من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
(٢) المبحث الثاني: في كيفية إلقاء المتكلم الخبر للمخاطب
حيث كان الغرض من الكلام الإفصاح والإظهار يجب أن يكون المتكلم مع المخاطب كالطبيب مع المريض، يشخِّص حالته، ويُعطيه ما يُناسبها.
أولًا: أن يكون المخاطب خالي الذهن من الخبر، غير متردد فيه، ولا منكر له، وفي هذه الحال لا يُؤكد له الكلام؛ لعدم الحاجة إلى التوكيد، نحو قوله تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . ويُسمى هذا الضرب من الخبر «ابتدائيًّا» ويُستعمل هذا الضرب حين يكون المخاطب خالي الذهن من مدلول الخبر؛ فيتمكن فيه لمصادفته إيَّاه خاليًا.
ثانيًا: أن يكون المخاطب مترددًا في الخبر، طالبًا الوصول لمعرفته، والوقوف على حقيقته، فيُستحسن تأكيد الكلام المُلْقَى إليه؛ تقوية للحكم؛ ليتمكن من نفسه، ويطرح الخلاف وراء ظهره، نحو: إنَّ الأمير منتصر.
ويُسمَّى هذا الضرب من الخبر «طلبيًّا» ويؤتى بالخبر من هذا الضرب حين يكون المخاطب شاكًّا في مدلول الخبر، طالبًا التثبت من صدقه.
ثالثًا: أن يكون المخاطب منكرًا للخبر الذي يُراد إلقاؤه إليه، معتقدًا خلافه، تأكيد الكلام له بمؤكد أو مؤكدين أو أكثر، على حسب حاله من الإنكار قوةً وضعفًا، نحو: إنَّ أخاك قادم، أو: إنَّه لقادم، أو: والله إنَّه لقادم، أو: لعمري إنَّ الحق يعلو ولا يُعلى عليه.
ويُسمَّى هذا الضرب من الخبر «إنكاريًّا» ويُؤتى بالخبر من هذا الضرب حين يكون المخاطب منكرًا.
واعلم أنه كما يكون التأكيد في الإثبات يكون في النفي أيضًا، نحو: ما المقتصد بمفتقر، ونحو: والله ما المستشير بنادم.
تنبيهات
الأول: لتوكيد الخبر أدوات كثيرة، وأشهرها: إنَّ، وأنَّ، ولام الابتداء، وأحرف التنبيه، والقسم، ونونا التوكيد، والحروف الزائدة ک «تفَعَّل واستفعل» والتكرار، وقد، وأمَّا الشرطيَّة، وإنَّما، واسمية الجملة، وضمير الفصل، وتقديم الفاعل المعنوي.
(١) منها: تنزيل العالم بفائدة الخبر، أو لازمها، أو بهما معًا — منزلة الجاهل بذلك؛ لعدم جريهِ على موجب عِلمه، فيُلقَى إليه الخبر كما يُلقى إلى الجاهل به، كقولك لمن يعلم وجوب الصلاة وهو لا يُصلي: «الصلاة واجبة.» توبيخًا على عدم عمله بمقتضى علمه، وكقولك لمن يُؤذي أباه: هذا أبوك.
(٢) ومنها تنزيل خالي الذهن منزلة السائل المتردد، إذا تقدَّم في الكلام ما يُشير إلى حُكم الخبر، كقوله سبحانه وتعالى: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ فمدخول إنَّ مؤكد لمضمون ما تقدمه؛ لإشعاره بالتردد فيما تضمنه مدخولها، وكقوله سبحانه وتعالى: وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ لما أمر المولى «نوحًا» أولًا بصنع الفلك، ونهاه ثانيًا عن مخاطبته بالشفاعة فيهم، صار — مع كونه غير سائل — في مقام السائل المتردد. هل حكم الله عليهم بالإغراق؟ فأجيب بقوله: إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ .
(٣) ومنها: تنزيل غير المنكر منزلة المنكر إذا ظهر عليه شيء من أمارات الإنكار، كقول حَجَل بن نَضْلة القيسي (من أولاد عم شَقيق):
جاء شَقيق عارضًا رمحهإن بني عمك فيهم رماح
«فشَقيق» رجل لا ينكر رماح بني عمه، ولكن مجيئه على صورة المعجب بشجاعته، واضعًا رمحه على فخذيه بالعرض وهو راكب أو حاملًا له عرضًا على كتفه في جهة العدو بدون اكتراثه به — بمنزلة إنكاره أن لبني عمه رماحًا، ولن يجد منهم مقاومًا له كأنهم كلهم في نظره عُزْلٌ، ليس مع أحد منهم رمح.
فأكد له الكلام؛ استهزاءً به، خوطب خطاب التفات بعد غيبة؛ تهكمًا به، ورميًا له بالنزق وخرق الرأي.
(٤) ومنها تنزيل المتردد منزلة الخالي، كقولك للمتردد في قدوم مسافر مع شهرته: «قدم الأمير.»
(٥) ومنها تنزيل المتردد منزلة المنكر، كقولك للسائل المستبعد لحصول الفرج: «إنَّ الفرج لقريب.»
(٦) ومنها تنزيل المنكر منزلة الخالي، إذا كان لديه دلائل وشواهد لو تأملها لارتدع وزال إنكاره، كقوله تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ، وكقولك لمن يُنكر منفعة الطب: «الطب نافع.»
(٧) ومنها تنزيل المنكر منزلة المتردد، كقولك لمن يُنكر «شرف الأدب» إنكارًا ضعيفًا: «إنَّ الجاه بالمال إنَّما يصحبك ما صحبك المال، وأما الجاه بالأدب فإنه غير زائل عنك.»
الثالث: قد يؤكد الخبر لشرف الحكم وتقويته، مع أنه ليس فيه تردد ولا إنكار، كقولك في افتتاح كلام: «إنَّ أفضل ما نطق به اللسان كذا.»
تدريب
بيِّن أغراض الخبر والمقاصد منه فيما يأتي:
(١) قومي هُمُو قتلوا أُمَيْمَ أخيفإذا رَمَيْتُ يُصيبني سهمي
(٢) قد كنت عُدَّتي التي أسطو بهاويدي إذا اشتد الزمان وساعدي
(٣) أبا المسك أرجو منك نصرًا على العدىوآمل عزًّا يخضب البيض بالدم
(٤) كفى بجسمي نُحولًا أنني رجللولا مخاطبتي إياك لم ترني
(٥) وأنت الذي ربيت ذا الملك مرضعًاوليس له أم سواك ولا أبُ
(٦) ذهب الذين يُعاش في أكنافهموبقيتُ في خلف كجِلد الأجرب
(٧) إن كان لا يرجوك إلا محسنفبمن يلوذ ويستجير المجرم
أدعوكَ ربِّ كما أَمَرْتَ تضرعًافإذا رددتَ يدي فمَن ذا يَرْحَمُ
(٨) ظمئتُ وفي فمي الأدبُ المصفَّىوضِعْتُ وفي يدي الكنز الشين
(١) إظهار الحسرة على موت أخيه بيد من قرابته.
(٢) إظهار الضعف لكونه أصبح بلا معين.
(٣) الاسترحام بطلب المساعدة وشد الأزر.
(٤) إظهار الضعف بأن نحوله صيره إلى ما وصف.
(٥) إفادة المخاطب أن المتكلم عالم بقصته وسابق أعماله، فالغرض لازم الفائدة.
(٦) الحسرة لفقد ذوي المروءة والمصير إلى لئام لا خير فيهم.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع