من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
(١-١) أثر علم البيان في تأدية المعاني
ظهر لك من دراسة علم البيان أن معنًى واحدًا يستطاع أداؤه بأساليب عدة، وطرائق مختلفة، وأنه قد يُوضع في صورة رائعة من صور التشبيه أو الاستعارة، أو المجاز المرسل، أو المجاز العقلي، أو الكناية؛ فقد يصف الشاعر إنسانًا بالكرم، فيقول:
يريد الملوك مدى جعفرولا يصنعون كما يصنع
وليس بأوسعهم في الغنىولكنَّ معروفه أوسع
وهذا كلام بليغ جدًّا، مع أنه لم يقصد فيه إلى تشبيه أو مجاز، وقد وصف الشاعر فيه ممدوحه بالكرم، وأن الملوك يريدون أن يبلغوا منزلته، ولكنهم لا يشترون الحمد بالمال كما يفعل، مع أنه ليس بأغنى منهم، ولا بأكثر مالًا.
وقد يعتمد الشاعر عند الوصف بالكريم إلى أسلوب آخر، فيقول:
كالبحر يقذف للقريب جواهرًاجودًا ويبعث للبعيد سحائبا
فيشبه الممدوح بالبحر، ويدفع بخيالك إلى أن يضاهي بين الممدوح والبحر الذي يقذف الدرر للقريب، ويرسل السحائب للبعيد.
أو يقول:
هو البحر من أي النواحي أتيتهفلجته المعروف والجود ساحله
فيدعي أنه البحر نفسه، وينكر التشبيه نكرانًا يدل على المبالغة، وادعاء المماثلة الكاملة.
أو يقول:
علا فما يستقر المال في يدهوكيف تمسك ماء قنة الجبل؟
فيرسل إليك التشبيه من طريق خفي؛ ليرتفع الكلام إلى مرتبة أعلى في البلاغة، وليجعل لك من «التشبيه الضمني» دليلًا على دعواه، فإنه ادعى أنه لعلو منزلته ينحدر المال من يديه، وأقام على ذلك برهانًا.
فقال: «وكيف تمسك ماء قنة الجبل؟»
أو يقول:
جرى النهر حتى خلته منك أنعُمًاتُساق بلا ضنٍّ وتُعطَى بلا منٍّ
فيقلب التشبيه؛ زيادة في المبالغة، وافتتانًا في أساليب الإجادة، ويشبه ماء النهر بنعم الممدوح بعد أن كان المألوف أن تُشبه النعم بالنهر الفياض.
أو يقول:
كأنه حين يعطي المال مبتسمًاصوب الغمامة تهمي وهي تأتلق
فيعمد إلى التشبيه المركب، ويعطيك صورة رائعة، تمثل لك حالة الممدح وهو يجود، وابتسامة السرور تعلو شفتيه.
أو يقول:
جادت يد الفتح والأنداء باخلةوذاب نائله والغيث قد جمدا
فيضاهي بين جود الممدوح والمطر، ويدعي أنَّ كرم ممدوحه لا ينقطع إذا انقطعت الأنواء، أو جمد القطر.
أو يقول:
قد قلت للغيم الركام ولَجَّ فيإبراقه وألحَّ في إرعاده
لا تعرضن لجعفر متشبهًابندى يديه فلست من أنداده
فيصرح لك في جلاء، وفي غير خشية — بتفضيل جود صاحبه على جود الغيم، ولا يكتفي بهذا، بل تراه ينهى السحاب في صورة تهديد أن يحاول التشبه بممدوحه؛ لأنه ليس من أمثاله ونظرائه.
أو يقول:
وأقبل يمشي في البساط فما درىإلى البحر يسعى أم إلى البدر يرتقي
يصف حال رسول الروم داخلًا على سيف الدولة، فينزع في وصف الممدوح بالكرم، إلى الاستعارة التصريحية، والاستعارة كما علمت مبنية على تناسي التشبيه، والمبالغة فيها أعظم، وأثرها في النفوس أبلغ.
أو يقول:
دعوت نداه دعوة فأجابنيوعلَّمني إحسانه كيف آمله
فيشبِّه ندى ممدوحه وإحسانه «بإنسان» ثم يحذف المشبه به، ويرمز إليه بشيء من لوازمه، وهذا ضرب آخر من ضروب المبالغة التي تُساق الاستعارة لأجلها.
أو يقول:
ومن قصد البحر استقل السواقيا
فيرسل العبارة كأنها مثل، ويصوِّر لك أنَّ من قصد ممدوحه استغنى عمَّن هو دونه، كما أنَّ قاصد البحر لا يأبه للجداول، فيعطيك استعارة تمثيلية لها روعة، وفيها جمال، وهي فوق ذلك تحمل برهانًا على صدق دعواه، وتؤيِّد الحال الذي يدَّعيها.
أو يقول:
ما زلت تتبع ما تُولي يدًا بيدحتى ظننت حياتي من أياديكا
فيعدل عن التشبيه والاستعارة إلى «المجاز المرسل» ويطلق كلمة «يد» ويريد بها النعمة؛ لأن اليد آلة النعم وسببها.
أو يقول:
أعاد يومك أيامي لنضرتهاواقتصَّ جودك من فقري وإعساري
فيسند الفعل إلى اليوم وإلى الجود على طريقة المجاز العقلي.
أو يقول:
ما جازَه جود ولا حلَّ دونهولكن يسير الجود حيث يسير
فيأتي بكناية عن نسبة الكرم إليه، بادِّعاء أن الجود يسير معه دائمًا؛ لأنه بدل أن يحكم بأنه كريم ادعى أن الكرم يسير معه أينما سار.
ولهذه الكناية من البلاغة، والتأثير في النفس، وحسن تصوير المعنى — فوق ما يجده السامع في غيرها من بعض ضروب الكلام.
فأنت ترى أنه من المستطاع التعبير عن وصف إنسان بالكرم بأربعة عشر أسلوبًا، كلٌّ له جماله، وحسنه، وبراعته، ولو نشاء لأتينا بأساليب كثيرة أخرى في هذا المعنى؛ فإن للشعراء ورجال الأدب افتتانًا وتوليدًا للأساليب والمعاني لا يكاد ينتهي إلى حد، ولو أردنا لأوردنا لك ما يقال من الأساليب المختلفة المناحي في صفات أخرى: كالشجاعة، والإباء، والحزم وغيرها، ولكنَّا لم نقصد إلى الإطالة، ونعتقد أنك عند قراءتك الشعر العربي والآثار الأدبية ستجد بنفسك هذا ظاهرًا، وستدهش للمدى البعيد الذي وصل إليه العقل الإنساني في التصوير البلاغي، والإبداع في صوغ الأساليب. (عن البلاغة الواضحة بتصرف)
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع