١مَلومُكُما يَجِلُّ عَنِ المَلامِ
وَوَقعُ فَعالِهِ فَوقَ الكَلامِ
الواحدي: يقول لصاحبيه اللذين يلومانه على الأخطار بنفسه وتجشم الأسفار في طلب المعالي ملومكما يعني نفسه أجل من أن يلام لأن فعله جاز طوق القول فلا يدرك فعله بالوصف والقول لأنه لا مطمع للائمٍ فيه بان يطيعه أو يخدعه هو بلومه
٢ذَراني وَالفَلاةُ بِلا دَليلٍ
وَوَجهي وَالهَجيرَ بِلا لِثامِ
الواحدي: الفلاة والهجير ينتصبان لأنهما مفعولٌ معهما يقول ذراني مع الفلاة فإني أسلكها بغير دليل لأهتدائي فيها وذراني مع الهجير أسير فيه بغير لثام على وجهي لاعتيادي ذلك
العكبري: الْإِعْرَاب نصب الفلاة والهجير لِأَنَّهُمَا مفعولان مَعَهُمَا أَي اتركاني مَعَ الفلاة والهجير الْغَرِيب الفلاة الأَرْض الْبَعِيدَة عَن المَاء والهجير شدَّة الْحر واللثام مَا يستر بِهِ الْوَجْه الْمَعْنى يَقُول اتركاني مَعَ الفلاة فَإِنِّي أسلكها بِغَيْر دَلِيل لاهتدائي فِيهَا وذراني مَعَ الهجير أَسِير فِيهِ بِغَيْر لثام على وَجْهي لِأَنِّي قد اعْتدت ذَلِك
٣فَإِنّي أَستَريحُ بِذي وَهَذا
وَأَتعَبُ بِالإِناخَةِ وَالمُقامِ
الواحدي: يعني بالفلاة والهجير يقول راحتي فيهما وتعبي في النزول والإقامة
العكبري: الْمَعْنى يَقُول أَنا أستريح بالفلاة والهجير وراحتي فيهمَا وتعبي فِي النُّزُول وَالْمقَام وَأَنا أستريح بِهَذَيْنِ اللَّذين قد تعودتهما
٤عُيونُ رَواحِلي إِن حُرتُ عَيني
وَكُلُّ بُغامِ رازِحَةٍ بُغامي
الواحدي: قال ابن جنى معناه إن حارت عيني فأنا بهيمةٌ مثلهن وعيني عينها وصوتي صوتها كما تقول إن فعلت كذا فأنت حمار وأنت بلا حاسة وزاد ابن فورجة لهذا بيانا فقال يريد أنه بدوي عارف بدلالات النجوم بالليل فيقول إن تحيرت في المفازة فعيني البصيرة عين راحلتي ومنطقي الفصيح بغامها وقال غيرهما عيون رواحلي تنوب عن عيني إذا ضللت فأهتدي بها وصوتها إذا احتجت إلى أن أصوت ليسمع الحي ليقوم مقام صوتي وإنما قال بغامي على الاستعارة
العكبري: الْغَرِيب حرت تحيرت والبغام صَوت النَّاقة للتعب بغمت تبغم بِالْكَسْرِ وَهُوَ صَوت لَا يفصح بِهِ والرازح من الْإِبِل الْهَالِك هزالًا وَقد رزحت النَّاقة ترزح رزوحا ورزاحا سَقَطت من الإعياء هزالًا ورزحتها أَنا ترزيحا. الْمَعْنى أَنه شبه نَفسه فِي التحير بالبهيمة لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي أَيْن تذْهب وَهُوَ كَذَلِك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح إِن حارت عَيْني فَأَنا بَهِيمَة عَيْني عينهَا وصوتي صَوتهَا كَمَا تَقول إِن فعلت هَذَا فَأَنا حمَار وَقَالَ ابْن فورجة يُرِيد أَنه بدوي عَارِف بدلالات النُّجُوم بِاللَّيْلِ فَيَقُول إِن تحيرت فِي الْمَفَازَة بعيني البصيرة عين رَاحِلَتي ومنطقي الفصيح بغامها وَقَالَ الْخَطِيب عُيُون رواحلي تنوب عني إِذا ضللت اهْتَدَى بهَا وصوتها إِذا احتجت إِلَى أَن أصوت ليسمع الْحَيّ يقوم مقَام صوتي وَإِنَّمَا قَالَ بغامي على الِاسْتِعَارَة
٥فَقَد أَرِدُ المِياهَ بِغَيرِ هادٍ
سِوى عَدّي لَها بَرقَ الغَمامِ
الواحدي: يقول لا احتاج في ورود الماء إلى دليل يدلني سوى أن أعد برق الغمام فأتبعه قال يعقوب العرب إذا عدت للسحابة مائة برقةٍ لم تشكك في أنها ماطرة فتتبعها على الثقة بالمطر
العكبري: الْغَرِيب قَالَ ابْن السّكيت الْعَرَب إِذا عدت للسحاب مائَة برقة لم تشك فِي أَنَّهَا ماطرة قد سقت فتتبعها على الثِّقَة بالمطر وَقَالَ الْخَطِيب قَالَ ابْن الْأَعرَابِي فِي النَّوَادِر الْعَرَب كَانُوا إِذا لَاحَ الْبَرْق عدوا سبعين برقة فَإِذا كملت وثقوا بِأَنَّهُ برق ماطر فرحلوا يطْلبُونَ مَوضِع الْغَيْث وَأنْشد عمر بن الْأَعْوَر (سقى اللهُ جِيرَانا حَمِدْتُ جوَارِهمْ ... كراما إِذا عُدُّوا وَفَوْقَ كرَامِ) (يَعدُّونَ بَرْقَ المُزْنِ قي كلّ مَهْمَةٍ ... فَمَا رِزْقُهُمْ إلَاّ بُرُوقُ غَمامِ) الْمَعْنى يَقُول لَا أحتاج فِي وُرُود المَاء إِلَى دَلِيل يدلني سوى أَن أعد برق الْغَمَام فَأتبعهُ كعادة الْعَرَب فِي عدهَا بروق الْغَمَام
٦يُذِمُّ لِمُهجَتي رَبّي وَسَيفي
إِذا اِحتاجَ الوَحيدُ إِلى الذِمامِ
الواحدي: يقول من احتاج في سفره إلى جوارْ وعهدٍ ليأمن بذلك فأنا في جوار الله وجوار سيفي لا استصحب أحداً في سفري لآمن بصحبته
العكبري: الْغَرِيب الذمام الْعَهْد والخفارة الْمَعْنى يَقُول من احْتَاجَ فِي السّفر إِلَى ذمام وَجوَار وَعبد ليأمن بذلك فَأَنا فِي جوَار الله وَجوَار سَيفي يُرِيد أَنه لَا يصحب أحدا فِي سَفَره
٧وَلا أُمسي لِأَهلِ البُخلِ ضَيفاً
وَلَيسَ قِرىً سِوى مُخِّ النِعامِ
الواحدي: يقول لا أكون ضيفا للبخيل وإن لم يكن لي طعام البتة لأنه لا مخ للنعام ويجوز أن يريد بهذا إن البخيل لا قرى عنده ويروي مح بالحاء والمعنى لو لم يكن لي قرى سوى بيض النعام شربته ولم آت بخيلا
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَا أمسي ضيفا لبخيل وَإِن لم أجد زادا أَلْبَتَّة لِأَنَّهُ لَا مخ للنعام وَيجوز أَن يُرِيد بِهَذَا أَن الْبَخِيل لَا قرى عِنْده ويروي مح بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْمعْنَى لَو لم يكن لي قرى إِلَّا بيض النعام شربته وَلم آتٍ بَخِيلًا أتضيف بِهِ
٨فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً
جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ
العكبري: الْغَرِيب الخب الْمَكْر والود الْحبّ والصداقة الْمَعْنى يَقُول لما صَار ود النَّاس غير صَادِق صرت كأحدهم أفعل بهم كَمَا يَفْعَلُونَ فَإِذا تبسموا إِلَيّ تبسمت لَهُم
٩وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ
لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنامِ
الواحدي: ولما صار ود الناس خبا ... جزيت على ابتسامٍ بابتسامِ يقول لما فسد ود الناس عاملتهم بمثل ما يعاملونني به أي يكاشرونني واكاشرهم وصرت أشك فيمن أصطفيه لعلمي أنه بعض الأنامِ يقول لعموم الفساد في الخلق كلهم إذا اخترت أحدا للمودة لم أكن على ثقةٍ من مودته لعلمي أنه من جملة الخلق
١٠يُحِبُّ العاقِلونَ عَلى التَصافي
وَحُبُّ الجاهِلينَ عَلى الوَسامِ
الواحدي: يقول العاقل إنما يحب من يحبه على صفاء الود فمن اصفى له الود أحبه والجاهل يحب على كمال الصورة وجمالها وذلك حب الجهال لأنه ليس كل جميل المنظر يستحق المحبة كخضراء الدمن رائق اللون وبي المذاق
العكبري: الْغَرِيب الوسام والوسامة الْحسن وسم يوسم وسامة ووساما الْمَعْنى يَقُول الْعَاقِل إِنَّمَا يحب من يُحِبهُ على صفاء الود فَمن أصفى لَهُ الود أحبه وَالْجَاهِل يحب على جمال الصُّورَة وَذَلِكَ حب الْجُهَّال لِأَنَّهُ لَيْسَ كل جميل المنظر يسْتَحق الْمحبَّة كخضراء الدمن رائق اللَّوْن وَبِي المذاق
١١وَآنَفُ مِن أَخي لِأَبي وَأُمّي
إِذا ما لَم أَجِدهُ مِنَ الكِرامِ
العكبري: الْغَرِيب آنف أستنكف الْمَعْنى يَقُول أبْغض البخلاء وَأحب الْكِرَام حَتَّى أبْغض أخي إِذا لم أَجِدهُ كَرِيمًا
١٢أَرى الأَجدادَ تَغلِبُها كَثيراً
عَلى الأَولادِ أَخلاقُ اللِئامِ
الواحدي: يقول خلق اللئيم قد يغلب الأصل الطيب حتى يكون صاحبه لئيما وإن كان من أصل كريم كما قال آخر، أبوك أب حر وأمك حرة، وقد يلد الحران غير نجيبِ، وقال آخر، لئن فخرت بآباء لهم شرف، لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا،
١٣وَلَستُ بِقانِعٍ مِن كُلِّ فَضلٍ
بِأَن أُعزى إِلى جَدٍّ هُمامِ
الواحدي: يقول لا أقنع من الفضل بأن أنسب إلى جد فاضل يعني إذا لم أكن فاضلا بنفسي لم يغن عني فضل جدي
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَا أقنع من الْفضل بِأَن أنسب إِلَى جد فَاضل إِذا لم أكن فَاضلا بنفسي وَلم يغن عني فضل جدي وَهُوَ من قَول البحتري (وَعَدلهُمُ عَنْ آخِرِ المَجْدِ غالبٌ ... فأفْعالهُمْ تَحْذُو قَديِمَ المناصِبِ)
١٤عَجِبتُ لِمَن لَهُ قَدٌّ وَحَدٌّ
وَيَنبو نَبوَةَ القَضِمِ الكَهامِ
الواحدي: القضم السيف الذي فيه فلول والكهام الذي لا يقطع يقول عجبت لمن له قد الرجال وحد النصال ثم لا ينفذ في الأمور ولا يكون ماضيا
العكبري: الْغَرِيب القضم بِالسَّيْفِ المفلل وَفِيه قضم وينبو يرْتَفع الْمَعْنى يَقُول عجبت لمن لَهُ حد النصل وَقد الرِّجَال ثمَّ لَا ينفذ فِي الْأُمُور وَلَا يكون مَاضِيا والكهال الَّذِي لَا يقطع الْمَعْنى يَقُول عجبت لمن وجد الطَّرِيق إِلَيّ معالي الْأُمُور فَلَا يقطع إِلَيْهَا الطَّرِيق وَلَا يتعب مطاياه فِي ذَلِك الطَّرِيق حَتَّى تذْهب أسنمتها
١٥وَمَن يَجِدُ الطَريقَ إِلى المَعالي
فَلا يَذَرُ المَطِيَّ بِلا سَنامِ
الواحدي: وعجبت لمن وجد الطريق إلى معالي الأمور فلا يقطع إليها الطريق ولايتعب مطاياه في ذلك الطريق حتى تذهب أسنمتها
١٦وَلَم أَرَ في عُيوبِ الناسِ شَيئاً
كَنَقصِ القادِرينَ عَلى التَمامِ
الواحدي: ولا عيب أبلغ من عيب من قدر أن يكون كاملا في الفضل فلم يكمل أي لا عذر له في ترك الكمال إذا قدر على ذلك ثم تركه والعيب الزم له من الناقص الذي لا يقدر على الكمال
١٧وَمَلَّنِيَ الفِراشُ وَكانَ جَنبي
يَمَلُّ لِقاءَهُ في كُلِّ عامِ
الواحدي: يقول إن مرضه قد طال حتى مله الفراش وكان هو يمل الفراش وإن لاقاه جنبه في العام مرة واحدة لأنه أبدا كان يكون في السفر
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِن مَرضه قد طَال حَتَّى مله الْفراش وَإِن لاقاه جنبه فِي الْعَام مرّة وَاحِدَة لِأَنَّهُ أبدا كَانَ فِي السّفر
١٨قَليلٌ عائِدي سَقِمٌ فُؤادي
كَثيرٌ حاسِدي صَعبٌ مَرامي
الواحدي: أي أني بها غريب فليس يعودني بها إلا القليل من الناس وفؤادي سقيم لتراكم الأحزان عليه وحسادي كثير لوفور فضلي ومرامي صعب لأني أطلب الملك
العكبري: الْمَعْنى يَقُول قَلِيل عائدي لِأَنِّي غَرِيب لم يعدني أحد إِلَّا قَلِيل من النَّاس وفؤادي سقيم لِكَثْرَة الأحزان وحسادي كثير لكثير فضلى ومطلبي صَعب لِأَنِّي أطلب الْملك
١٩عَليلُ الجِسمِ مُمتَنِعُ القِيامِ
شَديدُ السُكرِ مِن غَيرِ المُدامِ
العكبري: الْغَرِيب المدام الْخمر والمدام الْمَطَر الدَّائِم كَأَنَّهُ أَدِيم أَي أدامه الله الْمَعْنى يَقُول أَنا على هَذِه الْحَالة فِي الغربة عليل الْجِسْم عَاجز عَنَّ القِيَام سَكرَان من غير خمر بل من ضعف
٢٠وَزائِرَتي كَأَنَّ بِها حَياءً
فَلَيسَ تَزورُ إِلّا في الظَلامِ
الواحدي: يريد حمى كانت تأتيه ليلا يقول كأنها حيية إذ كانت لا تزورني إلا في ظلام الليل
٢١بَذَلتُ لَها المَطارِفَ وَالحَشايا
فَعافَتها وَباتَت في عِظامي
الواحدي: يقول هذه الزائرة يعني الحمى لا تبيت في الفراش وإنما تبيت في عظامي
العكبري: الْغَرِيب المطارف جمع مطرف وَهُوَ الَّذِي فِي جنبه علمَان والحشايا جمع حشية وَهُوَ مَا حشى من الْفرش مِمَّا يجلس عَلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول هَذِه الزائرة يَعْنِي بهَا الْحمى الَّتِي كَانَت تَأْخُذ فِي مصر لَا تبيت فِي الْفراش وَإِنَّمَا تبيت فِي عِظَامِي
٢٢يَضيقُ الجِلدُ عَن نَفسي وَعَنها
فَتوسِعُهُ بِأَنواعِ السِقامِ
الواحدي: يقول جلدي لا يسعها ولا يسع أنفاسي الصعداء والحمى تذهب لحمى وتوسع جلدي بما تورده عليّ من أنواع السقام
العكبري: الْمَعْنى يضيق جلدي فَلَا يَسعهَا وَلَا يسع أنفاسي الصعداء والحمى تذْهب لحمى فتوسع جلدي بِمَا تورده على من أَنْوَاع السقام
٢٣إِذا ما فارَقَتني غَسَّلَتني
كَأَنّا عاكِفانِ عَلى حَرامِ
الواحدي: يريد أنه يعرق عند فراقها فكأنها تغسله لعكوفهما على ما يوجب الغسل وإنما خص الحرام لحاجته إلى القافية وإلا فالاجتماع على الحلال كالاجتماع على الحرام في وجوب الغسل
العكبري: الْمَعْنى قَالَ الواحدي يُرِيد أَنه يعرق عِنْد فراقها فَكَأَنَّهَا تغسله لعكوفهما على مَا يُوجب الْغسْل وَإِنَّمَا خص الْحَرَام للقافية وَإِلَّا فالجماع على الْحَلَال كالجماع على الْحَرَام فِي وجوب الْغسْل وَقَالَ ابْن الشجري وَإِنَّمَا خص الْحَرَام لِأَنَّهُ جعلهَا زائرة غَرِيبَة وَلم يَجْعَلهَا زَوْجَة وَلَا مَمْلُوكَة
٢٤كَأَنَّ الصُبحَ يَطرُدُها فَتَجري
مَدامِعُها بِأَربَعَةٍ سِجامِ
الواحدي: يعني أنها تفارقه عند الصبح فكأن الصبح يطردها وكأنها تكره فراقه فتبكي بأربعة آماق يريد كثرة الرحضاء والدمع يجري من المؤقين فإذا غلب وكثر جرى من اللحاظ أيضا فأراد بالأربعة لحاظين ومؤقين للعينين ولم يعرف ابن جنى هذا فقال أراد الغروب وهي مجاري الدمع والغروب لا تنحصر بأربعة سجام فحذف المضاف
العكبري: الْغَرِيب بأَرْبعَة سجام أَي ذَات سجام فَحذف وَأَرَادَ بالأربعة اللحاظين والموقين للعينين فَإِن الدمع يجْرِي من الموقين فَإِذا غلب وكثر جرى من اللحاظ أَيْضا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أَرَادَ الْغُرُوب وَهِي مجارى الدمع والغروب لَا تَنْحَصِر بأَرْبعَة الْمَعْنى يَقُول إِنَّهَا تفارق عِنْد الصُّبْح فَكَأَن الصُّبْح يطردها وَأَنَّهَا إِذا فارقته تجْرِي مدامعها من أَرْبَعَة سجام يُرِيد كَثْرَة الرحضاء وَهُوَ عرق الْحمى فَكَأَنَّهَا تبْكي عِنْد فِرَاقه محبَّة لَهُ
٢٥أُراقِبُ وَقتَها مِن غَيرِ شَوقٍ
مُراقَبَةَ المَشوقِ المُستَهامِ
الواحدي: وذلك أن المريض يجزع لورود الحمى فهو يراقب وقتها خوفا لا شوقا
العكبري: الْمَعْنى يَقُول أَنا أنْتَظر وَقت مجيئها كَمَا ينْتَظر المشوق مَجِيء حَبِيبه وَذَلِكَ أَن الْمَرِيض يجزع لوُرُود الْحمى فَهُوَ يراقب وَقتهَا خوفًا لَا شوقا
