلُ المرء ساءت ظنونهوصَدَّقَ ما يعتاده من توهم
فإنه كنى عن سيف الدولة أولًا بالحبيب المعمم، ثم وصفه بالغدر الذي يدعي أنه من شيمة النساء، ثم لامه على مبادهته بالعدوان، ثم رماه بالجبن؛ لأنه يرمي ويتقي الرمي بالاستتار خلف غيره. على أن المتنبي لا يُجازيه على الشر بمثله؛ لأنه لا يزال يحمل له بين جوانحه هوًى قديمًا، يكسر كفه وقوسه وأسهمه إذا حاول النضال.
ثم وصفه بأنه سيئ الظن بأصدقائه؛ لأنه سيئ الفعل، كثير الأوهام والظنون، حتى ليظن أن الناس جميعًا مثله في سوء الفعل، وضعف الوفاء، فانظر كيف نال المتنبي من سيف الدولة هذا النيل كله، من غير أن يذكر من اسمه حرفًا.
هذا؛ ومن أوضح مميزات الكناية التعبير عن القبيح بما تسيغ الآذان سماعه، وأمثلة ذلك كثيرة جدًّا في القرآن الكريم وكلام العرب؛ فقد كانوا لا يعبرون عما لا يحسن ذكره إلا بالكناية، وكانوا لشدة نخوتهم يكنون عن المرأة ب «البيضة، والشاة».
ومن بدائع الكنايات قول بعض العرب:
ألا يا نخلة من ذات عرقعليك ورحمة الله السلام
فإننه كنى بالنخلة عن المرأة التي يحبها. (عن البلاغة الواضحة بتصرف)
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع