فراق ومن فارقت غير مذمم
الشاعر: المتنبي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة عامة
«فراق ومن فارقت غير مذمم» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في 41 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة عامة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
فِراقٌ وَمَن فارَقتُ غَيرُ مُذَمَّمِ ... وَأَمٌّ وَمَن يَمَّمتُ خَيرُ مُيَمَّمِ
وَما مَنزِلُ اللَذّاتِ عِندي بِمَنزِلٍ ... إِذا لَم أُبَجَّل عِندَهُ وَأُكَرَّمِ
سَجِيَّةُ نَفسٍ ما تَزالُ مُليحَةً ... مِنَ الضَيمِ مَرمِيّاً بِها كُلُّ مَخرَمِ
رَحَلتُ فَكَم باكٍ بِأَجفانِ شادِنٍ ... عَلَيَّ وَكَم باكٍ بِأَجفانِ ضَيغَمِ
وَما رَبَّةُ القُرطِ المَليحِ مَكانُهُ ... بِأَجزَعَ مِن رَبِّ الحُسامِ المُصَمِّمِ
فَلَو كانَ ما بي مِن حَبيبٍ مُقَنَّعٍ ... عَذَرتُ وَلَكِن مِن حَبيبٍ مُعَمَّمِ
رَمى وَاِتَّقى رَميِي وَمِن دونِ ما اِتَّقى ... هَوىً كاسِرٌ كَفّي وَقَوسي وَأَسهُمي
إِذا ساءَ فِعلُ المَرءِ ساءَت ظُنونُهُ ... وَصَدَّقَ ما يَعتادُهُ مِن تَوَهُّمِ
وَعادى مُحِبّيهِ بِقَولِ عُداتِهِ ... وَأَصبَحَ في لَيلٍ مِنَ الشَكِّ مُظلِمِ
أُصادِقُ نَفسَ المَرءِ مِن قَبلِ جِسمِهِ ... وَأَعرِفُها في فِعلِهِ وَالتَكَلُّمِ
وَأَحلُمُ عَن خِلّي وَأَعلَمُ أَنَّهُ ... مَتى أَجزِهِ حِلماً عَلى الجَهلِ يَندَمِ
وَإِن بَذَلَ الإِنسانُ لي جودَ عابِسٍ ... جَزَيتُ بِجودِ التارِكِ المُتَبَسِّمِ
وَأَهوى مِنَ الفِتيانِ كُلَّ سَمَيذَعٍ ... نَجيبٍ كَصَدرِ السَمهَرِيِّ المُقَوَّمِ
خَطَت تَحتَهُ العيسُ الفَلاةَ وَخالَطَت ... بِهِ الخَيلُ كَبّاتِ الخَميسِ العَرَمرَمِ
وَلا عِفَّةٌ في سَيفِهِ وَسِنانِهِ ... وَلَكِنَّها في الكَفِّ وَالفَرجِ وَالفَمِ
وَما كُلُّ هاوٍ لِلجَميلِ بِفاعِلٍ ... وَلا كُلُّ فَعّالٍ لَهُ بِمُتَمِّمِ
فِدىً لِأَبي المِسكِ الكِرامُ فَإِنَّها ... سَوابِقُ خَيلٍ يَهتَدينَ بِأَدهَمِ
أَغَرَّ بِمَجدٍ قَد شَخَصنَ وَراءَهُ ... إِلى خُلُقٍ رَحبٍ وَخَلقٍ مُطَهَّمِ
إِذا مَنَعَت مِنكَ السِياسَةُ نَفسَها ... فَقِف وَقفَةً قُدّامَهُ تَتَعَلَّمِ
يَضيقُ عَلى مَن رائَهُ العُذرُ أَن يُرى ... ضَعيفَ المَساعي أَو قَليلَ التَكَرُّمِ
وَمَن مِثلُ كافورٍ إِذا الخَيلُ أَحجَمَت ... وَكانَ قَليلاً مَن يَقولُ لَها اِقدُمي
شَديدُ ثَباتِ الطَرفِ وَالنَقعُ واصِلٌ ... إِلى لَهَواتِ الفارِسِ المُتَلَثِّمِ
أَبا المِسكِ أَرجو مِنكَ نَصراً عَلى العِدا ... وَآمُلُ عِزّاً يَخضِبُ البيضَ بِالدَمِ
وَيَوماً يَغيظُ الحاسِدينَ وَحالَةً ... أُقيمُ الشَقا فيها مَقامَ التَنَعُّمِ
وَلَم أَرجُ إِلّا أَهلَ ذاكَ وَمَن يُرِد ... مَواطِرَ مِن غَيرِ السَحائِبِ يَظلِمِ
فَلَو لَم تَكُن في مِصرَ ما سِرتُ نَحوَها ... بِقَلبِ المَشوقِ المُستَهامِ المُتَيَّمِ
وَلا نَبَحَت خَيلي كِلابُ قَبائِلٍ ... كَأَنَّ بِها في اللَيلِ حَملاتِ دَيلَمِ
وَلا اِتَّبَعَت آثارَنا عَينُ قائِفٍ ... فَلَم تَرَ إِلّا حافِراً فَوقَ مَنسِمِ
وَسَمنا بِها البَيداءَ حَتّى تَغَمَّرَت ... مِنَ النيلِ وَاِستَذرَت بِظِلِّ المُقَطَّمِ
وَأَبلَخَ يَعصي بِاِختِصاصي مُشيرَهُ ... عَصَيتُ بِقَصديهِ مُشيري وَلوَّمي
فَساقَ إِلَيَّ العُرفَ غَيرَ مُكَدَّرٍ ... وَسُقتُ إِلَيهِ الشُكرَ غَيرَ مُجَمجَمِ
قَدِ اِختَرتُكَ الأَملاكَ فَاِختَر لَهُم بِنا ... حَديثاً وَقَد حَكَّمتُ رَأيَكَ فَاِحكُمِ