٢٦وَيَصدُقُ وَعدُها وَالصِدقُ شَرٌّ
إِذا أَلقاكَ في الكُرَبِ العِظامِ
الواحدي: يريد أنها صادقة الوعد في الورود وذلك الصدق شر من الكذب لأنه صدق يضر ولا ينفع كمن أوعد ثم صدق في وعيده
٢٧أَبِنتَ الدَهرِ عِندي كُلُّ بِنتٍ
فَكَيفَ وَصَلتِ أَنتِ مِنَ الزِحامِ
الواحدي: يريد ببنت الدهر الحمى وبنات الدهر شدائده يقول يا حماي عندي كل شديدة فكيف وصلت إليّ وقد تزاحمت عليّ الشدائد ألم يمنعك زحامها من الوصول إليّ وهذا من قول الآخر، أتيت فؤادها أشكو إليه، فلم أخلص إليه من الزحام،
العكبري: الْغَرِيب يُرِيد ببنت الدَّهْر الْحمى وببنات الدَّهْر شدائده الْمَعْنى يَقُول للحمى عِنْدِي كل شَدِيدَة فَكيف وصلت إِلَيّ وَقد تزاحمت الشدائد عَليّ ألم يمنعك زحامها من الْوُصُول إِلَيّ وَهَذَا من قَول الآخر (أتَيْتُ فُؤَادَها أشْكُو إلَيْهِ ... فَلمْ أخْلُصْ إلَيْهِ منَ الزّحامِ)
٢٨جَرَحتِ مُجَرَّحاً لَم يَبقَ فيهِ
مَكانٌ لِلسُيوفِ وَلا السِهامِ
العكبري: الْمَعْنى يَقُول قد خرجت رجلا من كَثْرَة ملاقاته الحروب لم يبْق فِيهِ مَكَان لضرب السيوف وَلَا للسهام
٢٩أَلا يا لَيتَ شَعرَ يَدي أَتُمسي
تَصَرَّفُ في عِنانٍ أَو زِمامِ
الواحدي: يقول ليت يدي علمت هل تتصرف بعد هذا في عنان الفرس أو زمام الناقة والمعنى ليتني علمت هل أصح فأسافر على الخيل والإبل
العكبري: الْغَرِيب الْعَنَان للْفرس والزمام لِلْإِبِلِ الْمَعْنى يَقُول يَا لَيْت يَدي علمت هلت تصرف بعد هَذَا فِي عنان الْفرس أَو زِمَام الْإِبِل يَعْنِي لَيْتَني علمت هَل أصح فأسافر وأتصرف فِي أزمة الْإِبِل وأعنة الْخَيل
٣٠وَهَل أَرمي هَوايَ بِراقِصاتٍ
مُحَلّاةِ المَقاوِدِ بِاللُغامِ
الواحدي: يريد بالراقصات أبلا تسير للرقص وهو ضرب من الخبب يقول وهل أقصد ما أهواه من مطالبي ومقاصدي بإبلٍ تسير الرقص وقد حليت مقاودها وأزمنتها كما قال منصور النمري، من كل سمح الخطا وكل يعملةٍ، خرطومها باللغام الجعدِ ملتفعِ،
العكبري: الْغَرِيب الراقصات الْإِبِل تسير الرقص وَهُوَ ضرب من الخبب يُقَال رقص الْبَعِير رقصا إِذا خب واللغام زبد يخرج من فَم الْبَعِير أَبيض وَجمع لغام لغم الْمَعْنى يَقُول المقاود حليت من اللغام فَجعله لبياضه كالفضة وَهِي ترقص فِي سَيرهَا فَهَل أبلغ مرادي بسيرها وَهَذَا من قَول النميري (وَيَقْطَعُ البيدَ مِنْها كُلُّ يَعْمَلةٍ ... خُرْطُومُها بِاللغُّامِ الجَعْدِ مُلتفعُ)
٣١فَرُبَّتَما شَفَيتُ غَليلَ صَدري
بِسَيرٍ أَو قَناةٍ أَو حُسامِ
الواحدي: يريد حين كان صحيحا يسافر ويقاتل فيشفي غليله بالسير إلى ما يهواه وبالسيف والرمح
٣٢وَضاقَت خُطَّةٌ فَخَلَصتُ مِنها
خَلاصَ الخَمرِ مِن نَسجِ الفِدامِ
الواحدي: يقول ربما ضاق أمر عليَّ فكان خلاصي منه خلاص الخمر من النسج الذي تفدم به أفواه الأباريق لتصفية الخمر
العكبري: الْغَرِيب الْفِدَام شَيْء يَجْعَل على رُءُوس الأباريق الَّتِي يكون فِيهَا الْخمر الْمَعْنى يَقُول رُبمَا ضَاقَ أَمر عَليّ فَكَانَ خلاصي مِنْهُ خلاص الْخمر من النسج الَّذِي يشد على رَأس الإبريق لتصفية الْخمر
٣٣وَفارَقتُ الحَبيبَ بِلا وَداعٍ
وَوَدَّعتُ البِلادَ بِلا سَلامِ
الواحدي: أي وربما فارقت الحبيب بلا وداع يريد أنه قد هرب من أشياء كرهها دفعاتٍ فلم يقدر على توديع الحبيب ولا على أن يسلم على أهل ذلك البلد الذي هرب منه
العكبري: الْمَعْنى يَقُول رُبمَا فَارَقت الحبيب بِلَا وداع يُرِيد أَنه قد هرب من أَشْيَاء كرهها دفعات فَلم يقدر على توديع الحبيب ول أَن يسلم على أهل ذَلِك الْبَلَد الَّذِي هرب مِنْهُ
٣٤يَقولُ لي الطَبيبُ أَكَلتَ شَيئاً
وَداؤُكَ في شَرابِكَ وَالطَعامِ
الواحدي: أي الطبيب يظن أن سبب دائي الأكل والشرب فيقول كلت كذا وكذا مما يضر
العكبري: الْمَعْنى يَقُول الطَّبِيب يظنّ سَبَب دائي الْأكل وَالشرب فَيَقُول لي أكلت كَذَا وَكَذَا يَعْنِي مِمَّا يضر فسبب دائك الْأكل وَالشرب
٣٥وَما في طِبِّهِ أَنّي جَوادٌ
أَضَرَّ بِجِسمِهِ طولُ الجِمامِ
الواحدي: ليس في طب الطبيب أن الذي أضر بجسمي طول لبث وقعودي عن السفر كالفرس الجواد يضر بجسمه طول قيامه على الآري فيصير به جاماً والجمام ضد التعب
العكبري: الْغَرِيب الجمام أَن يتْرك الْفرس فَلَا يركب الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ فِي طب الطَّبِيب أَن الَّذِي أضرّ بِي وبجسمي طول لبثي وقعودي عَن السّفر كالفرس الْجواد يضر بجسمه طول قِيَامه فَيصير بِهِ مجموما والجمام ضد التَّعَب
٣٦تَعَوَّدَ أَن يُغَبِّرَ في السَرايا
وَيَدخُلَ مِن قَتامِ في قَتامِ
الواحدي: هذامن صفة الجواد يقول عادته أن يثير الغبار في العساكر ويدخل من هذه الحرب في أخرى والقتام الغبار وأراد بدخول القتام حضور الحرب
العكبري: الْغَرِيب القتام الْغُبَار والسرايا جمع سَرِيَّة وَهِي الَّتِي تسري إِلَى الْعَدو الْمَعْنى يَقُول تعود هَذَا الْجواد أَن يثير الْغُبَار فِي العساكر وَيدخل من هَذِه الْحَرْب إِلَى حَرْب أُخْرَى وَأَرَادَ بِدُخُول القتام حُضُور الْحَرْب
٣٧فَأُمسِكَ لا يُطالُ لَهُ فَيَرعى
وَلا هُوَ في العَليقِ وَلا اللِجامِ
الواحدي: أي أمسك هذا الجواد لا يرخى له الطول فيرعى فيه ولا هو في السفر فيعتلف من المخلاة التي تعلق على رأسه وليس وفي اللجام وهذا مثل ضربه لنفسه وأنه حليف للفراش ممنوع عن الحركة