فَأَحسَنُ وَجهٍ في الوَرى وَجهُ مُحسِنٍ ... وَأَيمَنُ كَفٍّ فيهِمُ كَفُّ مُنعِمِ
وَأَشرَفُهُم مَن كانَ أَشرَفَ هِمَّةً ... وَأَكبَرَ إِقداماً عَلى كُلِّ مُعظَمِ
لِمَن تَطلُبُ الدُنيا إِذا لَم تُرِد بِها ... سُرورَ مُحِبٍّ أَو إِساءَةَ مُجرِمِ
وَقَد وَصَلَ المُهرُ الَّذي فَوقَ فَخذِهِ ... مِنِ اِسمِكِ ما في كُلِّ عُنقٍ وَمِعصَمِ
لَكَ الحَيَوانُ الراكِبُ الخَيلَ كُلُّهُ ... وَإِن كانَ بِالنيرانِ غَيرَ مُوَسَّمِ
وَلَو كُنتُ أَدري كَم حَياتي قَسَمتُها ... وَصَيَّرتُ ثُلثَيها اِنتِظارَكَ فَاِعلَمِ
وَلَكِنَّ ما يَمضي مِنَ العُمرِ فائِتٌ ... فَجُد لي بِحَظِّ البادِرِ المُتَغَنِّمِ
رَضيتُ بِما تَرضى بِهِ لي مَحَبَّةً ... وَقُدتُ إِلَيكَ النَفسَ قَودَ المُسَلِّمِ
وَمِثلُكَ مَن كانَ الوَسيطَ فُؤادُهُ ... فَكَلَّمَهُ عَنّي وَلَم أَتَكَلَّمِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
من شروح القرّاء
المرء إذا لَؤُمَ طبعه وساءت أفعاله، ساءت لذلك ظنونه بالناس، وتوهّم السوء في كل شيء، وكلّما وقع أمامه شيء من أحد توهّمه إيقاعا به، لأنّه كثير المساوئ يترقّب الشر ويتوجّس خيفةً من كل شيء.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- القرط: قرط: القُرْطُ: الشَّنْف، وَقِيلَ: الشَّنْفُ فِي أَعْلى الأُذن والقُرْط فِي أَسفلها، وَقِيلَ: القُرْط الَّذِي يعلَّق فِي شَحْمَةِ الأُذن، وَالْجَمْعُ أَقْراط وقِراط وقُروط وقِرَطة. وَفِي الْحَدِيثِ: مَا يَمْنَعُ إِحْداكنّ … (لسان العرب)
- المصمم: صمم: الصَّمَمُ: انْسِدادُ الأُذن وثِقَلُ السَّمْعِ. صَمَّ يَصَمُّ وصَمِمَ، بِإِظْهَارِ التَّضْعِيفِ نادرٌ، صَمّاً وصمَماً وأَصَمَّ وأَصَمَّهُ اللهُ فصَمَّ وأَصَمَّ أَيْضًا بِمَعْنَى صَمَّ؛ قَالَ الْكُمَيْتُ: أَشَيْخاً، ك … (لسان العرب)
- المليح: ليح: اللَّيَاحُ واللِّياحُ: الثَّوْرُ الأَبيض. وَيُقَالُ لِلصُّبْحِ أَيضاً: لَياحٌ [لِياحٌ]، وَيُبَالَغُ فِيهِ فَيُقَالُ: أَبيضُ لِياحٌ [لَياحٌ]، قَالَ الْفَارِسِيُّ: أَصل هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْوَاوُ، وَلَكِنَّهَا شَذَّت … (لسان العرب)
- بمنزل: نزل: النُّزُول: الْحُلُولُ، وَقَدْ نَزَلَهم ونَزَلَ عَلَيْهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ يَنْزل نُزُولًا ومَنْزَلًا ومَنْزِلًا، بِالْكَسْرِ شَاذٌّ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ: أَإِنْ ذَكَّرَتْك الدارَ مَنْزِلُها [مَنْزَلُها] جُمْلُ أَراد: أَإِ … (لسان العرب)
- رميي: رمي: اللَّيْثُ: رَمى يَرْمِي رَمْياً فَهُوَ رامٍ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى؛ قَالَ أَبو إِسْحَاقَ: لَيْسَ هَذَا نَفْيَ رَمْيِ النبي، ﷺ، وَلَكِنَّ الْعَرَبَ خُوطِبَت … (لسان العرب)
- شادن: شدن: شَدَنَ الصبيُّ والخِشْفُ وجميعُ ولدِ الظِّلْفِ والخُفِّ والحافِر يَشْدُنُ شُدُوناً: قَوِيَ وَصَلَحَ جِسْمُهُ وتَرَعْرَعَ ومَلَكَ أُمَّه فَمَشَى مَعَهَا. وَيُقَالُ للمُهْر أَيضاً: قَدْ شَدَن، فإِذا أَفردت الشادِنَ فَ … (لسان العرب)
- ضيغم: ضغم: الضَّغْم: العَضُّ غَيْرُ النَّهْشِ. ضَغَم بِهِ يَضْغَم ضَغْماً وضَغَمَه: عَضَّ عَضّاً دُونَ النَّهْشِ، وَقِيلَ: هُوَ أَن يملأَ فمَه مِمَّا أَهْوى إِلَيْهِ؛ وأَنشد سِيبَوَيْهِ: وَقَدْ جَعَلَتْ نَفْسِي تطيبُ لضَغْمَةٍ … (لسان العرب)