العكبري: الْمَعْنى أمسك هَذَا الْجواد لَا يرخى لَهُ الطول فيرعى فِيهِ وَلَا هُوَ فِي السّفر فيعتلف من المخلاة وَلَيْسَ هُوَ فِي اللجام وَهَذَا مثل ضربه لنَفسِهِ وَأَنه حَلِيف الْفراش مَمْنُوع الْحَرَكَة ظَاهر الْكَلَام مُتَعَلق بِالْعِلَّةِ وَيجوز أَن يَعْنِي بِهِ كافورا إِذْ مَنعه إِيَّاه مِمَّا طلب من الْإِنْصَاف
٣٨فَإِن أَمرَض فَما مَرِضَ اِصطِباري
وَإِن أُحمَم فَما حُمَّ اِعتِزامي
الواحدي: أي أن مرضت في بدني فإن صبري وعزمي على ما كانا عليه من الصحة
٣٩وَإِن أَسلَم فَما أَبقى وَلَكِن
سَلِمتُ مِنَ الحِمامِ إِلى الحِمامِ
الواحدي: وأن أسلم من مرضي لم أبق خالدا ولكن سلمت من الموت بهذا المرض إلى الموت بمرضٍ وسببٍ آخر وهذا يقرب من قول طرفة، لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى، لكالطول المرخى وثنياه باليد، ومن قول الاخر، إذا بل من داء به خال أنه، نجا وبه الداء الذي هو قاتله،
العكبري: الْمَعْنى: يَقُول فَإِن أسلم من مرض لم أبق خَالِدا وَلَكِن سلمت من الْمَوْت بِهَذَا الْمَرَض إِلَى الْمَوْت بِمَرَض وَسبب آخر وَهُوَ كَقَوْل طرفَة (لعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ مَا أخْطَأ الفَتى ... لَكالطَّوَلِ المُرْخي وَثِنْياهُ بِاليَدِ) وكقول آخر (إِذا بُل مِنْ دَاء بِهِ خالَ أنَّهُ ... تَجاذَبَهُ الدَّاءُ الَّذِي هُوَ قاتِلُهُ)
٤٠تَمَتَّع مِن سُهادِ أَو رُقادٍ
وَلا تَأمُل كَرىً تَحتَ الرِجامِ
الواحدي: الرجام القبور المبنية من حجارة واحدها رجم يقول ما دمت حيا فتمتع من حالتي السهاد والنوم فلا ترج النوم في القبر
العكبري: الْغَرِيب الرجام القبور وَاحِدهَا رجم قَالَ كَعْب بن زُهَيْر (أَنا ابْنُ الذِي لمْ يُخْزِني فِي حَياتِهِ ... وَلمْ أُخْزِهِ لَمَّا تَغيَّبَ فِي الرَّجْمِ) وَأَصله حِجَارَة ضخام تجْعَل على الْقَبْر وَمِنْه قَول عبد الله بن مُغفل لَا ترجموا قَبْرِي يُرِيد لَا تجْعَلُوا عَلَيْهِ الرَّجْم أَي لَا تسنموه بل سوّوه بِالْأَرْضِ الْمَعْنى يَقُول مَا دمت حَيا تمتّع من حالتي النّوم والسهاد فَإنَّك لَا تنام فِي الْقَبْر وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر (تَمَتَّع بِالرُّقادِ عَلى شِمالٍ ... فنَوْمُكَ قَدْ يَطُولُ عَلى اليَمِينِ)
٤١فَإِنَّ لِثالِثِ الحالَينِ مَعنىً
سِوى مَعنى اِنتِباهِكَ وَالمَنامِ
الواحدي: يريد بثالث الحالين الموت يقول الموت غير اليقظة والرقاد فلا تظنن الموت نوما
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد بثالث الْحَالين الْمَوْت يَقُول الْمَوْت غير الْيَقَظَة والرقاد فَلَا تَظنن الْمَوْت نوما
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.